LOGINطالعت هديل الثنائي بقلب خائف وأعين متوترة زائغة، استدرك ماجد الموقف العصيب الذي هو بصدده الآن، ابتلع ريقه بصعوبة، حاول استجماع شجاعته وبفطنة كاذب محترف صاح قائلا بثبات ظاهري:
- ألف مبروك يا عريس، مش هتقولي إتفضل ولا إيه؟ دا أنا حتى جاي بنفسي أباركلك! تعرقت هديل وانسحبت الكلمات من فمها هاربة لتتركها في مواجهة ما يحدث وحدها، أجابه أكرم قائلًا بحدة: - إنت بتعمل إيه هنا؟ إنت غير مرحب بيك بالمره يلا اتفضل من غير مطرود ومتفكرش تيجي هنا تاني. كاد ماجد أن يقذفه بقذائف حارقة من مدفع لسانه الذي لا يرحم، أوقفته هديل بقولها المفاجئ: - أنا اللي قولتله يجي وأنا اللي حابه وجوده لكن إنت اللي مش لازم تكون موجود جمبي يا أكرم! إلتف أكرم إليها بذهول، راح يطالعها بغضب شديد، لم تكف هي عن التحدث بتلك الطريقة المهينة، إقتربت منه لتزيد إشعال نيران غضبه ليلقي عليها يمين الطلاق وهو في أوج غضبه منها، أرادت أن تكون تلك الفرصة طوق النجاة من زواجها منه ولم تكترث لمشاعره التي دهستها تحت أقدامها! لم يتمالك أعصابه أمامها أكثر فأعطاها كفًا قويًا أدمى شفتيها ثم أمسكها من ذراعها بقوة وذهب بها إلى غرفتها مغلقْا بابها من الخارج عليها، عاد بسرعة إلى الشيطان الذي يشاهد ما يحدث بشماتة كبيرة! صرخ أكرم بوجه ماجد محذرًا إياه بعدم الإقتراب من زوجته مرة أخرى وإلا قتله دون أن يرف له جفن، عانده الآخر ببرود أعصابه وكلماته المستفزة مما جعل أكرم يلكمه لكمات قوية متتابعة، فما كان من ماجد إلا أن يرد عليه بلكمات أشد، تيقنت هديل من صراخهمت وصوت تكسير الأشياء من حولهم أنهم يوسعون بعضهم ضربًا فراحت تضرب الباب بيديها وقدميها صارخة في محاولةٍ منها للخروج وفض النزاع! تدخل بعض الجيران لفصلهما عن بعضهما ومحاولة تهدئة الأمر بعدما وصلت أصواتهما العالية لأكثر من شقة مجاورة، نجحوا بالفعل من إخراج ماجد من الشقة وتغيير الوضع السئ بينهما لكن لم تكف ألسنتهم عن التساؤلات والثرثرة حول أمر الثلاثي حينما تطايرت بعض الكلمات من افواههما وهما يتشاجران حول هديل العروس الجديدة لتصبح علكة بفم نساء البناية بسبب تلك الليلة التي لم ينتهي أثرها بين أكرم وهديل! معاملة أكرم السيئة لها تزداد كل دقيقة حتى أنها استوعبت الفرق بينه الآن وبين نسخته القديمة الحنونة التي وبرغم معاملتها المهينة له ألا وأنه كان يحتويها ويحاول أن يكرمها ويطيب معشرها. بعد مرور بضعة أيام على تلك الليلة، كانت تجلس في غرفتها كعادتها فوجدته يدخل إليها الغرفة وشظايا الغضب تتطاير من عينيه، خطف منها الهاتف عنوة، صرخ قائلًا بتهديد: - هاتي تليفونك دا، خليني أشوف لسه بتكلميه ولا لا. بالفعل وجد مكالمات بينهما، جن جنونه، صرخ بغضب هادر: - وبتقوليلي إن أنا اللي معنديش كرامة! أمال إنتي تكوني إيه؟ إتفضلي شوفي كلامه عنك يا هانم أمام كل صحابه واللي منهم كنت أنا! قالها وهو يناولها هاتفه لتجد محادثات مصورة لحديثها معه وصوراً عديدة لها كنوع من التفاخر من ماجد بمعرفته بتلك الفتاة الجميلة التي تذوب به عشقاً، وجدت مكالماتها الصوتية معه أصبحت مشاعاً لرفاقه الذين لم يتوانى أحد منهم في تفخيم ذلك الماجد المحظوظ! الوحيد من ثار وغضب كان أكرم الذي ما أن تبين لهديل شهامته ونخوته على النقيض بالنسبة لحبيبها المخادع حتى صرخت بهتيستريا إلى أن غابت عن الوعي. لم يستطع إفاقتها بأي شكل، ركض محضراً طبيباّ بأقصى سرعته، أخبره الأخير أنها تعاني من إنهيار عصبي، نصحه بمحاولة الذهاب بها إلى أي مكان آخر حتى يتسنى لها الخروج من دائرة المرض النفسي. بسرعة قصوى راح أكرم يدس الثياب بالحقيبة، بدل لها ملابسها، مشط شعرها بندم ومقلتيها تذرفان من الدمع أحره، هتف متأسفاّ: - كان لازم أحميكي منه، مكنتش أقدر أسيبك تضيعي نفسك مع إنسان زي دا، أنا هعمل المستحيل عشان ترجعي أفضل من الأول. لم تفعل أي رد فعل، لم تنطق بحرف واحد، كانت تنظر أمامها بجمود وعيناها تخبر الناظر إليها بأنها خالية من الحياة! أجلسها بجواره على مقعد السيارة، ظل يتحدث إليها حتى نامت كالأطفال، برفق وصوت هادئ حنون غمغم قائلا عندما وصلا إلى المكان: - هديل؛ وصلنا يا حبيبتي المكان هيعجبك أوي أنا واثق إنك هتحبيه. ظلت على نظراتها الجامدة، لم يثر فضولها حتى أن تطالع المكان، حملها بين يديه ليصل بها إلى المسئولة عن تنظيم المخيم! جلبها أكرم لأفضل الأماكن لقلبه؛ سيطر حب التخييم على عقله منذ أن كان يافعاً، خصيصاً أماكن التخييم القريبة من الأنهار أو البحار، إستقبلته "حور" المسئولة عن تنسيق الرحلات ومتطلبات المستكشفين بصدر رحب، رأته يحملها بين أحضانه بخوف وقلق، أزعجها شعور داخلي لكونها تقف أمامه برسمية بينما يحمل أخرى مقرباً إياها لجسده وقلبه! سنوات ضاعت بحبه منذ أن تعرفت عليه وهي واقعة بغرامه لكنها تعاني من تجاهله لها التي لم تعلم حتى الآن متعمد أم غير مقصود! غمغم أكرم بصوت حزين: -إزيك يا حور يارب تكوني بخير، أنا هسيب معاكي هديل شويه عايز أجهز لها الخيمة بنفسي، مش عايز حد من اللي معاكي يتدخل في حاجه تخصها خالص أنا هعملها كل حاجه بإيدي. وقعت كلماته التي تحمل كل معاني الإهتمام والحب لغيرها على صدرها كجبل يمتد طوله للسماء، حاولت أن تخرج صوتها طبيعياً لترد على قاتل قلبها، ترددت كثيرا قبل أن تهم بإجابته بحدة وهي تمسح عينها بقوة مستعارة: -أه طبعاً زي ما تحب ومتخافش عليها في الحفظ والصون أنا هسيب كل حاجه وأقعد معاها لحد ما ترجع. =إنتي كويسه؟ أنا حاسس إنك مش بخير النهارده! - لا لا أنا كويسه بس مجهدة شوية وحاسه إن في تراب دخل في عيني متقلقش إنت بس على زوجتك وزي ما إتفقنا على التليفون بإذن الله هتخرجوا من هنا بأفضل حال. شرع أكرم في تزيين الخيمة الخاصة بهما من الداخل حتى أضحت وكأنها إحتفالاً خاصاً بعيد الحب، زينت البالونات الحمراء أنحاء الخيمة وانتصفها دمية صغيرة نسخة مصغرة من هديل؛ جميلة بيضاء بعينان زروقاويين، شفاه كرزية اللون، شعر اشتد سواده ليكون كليل حالك السواد تزينه نجوم لامعة! يتدلى من سقف الخيمة القماشي ورقة معلقة بنظام، كُتب بها كلمة واحدة "آسف" نجحت حور بجذب انتباه هديل عندما أجلستها أمام البحر، داعب نسيم الهواء النقي رئتيها، تنفست بعمق مستمتعة بذاك المنظر الذي يسحب طاقتها السلبية ليبدلها بسلام نفسي، هتف أحدهم منادياً حور على عجالة فلبت الأخيرة النداء بعد أن استأذنت هديل على وعد منها بالعودة سريعاً. سبحت هديل بعالم الذكريات التي جمعتها بحبها الأول ماجد، تذكرت أول لقاء بينهما كيف بدأ وكيف انتهى. دق قلبها بعنف مميت عندما تيقنت أن كل ما عايشته معه كان خدعة كبيرة، كاد عقلها أن يطير من مكانه من الفكرة نفسها، هل أصبح ماجد عدواً يجب القصاص منه بعدما كان صديقا، حبيبا، أبا، أخا وكل شئ قد يُطلق على رجل بلسان امرأة عاشقة! تساقطت عبراتها دون أن تشعر بها، بكت كأنها لم تبكي من قبل، ضجيج أفكارها يصرخ قائلا بلهفة وشوق يتمردان على قلبها الذي اكتشف حقيقة ساكنه الكاذبة: "أصبحتَ ماضي وما تبقي لي منك سوى الرماد فما أقبح حاضر لا يجمعني بك فيه شيئا إلا الذكريات، أنتظر عودتك كل ليلة، ينقسم قلبي كلما تذكرت أنك أصبحت من المحرمات، ويح على قلبي الذي يقتلني شوقاً إليك ولا يعرف بدونك كيف يكون الثبات" ارتفع صوت نحيبها ليخترق أذنيَ أكرم الذي ركض إليها متلهفاّ، احتضنها بخوف، طبطب على كتفيها وهي بين أحضانه، استسلمت له، تمسكت به بقوة جعلته يغدقها من حنانه أكثر، جعلها تنظر إليه، مسح عينيها بكفيه، هتف بتصميم: - هتنسي وهتكوني كويسه أوعدك، مش ذنبك إنك كنتي مخلصة وحقيقية، إوعي تلومي نفسك. رأته حور من بعيد وهو يحتضن هديل بقوة وكأنها ستموت بعد لحظة! صرخ قلبها متألماً، كاد لسانها أن يعقبه بالصراخ، حاولت أن تتماسك وفكرت بأن تعتذر للخروج من المخيم حتى يرحلا، لم تعد تحتمل نيران الغيرة الحارقة التي تنهش بدماء قلبها كلما رأته بقربها! فرت دمعة هاربة من مقلتها، جاهدت حتى تعود لثباتها، اقتربت منهما، هتفت بصوت مهزوز: - إنتوا كويسين؟ في حاجه حصلت يا أكرم؟ إلتفت بحدة لينظر إليها، ترك هديل برفق قبل أن يوجه جسده كاملاً تجاه حور، هتف بصوت مرتفع: - هو أنا مش قولتلك تخلي بالك منها؟ إزاي تمشي وتسبيها لوحدها كدا! هنتحاسب بعدين يا حور مش ممكن أعديلك الموقف دا بالساهل أبدا. لم تقوى على تحرير كلمة واحدة، شعرت أن لسانها قد فقد قدرته على النطق برغم ثرثرة قلبها الثائر منه وعليه! "فبرغم صمتي وثباتي أمامك إلّا أن قلبي يثرثر بلا هوادة عندما يراك" إنتهى من توبيخها ثم إتجه إلى الخيمة حاملاً هديل إلى أحضانه، حثها على تبديل ثيابها وحدها داخل الخيمة حالما ينتظرها بالخارج، تأخرت عليه فاستأذن قبل أن يدخل إليها، وجدها محتضنة الدمية باحتياج عاطفي، ووجهها عابس حزين، اقترب منها ببطئ، قال بصوت خافت: -أنا هعملك اللي إنتي عايزاه، أول ما احس إنك بقيتي بخير وأطمئن على حالك هنتطلق! صُعقت عندما وصلت تلك الكلمة إلى أذنيها، شعرت بغصة تجتاح جنبات صدرها، سيغادرها أمانها وحصنها المنيع، سَيُسحَب بُساط الطمأنينة من تحت قدميها إن عزم أكرم على تركها لكن كيف تخبره بما يعتمل بصدرها إثر وقع تلك الكلمة المخيفة عليها! استرسل أكرم في حديثه حيث قال متألماً: - أنا عارف إنك محبتنيش ولا حتى في أمل تحبيني، بس أنا عمري ما حبيت حد غيرك! أنا هسيبك على الأقل وأنا مرتاح بعد ما أنقذتك منه.تمتم ماجد لنفسه وعيناه مثبتتان على الشاشة: — "استمتعي باللحظة يا هديل.. اشبعي من حضنه كويس عشان لما الفيديو دا يوصل له، مش بس هيكرهك.. ده هيقرف حتى يلمس طرف هدومك. أنتي بتبني قبرك بإيدك." ظنت هديل أنها تحمي أكرم بلحظة الضعف هذه، غير مدركة أن ماجد يراقب كل خطوة. لم تكن تعلم أن اللحظة التي ظنتها خلاصها هي ذاتها الشيء الذي سيستخدمه لتدمير ما تبقى من كرامتها أمام زوجها. لم يكن الخطر كاميرا مؤقتة أُزيلت؛ بل كان "حصاراً" كاملاً لا يمكنها حتى رؤيته. بعد أن ارتوى أكرم من حضن هديل، شعر بثقل مفاجئ في جفنيه للمرة الأولى. فالتوتر الذي احتجزه طوال الليل انقشع فجأة، وحل محله استرخاء تام. أغلق عينيه وهو لا يزال يضمها بقوة بين ذراعيه، ودفن وجهه في شعرها كأنه وصل أخيراً إلى بر الأمان. وغط أكرم في نوم عميق وثقيل، كجندي وجد هدنة أخيرة بعد معركة طويلة. لكن هديل كانت في عالم آخر تماماً؛ كانت مستيقظة بكامل حواسها، وعيناها تتأملان الظلام، وقلبها لا يزال يخفق خوفاً لا رغبة. فجأة، تحطم سكون الغرفة باهتزاز مكتوم لهاتفها. بالن
لم ينطق أكرم بكلمة.. قيدته صدمته من حدتها المبالغ فيها لكنه تحامل على نفسه ووضع الصينية جانباً وجلس خلفها على الفراش. امتدت يده ببطء لتستقر على كتفها، ويمسح عليه بحنان جارف، ثم مال برأسه ليطبع قبلة رقيقة ومتأنية على جانب عنقها. وفي ذلك الجزء من الثانية، تحطمت الحصون التي بنتها هديل طوال الليل بالكامل. إن دفء أنفاسه وقرب جسده منها لمسا وتراً حساساً في أعماقها—ليس فقط كزوجة، بل كامرأة مكسورة تعشقه حتى النخاع. واجتاحتها موجة من الضعف القاتل؛ وبدلاً من أن تدفعه بعيداً كما خططت، مال رأسها تلقائياً ليستقر على صدره. أغلقت عينيها بقوة، وتنفست رائحته.. الشيء الوحيد الذي كان يشعرها بالأمان في هذا العالم اللعين. كانت هناك صرخة صامتة داخلها تتوسل إليه ألا يتركها أبداً، وتملكتها رغبة مستميتة في الاعتراف بكل شيء، وإلقاء هذا الحمل الذي يسحق روحها بين يديه. لكن فجأة، ومضت صورة ماجد في مخيلتها الدم الذي لطخ يديها، التهديد بالفضيحة، ورؤية حياة أكرم وهي تُدمر بشكل ممنهج. سرت قشعريرة باردة في عروقها، فانتف
تجمدت هديل في مكانها، وكأن صاعقة قد ضربت صدرها ليخفق قلبها بعنف شديد يهدد بتمزيق ضلوعها. كان صوت خشخشة المفاتيح المعدنية لأكرم في الخارج بمثابة حكم إعدام يُنفذ في توه؛ فهو على بُعد خطوات معدودة في الرواق، يفصله جدار واحد بـ مفاجأته المحملة بالحب عن هذا الكابوس الملطخ بالدماء. أما ماجد، فقد استند إلى إطار الباب يراقب حالة الذعر التي تجتاحها بنوع من الفكاهة السوداء والمريضة. مال بجسده نحوها، وهسّ بصوت منخفض ومتهدج: — "يا محاسن الصدف! إيه رأيك أفتح له الباب؟ خليه يشوف مراته في بيئتها الطبيعية." اندفعت نور نحو الأمام بسرعة، وقبضت على ذراع ماجد برعب، وتوسلت إليه بصوت مخنوق ومستجير: — "لا! ارجوك استنى! احنا بيننا اتفاق.. هي هتعمل كل اللي أنت عايزه، بس سيبنا نخرج من هنا قبل ما يشوفنا." نظر ماجد من فتحة العين السحرية، وعيناه تقطران بروداً محسوبا انتظر حتى تردد صدى الصوت الثقيل لإغلاق أكرم باب شقته في الممر، ثم فتح بابه إنشاً واحداً فقط. وفحّ بفحيح أفعى:
نظر مباشرة إلى هديل، وعيناه مجردتان من أي إنسانية:— "أنا عايزها تخلي اكرم يكرهها. عايزها تعامله كأنه زبالة، تبعده عنها بكل طريقة ممكنة، لحد ما يقتنع إن الطلاق هو الحل الوحيد المتاح قدامه. أنا عايزه هو اللي يمشي ويسيبها."التفت رأس هديل نحوه بعنف، وتشنجت عضلات رقبتها من أثر الصدمة والغل الصامت. نظرت إليه وكأنها تتأمل شيطاناً يعجز عقلها عن استيعابه. لكن نور ضغطت بسرعة على يد هديل.. إشارة صامتة تأمرها بالثبات.نظرت نور إلى ماجد بصبر ذكي وبارد؛ كانت بحاجة لرسم خريطة لأعماق عقله الملتوي. سألته بصوت ثابت، تستدرجه بالمنطق:— "وأنت هتستفيد إيه من كل دا؟ المجرمين اللي زيك مش بيحبوا يضيعوا وقتهم في الفاضي. ليه كل المجهود دا؟ ليه الألعاب دي كلها؟ ليه تقعد أسابيع تتفرج على جواز بيتحرق وتراقبهم، في حين إنك كنت تقدر تاخد اللي أنت عايزه وتمشي؟"وفي عقل ماجد الملتوي، كانت قطع أحجية قاتلة تترتب في مكانها. لم يكن يهتم بالمال؛ كان يهتم بالانتقام.تذكر الأمر وكأنه حدث بالأمس كيف أن أكرم، من كان يظنه "صديقاً"، لعب دور البطل وانتزع هديل من بين ي
وقفت هديل خلف الباب الرئيسي، يدها ترتجف وهي معلقة فوق المقبض، بينما ثقل سكين المطبخ المخبأة على خصرها تحت ملابسها يضغط على روحها قبل جسدها. وفجأة، بدأ هاتفها يهتز.. كانت "نور". تأملت هديل الاسم على الشاشة، وشعرت بقلبها يتصدع حزناً. همست للرواق الفارغ: — "يا ريتني أقدر أقولك يا نور.. يا ريتني أقدر أرمي الحمل دا عليكي عشان أقدر أتنفس ويقولي اتصرف ازاي. حاولت تجاهل المكالمة، لكن نور كانت تلح بلا هوادة؛ فجاءت المكالمة الثانية ثم الثالثة على التوالي. هديل تعرف صديقة عمرها جيداً؛ لو لم تجب الآن، ستكون نور واقفة أمام باب شقتها خلال عشرين دقيقة. سحبت أنفاساً متقطعة، وأجبرت نبرتها على ارتداء قناع صخري جامد، ثم سحبت الشاشة للرد. قالت هديل بصوت مشدود وجاف: — "أهلاً يا نور.. صباح الخير." انفجر صوت نور عبر السماعة، متشنجاً ومقطوع الأنفاس من شدة الذعر: — "هديل! الله يخليكي يا هديل كلميني! أنتي كويسة؟ طمنيني عليكي، قوليلي إنك كويسة!" كانت تبدو وكأنها على وشك الانهيار تماماً.
فقد ماجد صوابه تماماً ما إن رأى دمه وهو يقطر من يده تحولت ثقته الأولى إلى غضب حيواني أعمى. لم يعد يهتم بالعدسات أو المراقبة؛ اندفع نحوها وضربها بقوة وحشية ومقززة، تركها ملقاة على الأرض، جسدها متكوم ووعيها مشوش.لكن الطرق المتواصل والعنيف على الباب من قِبل "نور" بدأ يتسلل تحت جلده ويثير جنونه. كان عليه إسكات هذا الصوت، وبسرعة.اندفع ماجد نحو الباب، وأنفاسه تخرج في فحيح حاد. سحب المزلاج بعنف وفتح الباب على مصراعيه.لم تتردد نور لثانية؛ صرخت وهي تندفع للداخل:— "هديل!"لكنها لم تصل إليها؛ فقبل أن تطأ قدمها العتبة، امتدت يد ماجد الملطخة بالدماء، وقبضت على شعر نور بجذبة عنيفة جعلت الأخيرة تصرخ ألمًا. وبدفعة واحدة قوية وباردة، ألقى بها في منتصف الغرفة.سقطت نور بقسوة على الأرض، وتزحلقت فوق البلاط حتى استقرت مباشرة بجانب جسد هديل المنتفض. تردد صوت إغلاق القفل والمزلاج مجدداً في أرجاء الشقة كأنه طلقة رصاص. لقد أُغلق الباب، وأصبحتا الآن معاً داخل المصيدة.بينما كان الكابوس يحدث خلف الأبواب المغلقة، كان
تسللت خيوط شمس الصباح الأولى من بين شقوق الستائر، لتلقي بنورها الدافئ على وجه "هديل" الراقدة في نوم عميق وآمن لم تذق مثله منذ أسابيع طويلة. كانت ذراع "أكرم" ما زالت تحيط بخصرها بتملك واضح، وكأنه يخشى أن يفتح عينيه فيجدها مجرد طيف عابر قد يختفي في أي لحظة.فتح أكرم عينيه ببطء، وأخذ يتأمل
تسمّر أكرم لثوانٍ في ذهول تام؛ لم يكن يصدق أن هديل عادت إليه بكامل إرادتها، والأكثر من ذلك أنها تعلن له عن ولائها بهذا الحضن الدافئ.كل الغضب والشكوك التي ملأت قلبه تبخرت في لحظة أمام حنانها.أحكم قبضته عليها، وجذبها إليه بقوة كأنه يحاول إدخالها بين ضلوعه كي لا تُرحم ثانية. تنفس رائحتها كغريق وج
مرّت ساعتان. ثم الثالثة. كانت هديل جالسة على حقيبتها في غرفة معيشة نور، عيناها معلقتان بالساعة كأن عقاربها تمشي فوق أعصابها لا على الزجاج. دخلت نور للمرة العاشرة وهي تحمل كوب شاي أعشاب وقالت بلهجة مطمئنة: — "يا هديل يا حبيبتي اهدي، دي مستشفى وفيه زحمة وورق، أكيد جاي في الطريق." ابتسمت هديل ابتسا
لم يعطها فرصة للرد عليه، جذبها بقوة باتجاه باب الشقة، قذفها خارجه، قال بتهديد صريح:-لو شوفتك هنا تاني هيكون آخر يوم في عمرك ومش هنا بس لو شوفتك في أي مكان ولو فكرتي تلاحقيني هيكون بيني وبينك نار مش هتطفى إلا بموت واحد فينا!هاجت أمواج غضبها، شعرت بالدماء تغلي برأسها، على مدار عام كامل لم تستطع أن







