LOGINيوسف" قالتها مريم وتركت أشيائها تسقط من بين أصابعها ...ثم قفزت إلي أحضانه ...هل مازالت تحلم ...لقد قررت أمس أن سعادتها تكمن في القاهرة ...تكمن مع يوسف ..والآن ...الآن يوسف أمامها
أشتمت رائحته ...رائحة لم تعرف كم اشتاقت لها حتى فقدتها ...أبعدها غاضبا
"مريم ...توقفي ...أنا"
صرخت مريم فجأة: أمي هل هي بخير
يوسف: نعم ...نعم ...الجميع بخير لا تقلقين
"حمدا لله" قالتها وهي تمسك بيده وتجذبه إلي داخل المنزل ...غابت للحظات ثم أحضرت منشفة لتجفف به شعره ...أمسك المنشفة منه ومر بها علي رأسه مرة ثم أعطاها إياها وشكرها ...تمشي في المنزل متفحصا إياه ...كان منزلها صغيرا من طابقين ....في الأسفل تقبع صالة استقبال صغيرة ومطبخ صغيرة ودورة مياه للضيوف ...والطابق الثاني مكون من غرفة نوم وحمام كبير نوعا ما...كان منزلا صغيرا ولكنها أحبته نوعا ما فقد كان لها بمفردها
"هل تريد جولة بالمكان" قالتها له و هي تبتسم
يوسف مقطبا جبينه: ليس حقا ...أنا لم أتي لزيارة عائلية ...هلا تجلسين من فضلك
جلست مريم وقلبها يكاد يقفز فرحا
يوسف: هل أعطلك عن الذهاب إلي عملك أو شيئا ما
مريم: كلا الأمور بخير سأتصل بهم واخبرهم بمرضي أو شيئا كهذا
يوسف: حسنا ...
امسك بحقيبته ثم اخرج منها بعض الأوراق ...لاحظت انه فقد الكثير من وزنه ...وهناك سواد تحت عينيه ...كانت سعيدة لتواجدها معه ...ولكنها خائفة نوعا ما ...لماذا لم يصرخ في وجهها ...لماذا لم يسبها ويضربها ...لماذا يتعامل معها وكأن شيئا لم يكن
أخرج يوسف قلما وأعطاه لها ..ثم قال: أحتاج إلي بعض التوقيعات منك علي تلك الأوراق
أمسكت القلم ثم أمسكت الأوراق ونظرت إلي يوسف وقالت: عفوا ..ماذا
يوسف بنفاذ صبر: العقود ...وقعيها الآن
مريم: يوسف أنا حقا لا أفهم شيء
يوسف: نعم تحبين ممارسة الألعاب ...لقد نسيت
قالها يوسف وهو ينظر إلي مريم مبتسما ...نظرت له وهي لا تعرف ما الذي تقوله حقا ...أي ممارسة العاب ...أنه يوجه إهانة لها ولكنها نوعا ما لا تفهم مقصده
يوسف غاضبا: العقود لقد اتصلت بك منال أو صباح أو ...ماذا لم يتصل احد بك؟
مريم: كلا لا احد يتحدث معي منـ...منذ أن كنت في القاهرة
يوسف غاضبا: آه ...حقا ...حسنا ...لقد فعلهن ..لا أصدق هذا
وقف يوسف ودفع مقعدا بقدمه ...ثم سب بصوت مرتفع جعلها تجفل ...تساقطت دموعها في هدوء ...ألقي نظرة عليها ...ثم قال: حسنا ...الجميع يظن أني أحمق و...واني طفلا ...حسنا ...
ركل طاولة صغيرة ثم خرج من المنزل ....لم تعرف ماذا تفعل أو تقول..هي لا تفهم شيئا حقا تذكرت ما قاله عن كون منال وصباح تحدثوا معها ...لذلك أمسكت بهاتفها وقامت بالاتصال برقم صباح أولا ...مرت ثواني وهي تنتظر الصوت من الجهة الأخرى ..
" يوسف هنا ...ما..الذي ...يريده" خرج صوت مريم مرتعشا
صباح: من..مريم كيف حالك..آه يوسف..لم يقتلك أذن..حسنا هناك أمل
مريم والدموع تتساقط من عينيها: أمل في ماذا؟..لقد صرخ بوجهي وركل الأثاث و..و..قال أشياء
صباح: وهذا أقل مما تستحقيه
مريم: صباح توقفي ...ما الذي يريده ...لقد أعطاني بعض الأوراق ...و..
صباح وهي تضحك من الجهة الأخرى: آه ...حسنا...إنها قصة طويلة ...حسنا هناك قطعة أرض ملكا لجدك رحمة الله عليه ...وكان هناك الكثير من الخلافات عليها مع احد الجهات الحكومية التي كانت تستفيد من الأرض
مريم بنفاذ صبر: نعم ..نعم ...أعلم ...قطعة أرض الشرقية أعلم قصتها
صباح: حسنا ..لقد ربحنا القضية....ولكن في سبيل الحصول علي قطعة الأرض لابد للورثة أن يقوموا بالتوقيع علي بعض الأوراق
مريم: حسنا أنا لست من الورثة...فأمي مازالت حيـ
صباح ضاحكة: نعم ...نعم ...لقد ذهبنا أنا ومنال إلي محامي وقمنا بتجهيز الأوراق ...لقد باعت لكي نصيبها ...كي يضطر يوسف إلي الذهاب إليك بنفسه ولتوقعي العقود
مريم مبتسمة: حسنا ..يا شارلوك هولمز ....كان من الممكن أن يبعث لي الأوراق عن طريق البريد
صباح: نعم ...عزيزتي ..ولكنك تعرفين ...مصلحة البريد عادة ما تضيع الأشياء ...وتلك الأوراق مهمة ...ولان يوسف كان يتفق علي احد الصفقات في لندن ...لذلك قررت أمك المريضة التي لا تستطيع الذهاب إليك بتكليفه بمهمة أعطائك الأوراق
مريم: يا إلهي ..الآن أشفق عليه من كونه عاش معكم طوال حياته
صباح: آه عزيزتي ...لابد وان الشفقة تملؤك الآن علي يوسف
مريم: ماذا تقصدين
صباح بغضب: لو كان الأمر عائدا لي لقلت انه أفضل حالا بدونك ...ولكن منال..كما أن يوسف لا يستطيع العيش بدونك
مريم: و ماذا تريدين مني فعله الآن؟
صباح وقد عاد صوتها سعيدا بدون سبب واضح: حسنا ...وقعي الأوراق ثم تبعثيها بالبريد..أو...أو يمكنك الذهاب إلي الفندق وتعطيهم ليوسف بنفسك ....وربما تجثين علي ركبتيك وتتوسلين له ليسامحك
مريم: حسنا ...أين يمكث
اقتربت مريم من أحدي الطاولات وأمسكت بقلم وكتبت شيئا في ورقة ثم أمسكت العقود التي أعطاها يوسف إياها توا ...تفحصتها..لم تفهم أين توقع..لذلك قررت الذهاب إليه
وصلت إلي الفندق فذهبت إلي موظف الاستقبال وطلبت منه استدعاء يوسف إلي صالة الاستقبال..مرت دقائق..ثم ظهر..كان يرتدي بذلته الرمادية لطالما ناسبه هذا اللون..ذهبت إليه مسرعة
مريم: يوسف..أنا..لم أعـ
يوسف: ليس لدي وقت لتلك الألاعيب
قالها يوسف وهو يسرع خارج الفندق..أسرعت خلفه وهي تحاول التحدث معه ولكنه كان أسرع منها ...لم تستطع مجاراته ولذلك توقفت..رأته وهو يغادر ويستقل احدي السيارات ...أرادت الصراخ ولكنها تذكرت أين هي فعادت إلي منزلها وهي توشك علي البكاء
كانت تتصل به كل ثلاث دقائق....انتظرت اتصاله طوال اليوم ولكنه لم يفعل ...ذهبت مرة أخري للفندق ولكنه لم يكن قد عاد ...أنتهي اليوم وهي لم تراه ...صعدت إلي فراشها وهي تبكي حاولت النوم ولكن بدون فائدة...كانت تفكر في الذهاب إلي القاهرة وربما الاعتذار له ...الآن هو هنا ويبدوا كجبل ثلج أمامها ...لم تكن تعرف ما الذي يجب فعله...كيف تجعله يسامحها ....كيف تخبره أنها تحبه ...أنها نادمة حقا علي ما حدث ...وكيف تقوم باستمالته إليها مرة أخري ...كيف تجعلها ينسى الماضي ويتقبلها مرة أخري ...
لابد وإنها استغرقت في النوم ...استيقظت ونظرت إلي هاتفها ...كانت الساعة الرابعة فجرا ...حسنا لا بأس بضعة ساعات من النوم حتى وان كانت قليلة ولكنها كفيلة آلا تجعلها تبدوا كمومياء في اليوم التالي ....غادرت الفراش وتوجهت إلي دورة المياه ...استعدت لتواجه يومها ...تفحصت هاتفها ...يوسف لم يتصل بها ..أغلقته وانتظرت ...حسنا يبدوا إنها ستنتظر كثيرا فمازالت الساعة لم تتعدي السادسة صباحا بعد ...أمسكت هاتفها وقررت الاتصال بدرة ...أنها المرأة الوحيدة التي تعرفها وتتقن فن استخدام أنوثتها فتواجدها في أي مكان كفيل أن يجعل رؤوس الرجال تدار باتجاهها ..الآن هي تحتاج إلي خبرتها وإرشاداتها..بالطبع هي لم تتصل بها منذ أشهر ولكنها تعلم طبيعة درة ...ستسبها ببعض الألفاظ ثم ستضحك وتسامحها ...تسامحني ...لقد فعلت الكثير ...هل أستحق المسامحة ...اللعنة يا مريم ...الجميع يخطئ ...والجميع يستحق فرصة ثانية ...حتى وان لم تعطيها ليوسف...ولكن الأمر مختلف, علي الأقل سأحاول ..
أخذت هاتفها وقامت بالاتصال بدرة ...اللعنة تذكرت فرق التوقيت ...يا تري ما الوقت الآن في القاهرة ....مر بعض الوقت ودرة لا تجيب ...حاولت مريم مرة أخري ولكن دون فائدة ....استسلمت مريم للأمر الواقع درة لن تجيبها ...ليس الآن علي أيه حال ...أنطلق رنين الهاتف فجأة وكاد أن يسقط من يدها ...أمسكت الهاتف جيدا لتري من يتصل ...فسطع أسم يوسف أمامها ....ترددت هل تجيبه أم تعاقبه لما فعله بها أمس ...أجابت وانتظرت صوته ...ولكنه لم يتحدث
" يوسـ" قالتها مريم وهي ترتعش
يوسف بحزم: يمكنني مقابلتك الآن فلتحضري إلي الفندق في الساعة الثامنة
قالها وأغلق الهاتف...أمسكت بهاتفها وتأكدت انه أغلق من الجهة الأخرى....نظرت إلي الساعة كانت السادسة والنصف صباحا ...صعدت إلي الفراش مرة أخري وتكورت علي نفسها في وضعية الجنين وهي تفكر ...نصف ساعة أخري وتذهب إلي عملها ثم تنطلق لملاقاة يوسف ...لا يمكنها التغيب يومين متتاليين
***
دخلت مريم إلي صالة الاستقبال مرة أخري ..أستقبلها الموظف بابتسامة فطلبت منه أن يستدعي يوسف ...مرت نصف ساعة ومريم تنتظره ...لابد وانه يفعل هذا عن عمد ...قالتها مريم لنفسها ...انه يعرف كم أكره الانتظار ...مرت ربع ساعة أخري ثم ظهر يوسف ....كان منتفخ العينين يبدوا انه لم يحظى بنوم ليلة أمس....
مريم: كيف حالك
يوسف: بخير ...أين العقود؟
نظرت له مريم ثم أخرجت الأوراق من حقيبتها قائلة: أنا لا أعرف أين أوقع ..لـ
أمسك يوسف الأوراق بغضب وقال: الأمر ليس صعبا إلي هذا الحد
أبعد مزهرية عن احدي الطاولات وأمسك بالأوراق ...وأشار لها لتوقع في أماكن محددة
يوسف: هل تملكين قلما علي الأقل
نظرت مريم في حقيبتها وبدأت البحث ...لم ينتظرها وذهب غاضبا إلي موظف الاستقبال ...أحضر القلم و وضعه بعنف أمامها تناولته وهي ترتعش ثم قامت بتوقيع أسمها ...اخذ الورقة الأولي ...ثم طلب منها التوقيع في بضعة أماكن أخري ...انتهت من التوقيع فأخذ الأوراق وهم بالرحيل
مريم: يوسف توقف من فضلك ..أنا أريد التحدث معك
يوسف: الآن تريدين التحدث
مريم: أنا آسفة حقا ...كل ما أريده هـ..
يوسف غاضبا: نعم ما الذي تريدينه يا مريم ...ما الذي تريدينه حقا
مريم ودموعها تتساقط: الآن أريدك أن تمنحني فرصة التحدث ...أن أشرح لك أسبابي ...أن تعطـيني فرصة ثانية
يوسف: مثلما أعطيتني
مريم وهي تمسح دموعها: حسنا ...علي الأقل أنا أعطيتك فرصة للتحدث ...أسمعني مثلما فعلت ...سامحني أو لا تسامحني الأمر عائد لك في النهاية
يوسف: نعم ...أفعل مثلما فعلتي ...حسنا ...انتظريني هنا ...سأذهب لأنهي بعض الأعمال ثم أتي لملاقاتك ونتحدث ...لما لا تنتظريني عند حمام السباحة
أشار لها يوسف فتوجهت إليه متثاقلة ....ثم جلست علي مقعد تحت احدي المظلات ...جففت دموعها ثم بدأت في ترتيب أفكارها ...ما الذي تقوله أولا ..إنها آسفة ...أم أنها ما تزال تحبه ...أم إنها حمقاء ...لم تعرف من أين تبدأ ...ربما تبدأ بقول أنها كانت تظنه لا يخطئ...ولذلك عندما فعل...غضبت من نفسها أولا... كانت تحتاج إلي وقت للتفكير وليس للابتعاد عنه ...نعم ستخبره بهذا ربما تمسك يديه وتبكي وتعترف بحبها
لم تعرف كم مر من الوقت ولكنه استغرق وقتا ...نظرت إلي هاتفها ...حسنا ستعطيه ربع ساعة آخري ثم تتوجه إلي موظف الاستقبال ليدلها إلي غرفته..مرت نصف ساعة وهي تنتظر ثم ربع ساعة آخري..عندها قررت ستذهب لتري ما يؤخره ...ذهبت إلي موظف الاستقبال...نظر الموظف في الشاشة أمامه ثم اخبرها ..انه أغلق حسابه توا ورحل منذ عشرة دقائق متجها إلي المطار ...نظرت للموظف وهي توشك علي فقدان وعيها ...حاولت التنفس ولكنها لم تستطع ...شعرت وأن العالم كله يلتف حولها ...مشت وهي تترنح حتى خرجت من الفندق ...استسلمت ووقعت علي الأرض بجانب احد المحال ثم بدأت في البكاء الهستيري ...لقد فعل ما فعلته هي بالضبط ...لقد تركها تنتظره و رحل
***************
مر أسبوع ومريم تحاول الاتصال به ولكنه لم يجيبها ...في النهاية لابد وانه وضع أسمها في القائمة السوداء ...الآن كلما اتصلت وجدت هاتفه مشغول ...الأيام تبدوا متشابهة تستيقظ صباحا لتذهب إلي عملها علي مضض ثم تعود لتتقلب في الفراش طوال اليوم ...الجميع لاحظ أدائها المتدني ...لم تعد تهتم بالعمل ...أصبحت لا تهتم بمظهرها..لم تعد تأكل أو تشرب كما يجب..أصبحت تهمل حتى الحياة ...و كان أسوء شعور يلازمها أنها تستحق ذلك حقا ...لم يفعل يوسف أكثر مما فعلت هي ...ولكن ...ولكن علي الأقل هي أعطته فرصة ليشرح موقفه ...الأمر الذي لم تعد تتحمله حقا ..هو كون يوسف يكرهها الآن ...أو أسوء لا يأبه بها ...لقد كان دائما يراعي مشاعرها حتى في غضبه ...مشاجراتهم الدائمة كانت تنبع من اهتمامه بها الزائد عن الحد, هي كانت تشعر بذلك أما الآن فهو ببساطة لا يهتم لأمرها
بعد أسبوعين تلقت مريم مكالمة من صباح ...كان صوتها حزينا ....أخبرتها أن يوسف قد تقدم بخطبة أحدي الفتيات وسيقوم بعمل حفلة خطبته غدا...طلبت منها صباح النزول فورا إلي القاهرة والتحدث معه...ولكنها كانت تعرف ...لقد فقدته ...ولكن في محاولة أخيرة ...قامت بالاتصال به من هاتف في مقر عملها..لن يعرف من المتصل..رن جرس الهاتف ثم جاء صوته
مريم: يوسف ...انه أنا مريم
خرج صوت مريم مرتعشا ....مرت لحظات وهو لا يجيبها ثم قال: ماذا تريدين
مريم: لقد أخبرتني صباح عن
يوسف: نعم ...اعلم ....لقد أخبرتني أنها قالت لك ...حسنا ..كيف أخدمك
تساقطت دموعها وهي تحاول أن تجد كلمات ترد بها: يوسـ...أنا...أريد أن أقول ...مباركا لك
يوسف: شكرا
قالها وأغلق الهاتف..انهارت مرة آخري..لما لا يعطها فرصة للتحدث..لم تكن الكلمات يوما مركز قوتها ...كانت تريد قول شيء ولكنه يخرج بطريقة أخري ليفسد الأمور عليها ...الآن هو لن يصير لها أبدا
***
يوم أخر في العمل ..جالسة أمام شاشة الحاسوب تطبع بعض الأحرف علي الكي بورد ...عندما أقترب منها مديرها ...السيد ريتشارد ...أبتسم الرجل عندما نظرت له ثم وقف بجانبها لم يتحدث
مريم: هل الأمور بخير
السيد ريتشارد: كلا يا مريم ...يؤسفني أخبارك أن الأمور أصبحت سيئة حقا
تركت مريم ما كانت تفعله ونظرت إلي مديرها
السيد ريتشارد: هل يمكنك أن تأتي معي إلي مكتبي يا عزيزتي
نهضت مريم واتبعت مديرها إلي مكتبه ...كان زملائها في العمل يرمقونها بتلك النظرات ...نظرات جعلت مريم تشك أنها ترتدي زيي مهرج الآن وتمسك بسكين ملطخ بالدماء...فتح لها السيد ريتشارد الباب لتمر قبله ولكن لم يفتها أن تري انعكاسها في الباب لتطمئن أنها لا ترتدي زيي مهرج
جلست مريم أمامه وقد اغرورقت عينيها بالدموع ...
اللعنة ..قالتها مريم لنفسها والسيد ريتشارد مازال يتحدث ...لقد أفسدت الأمور حقا ...سأكون محظوظة إن قاموا بطردي فقط بدون أن يقاضوني
مرت نصف ساعة والسيد ريتشارد يتحدث ومريم تبكي ...لقد سألها أكثر من مرة عن سبب انحدار مستواها في العمل ...عن سبب إهمالها لمظهرها وفقدانها لوزنها الملحوظ ...لقد مر علي مكالمتها الأخيرة مع يوسف أكثر من شهر الآن ...شهر وهي لم تتحدث مع احد ...ربما الشيء الايجابي الوحيد أن الجميع يتصل بها الآن...أمها ...صباح ...درة ...وحتى آمال تتحدث معها ...الآن بعد فوات الأوان ...الآن هي لا تريد التحدث مع احد ...لا تريد من أحد أن يطلب المحاولة مرة أخري مع يوسف ...لا تريد من احد أن ينقل أخباره لها ...لا تريد من احد أن يصف لها خطيبته الجديدة وكيف تبدوا ...لا تريد من احد أن يذكر أسمه أمامها
انتهي السيد ريتشارد من الحديث ثم قامت مريم وخلعت الشارة التي ترتاديها ...الآن هي مطرودة بشكل رسمي..لا يمكن لشركة الاحتفاظ بها بعد هذا الخطأ, لقد قامت بإفساد تعاقد مع شركة أخري بملايين الجنيهات ...إنها محظوظة حقا ..لن يقوموا بمقاضاتها ...ولكنهم لن يقوموا كذلك بإعطائها مالها ...حتى عن تلك الصفقات التي نجحت في إبرامها فيما مضي ...حسنا ...وقتها انتهي في المدينة الضبابية ....ستجر أذيال الخيبة خلفها وتعود إلي القاهرة الآن
***
جلست في مطار القاهرة تنتظر ظهور حقائبها مرت ساعتين والجميع يبحث ...اللعنة ..رأت احد العمال فذهبت مسرعة إليه تسأله عنها...ولكنه أجابها بالنفي ...لم تكن تحمل معها في الطائرة إلا حقيبة صغيرة بها بعض الملابس وبعض الأوراق الخاصة بها ..الآن هي فقدت جميع حقائبها ولا تعرف أين الخطأ من هناك أم من هنا ...
أنهت معاملتها الورقية ...في حالة وجود حقائبها ...أن وجدوها ...ستذهب مباشرة إلي فيلا المعادي ...نظرت في هاتفها لتعرف كم الساعة ...إنها الحادية عشر ...لابد وان يوسف في العمل الآن ...بتلك الطريقة ستقابل أمها وتتحدث معها ...لقد اشتاقت لها حقا ...يمكنها أن تأخذ مفتاح شقة الزيتون وتتوجه إليه ...هي لا تريد رؤيته ...فكرت بالاتصال بهم وأخبارهم بعودتها وتطلب منهم عدم إخباره..ولكنها كانت تعرف ...كانت تعرف أنهم يحاولون جمعهم معا ...ولذلك تخلت عن تلك الفكرة ...
توقفت سيارة الأجرة أمام الفيلا وترجلت منها..رنت جرس البوابة ...ليظهر لها رجلا ما ...كانت أول مرة تراه
الرجل: من تريدين يا آنسة
مريم: أنا مريم ...أسكن هنا ...اعني كنت أسكن هنا ...أنا ابنة السيدة منال ...لقد جئت توا من الخارج و...
الرجل: نعم ...نعم ...لقد سمعتهم يذكرون أسمك مرة أو مرتين
ابتسمت مريم للرجل وهو يفتح البوابة ليدخلها ....ثم توقفت فجأة وقالت: عفوا ...ولكن أين عم سليم
الرجل: عم ..من ...
مريم: البـ
الرجل: نعم ..نعم ...الحارس العجوز ...لقد توفي منذ بعض الوقت الآن
صدمت مريم ...لما لم يخبرها أحد ...هذا الرجل كان يعمل مع خالها منذ وقتا طويل ...وعندما خرج علي سن المعاش ...أتي به ليعمل كحارس للفيلا ...ها هو شيء أخر يرحل
نظرت مريم حولها لتجد أن هناك بعض الألواح الخشبية تقبع في الحديقة والكثير من مواد البناء ...هل ينوي يوسف تغيير شيء في الفيلا ...اقتربت من باب المنزل ورنت الجرس ثم وقفت تنتظر من يفتح لها ...لاحظت علي الجهة الأخرى الكثير من القرميد الأحمر ...حسنا انه ينوي بناء شيء ما
فتح الباب فجأة ونظرت مريم إلي الداخل ولكنها لم تجد أحد ...أحدهم فتح لها الباب ورحل, همت بالدخول ولكنها وجدت أمامها يوسف..كان يتحدث في الهاتف مع شخصا ما ...أنزل الهاتف ونظر لها و هم قول شيء ولكنه توقف..ثم أكمل مكالمته وأبتعد ولكنه أشار لها بالدخول ...أشارة تعطيها لعامل الدليفري وهو يحضر لك البيتزا خاصتك..دخلت مريم إلي المكان الذي هربت منه مسرعة منذ بضعة شهور...كانت تشعر بالاختناق وقتها ...أما الآن ..فالأمر يختلف ...هناك نوعا ما من الحنين إلي هذا المكان ...ربما في النهاية هي لا تستحقه ...يجب أن يمضي كلا منه في طريقه ...أغلق يوسف هاتفه ثم تقدم إلي ها قائلا: حسنا من أخبرك
مريم: اخبرني بماذا
يوسف بنفاذ صبر: حقا..هل هي صباح..أم الحمقاء درة..لقد أمرتهم آلا يخبرونك..أنها وعكة بسيطة..لا تستلزم نزولك إلي مصر وترك أعمالك المهمة بالخارج ...كيف هي أعمالك علي أيه حال
مريم: أين أمي
يوسف: في غرفتها
تركت مريم حقيبتها وأسرعت لغرفتها...أي وعكة صحية يتحدث عنها...ما بها ولما لم يخبرني أحد ..انه يظن أنني هنا بسبب وعكة أمي الصحية وليس بسبب طردي من العمل ...
فتحت باب غرفة أمها لتجدها نائمة علي فراشها وبجانبها ممرضة تجلس تتفحص هاتفها..همت المرأة بالتحدث ولكن يوسف من خلفها أمرها بالخروج ...اقتربت من جسد أمها وحاولت النطق باسمها ولكن صوتها لم يخرج ...تساقطت دموعها فقط ...أقترب يوسف وهمس لها: حسنا ...لا تتغابي الآن وتسقطي مريضة أنت الأخرى فانا لن أتكفل بك ثانية ...أمك بخير ...لقد نست أخذ دوائها ليس أكثر ...أمسحي دموعك وقابليها بابتسامة مزيفة كالتي اعتادي أعطائها للجميع
ألقي تلك الكلمات ثم أقترب من منال وأوقظها بحنان ...فتحت عينيها ببطء....ساعدها علي الاعتدال ثم قال: انظري من قرر زيارتك اليوم ...
اقتربت مريم من أمها وجلست بجانبها لتقبلها ...صرخت منال وبدأت في البكاء وكذلك فعلت مريم ....قرر يوسف أن يترك كلتاهما ....أغلق الباب خلفه وهو يتوعد بأن يقتل صباح أو درة أو أي شخص أخبر مريم عن وعكة منال الصحية وكان سببا في عودتها
نظرت مريم إلي انعكاسها في المرآة الضخمة المثبتة علي الحائط ...أنعاكسها وهي تضع رأسها علي صدره...لقد تزوجا منذ بضعة أسابيع الآن...رفعت رأسها تنظر له ..كان يغط في نوم عميق.. عادت لتضع رأسها علي صدره وهي تتذكر ما حدث منذ زفافهم ...نطق القاضي بالحكم أخيرا سيمكث حسام لستة أعوام في السجن أما جثة صفاء مازالت لغزا يؤرق الجميع, كل هذا بالإضافة إلي تصرفات يوسف الغريبة ...لقد أصبح يغيب عن المنزل كثيرا..يتحدث في الهاتف بصوت منخفض و إن مرت من أمامه يغلق الهاتف سريعا...كما أنه شارد الذهن طوال الوقت...لو لم تكن متأكدة من حبه لها لقالت انه علي علاقة بامرأة ولكن كلا ..الأمر أخطر ..الأمر له علاقة بصفاء ..هي متأكدة من هذا...لقد سألته بالطبع عنها ولكنه لم يجيب ...كما سألته عن الطابق أسفل عش الزوجية ..الطابق المغلق ...بالطبع أبتسم ثم غير الموضوع ..لا تعرف كيف ولكنه حول الأمر إلي مزحة ...كونها أصبحت زوجة مصرية ..تغار علي زوجها ...بالطبع عرفت مريم انه يخفي شيئا ما تقلب يوسف فجأة فأغلقت عينيها ...اعتدلت هي الأخرى لأنها كانت تضع رأسها علي صدره ...ثم وضع رأسه بجانب رأسها وقال بصوت ناعس: لما أنت مستيقظة فتحت
"أنتهي كل شيء" هكذا قال الجميع ..الكابوس انتهي ..فهل يتبدد خوفها كذلك ..لقد أصبح خوفها مرضي ..لا يتبع سببا معينا هي فقد خائفة من كل شيء حولها ...وربما خوفها الأكبر الآن من يوسف ..يوسف الذي أصبح صامتا طوال الوقت, متعبا طوال الوقت غاضبا أغلب الوقت والأهم من ذلك أنه مازال يتجنبها, كانت تظن أن تلك المحنة ستجمعهم معا من جديد ولكن هيهات ربما كان شعورها الأسوأ هو انتظار المصيبة وليس وقوعها ..احمد لن يتراجع أنه عنيد ..يشبه يوسف كثيرا في تلك الصفة وهذا أسوأ شيء يمكن أن يحدث أن تنتظر اقتحام الشرطة للفيلا واقتياد يوسف إلي السجن .. ولكنها تعرفه من المستحيل أن يأخذ روح إنسان أن أحمد لمجنون فهناك دائما هذا الخط الخفي الذي لا يتعداه أبدا ..مهما كان جنونه أو غضبه ..ولكن رغم ذلك الجميع يشير له بأصابع الاتهام ..حتى جمانة صارحتني في عزاء أمها أنها تشك به وطلبت أن أخبرها بمكانه وقت غرق صفاء ..خمنت مريم أنها مدفوعة من قبل أحمد فهو ذكي بالطبع لم يستطع اختراق حصونها فليباشر بأفراد العائلة واحدا تلو الآخر***هل يمكننا التحدث أنا متعب يوسف من فضلك ..علينا التحدثقالتها مريم وهي تقف في منتصف الدرج تمنعه م
غابت صباح لبعض الوقت في غرفة مريم ثم خرجت مبتسمة أذن سيمر الأمر علي ما يرام ...هكذا فكر يوسف وهو يراقب عمته التي تحولت ملامحها وكشرت عن أنيابها وهي تقترب منه لتغلق باب الغرفة وتبدأ المعركة صباح: هل جننت ...أنا لن أسمح بتلك الأفعال ..كلا لن أسمح أن تحولها لعاهرة يوسف غاضبا: هل جننت ..أنا ..أنا صباح صارخة: أنت ماذا ..تحبها ..أبشع وأقذر الجرائم ارتكبت باسم الحب ..لذلك أبتعد عنها يوسف: أنت تعلمين سأتزوجها في النهاية صباح: حتى هذه النهاية أبتعد عنهاهمت بالمغادرة حتى أوقفها قائلا: هل أخبرتها بشيء يضايقها نظرت له طويلا وشعرت بالحسرة فهو يحبها حقا: كلا لم اخبرها بشيء يضايقها ولكن المرة القادمة التي أجدكم معا سأضربها علي وجهها...لذلك أحذر مني أسرعت في الخروج وتراخي جسده علي أقرب مقعد ...اللعنة..كيف يقنعها بالزواج منه ..أن ضغط عليها ربما ترحل أو الأسوأ توافق في البداية ثم تكرهه بعد ذلك ..وهل هي تحبه أصلا ..أم أنها حقا تراه مجرد صديق *** أمسكت مريم ساقها ثم صرخت من الألم .. الغرفة مظلمة ولا تستطيع رؤية شيء ولكنها تشعر بوجود أحدا ما معها, ينبئها صوت احتكاك المعدن الثقيل علي أرضية الغر
نزل سريعا إلي الأسفل ليجد سلمي تساعد النساء في المطبخ, ناداها ثم أمسك بذراعها وقادها إلي الخارج أبعدت سلمي يده في غضب قائلة: هل جننت! ما بك؟يوسف: سلمي, ماذا جاء بك الآن؟ أنا لم أسمع منك منذ..أنت تعرفين..ولكن الآن..أنت هنا! أمسكت سلمي ذراعها..لابد أن يوسف آلمها..أو ربما هي تدعي...سلمي: كنت أحترم حزنك علي عمتك و مريم و..حسنا..أنا لم أشأ..أن..أنت تعرف..أقصد أنا أعرف انك تحب مريم ..وامسك يوسف برأسه وأبتعد قليلا عنها ثم أسند جسده علي الحائط وقال: حسنا..أنا..أحبها..أنت تعرفين ذلك..فلما أنت هنا؟؟؟همت سلمي بالكلام ولكنها توقفت..كأنها لا تعرف ما الذي يجب قوله ثم قالت أخيرا: حسنا ..ظننت أنك..سـيوسف: ماذا...سأحتفظ بك ..بجانبها...أنت لا تعرفين مريم ...سلمي: كان يجب أن أحاوليوسف: أنا أسف...يمكنك الاحتفاظ بكل شيء...و...ويجب أن تعرفي أنا حاولت حقا...حاولت أن أنساها وأبدأ معك حياة جديدة ..ولـ..ولكن .. هزت سلمي رأسها سريعا وقالت: نعم أعرف ..إنها ..كل شيء قالت تلك الكلمات ثم دلفت إلي الداخل ..غابت لدقائق ثم خرجت دون إلقاء التحية..لم تكن تبكي ..أو أي شيء..أنها قوية..أو ربما هي لم تحبه قط ...ال
جلس وحيدا في مكتبه المظلم ...جميع الموظفين قد رحلوا وتركوه وحيدا...الآن سيعود إلي المنزل...المنزل الفارغ..لا يريد أن يذهب ...لا يريد أن يغادر المكتب ومع ذلك لا يريد أن يجلس به وحيدا...الجميع رحل...هذا ما كنت تخشاه... منال ماتت ....آمال عادت إلي منزل عائلتها...صباح أخذت الفتاتين لتمكث مع عمه علاءمنال ماتت....تذكر هذا وبدأ في البكاء ....مر شهرين منذ اختفاء مريم و خمسة أسابيع منذ وفاة عمته منال...الآن الجميع رحل...لا يريد الذهاب إلي المنزل الخاوي ولكنه لا يريد البقاء هنا ...مشكلة لا يعرف كيف يمكن حلها....مريم هي حلها الوحيد إن كانت ما تزال حية ...فحص الجثة أثبت إنها ليست مريم ..ولكن أين مريم..لا احد يعرف...ولا أحد يبحث ...من السهل أن تجد الشخص المفقود في أول ثمان وأربعون ساعة علي الاختفاء..بعد ذلك يصعب إيجادهم ...معلومات أخبره بها المقدم محمود الذي يقود مجموعة من الرجال للبحث عنها هل يجب أن يعتاد علي رحيلها..هل يجب أن يسلم به...فكرة أن يقود سيارته بسرعة جنونية ويصطدم بشجرة وينهي حياته تراوده منذ فترة..انه يعلم إنها ألاعيب الشيطان ...ولكن بعيدا عن كل ذلك ...هو يريد الرحيل حقا...الشيء
أنتهى يوسف أخيرا من كتابة قائمة بكل موظفيه, سيقوم الآن بعمل حصر لكل من كان له صلة بالمشروع الذي احترق علي بكرة أبيه, نظر للساعة, كانت قد تعدت الواحدة بعد منتصف الليل, مريم لم تعد بعد, حسنا منال لم تكن تقول تلك الكلمات من فراغ.. يجب عليها الالتزام بالأصول والأعراف... سمع باب الفيلا يفتح ببطء..قام سريعا ليجد مريم تدخل إلي المنزل وتمسك حذاءها بيد واليد الأخرى تغلق الباب يوسف: آه لقد عدتي..أخيراجفلت مريم وأسقطت حذاءها والمفاتيح..."اللعنة" قالتها مريم وهي تجثوا علي ركبتها وتلملم أشيائها المبعثرة مريم: حسنا ..لقد أخبرت أمي أني سأتأخر...لذلكقالتها وهمت بالابتعاد عنه ...عندها تقدم يوسف منها وامسك بذراعها وقام بجرها إلي المكتب...أبعدت مريم ذراعه بعنف وقالت غاضبة: توقف عن معاملتي بتلك الطريقة ..أنا متعبة وأريد أن أستريح يوسف: حسنا ..كان يجب عليك العودة مبكرا أذن مريم: ليس لك شأن متى أعود ..لقد كنت مع درة وزوجها ..لذلكهمت مريم بالابتعاد ولكن يوسف أمسك بها وقال: أريد التحدث معك في أمر هام مرة آخري تبعد مريم يده بعنف قائلة: حسنا ..أنا متعبة..فلنتحدث غدايوسف: لن أكون موجودا غدام







