LOGINفي عالمٍ تتقاطع فيه القوّة مع الصمت، والواجب مع الرغبة، تدور أحداث هذه الرواية حول حور، طبيبةٍ استثنائية لا تؤمن بالحب، ولا تمنح قلبها لأحد. تعيش حياتها وفق مبدأٍ واحد: إنقاذ الأرواح دون أن تسمح لأيّ شعور أن يتسلّل إليها. تبدو باردة، بعيدة، لكن خلف هذا الثبات تختبئ شخصية معقّدة، صلبة، تعرف كيف تحمي نفسها… وكيف تضع حدودًا لا يُسمح بتجاوزها. و على الجانب الآخر، يظهر سيف، رجل يعمل في الأمن الوطني، معتاد على السيطرة، لا يقبل الرفض، ويؤمن أن كل شيء يمكن إخضاعه لإرادته. شخصيته القوية والمغرورة لم تعرف يومًا التحدي الحقيقي حتى يلتقي بها. لقاءٌ عابر، يبدأ بموقفٍ مشحون، يتحوّل تدريجيًا إلى صراعٍ مفتوح بين شخصيتين لا تشبه إحداهما الأخرى. هي ترفضه بوضوح، وهو ينجذب أكثر كلما ابتعدت. وبين الرفض والإصرار، يتصاعد التوتر، ويتحوّل الحوار بينهما إلى مواجهة فكرية وعاطفية لا تخلو من الحدة والاشتباك. لكن ما يبدو مجرد صراع شخصي، سرعان ما يتداخل مع خيوطٍ أعمق، حين تدخل حور دون أن تدري في مسار قضية معقدة، تجعل وجودها مرتبطًا بعالم سيف، وتجبرهما على التواجد في مساحة واحدة، رغم رفضها لذلك. وهنا، لا يعود الصراع بينهما مجرد خلاف، بل يتحول إلى اختبارٍ حقيقي للقوة، للثقة، وللحدود التي ظنّا أنها ثابتة. الرواية لا تطرح قصة حب تقليدية، بل تغوص في معنى السيطرة، والاختيار، والخوف من التعلّق، وتطرح سؤالًا جوهريًا: هل يمكن لشخصٍ اعتاد أن يكون وحده أن يسمح لآخر بأن يقترب؟ محبوبتي… أحبّيني ليست مجرد حكاية انجذاب، بل رحلة صراع بين قلبٍ يرفض، وآخر لا يعرف كيف يتراجع.
View Moreيوم الثلاثاء، منتصف شهر أغسطس، الساعة السابعة وخمس وأربعون دقيقة مساءً
المكان مستشفى حكومي قسم الطوارئ. لم يكن المساء مختلفًا عمّا سبقه، أو هكذا خُيِّل إليّ. كانت الأضواء البيضاء الباردة تنعكس على الجدران، كأنها تحاول أن تُخفي ما تراكم فوقها من تعبٍ وإرهاق، وتمتزج رائحة المطهّرات بأنفاس القلق، فتُثقِل الهواء وتُعكِّره. كنت أتنقّل بين الأسرّة كعادتي، لا أطيل النظر في العيون، ولا أسمح لأي صوتٍ داخلي أن يعلو على صوت الواجب. أنا حور، طبيبة وهذا يكفيني. أما الحب، فترفٌ لا أؤمن به، ولا أحتاج إليه. "دكتورة حور، وصلت حالة إسعاف حالًا!" قطع صوت الممرضة سكون أفكاري المقتضبة، فالتفتُّ على الفور، وقد اعتدت أن أستجيب قبل أن أُفكّر. أُدخِل المصاب مسرعًا، شابٌّ في أواخر العشرينات، ينزف من كتفه، وقد شحب وجهه كأن الحياة قد انسحبت منه جزئيًا. "إصابة بطلقٍ ناري، والنزيف شديد!" لم أطرح أسئلة كثيرة، فالأجساد بالنسبة إليّ خرائط واضحة، أعرف من أين أبدأ، وإلى أين أنتهي. غير أنه لم يكن وحده. دخل خلفه رجلٌ آخر، بخطواتٍ ثابتة على نحوٍ لافت، كأن الفوضى المحيطة لا تعنيه. كانت عيناه أول ما شدّ انتباهي؛ حادّتان، ترصدان كل شيء دون أن تفصحا عن شيء. توقّف عند طرف السرير، وقال بصوتٍ خافتٍ لكنه يحمل نبرة الأمر "أنقذيه." رفعت بصري إليه لوهلة، ولم يُعجبني أسلوبه. "أنا لا أعمل بالأوامر." جاء ردّي باردًا مقتضبًا، كما اعتدت. لكنه لم يُجِب، بل اكتفى بنظرةٍ غريبة، كأنني نطقت بما لم يألف سماعه. لم أُبالِ. عدتُ إلى المصاب، أركّز على النزيف، وعلى الأدوات، وعلى كل ما يمكن السيطرة عليه إلا ذلك الإحساس الخفي بأن هناك من يراقبني بدقّة. لم تمضِ دقائق معدودة، حتى اختلّ إيقاع المكان. تعالت أصوات في الخارج، وتسارعت الخطوات، ثم اقتحام. اندفع رجلٌ إلى الداخل بعنف، عيناه تتقدان غضبًا، وفي يده سكين، يلتفت كمن يبحث عن فريسة. "أين هو؟! أين من طعن أخي؟!" تجمّد بعض الموجودين، وتراجع آخرون، أما أنا فلم أتراجع خطوة واحدة. كان يتّجه نحو سرير المصاب. في لحظة واحدة، وجدت نفسي بين خيارين أن أكون طبيبة فحسب، أم أن أكون شيئًا آخر. فاخترت، دون تردّد. اقترب، ورفع السكين، وقبل أن يهوي بها أمسكتُ معصمه بقوّة، أدرت جسدي بحركةٍ محسوبة، ضغطت على نقطةٍ أعرف أثرها، فانحنى قسرًا، ثم دفعته أرضًا بحزم. سقط السكين من يده، وارتطم بالأرض بصوتٍ حاد. وخيم صمتٌ ثقيل أشد وطأة من الصراخ. كنت أتنفّس بسرعة، لا خوفًا، بل أثر اندفاعٍ مفاجئ. رفعت رأسي فالتقت عيناي بعينيه. ذلك الرجل الذي دخل مع المصاب. كان ينظر إليّ، غير أن نظرته هذه المرة لم تكن عادية. لم تكن دهشة عابرة، ولا إعجابًا سطحيًا بل كانت بداية شيءٍ لم أفهمه، ولا رغبت في فهمه. اقترب خطوة، ثم قال بهدوءٍ غريب "ما اسمكِ؟" مسحت يدي بهدوء، وعدت إلى عملي كأن شيئًا لم يكن. "الدكتورة حور." سكت لحظة، ثم قال "أنا سيف." لم أُجِب. لكنني شعرت ولأول مرة منذ زمن أن هذا الاسم لن يمرّ كما تمرّ الأسماء. لم يكن الاسم وحده ما بقي عالقًا في ذهني، بل تلك النظرة التي رافقته نظرة رجلٍ لا يعتاد أن يُقابَل بالبرود. أشحتُ ببصري عنه، وعدتُ إلى عملي، كأن وجوده لا يعني لي شيئًا. وضعتُ الضماد بإحكام، وأعطيتُ تعليماتي للممرضة بصوتٍ ثابت "أحضري وحدة دم، وراقبي الضغط باستمرار." "حاضر دكتورة." كنت أتحرّك بدقّةٍ معتادة، غير أن إحساسي بالمكان تغيّر قليلًا، كأن حضوره قد أضاف ثِقَلًا غير مرئي إلى الهواء. لم يقترب، ولم يتحدّث، لكنه لم يغادر. شعرت به واقفًا هناك، عند طرف الغرفة، يراقب كل حركة، وكل تفصيل، وكأن الأمر يعنيه أكثر مما يُظهر. بعد دقائق، دخل أحد عناصر الأمن الداخلي للمستشفى، يتبعه اثنان من الحراس. ألقوا القبض على المعتدي الذي ما يزال يئنّ أرضًا، ثم أخرجوه بسرعة. عاد الهدوء تدريجيًا، لكن ذلك الهدوء لم يكن كما كان. "حالته مستقرة مؤقتًا، لكنه يحتاج إلى متابعة دقيقة." قلتُها دون أن أنظر إليه. مرّت لحظة صمت، ثم جاء صوته "سيعيش؟" نبرة صوته هذه المرة لم تكن آمرة، بل أقرب إلى طلبٍ يخفي قلقًا. أجبتُ بإيجاز "إذا لم تحدث مضاعفات، نعم." اقترب ببطء، حتى أصبح على مسافةٍ أقرب مما ينبغي. شعرت بذلك، لكنني لم أتراجع. قال "أحسنتِ." رفعتُ بصري إليه، وقد لمحت في كلمته شيئًا من التقييم لا الامتنان. "أنا لا أبحث عن الإطراء." كان ردّي قاطعًا. ابتسم ابتسامة خفيفة، بالكاد تُرى، ثم قال "واضح." انتهيتُ من تثبيت الضماد الأخير، ونزعتُ القفازين، ثم استدرتُ مغادرةً. لكن صوته أوقفني "حور." توقّفت. لم ألتفت فورًا، بل منحتُ اسمي لحظةً وهو يُنطق بصوته، كأنني أتحقّق من وقعه. ثم التفتُّ ببطء. "نعم؟" نظر إليّ مباشرة، وقال "ما فعلتِه قبل قليل لم يكن تصرّف طبيبة." أجبته بهدوء: "بل كان تصرّف إنسانٍ يعرف متى يجب أن يتدخّل." تأمّلني لثوانٍ، كأنه يحاول أن يقرأ ما خلف الكلمات، ثم قال "وأنتِ دائمًا هكذا؟" لم أفهم سؤاله تمامًا، أو ربما لم أرد أن أفهمه. "كيف؟" "تقفين في وجه الخطر دون تردّد." نظرت إليه نظرةً ثابتة، ثم قلت "أنا لا أقف في وجه شيء أنا فقط لا أهرب." ساد الصمت بيننا، لكنه لم يكن صمتًا فارغًا. كان كأن شيئًا خفيًا يتشكّل، دون أن يُعلَن. "يجب أن تُنقل الحالة إلى العناية المركزة." قلتُها أخيرًا، لأقطع ذلك الخيط غير المرئي. أومأ برأسه، ثم التفت إلى أحد مرافقيه الذي لم ألحظ دخوله، وأعطاه إشارة سريعة. بدأت إجراءات النقل، وانشغل الجميع بالحركة. أما أنا فعدتُ إلى مكاني الأول، إلى روتيني، إلى عالمي الذي لا مكان فيه للمفاجآت. أو هكذا ظننت. مرّت ساعة تقريبًا، انخفض خلالها صخب الطوارئ قليلًا، كأن الليل بدأ يفرض سكونه تدريجيًا. كنت أراجع بعض الملفات، حين شعرت بوجود أحدهم أمام المكتب. رفعتُ رأسي فكان هو. سيف. وقف بهدوء، هذه المرة دون توتر، ودون استعجال. "لم ترحلي بعد؟" سألني، كأنه يعرف الجواب. "عملي لم ينتهِ." أجبته بإيجاز. أطرق لحظة، ثم قال "عملك أم هروبك؟" ضيّقتُ عيني قليلًا، وقد لم يعجبني سؤاله. "هذا ليس من شأنك." رفع يده قليلًا، كأنه يعتذر دون كلمات. "ربما." ثم أضاف، بنبرة أخف "لكنني مهتم." صمتي هذه المرة كان مختلفًا. لم يكن رفضًا صريحًا، ولا قبولًا بل حذر. قلت أخيرًا "اهتمامك في غير محلّه." نظر إليّ مطولًا، ثم قال "سنرى." لم أفهم قصده تمامًا، لكن شيئًا في داخلي أخبرني أن هذه لم تكن نهاية اللقاء. بل بدايته في تمام الليلة ذاتها، الثلاثاء الساعة التاسعة وخمس عشرة دقيقة مساءً لم يكن الليل في المستشفى يشبه أي ليلٍ آخر. كان أطول أثقل وأكثر صدقًا. في الليل، تسقط الأقنعة. يتحوّل الصبر إلى تعبٍ صريح، والهدوء إلى صمتٍ مُرهِق، وتصبح الوجوه أكثر هشاشة مما تبدو عليه في ضوء النهار. كنت أسير في الممر الطويل المؤدي إلى العناية المركزة، أُمسك بملف المصاب، وأراجع حالته من جديد، لا لأنني بحاجة إلى ذلك بل لأن عقلي كان يرفض أن يهدأ. اسمه: رامي. العمر: ثمانية وعشرون عامًا. الإصابة: طلقة نارية في الكتف، مع فقدان دمٍ ملحوظ. لكن تلك لم تكن المشكلة. المشكلة لم تكن طبية. توقّفت أمام باب العناية المركزة للحظة، وضعت يدي على المقبض، ثم سحبت نفسًا هادئًا، ودخلت. الأجهزة تصدر أصواتًا منتظمة، والأضواء الخافتة تُلقي بظلالٍ طويلة على الجدران، والمكان ساكن، كأنه خارج الزمن. اقتربت من سرير رامي، راقبت المؤشرات الحيوية، كانت مستقرة نسبيًا. جسده استسلم أخيرًا للعلاج، لكن وجهه لم يكن مطمئنًا. كأن الألم لم يكن جسديًا فقط. "سيتجاوز هذه الليلة." جاء الصوت من خلفي. لم ألتفت مباشرة لأنني كنت أعرفه. "هذا ما قلته." أجبته وأنا أعدّل وضع الأنبوب الطبي. اقترب سيف بخطواتٍ أبطأ هذه المرة، حتى وقف بجانبي لكنني لم أنظر إليه. "أحتاج إلى يقين، لا إلى احتمال." قالها بنبرةٍ خافتة، لكنها مشدودة. أوقفتُ يدي لحظة، ثم التفتُّ نحوه. "في مهنتي، لا يوجد يقين هناك محاولات فقط." تأمّلني، وكأنه لا يعجبه هذا الجواب، أو ربما لا يفهمه. ساد الصمت بيننا، غير أن هذا الصمت لم يكن خاليًا من التوتر. قلت بعد لحظة "وجودك هنا غير مسموح لفترة طويلة." "سأبقى." أجاب دون تردد. رفعت حاجبي قليلًا "هذا ليس فندقًا." ابتسم بخفة، وقال "وأنتِ لستِ حارسة الباب." نظرت إليه ببرود "لكنني أستطيع إخراجك." اقترب نصف خطوة، ثم قال بصوتٍ أخفض "حاولي."لم أسحب يدي من بين يديه، لكنني أيضاً لم أتشبث بها أو أضغط عليها، تركتها حرة بين كفيه كأنني أختبر مدى ثقتي به ومدى سيطرته على مجريات الأمور، وكنا نسير معاً جنباً إلى جنب في ممرات المستشفى الطويلة، هو يخطو بخطوات واثقة هادئة تعكس سيطرته على كل شيء حوله، وأنا أسير بجواره بكل تحفظ وحذر، وكأنني أحاول أن أبقى مسافة أمان بيني وبين ما يخفيه قلبه."إلى أين تأخذني؟" سألته بصوتي الذي بدا بارداً رغم كل المشاعر التي كانت تضطرب في داخلي."إلى مكان هادئ لا يزعجنا فيه أحد، ولا يسمع حديثنا سوانا." أجابني بصوته العميق الهادئ الذي اعتدت عليه.نظرت إليه باستغراب وقلت "هذا مستشفى، كل زواياه مليئة بالحركة والضوضاء والأصوات، فأين تجد فيه الهدوء الذي تبحث عنه؟""ولهذا السبب تحديداً هو مليء بالضوضاء، لذلك يسهل إيجاد بقعة صغيرة فيه لا يصلها شيء من كل هذا الصخب." أجابني بهدوء دون أن ينظر إلي، وكأنه يعرف كل زاوية في هذا المكان كما يعرف تفاصيل وجهه.لم أجادله أكثر، بل اكتفيت بالصمت والمراقبة، كنت أنظر إليه وأنا أدرك أن هناك شيئاً مختلفاً يسيطر عليه هذه المرة، شيء يتجاوز المعتاد، كان يحمل في ملامحه توتراً خفياً يخ
لم يكن مجرد شعور عابر أو قلق لا مبرر له... كان حدساً قوياً، نداءً داخلياً يناديني بالخطر. وحدسي... نادراً جداً ما يخطئ.دخلتُ غرفة "كريم" مرة أخرى، لكن هذه المرة... لم يكن المشهد كما تركته. كان يجلس في فراشه، ظهره مسنود بقوة، وعيناه مفتوحتان على وسعهما وكأنه كان ينتظر عودتي تحديداً."يبدو أن حالتك تحسنت بشكل سريع." قلتُها ببرود تام، وأنا أقف عند الباب أتأمله.ابتسم، ابتسامة واثقة ومختلطة بمكر"بفضلكِ طبعاً.""بفضل العلاج والأدوية." صححتُ له الحقيقة بجمود."وبفضلكِ أنتِ أيضاً." أصرّ بنظراته.نظرت إليه مباشرة، واقتربت خطوة واحدة نحو السرير"أنصحك ألا تعوّد نفسك على هذا الأسلوب."رفع حاجبه متسائلاً"أي أسلوب؟""أسلوب التقرّب والمجاملة الزائدة هذا ليس مكانه، ولا وقته."صمتَ للحظة، ثم قال بهدوء"أنا لا أتقرّب أنا فقط أُبدي اهتماماً بشخص مميز.""لا تفعل." قاطعتُه بحزم. "لا داعي له.""ولماذا؟" سأل وكأنه يستمتع بالنقاش.نظرت في عينيه بكل ثبات"لأنني طبيبتك وهذه علاقة مهنية فقط.""وهذا لا يمنع أن يكون هناك شيء آخر.""بل يمنع. ويحظر تماماً."صمتَ قليلاً، ثم قال ببطء شديد وكأنه يختبر رد فعلي"وم
"الحب."قالها بوضوح، ككلمة طلقة واحدة اخترقت الصمت.تجمدتُ في مكاني. هذه المرة... لم يكن سؤالاً عابراً أو محاولة للمزح، بل كان اقتحاماً حقيقياً لمنطقة محظورة، منطقة كنت أحرسها بكل أسلحة قلبي.أدرتُ وجهي قليلاً إلى الجانب، أشحت ببصري عنه لأستجمع قوتي"أنا لا أؤمن به.""هذا ليس جوابًا يا حور."قالها مباشرة، وكأنه يعرف أن وراء كلماتي قصة أكبر. "هذا مجرد جدار تبنينه.""بل هو جواب." أصررتُ.اقترب أكثر، حتى أصبح قريباً جداً"أنتِ لا تؤمنين به هل لأنكِ جربتهِ وخاب أملكِ؟" سكتُّ."أم لأنكِ خفتِ منه؟ خفتِ أن يؤلمكِ؟"نظرت إليه ببطء شديد، وعادت بي الذاكرة لسنوات خلت"لأنني رأيت نهايته رأيت كم هو قبيح عندما ينتهي."سكت هو هذه المرة، وصمته كان إذناً لي بالكلام، بالبوح لأول مرة.جلستُ على المقعد القريب، وللمرة الأولى لم أكن "حور" التي تختصر الكلام وتغلق الأبواب. كنت مجرد إنسانة تحكي جرحها."كنت في السنة الأخيرة من دراستي في الطب." بدأتُ حكايتي بصوت هادئ، لكنه لم يكن بارداً كالمعتاد، بل كان يحمل رنة ألم قديم."كان هناك طبيب كبير، مشهور ومحترم."نظرتُ أمامي إلى الفراغ، لا إليه"لم يكن مختلفًا عن ال
نظرت إليّ طويلاً، ثم قالت بتحدٍ صريح"إذًا قاتليني."صمتُّ، ونظرت مرة أخيرة إلى سيف"هل هذا مقر أمني أم مجرد ساحة عرض ومسرحية؟"أجابني بهدوء، وكأنه يلقنني درساً"القرار… اختياركِ."عدتُ أنظر إليها، ثم خلعتُ معطفي ببطء ووضعته جانباً."دقيقة واحدة وسنرى من ينهي الأمر."ابتسمت باستهانة"لن تحتاجي أكثر من دقيقة، سأنهيكِ سريعاً."وقفتُ أمامها.المسافة بيننا محسوبة بدقة.تحرّكت هي أولًا، بسرعة مفاجئة، وجهت ضربة قوية مباشرة إلى وجهي.تفاديتها ببرودة أعصاب.ردت بحركة أخرى، ركلة جانبية قوية، انحنيتُ للأسفل وتجنبتها.لم أهدر طاقتي، كنت أراقب حركاتها.في لحظة انشغالها، أمسكتُ بساقها بقوة ودفعتها للأعلى.فقدت توازنها للحظة وتراجعت للخلف."جيدة…" قالت وهي تلهث قليلاً."ولم أنتهِ بعد." أجبتها.هاجمت مرة أخرى، أسرع هذه المرة، وبدأت تستخدم أسلحتها بشراسة.لكنني كنت أسرع.كنت أتنبأ بحركاتها.تفاديت ضرباتها، التفتُّ خلفها بحركة دائرية سريعة، ووجهت ضربة قوية إلى كتفها.تأوهت بصوت خافت واختل توازنها.لكنها استدارت بسرعة مذهلة ونجحت في توجيه ضربة أخرى، استقبلتها على ذراعي.لم أتراجع خطوة واحدة للخلف.اقتر