LOGINلم ألتفت.
لم أكن أريد أن أرى إن كان خلفي أو إن كان قد تركني أخيرًا. لكن بعض الحضور لا يحتاج إلى دليل. يُشعَر به. الشارع كان مزدحمًا، أصوات الباعة، السيارات، الوجوه التي تمرّ دون أن تلاحظ شيئًا. سرتُ بين الناس، أحاول أن أذوب فيهم، أن أكون واحدةً منهم لا هدفًا، ولا قضية. لكن ذلك الشعور لم يغادرني. أنني مرئية. توقّفتُ فجأة. شيءٌ ما لم يكن طبيعيًا. نظرت حولي، الوجوه عادية لكن الإحساس لم يكن كذلك. ثم رأيته. رجل يقف على الطرف الآخر من الشارع، عيناه مثبتتان عليّ. تجمّدتُ لثانية. ليس خوفًا بل تحليل. تحرّكتُ بسرعة، غيّرت اتجاهي، دخلت زقاقًا جانبيًا. الضوء هنا أقل، والصمت أثقل. خطوات خلفي توقّفت. التفتُّ لكنه لم يكن هو. كان رجلًا آخر. "توقّفي." قالها بصوتٍ منخفض. لم أجب. اقترب خطوة مني وفي لحظة أمسكتُ معصمه لففته بقوة ودفعته نحو الجدار. "لا تقترب." قلتُها ببرود. لكنه ابتسم!.. ابتسامة لم تعجبني. "أنتِ المشكلة." قبل أن أفهم صوت آخر. "ابتعد عنها." جاء صوته حادًا. سيف. دخل بسرعة، ودفع الرجل بعيدًا عني بعنف. لم يكن ذلك اشتباكًا عاديًا. كان غضبًا. ضربة، ثم أخرى، حتى سقط الرجل أرضًا. "كفى!" قلتُها لكنه لم يتوقف فورًا. اقتربتُ منه، أمسكتُ ذراعه بقوة "سيف!" تجمّد. تنفّسه كان سريعًا، وعيناه مختلفتان. ليست هادئة ولا مسيطرة بل فاقدة للسيطرة. نظر إليّ وللحظة شعرت أنني لست الخطر الوحيد في هذا المكان. "هل أنتِ بخير؟" سألني بصوتٍ خافت، لكنه مشدود. "أنا بخير." أجبته. لكنه لم يبتعد. بل اقترب خطوة. "قلت لكِ لا تخرجي." "وأنا قلت" قاطعني. "هذا ليس وقت العناد!" صوته ارتفع. نظرت إليه بحدّة "ولا وقت السيطرة!" صمت لكن هذا الصمت لم يكن هدوءًا. كان احتقانًا. اقترب أكثر. "أنتِ لا تفهمين" "بل أنت لا تفهم!" توقّف. ثم نظرت إليه مباشرة "أنا لستُ شيئًا تحميه بالقوة!" تغيّرت نظرته ليس غضبًا فقط بل شيءٌ آخر. شيءٌ أكثر خطرًا. اقترب خطوة أخرى قريبة جدًا هذه المرة "وأنتِ" قالها بصوتٍ منخفض، لكنه أثقل من صراخه. "لستِ بعيدة كما تظنين." تجمّدتُ. كان قريبًا بما يكفي لدرجة أنني شعرت بأنفاسه. "ابتعد." قلتُها بوضوح. لكنه لم يفعل بل رفع يده وكأنه سيلمس وجهي. أمسكتُ معصمه فورًا. "قلت ابتعد." نظر إلى يدي ثم إليّ. وللحظة لم يسحب يده كأن شيئًا داخله يرفض. "أنتِ تدفعينني" "وأنت لا تملك نفسك." قلتُها بحدة. صمت ثم سحب يده ببطء و تراجع خطوة. لكن عينيه لم تبتعدا. "سنغادر." قالها أخيرًا. "إلى أين؟" "مكان آمن." ضحكتُ بمرارة "لم أعد أفرّق بين الأمان والسجن." لم يُجب لكنه أمسك بيدي لكن هذه المرة لم يكن عنفًا. بل إصرارًا. "تعالي." نظرت إلى يده ثم إليه. كان واضحًا هذا لم يعد مجرد حماية. بل فرض. الساعة العاشرة ليلًا في أحد الشقق دخلتُ معه أغلِق الباب خلفنا. وقفتُ في منتصف الغرفة ثم التفتُّ إليه. "لن يتكرر هذا." سأل "ماذا؟" "أن تمسكني." نظر إليّ ثم قال "لو لم أفعل" "كنت سأدافع عن نفسي." اقترب خطوة. "وأنا لن أسمح لكِ أن تكوني وحدكِ في هذا." "لم أطلبك." "لكنكِ حصلتِ عليّ." تجمّدتُ بسبب الكلماته هي لم تكن عادية ولا مريحة لي اقترب أكثر "حور" صوته هذه المرة لم يكن أمرًا ولا تهديدًا. بل شيءٌ بينهما. "أنتِ لستِ مجرد قضية." نظرت إليه بثبات "وأنت لست قدري." لكن تلك اللحظة كانت مختلفة لأنني رأيت أنه لم يعد يسيطر بالكامل. وفي تلك الليلة لم يكن الخطر فقط خارج الأبواب بل داخله أيضًا. وداخلي. لم يكن الصمت في تلك الشقة عاديًا. كان مشحونًا. كأن الجدران تسمع، وتنتظر، وتعرف أن شيئًا ما على وشك أن ينفجر. وقفتُ في منتصف الغرفة، أراقبه وهو لم يبتعد. "لن يتكرر هذا." أعدتُها، بنبرةٍ أوضح. "قلت لكِ" بدأ حديثه. قاطعته "لا استمع أنت." تقدّمت خطوة منه "أنا لا أُمسك، لا أُسحب، ولا يُفرض عليّ شيء." كان ينظر إليّ بهدوءٍ غريب. "وأنا لا أترككِ تُعرّضين نفسكِ للخطر." "أنا لم أطلبك." "لكنني هنا." قالها و اقترب لكن لم يكن اقترابًا عاديًا هذه المرة. كان بطيئًا مقصودًا كأنه يختبر المسافة بيننا. "لماذا تقاومين؟" سأل بصوتٍ منخفض. نظرت إليه بثبات "لأنني لا أُجبر." توقّف أمامي قريبًا بما يكفي "وأنا لا أستسلم." كانت تلك اللحظة حافة بين المواجهة وشيءٍ آخر. "سيف." قلتُ اسمه، ببطء واضفت "ابتعد." لكنه لم يفعل بل اقترب أكثر. شعرت بأنفاسه، بوجوده، بذلك التوتر الذي لم يعد خفيًا. "أنتِ تعرفين" قالها بصوتٍ خافت، "أنكِ لستِ كما تقولين." ضيّقتُ عيني "وأنت تعرف أنك تتجاوز حدودك." رفع يده و تجمّدتُ لكن هذه المرة لم تكن حركة مفاجئة. كانت بطيئة. كأنه يمنحني فرصة أن أرفض أو أن أقبل. وقبل أن تصل يده أمسكتُ معصمه. "قلت ابتعد." لكن يدي لم تدفعه هذه المرة. فقط أوقفتْه. نظر إلى يدي ثم إليّ. وفي تلك اللحظة تغيّر شيء لأنه لم يسحب يده. بل أمسك بيدي. ببطء. "حور" نبرة صوته هذه المرة لم تكن أمرًا. كانت ضعفًا مغلّفًا بالقوة. سحبتُ يدي فورًا. "لا." خطوة إلى الخلف إتخذت "لا تخلط بين هذا وبين ما تريده." اقترب خطوة "وأنتِ لا تهربي من شيءٍ واضح." "ليس واضحًا." "بل أنتِ ترفضين رؤيته." ارتفع صوتي قليلًا "أنا لا أرى فيك إلا رجلًا يحاول أن يفرض نفسه!" سكت لثانية وهو يحدق بي ثم اقترب فجأة. أمسك بذراعي بقوة. "وأنتِ" قالها بصوتٍ مشدود، "...تدفعينني إلى هذا." نظرت إلى يده ثم إلى عينيه. لم يكن هادئًا كان على وشك الانفلات. "اتركني." لم يترك فورًا لذلك كررت "سيف اتركني." هذه المرة لم تكن أمرًا كانت تحذيرًا. ثم ترك. خطوة إلى الخلف تنفّسه ثقيل. يده ما زالت مشدودة و كأنه يقاوم نفسه. "أنا.." بدأ ثم سكت. مرر يده في شعره وأدار وجهه بعيدًا. "هذا لا يشبهني." نظرت إليه لأول مرة رأيته ليس مسيطرًا. "إذًا لا تكنه." قلتُها بهدوء. عاد ينظر إليّ لكن هذه المرة لم يقترب. "المشكلة انتي!." قالها ببطء، "أنكِ تجعلينني أفقد ذلك." تجمّدتُ للحظة ثم قلت "هذا ليس سببي." "بل أنتِ." صمت لكن هذه المرة لم يكن صراعًا فقط. كان توترًا أقرب إلى شيءٍ آخر شيءٍ لا يُقال. ابتعدتُ عنه و جلستُ على الأريكة. "لن أنجرف معك." قلتُها بهدوء. "وأنا لن أترككِ." رفعتُ بصري إليه "حتى لو رفضت؟" نظر إليّ مطولًا ثم قال "حتى لو حاربتِ." ابتسمتُ ابتسامة خفيفة لكنها لم تكن لطيفة. "إذًا استعد." "لماذا؟" نظرت إليه مباشرة "لأنني لا أخسر." وفي تلك اللحظة لم يعد الأمر مجرد حماية ولا مجرد عناد بل أصبح حربًا صامتة بين قلبين يرفض كلٌّ منهما أن ينكسر أولًا. لكن الأخطر أن كليهما بدأ يشعر بما لا يريد الاعتراف به. تلك الليلة لم أنم. كنت مستلقية على السرير أنظر إلى السقف، لكنني لم أكن أراه. كل ما كان في رأسي هو ما حدث. نبرته، قربه، تلك اللحظة التي كاد فيها أن يتجاوز كل شيء. أغمضتُ عيني لكن صورته لم تختفِ. نهضتُ ببطء. خرجتُ من الغرفة، خطواتي خفيفة، لكن قلبي لم يكن كذلك. الصالة كانت مظلمة جزئيًا، ضوء خافت يتسلل من الخارج. وكان هو هناك واقفًا قرب النافذة. لم يتحرّك حين رآني. "لا تنام؟" سألته. "لا." أجاب باختصار. اقتربت خطوة. "وأنا كذلك." صمت كان صمتًا مختلفًا. ليس مريحًا ولا عدائيًا بل مشحون. "ما حدث قبل قليل" بدأت. قاطعني "لا تعيدي الحديث عنه." رفعتُ حاجبي "لماذا؟" التفت إليّ. "لأنني" توقّف ثم قال بصوتٍ منخفض "لا أضمن نفسي." تجمّدتُ. كانت هذه أول مرة يقولها بوضوح. "وهذا بالضبط ما أتحدث عنه." قلتُها بهدوء اقترب خطوة. "وأنتِ؟" "ماذا عني؟" "أنتِ أيضًا لا تتصرفين وكأنكِ بعيدة." ضيّقتُ عيني "تفسّر الأمور كما تريد." "وأنتِ تهربين منها." اقترب أكثر هذه المرة لم يكن غضبًا. كان توترًا. "لماذا لا تخافين؟" سألني فجأة. نظرت إليه "ممن؟" "مني." نطق ثم قلت "لأنك لن تؤذيني." تغيّرت نظرته. "وما الذي يجعلكِ متأكدة؟" اقترب خطوة أخرى. الآن المسافة لم تعد موجودة. "لأنك لو أردت لفعلت." رفع يده ببطء لم أتحرّك. كأنني أختبره. توقّفت يده قريبة جدًا من وجهي بثانية واحدة ثم لمس خصلات شعري بخفة. تجمّدتُ ليس خوفًا بل لأنني لم أتوقع أن يتوقف عند هذا الحد. "سيف." نطقتُ اسمه لكن صوتي لم يكن قويًا كما أردته اقترب أكثر. "أنتِ.." قالها بصوتٍ منخفض، "تجعلين كل شيء أصعب." وضعتُ يدي على صدره. "وأنت.. تتجاوز." لكنني لم أدفعه وهذا كان الخطأ. في لحظة أمسك يدي ببطء ليس بعنف لكن بإصرار. "قولي لي أن أتوقف." نظر إليّ مباشرة. "قوليها وأنا سأتوقف." نظرت إليه كان قريبًا جدًا وعيناه ليستا كما كانت. ليستا مسيطرتين بل مشتعلتين. "توقف." قلتُها بوضوح لكن لم أتحرّك. ثانية ثانيتان ثم ترك يدي و تراجع خطوة كأنه ينتزع نفسه. مرر يده في شعره بعصبية وقال "هذا خطأ." نظرت إليه. "إذًا لا تكرره." ضحك بخفة، لكنها لم تكن ضحكة حقيقية. "وأنتِ؟" "ماذا؟" "لا تقفي هكذا ثم تطلبين مني الابتعاد." شعرت بشيءٍ داخلي يتحرّك. "أنا لا أفعل شيئًا." اقترب نصف خطوة. "بل تفعلين." ثم قال "وأنا بدأت أفهم." "تفهم ماذا؟" نظر إليّ مباشرة "أنكِ لستِ باردة بل تقاومين." رفعتُ رأسي بثبات "وهذا لن يتغير." ابتسم. "سنرى." استدرتُ. "لن ترى شيئًا." لكن قبل أن أدخل الغرفة قال بصوتٍ منخفض: "أنتِ بدأتِ تخسرين." توقّفت دون أن ألتفت. "أنا لا أخسر." ثم دخلت. وأغلقت الباب. لكن هذه المرة لم أكن متأكدة.لم أسحب يدي من بين يديه، لكنني أيضاً لم أتشبث بها أو أضغط عليها، تركتها حرة بين كفيه كأنني أختبر مدى ثقتي به ومدى سيطرته على مجريات الأمور، وكنا نسير معاً جنباً إلى جنب في ممرات المستشفى الطويلة، هو يخطو بخطوات واثقة هادئة تعكس سيطرته على كل شيء حوله، وأنا أسير بجواره بكل تحفظ وحذر، وكأنني أحاول أن أبقى مسافة أمان بيني وبين ما يخفيه قلبه."إلى أين تأخذني؟" سألته بصوتي الذي بدا بارداً رغم كل المشاعر التي كانت تضطرب في داخلي."إلى مكان هادئ لا يزعجنا فيه أحد، ولا يسمع حديثنا سوانا." أجابني بصوته العميق الهادئ الذي اعتدت عليه.نظرت إليه باستغراب وقلت "هذا مستشفى، كل زواياه مليئة بالحركة والضوضاء والأصوات، فأين تجد فيه الهدوء الذي تبحث عنه؟""ولهذا السبب تحديداً هو مليء بالضوضاء، لذلك يسهل إيجاد بقعة صغيرة فيه لا يصلها شيء من كل هذا الصخب." أجابني بهدوء دون أن ينظر إلي، وكأنه يعرف كل زاوية في هذا المكان كما يعرف تفاصيل وجهه.لم أجادله أكثر، بل اكتفيت بالصمت والمراقبة، كنت أنظر إليه وأنا أدرك أن هناك شيئاً مختلفاً يسيطر عليه هذه المرة، شيء يتجاوز المعتاد، كان يحمل في ملامحه توتراً خفياً يخ
لم يكن مجرد شعور عابر أو قلق لا مبرر له... كان حدساً قوياً، نداءً داخلياً يناديني بالخطر. وحدسي... نادراً جداً ما يخطئ.دخلتُ غرفة "كريم" مرة أخرى، لكن هذه المرة... لم يكن المشهد كما تركته. كان يجلس في فراشه، ظهره مسنود بقوة، وعيناه مفتوحتان على وسعهما وكأنه كان ينتظر عودتي تحديداً."يبدو أن حالتك تحسنت بشكل سريع." قلتُها ببرود تام، وأنا أقف عند الباب أتأمله.ابتسم، ابتسامة واثقة ومختلطة بمكر"بفضلكِ طبعاً.""بفضل العلاج والأدوية." صححتُ له الحقيقة بجمود."وبفضلكِ أنتِ أيضاً." أصرّ بنظراته.نظرت إليه مباشرة، واقتربت خطوة واحدة نحو السرير"أنصحك ألا تعوّد نفسك على هذا الأسلوب."رفع حاجبه متسائلاً"أي أسلوب؟""أسلوب التقرّب والمجاملة الزائدة هذا ليس مكانه، ولا وقته."صمتَ للحظة، ثم قال بهدوء"أنا لا أتقرّب أنا فقط أُبدي اهتماماً بشخص مميز.""لا تفعل." قاطعتُه بحزم. "لا داعي له.""ولماذا؟" سأل وكأنه يستمتع بالنقاش.نظرت في عينيه بكل ثبات"لأنني طبيبتك وهذه علاقة مهنية فقط.""وهذا لا يمنع أن يكون هناك شيء آخر.""بل يمنع. ويحظر تماماً."صمتَ قليلاً، ثم قال ببطء شديد وكأنه يختبر رد فعلي"وم
"الحب."قالها بوضوح، ككلمة طلقة واحدة اخترقت الصمت.تجمدتُ في مكاني. هذه المرة... لم يكن سؤالاً عابراً أو محاولة للمزح، بل كان اقتحاماً حقيقياً لمنطقة محظورة، منطقة كنت أحرسها بكل أسلحة قلبي.أدرتُ وجهي قليلاً إلى الجانب، أشحت ببصري عنه لأستجمع قوتي"أنا لا أؤمن به.""هذا ليس جوابًا يا حور."قالها مباشرة، وكأنه يعرف أن وراء كلماتي قصة أكبر. "هذا مجرد جدار تبنينه.""بل هو جواب." أصررتُ.اقترب أكثر، حتى أصبح قريباً جداً"أنتِ لا تؤمنين به هل لأنكِ جربتهِ وخاب أملكِ؟" سكتُّ."أم لأنكِ خفتِ منه؟ خفتِ أن يؤلمكِ؟"نظرت إليه ببطء شديد، وعادت بي الذاكرة لسنوات خلت"لأنني رأيت نهايته رأيت كم هو قبيح عندما ينتهي."سكت هو هذه المرة، وصمته كان إذناً لي بالكلام، بالبوح لأول مرة.جلستُ على المقعد القريب، وللمرة الأولى لم أكن "حور" التي تختصر الكلام وتغلق الأبواب. كنت مجرد إنسانة تحكي جرحها."كنت في السنة الأخيرة من دراستي في الطب." بدأتُ حكايتي بصوت هادئ، لكنه لم يكن بارداً كالمعتاد، بل كان يحمل رنة ألم قديم."كان هناك طبيب كبير، مشهور ومحترم."نظرتُ أمامي إلى الفراغ، لا إليه"لم يكن مختلفًا عن ال
نظرت إليّ طويلاً، ثم قالت بتحدٍ صريح"إذًا قاتليني."صمتُّ، ونظرت مرة أخيرة إلى سيف"هل هذا مقر أمني أم مجرد ساحة عرض ومسرحية؟"أجابني بهدوء، وكأنه يلقنني درساً"القرار… اختياركِ."عدتُ أنظر إليها، ثم خلعتُ معطفي ببطء ووضعته جانباً."دقيقة واحدة وسنرى من ينهي الأمر."ابتسمت باستهانة"لن تحتاجي أكثر من دقيقة، سأنهيكِ سريعاً."وقفتُ أمامها.المسافة بيننا محسوبة بدقة.تحرّكت هي أولًا، بسرعة مفاجئة، وجهت ضربة قوية مباشرة إلى وجهي.تفاديتها ببرودة أعصاب.ردت بحركة أخرى، ركلة جانبية قوية، انحنيتُ للأسفل وتجنبتها.لم أهدر طاقتي، كنت أراقب حركاتها.في لحظة انشغالها، أمسكتُ بساقها بقوة ودفعتها للأعلى.فقدت توازنها للحظة وتراجعت للخلف."جيدة…" قالت وهي تلهث قليلاً."ولم أنتهِ بعد." أجبتها.هاجمت مرة أخرى، أسرع هذه المرة، وبدأت تستخدم أسلحتها بشراسة.لكنني كنت أسرع.كنت أتنبأ بحركاتها.تفاديت ضرباتها، التفتُّ خلفها بحركة دائرية سريعة، ووجهت ضربة قوية إلى كتفها.تأوهت بصوت خافت واختل توازنها.لكنها استدارت بسرعة مذهلة ونجحت في توجيه ضربة أخرى، استقبلتها على ذراعي.لم أتراجع خطوة واحدة للخلف.اقتر
"دكتورة حور، نحتاجك في القسم الجراحي.""قادمة."سرتُ بخطوات سريعة،عقلي منشغل بالحالات والجراحات لكن داخلي لم يكن هادئاً أبداً منذ الأمسوهناك شيءٌ ما يتصاعد بداخلي.بعد ساعة – ممر جانبيخرجتُ من غرفة العمليات.نزعتُ القفازات ببطء، وأخذتُ نفساً عميقاًكنتُ أحتاج دقيقة من الصمت.اتجهتُ إلى الممر الجانبي كان هادئاً، وشبه مظلم.لكنني لم أكن وحدي."كنت أعلم أنكِ ستأتين إلى هنا."توقفتُ التفتُّ ببطءإنه آدم.واقفٌ هناك، ينظر إليّ بنظرةٍ مختلفة، مليئة بالتمسك."هذا ليس وقتك… ولا مكاني."قلتُها بوضوح وحزم.اقترب خطوة"بل هو الوقت الوحيد الذي أستطيع أن أتحدث معكِ فيه دون أن يكون هو حولك.""إذًا اختصر آدم."اقترب أكثر، حتى أصبح قريباً جداً"أنتِ تتغيرين يا حور.""وأنت تتجاوز حدودك."صمتَ قليلاً، ثم قال بصوتٍ أخفض وأكثر إلحاحاً"أنا لا أتجاوز أنا أحاول أن أصل إليكِ قبل أن تضيعين."نظرتُ إليه بحدة"أنا لا أُضيع.""بل تفعلين حور تفعلين معه."اقترب أكثر، وكأنه فقد السيطرة على أعصابه"أنتِ تعتقدين أنك تسيطرين، لكنكِ بدأتِ تنجرفين! أرى ذلك في عينيك، في طريقتك، وفي صمتك حين يُذكر اسمه!""كفى!""لا، ل
استفقتُ هذه المرة بهدوءٍ غريب.ليس لأن الخطر انتهى بل لأنني شعرت أنه يقترب من نهايته.نهضتُ ببطء، غسلتُ وجهي،ارتديتُ ملابسي دون تردد.اليوم لن يكون عاديًا.خرجتُ و كان سيف مستيقظًا.واقفًا، يتحدث مع أحدهم،وجهه مشدود أو غاضب.حين رآني، أنهى المكالمة."استيقظتِ."قلت "واضح."اقتربت خطوة"ما الذي يحدث؟"نظر إليّ لحظة ثم قال"وجدناه."تسألت"من؟""الشخص الذي يدير كل هذا.""والآن؟"اقترب"ننهيه."نظرت إليه بحدّة"وأنا؟""تبقين هنا حور حتى ننتهي.""مستحيل!!.""حور.""لن أبقى سيف.""هذا ليس نقاشًا حور.""بل هو كذلك سيف.""أنتِ هدف لهم.""وأنت السبب في ذلك سيف."قال بهدوء"ولهذا سأُنهيه."نظرت إليه طويلًا ثم قلت"سآتي.""لا حور.""سيف أنا لست عبئًا.""أعرف حور ولن تكونِ.""إذًا دعني أكون معك."لحظة صمت طويلة ثم قال"قريبة مني فقط.""دائمًا."نظر إليّ ثم أدار وجهه"هذا ما أخشاه."بعد ساعة موقع المواجهة كان زملاء سيف يتجهزون كان المكان مهجور، كغيره من الأماكن التي اعتدناها.لكن هذه المرة لم أشعر بالخوف.لا رجفة، لا توتر.كأن شيئاً بداخلي قد تصلب.قال بصوتٍ حازم"ابقَي خلفي."أجبت دون تردد"







