تسجيل الدخولفي عالمٍ تتقاطع فيه القوّة مع الصمت، والواجب مع الرغبة، تدور أحداث هذه الرواية حول حور، طبيبةٍ استثنائية لا تؤمن بالحب، ولا تمنح قلبها لأحد. تعيش حياتها وفق مبدأٍ واحد: إنقاذ الأرواح دون أن تسمح لأيّ شعور أن يتسلّل إليها. تبدو باردة، بعيدة، لكن خلف هذا الثبات تختبئ شخصية معقّدة، صلبة، تعرف كيف تحمي نفسها… وكيف تضع حدودًا لا يُسمح بتجاوزها. و على الجانب الآخر، يظهر سيف، رجل يعمل في الأمن الوطني، معتاد على السيطرة، لا يقبل الرفض، ويؤمن أن كل شيء يمكن إخضاعه لإرادته. شخصيته القوية والمغرورة لم تعرف يومًا التحدي الحقيقي حتى يلتقي بها. لقاءٌ عابر، يبدأ بموقفٍ مشحون، يتحوّل تدريجيًا إلى صراعٍ مفتوح بين شخصيتين لا تشبه إحداهما الأخرى. هي ترفضه بوضوح، وهو ينجذب أكثر كلما ابتعدت. وبين الرفض والإصرار، يتصاعد التوتر، ويتحوّل الحوار بينهما إلى مواجهة فكرية وعاطفية لا تخلو من الحدة والاشتباك. لكن ما يبدو مجرد صراع شخصي، سرعان ما يتداخل مع خيوطٍ أعمق، حين تدخل حور دون أن تدري في مسار قضية معقدة، تجعل وجودها مرتبطًا بعالم سيف، وتجبرهما على التواجد في مساحة واحدة، رغم رفضها لذلك. وهنا، لا يعود الصراع بينهما مجرد خلاف، بل يتحول إلى اختبارٍ حقيقي للقوة، للثقة، وللحدود التي ظنّا أنها ثابتة. الرواية لا تطرح قصة حب تقليدية، بل تغوص في معنى السيطرة، والاختيار، والخوف من التعلّق، وتطرح سؤالًا جوهريًا: هل يمكن لشخصٍ اعتاد أن يكون وحده أن يسمح لآخر بأن يقترب؟ محبوبتي… أحبّيني ليست مجرد حكاية انجذاب، بل رحلة صراع بين قلبٍ يرفض، وآخر لا يعرف كيف يتراجع.
عرض المزيديوم الثلاثاء، منتصف شهر أغسطس، الساعة السابعة وخمس وأربعون دقيقة مساءً
المكان مستشفى حكومي قسم الطوارئ. لم يكن المساء مختلفًا عمّا سبقه، أو هكذا خُيِّل إليّ. كانت الأضواء البيضاء الباردة تنعكس على الجدران، كأنها تحاول أن تُخفي ما تراكم فوقها من تعبٍ وإرهاق، وتمتزج رائحة المطهّرات بأنفاس القلق، فتُثقِل الهواء وتُعكِّره. كنت أتنقّل بين الأسرّة كعادتي، لا أطيل النظر في العيون، ولا أسمح لأي صوتٍ داخلي أن يعلو على صوت الواجب. أنا حور، طبيبة وهذا يكفيني. أما الحب، فترفٌ لا أؤمن به، ولا أحتاج إليه. "دكتورة حور، وصلت حالة إسعاف حالًا!" قطع صوت الممرضة سكون أفكاري المقتضبة، فالتفتُّ على الفور، وقد اعتدت أن أستجيب قبل أن أُفكّر. أُدخِل المصاب مسرعًا، شابٌّ في أواخر العشرينات، ينزف من كتفه، وقد شحب وجهه كأن الحياة قد انسحبت منه جزئيًا. "إصابة بطلقٍ ناري، والنزيف شديد!" لم أطرح أسئلة كثيرة، فالأجساد بالنسبة إليّ خرائط واضحة، أعرف من أين أبدأ، وإلى أين أنتهي. غير أنه لم يكن وحده. دخل خلفه رجلٌ آخر، بخطواتٍ ثابتة على نحوٍ لافت، كأن الفوضى المحيطة لا تعنيه. كانت عيناه أول ما شدّ انتباهي؛ حادّتان، ترصدان كل شيء دون أن تفصحا عن شيء. توقّف عند طرف السرير، وقال بصوتٍ خافتٍ لكنه يحمل نبرة الأمر "أنقذيه." رفعت بصري إليه لوهلة، ولم يُعجبني أسلوبه. "أنا لا أعمل بالأوامر." جاء ردّي باردًا مقتضبًا، كما اعتدت. لكنه لم يُجِب، بل اكتفى بنظرةٍ غريبة، كأنني نطقت بما لم يألف سماعه. لم أُبالِ. عدتُ إلى المصاب، أركّز على النزيف، وعلى الأدوات، وعلى كل ما يمكن السيطرة عليه إلا ذلك الإحساس الخفي بأن هناك من يراقبني بدقّة. لم تمضِ دقائق معدودة، حتى اختلّ إيقاع المكان. تعالت أصوات في الخارج، وتسارعت الخطوات، ثم اقتحام. اندفع رجلٌ إلى الداخل بعنف، عيناه تتقدان غضبًا، وفي يده سكين، يلتفت كمن يبحث عن فريسة. "أين هو؟! أين من طعن أخي؟!" تجمّد بعض الموجودين، وتراجع آخرون، أما أنا فلم أتراجع خطوة واحدة. كان يتّجه نحو سرير المصاب. في لحظة واحدة، وجدت نفسي بين خيارين أن أكون طبيبة فحسب، أم أن أكون شيئًا آخر. فاخترت، دون تردّد. اقترب، ورفع السكين، وقبل أن يهوي بها أمسكتُ معصمه بقوّة، أدرت جسدي بحركةٍ محسوبة، ضغطت على نقطةٍ أعرف أثرها، فانحنى قسرًا، ثم دفعته أرضًا بحزم. سقط السكين من يده، وارتطم بالأرض بصوتٍ حاد. وخيم صمتٌ ثقيل أشد وطأة من الصراخ. كنت أتنفّس بسرعة، لا خوفًا، بل أثر اندفاعٍ مفاجئ. رفعت رأسي فالتقت عيناي بعينيه. ذلك الرجل الذي دخل مع المصاب. كان ينظر إليّ، غير أن نظرته هذه المرة لم تكن عادية. لم تكن دهشة عابرة، ولا إعجابًا سطحيًا بل كانت بداية شيءٍ لم أفهمه، ولا رغبت في فهمه. اقترب خطوة، ثم قال بهدوءٍ غريب "ما اسمكِ؟" مسحت يدي بهدوء، وعدت إلى عملي كأن شيئًا لم يكن. "الدكتورة حور." سكت لحظة، ثم قال "أنا سيف." لم أُجِب. لكنني شعرت ولأول مرة منذ زمن أن هذا الاسم لن يمرّ كما تمرّ الأسماء. لم يكن الاسم وحده ما بقي عالقًا في ذهني، بل تلك النظرة التي رافقته نظرة رجلٍ لا يعتاد أن يُقابَل بالبرود. أشحتُ ببصري عنه، وعدتُ إلى عملي، كأن وجوده لا يعني لي شيئًا. وضعتُ الضماد بإحكام، وأعطيتُ تعليماتي للممرضة بصوتٍ ثابت "أحضري وحدة دم، وراقبي الضغط باستمرار." "حاضر دكتورة." كنت أتحرّك بدقّةٍ معتادة، غير أن إحساسي بالمكان تغيّر قليلًا، كأن حضوره قد أضاف ثِقَلًا غير مرئي إلى الهواء. لم يقترب، ولم يتحدّث، لكنه لم يغادر. شعرت به واقفًا هناك، عند طرف الغرفة، يراقب كل حركة، وكل تفصيل، وكأن الأمر يعنيه أكثر مما يُظهر. بعد دقائق، دخل أحد عناصر الأمن الداخلي للمستشفى، يتبعه اثنان من الحراس. ألقوا القبض على المعتدي الذي ما يزال يئنّ أرضًا، ثم أخرجوه بسرعة. عاد الهدوء تدريجيًا، لكن ذلك الهدوء لم يكن كما كان. "حالته مستقرة مؤقتًا، لكنه يحتاج إلى متابعة دقيقة." قلتُها دون أن أنظر إليه. مرّت لحظة صمت، ثم جاء صوته "سيعيش؟" نبرة صوته هذه المرة لم تكن آمرة، بل أقرب إلى طلبٍ يخفي قلقًا. أجبتُ بإيجاز "إذا لم تحدث مضاعفات، نعم." اقترب ببطء، حتى أصبح على مسافةٍ أقرب مما ينبغي. شعرت بذلك، لكنني لم أتراجع. قال "أحسنتِ." رفعتُ بصري إليه، وقد لمحت في كلمته شيئًا من التقييم لا الامتنان. "أنا لا أبحث عن الإطراء." كان ردّي قاطعًا. ابتسم ابتسامة خفيفة، بالكاد تُرى، ثم قال "واضح." انتهيتُ من تثبيت الضماد الأخير، ونزعتُ القفازين، ثم استدرتُ مغادرةً. لكن صوته أوقفني "حور." توقّفت. لم ألتفت فورًا، بل منحتُ اسمي لحظةً وهو يُنطق بصوته، كأنني أتحقّق من وقعه. ثم التفتُّ ببطء. "نعم؟" نظر إليّ مباشرة، وقال "ما فعلتِه قبل قليل لم يكن تصرّف طبيبة." أجبته بهدوء: "بل كان تصرّف إنسانٍ يعرف متى يجب أن يتدخّل." تأمّلني لثوانٍ، كأنه يحاول أن يقرأ ما خلف الكلمات، ثم قال "وأنتِ دائمًا هكذا؟" لم أفهم سؤاله تمامًا، أو ربما لم أرد أن أفهمه. "كيف؟" "تقفين في وجه الخطر دون تردّد." نظرت إليه نظرةً ثابتة، ثم قلت "أنا لا أقف في وجه شيء أنا فقط لا أهرب." ساد الصمت بيننا، لكنه لم يكن صمتًا فارغًا. كان كأن شيئًا خفيًا يتشكّل، دون أن يُعلَن. "يجب أن تُنقل الحالة إلى العناية المركزة." قلتُها أخيرًا، لأقطع ذلك الخيط غير المرئي. أومأ برأسه، ثم التفت إلى أحد مرافقيه الذي لم ألحظ دخوله، وأعطاه إشارة سريعة. بدأت إجراءات النقل، وانشغل الجميع بالحركة. أما أنا فعدتُ إلى مكاني الأول، إلى روتيني، إلى عالمي الذي لا مكان فيه للمفاجآت. أو هكذا ظننت. مرّت ساعة تقريبًا، انخفض خلالها صخب الطوارئ قليلًا، كأن الليل بدأ يفرض سكونه تدريجيًا. كنت أراجع بعض الملفات، حين شعرت بوجود أحدهم أمام المكتب. رفعتُ رأسي فكان هو. سيف. وقف بهدوء، هذه المرة دون توتر، ودون استعجال. "لم ترحلي بعد؟" سألني، كأنه يعرف الجواب. "عملي لم ينتهِ." أجبته بإيجاز. أطرق لحظة، ثم قال "عملك أم هروبك؟" ضيّقتُ عيني قليلًا، وقد لم يعجبني سؤاله. "هذا ليس من شأنك." رفع يده قليلًا، كأنه يعتذر دون كلمات. "ربما." ثم أضاف، بنبرة أخف "لكنني مهتم." صمتي هذه المرة كان مختلفًا. لم يكن رفضًا صريحًا، ولا قبولًا بل حذر. قلت أخيرًا "اهتمامك في غير محلّه." نظر إليّ مطولًا، ثم قال "سنرى." لم أفهم قصده تمامًا، لكن شيئًا في داخلي أخبرني أن هذه لم تكن نهاية اللقاء. بل بدايته في تمام الليلة ذاتها، الثلاثاء الساعة التاسعة وخمس عشرة دقيقة مساءً لم يكن الليل في المستشفى يشبه أي ليلٍ آخر. كان أطول أثقل وأكثر صدقًا. في الليل، تسقط الأقنعة. يتحوّل الصبر إلى تعبٍ صريح، والهدوء إلى صمتٍ مُرهِق، وتصبح الوجوه أكثر هشاشة مما تبدو عليه في ضوء النهار. كنت أسير في الممر الطويل المؤدي إلى العناية المركزة، أُمسك بملف المصاب، وأراجع حالته من جديد، لا لأنني بحاجة إلى ذلك بل لأن عقلي كان يرفض أن يهدأ. اسمه: رامي. العمر: ثمانية وعشرون عامًا. الإصابة: طلقة نارية في الكتف، مع فقدان دمٍ ملحوظ. لكن تلك لم تكن المشكلة. المشكلة لم تكن طبية. توقّفت أمام باب العناية المركزة للحظة، وضعت يدي على المقبض، ثم سحبت نفسًا هادئًا، ودخلت. الأجهزة تصدر أصواتًا منتظمة، والأضواء الخافتة تُلقي بظلالٍ طويلة على الجدران، والمكان ساكن، كأنه خارج الزمن. اقتربت من سرير رامي، راقبت المؤشرات الحيوية، كانت مستقرة نسبيًا. جسده استسلم أخيرًا للعلاج، لكن وجهه لم يكن مطمئنًا. كأن الألم لم يكن جسديًا فقط. "سيتجاوز هذه الليلة." جاء الصوت من خلفي. لم ألتفت مباشرة لأنني كنت أعرفه. "هذا ما قلته." أجبته وأنا أعدّل وضع الأنبوب الطبي. اقترب سيف بخطواتٍ أبطأ هذه المرة، حتى وقف بجانبي لكنني لم أنظر إليه. "أحتاج إلى يقين، لا إلى احتمال." قالها بنبرةٍ خافتة، لكنها مشدودة. أوقفتُ يدي لحظة، ثم التفتُّ نحوه. "في مهنتي، لا يوجد يقين هناك محاولات فقط." تأمّلني، وكأنه لا يعجبه هذا الجواب، أو ربما لا يفهمه. ساد الصمت بيننا، غير أن هذا الصمت لم يكن خاليًا من التوتر. قلت بعد لحظة "وجودك هنا غير مسموح لفترة طويلة." "سأبقى." أجاب دون تردد. رفعت حاجبي قليلًا "هذا ليس فندقًا." ابتسم بخفة، وقال "وأنتِ لستِ حارسة الباب." نظرت إليه ببرود "لكنني أستطيع إخراجك." اقترب نصف خطوة، ثم قال بصوتٍ أخفض "حاولي." تجمّدتُ لثانية. ليس خوفًا بل دهشة. لم يسبق أن تحدّاني أحد بهذا الشكل داخل مكاني عالمي حيث أتحكّم بكل شيء. لكنني لم أُظهر ذلك. استدرتُ عنه، وقلت بهدوء: "ابقَ إذًا، لكن لا تُعيق عملي." لم يُجب. لكني شعرت أنه انتصر في شيءٍ ما. وذلك لم يُعجبني. خرجتُ من الغرفة، لكنه تبعني. كنت أسير في الممر، وهو خلفي بخطواتٍ ثابتة، كأننا نسير في اتجاهٍ واحد، رغم أنني لم أطلب ذلك. توقّفت فجأة، فاضطر إلى التوقّف. التفتُّ إليه مباشرة "هل تتبعني؟" أجاب دون تردد "نعم." تجمّدتُ لحظة، ثم قلت بحدّة "ولماذا؟" نظر إليّ بثبات، وقال "لأنني لم أنتهِ بعد." ضيّقتُ عيني: "من ماذا؟" "منكِ." تسلّل الصمت بين الكلمات، لكنه لم يكن صمتًا عاديًا. كان كأن شيئًا يُقال دون أن يُنطق. قلت ببطء: "أنا لستُ قضية تعمل عليها." أجاب: "كل ما يلفت انتباهي يصبح كذلك." شعرتُ بانزعاجٍ حقيقي هذه المرة. "وأنا لا يلفتني هذا النوع من الرجال." ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال "أعرف." توقّفت. "تعرف؟" "نعم لأنكِ لم تنظري إليّ كما تنظر النساء." لم تعجبني كلماته، ولا ثقته. "وهذا يُريحني." قلتُها بوضوح لكنّه لم يتأثر. "لكنّه لا يُريحني." للحظة لم أعرف بماذا أُجيب. كان الحوار بيننا أشبه بصراعٍ خفي، كل كلمةٍ فيه محاولة للسيطرة، أو للانسحاب. لكن لا أحد منّا انسحب. "اسمع…" قلت أخيرًا، بنبرةٍ أكثر صرامة "أنا لا أعرفك، ولا أريد أن أعرفك. ما حدث اليوم كان ظرفًا طارئًا، وانتهى." نظر إليّ مطولًا، ثم قال: "الأشياء لا تنتهي بهذه السهولة." "بالنسبة لي تنتهي." اقترب خطوة، حتى أصبح قريبًا بما يكفي ليجعل المسافة غير مريحة. "ليس هذه المرة." شعرتُ بشيءٍ داخلي يتحرّك عندما نطق ليس خوفًا، بل إنذار. هذا الرجل ليس عابرًا. "ما عملك؟" سألته فجأة، لأقطع ذلك الشعور. أجاب دون تردد "الأمن الوطني." لم أتفاجأ. "واضح." رفع حاجبه "ماذا تقصدين؟" "أسلوبك." ابتسم قليلًا "وأنتِ؟" "طبيبة." "لا هذا ليس كل شيء." صمتي هذه المرة كان أطول. لأنه كان محقًا. لكنه ليس من حقه أن يعرف. "انتهى الحديث." قلتُها بوضوح، ثم استدرتُ لأغادر. لكن قبل أن أبتعد، قال بصوتٍ منخفض "سنلتقي مجددًا يا حور." توقّفت دون أن ألتفت. "ليس بالضرورة." أجبته. "بل حتمي." تابعتُ سيري، دون أن أنظر خلفي. لكنني كنت أعلم بوضوحٍ لم أعتده أن هذه الخطوات لم تكن ابتعادًا عنه. بل اقترابًا من شيءٍ أكبر، شيءٍ لم أختره لكنه بدأ. في تلك الليلة، لم يكن ما أنقذته حياة رامي فقط بل كان شيئًا آخر قد استيقظ، رغمًا عني. في اليوم التالي المصادف الأربعاء، الساعة الحادية عشرة وخمس دقائق صباحًا في مستشفى حكومي في الممر جانبي مؤدٍ إلى قاعة الاستراحة وفي الصباح، تبدو الأشياء أقل وضوحًا لكنها أكثر خداعًا. لم أنم سوى ساعاتٍ قليلة، لكنني لم أكن من النوع الذي يسمح للإرهاق أن يظهر. العمل كان دائمًا ملجئي الوحيد المكان الذي أُخفي فيه كل ما لا أريد مواجهته. مررتُ بالممر الجانبي بخطواتٍ متزنة، أحمل كوب قهوة لم أحتسِ منه بعد، وعيناي تتابعان الطريق دون اهتمامٍ بمن حولي. كنت أظن أو ربما أردت أن أظن أن الأمس قد انتهى. لكن بعض الأشخاص لا ينتهون بهذه السهولة. "صباح الخير، دكتورة." توقّفتُ. الصوت لم يكن غريبًا. رفعتُ بصري ببطء، فكان هو سيف. واقفًا أمامي، كأنه لم يغادر المكان منذ الأمس، بنفس الهدوء المستفز، ونفس النظرة التي لا تطلب الإذن. لم أُجبه مباشرة. اكتفيتُ بنظرةٍ سريعة، ثم هممتُ بتجاوزِه. لكنه تحرّك خطوة ليمنعني. رفعتُ حاجبيّ ببرود "ابتعد." ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال "هذا ليس ترحيبًا مناسبًا." "ولم أطلب حضورك لتُرحّب بك." أجبته دون أن ألين. ظلّ واقفًا أمامي لا يتراجع، ولا يتوتر. كأنه اعتاد أن تُفتح له الطرق لا أن تُغلق. "كنتُ أفكّر بكِ." قالها ببساطة. نظرتُ إليه نظرةً باردة: "هذا شأنك، لا يعنيني." اقترب خطوة، هذه المرة أكثر جرأة. "يبدو أنكِ تتعمدين هذا." ضيّقتُ عيني "أيّ شيء؟" قال بأستفزاز "البرود الرفض هذه الطريقة." لم أجب. لكنه تابع، بصوتٍ أخفض "كأنكِ تحاولين إثبات أنكِ مختلفة." كانت تلك اللحظة أول لحظة أشعر فيها بانزعاجٍ حقيقي منه. ليس لأنه اقترب، بل لأنه ظنّ أنه فهمني. "انتهِ من حديثك." قلت بوضوح. لكنّه لم ينتهِ بل اقترب أكثر، حتى أصبحت المسافة بيننا غير مريحة. "النساء عادةً يفعلن ذلك في البداية." قالها بثقة. رفعتُ بصري إليه ببطء "أيّ نساء؟" ابتسم!!، ابتسامة واثقة أكثر مما ينبغي. "اللواتي يقلن لا وهنّ لا يقصدنها." صمتٌ ثقيل. لكنه لم يكن صمتًا عاديًا. كان لحظة فاصلة بين ما يمكن احتماله، وما لا يُغتفر. وضعتُ كوب القهوة جانبًا، ببطءٍ متعمّد، ثم نظرتُ إليه نظرةً ثابتة. "استمع إليّ جيدًا." قلتُها بهدوءٍ خطير. لكنه لم يتراجع. بل نظر إليّ بنفس الثبات، وكأنه ينتظر. وفي لحظةٍ واحدة رفعتُ يدي، وصفعته. صوت الصفعة تردّد في الممر، واضحًا حادًا لا يقبل التأويل. سكون لم يتحرّك لم يتكلّم. فقط نظر إليّ. لكن نظرته هذه المرة كانت مختلفة لم تكن واثقة، ولا مستفزّة بل مصدومة. "لا تضعني مع أحد." قلتُها ببرود، ونبرةٍ لا تقبل النقاش. "ولا تحاول أن تُفسّرني بعقلك المحدود." ظلّ صامتًا فأكملت "أنا لا أقول لا إلا عندما أعنيها." تراجعتُ خطوة، ثم حملتُ كوب القهوة من جديد، وكأن شيئًا لم يحدث. لكن قبل أن أغادر، توقّفتُ لثانية، دون أن أنظر إليه. "وتذكّر هذا جيدًا يا سيف" قلت بصوتٍ منخفض "أنا لستُ امرأةً تحاول إقناعك أنا امرأةٌ تستطيع أن تُسقِطك." ثم غادرت. خطواتي كانت ثابتة، أنفاسي منتظمة، ووجهي هادئ كما كان دائمًا. لكن في داخلي كان هناك شيءٌ يتحرّك. ليس ندمًا ولا خوفًا بل إدراك. أما هو فبقي مكانه. لم يلحق بي، ولم ينادِ. لكنني كنت أعلم حتى دون أن أراه أن تلك الصفعة لم تكن نهاية. بل بداية شيءٍ أكثر خطورة. في الساعة الواحدة ظهرًا حتى السابعة مساءً اتجهت إلى مقهى القريب من المستشفى وأخيرًا شارع جانبي مزدحم لم تكن الصفعة مجرّد ردّ فعل. كانت إعلانًا. إعلانًا بأنني لن أكون جزءًا من لعبةٍ لم أخترها، ولا انعكاسًا لصورةٍ جاهزة في ذهن رجلٍ اعتاد أن يرى النساء على مقاسه. لكن، بعض الرجال لا يفهمون الإعلانات. بل يعتبرونها تحدّيًا. "أقسم لكِ يا حور، لو كنتُ مكانكِ لهربت." قالتها ليلى، وهي تضع يديها على الطاولة في غرفة الاستراحة، وعيناها تتّسعان بفضولٍ لا تُخفيه. ليلى صديقتي الوحيدة هنا، ممرضة، تتحدّث أكثر مما تفكّر، لكنها ترى ما لا يقوله الآخرون. "ومن قال إنني أهرب؟" أجبتُها بهدوء، وأنا أرتّب ملفاتي. اقتربت مني أكثر، وخفّضت صوتها "أنا لا أتحدث عن الخوف بل عن الذكاء." رفعتُ بصري إليها "توضحي." تنهدت، ثم قالت "الرجل الذي صفعتِه ليس عاديًا." "ولا أنا." كان ردّي قاطعًا. ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكنها لم تقتنع "حور هذا ليس إعجابًا عابرًا، أنا رأيتُ كيف كان ينظر إليكِ أمس." تجاهلت كلامها، أو حاولت. لكنها أكملت "وهؤلاء الرجال لا يحبّون الرفض." لم أردّ لأنني كنت أعرف ذلك. خرجتُ من الاستراحة، متجهة إلى السطح، كنت بحاجة إلى بعض الهواء، إلى مساحةٍ لا تُحاصرني فيها الجدران. السطح كان شبه خالٍ، الريح خفيفة، والشمس بدأت تميل نحو الغروب. وقفتُ قرب الحافة، أراقب المدينة من الأعلى، الضجيج يبدو أبعد من هنا أقل إزعاجًا. أغمضتُ عيني للحظة. لكن قاطعني صوته "عادةً، من يصفع لا يختبئ بعدها." فتحتُ عيني. لم أحتج أن ألتفت. "وأنت عادةً، لا تفهم الإشارات." قلتُها ببرود. اقترب سيف، حتى وقف بجانبي، ليس قريبًا جدًا لكن قريب بما يكفي. "كنتُ أبحث عنكِ." قالها ببساطة. نظرت أمامي، لا إليه "وهل أنا مفقودة؟" "بالنسبة لي نعم." صمتٌ قصير. ثم قلت "لا تحوّل الأمر إلى شيءٍ ليس كذلك." "وأنتِ لا تحاولي إنكاره." التفتُّ إليه هذه المرة. "ما الذي تريده؟" سألته بوضوح. نظر إليّ، دون تردّد "أنتِ." لم أتفاجأ. لكنني لم أتقبل ذلك. "لن تحصل عليه." قلتُها بصرامة. اقترب خطوة، لكن هذه المرة لم يحاول لمسّي. "لم أطلب إذنًا." ضيّقتُ عيني "وهذا خطأك." قبل أن يُجيب، دخل شاب إلى السطح، يتحدّث في هاتفه بصوتٍ مرتفع. "أجل يا سيف، أنهيت الموضوع" توقّف حين رآنا، ثم ابتسم ابتسامة جانبية. "آه، واضح أنني قاطعت مشهد مهم." تنفّست ببطء. "هذا من؟" سألت ببرود. أجاب سيف: "هذا مازن." اقترب الشاب، ومدّ يده بطريقةٍ مرحة "مازن صديق هذا المتغطرس منذ الطفولة." لم أمدّ يدي. فاكتفى بابتسامةٍ أوسع "واضح أنكِ مختلفة الآن فهمت." نظرتُ إليه لحظة، ثم قلت "وأنت واضح أنك تتحدث كثيرًا." ضحك بخفّة "أحبّ الأشخاص المباشرين." ثم نظر إلى سيف "بالمناسبة لم أرك هكذا من قبل." لم يُجب سيف. لكنني لاحظت أن وجود شخصٍ ثالث غيّر شيئًا في الجو. "عندي عمل." قلتُها، ثم استدرتُ مغادرةً. لكن سيف قال خلفي "لن ينتهي هذا هنا." لم أتوقف. "انتهى بالنسبة لي." في تمام الساعة الخامسة مساءً كنت أجلس وحدي، أمام كوب قهوةٍ لم ألمسه، أحاول أن أستعيد هدوئي أو ما تبقّى منه. لم أعتد أن أخرج من المستشفى خلال الدوام، لكنني احتجت مسافة. "لو كنتُ أعرف أنكِ هنا لكنتُ جئتُ أبكر." أغمضتُ عيني لثانية ثم فتحتها. "هل تلاحقني؟" سألته مباشرة. جلس أمامي دون استئذان "أصادفكِ." تنفّست ببطء "هذا لم يعد مضحكًا." نظر إليّ بجدية هذه المرة "وأنا لستُ أمزح." قبل أن أُجيب، وصلت فتاة إلى الطاولة المجاورة، ثم اقتربت فجأة. "سيف؟" رفع رأسه "رنا." ابتسمت الفتاة، نظرت إليّ سريعًا، ثم قالت "لم أرك منذ فترة همم" توقّفت، ثم أضافت بنبرة خفيفة "يبدو أنك مشغول." نظرتُ إليها لحظة، ثم إلى سيف و فهمت. هذه ليست أول مرة. وقفتُ بهدوء، التقطت حقيبتي. "استمتعوا." قلتُها دون اهتمام. لكن قبل أن أبتعد، أمسك سيف بيدي. تجمّدت و نظرت إلى يده ثم إليه. "اترك." قلتُها ببرود. لكن هذه المرة لم يترك فورًا. كانت لحظة قصيرة، لكنها كانت كافية. نظرت إليه نظرةً حادة، ففهم. ترك يدي. "لا تلمسني مرةً أخرى." قلتُها بهدوءٍ مخيف ثم غادرت. الساعة السابعة مساءً افي شارع جانبي قرب المستشفى كنت أسير بسرعة، أحاول أن أستعيد سيطرتي. لكن صوت خطواتٍ خلفي لم يكن غريبًا. توقّفت. التفتُّ فكان هو مرةً أخرى. "هل انتهيت؟" سألته ببرود. اقترب، لكن هذه المرة لم يكن مستفزًا كما قبل. "لا." "أما أنا فقد انتهيت." قلتُها بوضوح. نظر إليّ ثم قال "حور" سكت لحظة، ثم أضاف بصوتٍ أخفض "أنا لا أعتذر." رفعتُ حاجبي "لم أتوقع ذلك." "لكنني لا أنسى." صمت ثم قال "ولا أتراجع." نظرت إليه نظرةً أخيرة، ثم قلت "وهذا ما سيُسقِطك." استدرتُ وغادرت. لكن هذه المرة كنت أعلم أن الأمر لم يعد مجرّد مطاردة. بل أصبح صراعًا. لم أنم تلك الليلة. ليس لأنني كنت أفكّر به بل لأنني كنت أفكّر في نفسي. في ردودي في صمتي، وفي ذلك الشعور الذي بدأ يتسلّل دون إذن. وهذا ما لم أسمح به يومًا. في صباح اليوم التالي في تمام الساعة الثامنة صباحًا في المستشفى "دكتورة حور، هناك من يسأل عنكِ." قالتها الممرضة ليلى، وهي تضع بعض الملفات أمامي، لكن نظرتها كانت تحمل ما هو أكثر من مجرّد رسالة. لم أرفع رأسي فورًا. "من؟" سألتُ بهدوء. "هذه المرة ليس هو." رفعتُ بصري. "ماذا تقصدين؟" ابتسمت ابتسامة خفيفة "رجل يبدو رسميًا لا يشبهه." خرجتُ إلى الممر، فوجدت رجلًا في أواخر الثلاثينات، يرتدي بدلة داكنة، يقف بثباتٍ لا يخلو من الهيبة. "الدكتورة حور؟" أومأتُ. "أنا العقيد ناصر." توقّفت لحظة. "من الأمن الوطني." لم أتفاجأ لكنني لم أرتح. "خير؟" سألته مباشرة. نظر إليّ نظرةً دقيقة، ثم قال "نحتاج إلى بعض وقتك." أجبت "أنا في العمل." "وهذا الأمر يتعلّق بعملك." نظرت إليه بصمت ثم قلت "تفضل." في تمام الساعة التاسعة صباحًا في غرفة الأطباء تحديداً جلس أمامي، ووضع ملفًا على الطاولة. "الحالة التي عالجتِها أمس رامي." أومأتُ "نعم." "هو شاهد مهم في قضية حساسة." بدأت الصورة تتضح لي "وما علاقتي بذلك؟" سألته. فتح الملف، وأخرج صورة. "ما حدث في الطوارئ لم يكن صدفة." نظرت إلى الصورة، كان الرجل الذي اقتحم الغرفة. "كان يحاول إنهاءه." رفعتُ بصري إليه "وهذا واضح." "لكن ما ليس واضحًا يا دكتوره حور " توقّف لحظة، ثم أكمل "أنكِ أصبحتِ جزءًا من المشهد." ساد الصمت. "أنا طبيبة." قلتُها بصرامة. "وأنتِ شاهدة." أجاب بهدوء. لم يعجبني ذلك. "وماذا تريدون؟" "حمايتكِ." ابتسمت بسخرية خفيفة "لا أحتاجها." نظر إليّ بثبات "هذا ليس خيارًا." في تلك اللحظة فُتح الباب. دخل سيف و تجمّدتُ للحظة، ليس لوجوده بل لتوقيته. نظر إليّ، ثم إلى العقيد ناصر. "بدأت بدوني؟" قالها بهدوء. نظرت بينهما "أنتم تعملون معًا؟" أجاب ناصر "هو المسؤول عن الملف." شعرت بشيءٍ داخلي يتصلّب. التفتُّ إلى سيف "إذًا هذا هو السبب." اقترب قليلًا، ثم قال "أيّ سبب؟" قلت له "اهتمامك." لم يُنكر بل قال بهدوء "هذا جزء منه." الساعة الواحدة ظهرًا اتجهت خارج المستشفى كنت أسير بسرعة، أحاول أن أستوعب ما حدث. لم يعد الأمر مجرّد لقاءات عابرة ولا استفزازات بل أصبح تشابكًا. "حور." صوته خلفي. توقّفت لكنني لم ألتفت. "لم أخبركِ لأنني كنت أريد أن" قاطعته "أن تراقبني؟" اقترب،ثم قال "أن أحميكِ." التفتُّ إليه أخيرًا. "أنا لا أحتاجك." قلتُها بوضوح. نظر إليّ ثم قال "لكنّكِ تحتاجين الحقيقة." "وأنت الحقيقة؟" سألته بسخرية "جزءٌ منها." صمت.ثم أضاف "وهذا الجزء لن يترككِ." الساعة السابعة مساءً وجدت نفسي داخل السيارة لم أعرف كيف وافقت. ربما لأنني أردت أن أفهم أو لأنني لم أعد أستطيع تجاهل الأمر. كنت أجلس في المقعد الأمامي، أنظر عبر النافذة، والمدينة تمرّ بجانبي كأنها لا تعنيني. سيف يقود بصمت. "إلى أين؟" سألته. "مكان آمن." ضحكت بخفّة "وهل أبدو مهدّدة؟" لم يُجب فورًا ثم قال "أكثر مما تعتقدين." التفتُّ إليه "اشرح." تنفّس ببطء، ثم قال "رامي ليس مجرّد مصاب هو يحمل معلومات عن شبكة خطيرة." بدأت الأمور تتعقّد. "وما دخلي أنا؟" "لأنكِ أنقذته." صمت ثم أضاف "ولأن أحدهم رآكِ." شعرت بشيءٍ بارد يسري داخلي. "ماذا يعني هذا؟" سألته. نظر إليّ للحظة ثم قال "يعني أنكِ لم تعودي خارج اللعبة." توقّفت السيارة و نظرت حولي مكان هادئ، مظلم نسبيًا. "انزلي." قالها بهدوء. نزلتُ ووقفتُ أمامه. "هذا هو؟" سألته. أومأ. "وهل سأبقى هنا؟" "مؤقتًا." نظرت إليه مطولًا ثم قلت "هذا ليس طلبًا أليس كذلك؟" صمت قصير ثم قال "لا." في تلك اللحظة فهمت. هذا لم يعد مجرد اقترابٍ خطير بل أصبحوإجبارًا. نظرت إليه بثبات ثم قلت "أنت لا تحميني" توقّفت لحظة، ثم أكملت "أنت تقيّدني." نظر إليّ لكنّه لم يُنكر. وهنا بدأ شيءٌ آخر. ليس بيني وبينه فقط بل داخلي أنا. من الساعة العاشرة ليلًا حتى ما بعد منتصف الليل في هذا المنزل كان المكان مغلق، خاص، معزول نسبيًا ثم محيط خارجي شبه مظلم لم أحبّ المكان منذ اللحظة الأولى. ليس لأنه مخيف بل لأنه صامت أكثر مما ينبغي. الصمت هنا لم يكن راحة، بل رقابة. "ستبقين هنا مؤقتًا." قالها سيف، وهو يفتح الباب ويدخل أولًا، كأن المكان امتدادٌ لسلطته. دخلتُ خلفه ببطء و نظرت حولي غرفة بسيطة، مرتّبة بدقة، لا تحمل أي ملامح شخصية. كل شيء فيها يبدو وكأنه موجود فقط ليؤدي وظيفة. تمامًا كالعلاقة التي يحاول فرضها. "لا يعجبني." قلتُها مباشرة. أغلق الباب، ثم التفت إليّ "ليس مطلوبًا أن يعجبكِ." نظرت إليه بثبات "إذًا لماذا أنا هنا؟" اقترب خطوة، ثم قال بهدوء "لأنكِ في خطر." ضحكت بخفّة، لكنها لم تكن سخرية بل رفض. "الخطر لا يُواجه بالاختباء." أجبته "وأحيانًا يُدار." ردّ بهدوء صمتٌ قصير ثم قلت "لن أبقى." اقترب أكثر، لكن هذه المرةولم يكن مستفزًا كما اعتاد. كان أكثر هدوءًا وأكثر إصرارًا. "ستبقين." "هذا ليس قرارك." قلتُها بوضوح. نظر إليّ، ثم قال "بل هو." في تلك اللحظة عاد ذلك الشعور. ذلك الصراع الذي لا أقبله أن يُفرَض عليّ شيء. "أنا لا أُؤمر." قلتُها بصرامة. لكنه لم يتراجع. "وأنا لا أترك ما يخصّني." تجمّدتُ. "أنا لا أخصّك." اقترب خطوة أخيرة، حتى أصبح قريبًا بما يكفي ليجعل الكلمات أثقل. "ليس بعد." رفعت يدي ليس لأصفعه هذه المرة بل لأبعده. وضعت كفّي على صدره، ودفعته خطوة إلى الخلف. "لا تختبر صبري." نظر إلى يدي ثم إليّ. ولأول مرة لم يقترب. تراجع نصف خطوة، ثم قال بهدوء مختلف "هناك حراسة خارجية، وكاميرات، وكل شيء تحت السيطرة." "وأنا؟" سألته. "أين أنا من كل هذا؟" صمت لحظة ثم قال "أنتِ السبب." جلستُ على الأريكة، أضع يدي على جبيني، أحاول أن أرتّب ما يحدث. أنا التي اعتدت أن أكون خارج الفوضى، في قلبها الآن. "كم سيستغرق هذا؟" سألته دون أن أنظر إليه. قال وهو يتحرك"حتى ننتهي." "ومن يقرر ذلك؟" توقف ونطق "أنا." أغمضتُ عيني. "هذا ما كنت أخشاه." منتصف الليل لم أنم. كنت أقف قرب النافذة، أنظر إلى الخارج الشارع هادئ، لكن ليس مطمئنًا. كل شيء بدا مترقّبًا. "لا تنامين؟" صوته خلفي لم ألتفت إليه. "لا أثق بالأماكن الجديدة." اقترب، لكن هذه المرة وقف بعيدًا. "وأنا؟" سكتُّ ثم قلت "أثق بنفسي." ابتسم بخفّة لكن لم يعلّق. "حور" قال اسمي بنبرة أقل حدّة أقل سيطرة. "أنا لا أفعل هذا لأقيّدك." التفتُّ إليه أخيرًا. "لكن هذا ما يحدث." نظر إليّ طويلًا ثم قال "ربما لأنني لا أعرف طريقة أخرى." كانت تلك أول مرة لا يبدو فيها مسيطرًا بالكامل. لكنني لم أُضعف. "هذا ليس عذرك." قبل أن يُجيب صوتٌ مفاجئ. ضربة خفيفة ثم أخرى. تجمّد و نظرت إليه. "سمعت؟" أشار بيده أن أبقى مكانِ، ثم تحرّك بسرعة نحو الباب. صوتٌ في الخارج همسٌ، ثم ارتطام. فتحتُ درج الطاولة القريبة سكين صغيرة و تقدّمت خطوة. "ابقَي مكانك." قالها بصوتٍ منخفض. لكنني لم أكن من النوع الذي ينتظر. وفي لحظة انفتح الباب بعنف. دخل رجلان. كل شيء حدث بسرعة. سيف اشتبك مع الأول، أما الثاني فاتجه نحوي. لم أتراجع. اقترب، حاول الإمساك بي لكنني تحرّكت بسرعة و أمسكت معصمه، لويتُه، ثم ضربتُه في جانبه بقوة. حتى تراجع،د لكنه لم يسقط. أعاد الهجوم لكن هذه المرة كنت مستعدة. أسقطته أرضًا و صوت ارتطام، أنفاس متقطعة وصمتٍ عاد فجأة. نظرت حولي سيف أنهى الآخر. التقت أعيننا لكن هذه المرة لم تكن نظرة تحدٍّ. بل اعتراف. اقترب ببطء، ينظر إليّ كما لو أنه يراها لأول مرة. "أنتِ" توقّف ثم قال "أخطر مما توقعت." تنفّست ببطء ثم قلت "وأنت" نظرت إليه بثبات "متأخر في الفهم." في تلك الليلة لم يعد الخطر احتمالًا. بل أصبح واقعًا. ولم يعد الصراع بيني وبينه فقط بل مع العالم من حولنا. في تمام الساعة الواحدة بعد منتصف الليل حتى التاسعة صباحًا لم ينتهِ الليل عند تلك اللحظة. بل بدأ منها. كان الصمت الذي أعقب الاشتباك أثقل من الضجيج نفسه، كأن الجدران تحتفظ بصدى ما حدث، وترفض أن تنساه. الرجلان على الأرض، أنفاسهما متقطعة، وأثر العنف لا يزال عالقًا في الهواء. أما أنا فكنت واقفة. هادئة. كأن شيئًا لم يكن. "هل أُصبتِ؟" سألني سيف، وهو يقترب. نظرت إليه سريعًا، ثم قلت "لا." لم تكن إجابة فقط بل تأكيد. أومأ، ثم التفت إلى جهاز الاتصال، وأعطى أوامر سريعة. خلال دقائق، امتلأ المكان برجال الأمن، أصوات، خطوات، قيود تُغلق لكنني لم أعد أرى شيئًا من ذلك. كنت أرى شيئًا واحدًا فقط كيف تحوّلتُ من شاهدة إلى هدف. في الساعة الثالثة فجرًا جلستُ في زاوية الغرفة، أراقب بصمت. سيف كان يتحدّث مع العقيد ناصر في الجهة الأخرى، نبرة صوته منخفضة، لكن ملامحه لم تكن كذلك. كان غاضبًا. "هذا خرق واضح!" سمعت ناصر يقول. "كيف عرفوا الموقع؟" صمت ثم صوت سيف "هناك تسريب." تجمّدتُ قليلًا. "تسريب؟ ومن؟" سأل ناصر. لكن الإجابة لم تأتِ و بعد قليل، اقترب سيف مني وقف أمامي، ينظر إليّ لا كمن يحاول السيطرة، بل كمن يحاول أن يفهم. "علينا أن نغادر." قالها بهدوء. رفعت بصري إليه "إلى أين؟" "مكان آخر." ابتسمت بمرارة خفيفة "بيت آخر؟ قيد آخر؟" لم يُجب فورًا ثم قال "حور الأمر لم يعد بسيطًا." "لم يكن يومًا بسيطًا." أجبته. صمت. ثم جلس أمامي، لأول مرة على نفس المستوى. "هم لم يأتوا من أجلكِ فقط." نظرت إليه بثبات "بل لأنني كنت هنا." "ولأنكِ الآن مرتبطة بالقضية." أغمضتُ عيني لثانية ثم قلت "وأنت." رفع حاجبه "أنا؟" "أنت من ربطني بها." لم يجادلني لم يُنكر. بدأ الوقت يسير كأنه كأنه جرح يتسرب وفي تمام الساعة السادسة صباحًا في مبنى الأمن الوطني الغرفة باردة ليست بدرجة الحرارة بل بإحساسها. جدران صامتة، طاولة معدنية، كرسيان متقابلان. جلستُ على أحدهما. دخل العقيد ناصر، يتبعه سيف. "سنطرح بعض الأسئلة." قال ناصر "افعل." أجبته دون تردد. بدأ الحديث عن الأمس، عن الهجوم، عن أي تفصيل قد يبدو عابرًا. كنت أجيب بدقة و بهدوء، كما أفعل دائمًا. لكن في لحظة "هل لاحظتِ أحدًا يراقبكِ قبل الحادث؟" توقّفت لم يكن سؤالًا عاديًا. "لا." أجبت. نظر إليّ سيف، نظرة قصيرة لكنها كانت كافية. كأنه لم يقتنع. "حور" قالها ناصر بهدوء: "هذا مهم." نظرت إليه مباشرة "وأنا لا أقول إلا ما رأيت." ساد الصمت. ثم أغلق الملف."حسنًا." خرج ناصر وبقي سيف. وقف للحظة ثم قال "كذبتِ." رفعت بصري إليه ببطء. "أعد السؤال." اقترب خطوة "هل رأيتِ أحدًا؟" صمتُّ ثم قلت "ربما." اقترب أكثر، لكن هذه المرة لم يكن تهديدًا. بل ضغط. "من؟" نظرت إليه ثم قلت "لا أعرفه." "لكن؟" "لكنني شعرت أن أحدهم كان يتابعني." صمت ثم قال "لماذا لم تخبريني؟" نظرت إليه بثبات "لأنني لا أثق بسهولة." كانت تلك الجملة أثقل مما بدت. صمت سيف للحظة. ثم قال بهدوء مختلف "وماذا عني؟" نظرت إليه طويلًا ثم قلت "أنت" توقّفت. "أنت الخطر الذي أراه بوضوح." لم يغضب. لكن نظرته تغيّرت لم تعد نظرة مطاردة بل نظرة مواجهة "جيد." قالها بهدوء. "لأنني لا أنوي الاختباء." نهض ثم أضاف "من الآن فصاعدًا لن أترككِ وحدكِ." وقفتُ أنا أيضًا. "هذا ليس وعدًا" قلت ثم نظرت إليه مباشرة "هذا تهديد." ابتسم ابتسامة خفيفة، لكنها لم تكن مستفزة هذه المرة. "كما تشائين." في تلك اللحظة أدركت شيئًا. أن الخطر لم يعد فقط خارج الجدران بل داخلها أيضًا. داخل هذا الصراع بينه وبيني. وبين ما أريده وما يُفرض عليّ. الخروج من غرفة التحقيق لم يكن خروجًا حقيقيًا. كان أشبه بانتقالٍ من دائرةٍ ضيقة إلى دائرةٍ أوسع، لكنها لا تقلّ إحكامًا. سرتُ في الممر الطويل، خطواتي ثابتة، وصوت حذائي ينعكس على الأرضية الصلبة بإيقاعٍ منتظم، كأنه يذكّرني أنني ما زلت أملك شيئًا واحدًا فقط السيطرة على نفسي. أما ما حولي فلم يعد كذلك. "دكتورة حور!" التفتُّ و كانت ليلى، تقترب مسرعة، وعلى وجهها ذلك القلق الذي لا تعرف كيف تُخفيه. وقفت أمامي، تلتقط أنفاسها، ثم قالت "أين كنتِ؟ المستشفى كله يبحث عنكِ!" نظرتُ إليها لحظة ثم قلت بهدوء "انشغلت." ضيّقت عينيها "انشغلتِ؟ بهذا الشكل؟" لم أُجب لكنها لم تصمت. "وهذا الرجل" توقّفت مبصره لها ثم خفّضت صوتها "الذي معكِ دائمًا الآن من هو؟" نظرتُ أمامي، لا إليها. "ليس من شأنك." سكتت لحظة، ثم قالت بنبرةٍ أخف "حور أنا أعرفكِ. أنتِ لا تدخلين في مشاكل." ابتسمتُ ابتسامة خفيفة، لا تحمل فرحًا. "لم أدخل بل أُدخلت." لم تفهم، أو ربما لم أترك لها مجالًا لتفهم. "عليكِ العودة." قالتها بجدية. "المرضى" قاطعتها "ليس اليوم." نظرت إليّ بدهشة "ماذا؟" لم أُكمل بل تحرّكت و خرجتُ من المبنى. الضوء في الخارج كان قويًا، كأن الشمس تحاول أن تُعيدني إلى واقعٍ طبيعي لكنني لم أعد فيه. وقفتُ للحظة في الساحة، أتنفّس بعمق، أحاول أن أستعيد إحساسًا بسيطًا أنني أملك قراري. "لن تعودي اليوم." أغمضتُ عينيةالصوت لم أعد أحتاج إلى الالتفات لأعرفه. لكني التفتُّ كان يقف خلفي، كما لو أنه جزء من الظل. سيف. نظرت إليه مباشرة "لم أطلب إذنك." اقترب خطوة، لكن هذه المرة لم يكن مستفزًا بل ثابتًا. "وأنا لم أعطِه." "هذا عملي." قلتُها بوضوح. "وأنتِ الآن تحت الحماية." "لا أريدها." "ليست خيارًا." صمت. كان الهواء بيننا ثقيلًا، كأن الكلمات نفسها أصبحت عبئًا. نظرت إليه طويلًا، ثم قلت "تعرف ما المشكلة فيك؟" لم يُجب. "أنك تعتقد أن كل شيء يُفرض يصبح صحيحًا." تغيّرت نظرته قليلًا، لكنّه لم يتراجع. "وأنتِ تعتقدين أن الرفض يحلّ كل شيء." "على الأقل لا يسلبني نفسي." اقترب أكثر. ليس كثيرًا لكن بما يكفي ليجعل وجوده محسوسًا. "ما يحدث ليس خيارًا يا حور." "كل شيء خيار." قلتُها بثبات "حتى هذا؟" سألني. نظرت إليه ثم استدرت. خطوة واحدة. لكنها كانت كافية لأُعلن موقفي. "إن خرجتِ الآن" قالها خلفي.و توقّفت. "لن أستطيع ضمان ما سيحدث." سكتُّ الكلمات لم تكن تهديدًا مباشرًا. لكنها لم تكن بريئة. نظرت أمامي،الشارع، الضوء، الحياة التي تبدو طبيعية. ثم نظرت داخلي. هل أعود وأقبل بما يُفرض عليّ؟ أم أمضي وأواجه ما لا أعرفه؟ لم ألتفت إليه لكنني سألته "وهل تضمن نفسك؟" صمت لكنه لم يُجب. ابتسمت ابتسامة خفيفة، بلا دفء. ثم قلت "هذا ما ظننته." ومضيت. خطواتي هذه المرة لم تكن سريعة، ولا مترددة بل حاسمة. كنت أعلمةأنه خلفي. يراقبولا يمنع ولا يبتعد لكنني لم ألتفت. لأنني إن فعلت ربما لن أستطيع أن أُكمل. في ذلك اليوم لم أختر الأمان. اخترت المواجهة لكنني لم أكن أعلم أن المواجهةكانت قد بدأت بالفعل. يوم الجمعة من الساعة الرابعة عصرًا حتى ما بعد العاشرة ليلًا كان للشارع عام مزدحم كنت اسير لم ألتفت. لم أكن أريد أن أرى إن كان خلفي أو إن كان قد تركني أخيرًا. لكن بعض الحضور لا يحتاج إلى دليل هو يُشعَر به. الشارع كان مزدحمًا، أصوات الباعة، السيارات، الوجوه التي تمرّ دون أن تلاحظ شيئًا. سرتُ بين الناس، أحاول أن أذوب فيهم، أن أكون واحدةً منهم لا هدفًا، ولا قضية. لكن ذلك الشعور لم يغادرني. أنني مرئية. توقّفتُ فجأة.د شيءٌ ما لم يكن طبيعيًا. نظرت حولي، الوجوه عادية لكن الإحساس لم يكن كذلك. ثم رأيته. رجل يقف على الطرف الآخر من الشارع، عيناه مثبتتان عليّ. تجمّدتُ لثانية ليس خوفًا بل تحليل و تحرّكتُ بسرعة، غيّرت اتجاهي دخلت زقاقًا جانبيًا. الضوء هنا أقل والصمت أثقل. خطوات خلفي توقّفت. التفتُّ لكنه لم يكن هو. كان رجلًا آخر. "توقّفي." قالها بصوتٍ منخفض. لم أجب لقد اقترب خطوة وفي لحظة أمسكتُ معصمه، لففته بقوة ودفعته نحو الجدار. "لا تقترب." قلتُها ببرود. لكنه ابتسم ابتسامة لم تعجبني. "أنتِ المشكلة." قبل أن أفهم صوت آخر. "ابتعد عنها." جاء صوته حادًا. سيف. دخل بسرعة، ودفع الرجل بعيدًا عني بعنف. لم يكن ذلك اشتباكًا عاديًا. كان غضبًا وضربة ثم أخرى، حتى سقط الرجل أرضًا. "كفى!" قلتُها. لكنه لم يتوقف فورًا. اقتربتُ منه، أمسكتُ ذراعه بقوة: "سيف!" تجمّد. تنفّسه كان سريعًا وعيناه مختلفتان. ليست هادئة ولا مسيطرة بل فاقدة للسيطرة. نظر إليّ وللحظة شعرت أنني لست الخطر الوحيد في هذا المكان. "هل أنتِ بخير؟" سألني بصوتٍ خافت، لكنه مشدود. "أنا بخير." أجبته. لكنه لم يبتعد. بل اقترب خطوة. "قلت لكِ لا تخرجي." "وأنا قلت" قاطعني. "هذا ليس وقت العناد!" صوته ارتفع. نظرت إليه بحدّة "ولا وقت السيطرة!" صمت. لكن هذا الصمت لم يكن هدوءًا. كان احتقانًا. اقترب أكثر. "أنتِ لا تفهمين" "بل أنت لا تفهم!" توقّف. نظرت إليه مباشرة "أنا لستُ شيئًا تحميه بالقوة!" تغيّرت نظرته ليس غضبًا فقط بل شيءٌ آخر شيءٌ أكثر خطرًا. اقترب خطوة أخرى قريبة جدًا هذه المرة. "وأنتِ" قالها بصوتٍ منخفض، لكنه أثقل من صراخه. "لستِ بعيدة كما تظنين." تجمّدتُ كان قريبًا بما يكفي لدرجة أنني شعرت بأنفاسه. "ابتعد." قلتُها بوضوح. لكنه لم يفعل بل رفع يده وكأنه سيلمس وجهي. أمسكتُ معصمه فورًا. "قلت ابتعد." نظر إلى يدي ثم إليّ. وللحظة لم يسحب يده. كأن شيئًا داخله يرفض "أنتِ تدفعينني" "وأنت لا تملك نفسك." قلتُها بحدة. صمت ثم سحب يده ببطء و تراجع خطوة. لكن عينيه لم تبتعدا. "سنغادر." قالها أخيرًا. "إلى أين؟" "مكان آمن." ضحكتُ بمرارة: "لم أعد أفرّق بين الأمان والسجن." لم يُجب أمسك بيدي لكن هذه المرة لم يكن عنفًا بل إصرارًا. "تعالي." نظرت إلى يده ثم إليه كان واضحًا هذا لم يعد مجرد حماية بل فرض. الساعة العاشرة ليلًا دخلنا الشقة الآمنة دخلتُ ببطئ حتى سمعت أغلِق الباب خلفنا وقفتُ في منتصف الغرفة، ثم التفتُّ إليه. "لن يتكرر هذا." "ماذا؟" "أن تمسكني." نظر إليّ ثم قال "لو لم أفعل" "كنت سأدافع عن نفسي." اقترب خطوة. "وأنا لن أسمح لكِ أن تكوني وحدكِ في هذا." "لم أطلبك." "لكنكِ حصلتِ عليّ." تجمّدتُ تلك الكلمات لم تكن عادية ولا مريحة. اقترب أكثر "حور" صوته هذه المرة لم يكن أمرًا. ولا تهديدًا بل شيءٌ بينهما. "أنتِ لستِ مجرد قضية." نظرت إليه بثبات "وأنت لست قدري." صمت لكن تلك اللحظة كانت مختلفة لأنني رأيت أنه لم يعد يسيطر بالكامل. وفي تلك الليلة لم يكن الخطر فقط خارج الأبواب بل داخله أيضًا. وداخلي. لم يكن الصمت في تلك الشقة عاديًا. كان مشحونًا. كأن الجدران تسمع، وتنتظر، وتعرف أن شيئًا ما على وشك أن ينفجر. وقفتُ في منتصف الغرفة أراقبه. وهو لم يبتعد. "لن يتكرر هذا." أعدتُها، بنبرةٍ أوضح. "قلت لكِ" بدأ حديثه و قاطعته "لا استمع أنت" تقدّمت خطوة. "أنا لا أُمسك، لا أُسحب، ولا يُفرض عليّ شيء." كان ينظر إليّ بهدوءٍ غريب. "وأنا لا أترككِ تُعرّضين نفسكِ للخطر." "أنا لم أطلبك سيف !" "لكنني هنا." قال ثم اقترب لم يكن اقترابًا عاديًا هذه المرة. كان بطيئًا مقصودًا كأنه يختبر المسافة بيننا. "لماذا تقاومين؟" سأل بصوتٍ منخفض. نظرت إليه بثبات "لأنني لا أُجبر." توقّف أمامي وكان قريبًا بما يكفي "وأنا لا أستسلم." كانت تلك اللحظة حافة. بين المواجهة وشيءٍ آخر. "سيف." قلتُ اسمه، ببطء. "ابتعد." لكنه لم يفعل بل اقترب أكثر. شعرت بأنفاسه، بوجوده، بذلك التوتر الذي لم يعد خفيًا. "أنتِ تعرفين" قالها بصوتٍ خافت، "أنكِ لستِ كما تقولين." ضيّقتُ عيني "وأنت تعرف أنك تتجاوز حدودك." رفع يده و تجمّدتُ. لكن هذه المرة لم تكن حركة مفاجئة. كانت بطيئة. كأنه يمنحني فرصة أن أرفض أو أن أقبل. وقبل أن تصل يده أمسكتُ معصمه. "قلت ابتعد." لكن يدي لم تدفعه هذه المرة. فقط أوقفتْه. نظر إلى يدي ثم إليّ. وفي تلك اللحظة تغيّر شيء. لم يسحب يده بل أمسك بيدي ببطء. "حور" نبرة صوته هذه المرة لم تكن أمرًا. كانت ضعفًا مغلّفًا بالقوة. سحبتُ يدي فورًا. "لا." خطوة إلى الخلف. "لا تخلط بين هذا وبين ما تريده." اقترب خطوة "وأنتِ لا تهربي من شيءٍ واضح." "ليس واضحًا." "بل أنتِ ترفضين رؤيته." ارتفع صوتي قليلًا "أنا لا أرى فيك إلا رجلًا يحاول أن يفرض نفسه!" سكت لثانية ثم اقترب فجأة و أمسك بذراعي بقوة. "وأنتِ" قالها بصوتٍ مشدود، "تدفعينني إلى هذا." نظرت إلى يده ثم إلى عينيه. لم يكن هادئًا كان على وشك الانفلات. "اتركني." لم يترك فورًا. "سيف." هذه المرة لم تكن أمرًا كانت تحذيرًا. ثم ترك. خطوة إلى الخلف. تنفّسه ثقيل. يده ما زالت مشدودة. كأنه يقاوم نفسه. "أنا…" بدأ ثم سكت و مرر يده في شعره، وأدار وجهه بعيدًا. "هذا لا يشبهني." نظرت إليه لأول مرة رأيته ليس مسيطرًا. "إذًا لا تكنه." قلتُها بهدوء. صمت. ثم عاد ينظر إليّ لكن هذه المرة لم يقترب. "المشكلة" قالها ببطء، ".أنكِ تجعلينني أفقد ذلك." تجمّدتُ للحظة. ثم قلت "هذا ليس سببي!!" "بل أنتِ." صمت لكن هذه المرة لم يكن صراعًا فقط. كان توترًا أقرب إلى شيءٍ آخر. شيءٍ لا يُقال ابتعدتُ عنه جلستُ على الأريكة. "لن أنجرف معك." قلتُها بهدوء. "وأنا لن أترككِ." رفعتُ بصري إليه "حتى لو رفضت؟" نظر إليّ مطولًا ثم قال "حتى لو حاربتِ." ابتسمتُ ابتسامة خفيفة لكنها لم تكن لطيفة. "إذًا استعد." "لماذا؟" نظرت إليه مباشرة "لأنني لا أخسر." وفي تلك اللحظة لم يعد الأمر مجرد حماية ولا مجرد عناد بل أصبح حربًا صامتة بين قلبين يرفض كلٌّ منهما أن ينكسر أولًا. لكن الأخطر أن كليهما بدأ يشعر بما لا يريد الاعتراف به.نظرت بينهما"أنتم تعملون معًا؟"أجاب ناصر"هو المسؤول عن الملف."شعرت بشيءٍ داخلي يتصلّب.التفتُّ إلى سيف"إذًا هذا هو السبب."اقترب قليلًا، ثم قال"أيّ سبب؟"قلت له "اهتمامك."لم يُنكر بل قال بهدوء"هذا جزء منه."الساعة الواحدة ظهرًا اتجهت خارج المستشفىكنت أسير بسرعة،أحاول أن أستوعب ما حدث.لم يعد الأمر مجرّد لقاءات عابرةولا استفزازات بل أصبحتشابكًا."حور." صوته خلفي.توقّفت لكنني لم ألتفت."لم أخبركِ لأنني كنت أريد أن"قاطعته"أن تراقبني؟"اقترب،ثم قال"أن أحميكِ."التفتُّ إليه أخيرًا."أنا لا أحتاجك."قلتُها بوضوح.نظر إليّ ثم قال"لكنّكِ تحتاجين الحقيقة.""وأنت الحقيقة؟"سألته بسخرية"جزءٌ منها."صمت.ثم أضاف"وهذا الجزء لن يترككِ."الساعة السابعة مساءً وجدت نفسي داخل السيارةلم أعرف كيف وافقت.ربما لأنني أردت أن أفهمأو لأنني لم أعد أستطيع تجاهل الأمر.كنت أجلس في المقعد الأمامي، أنظر عبر النافذة،والمدينة تمرّ بجانبي كأنها لا تعنيني.سيف يقود بصمت."إلى أين؟"سألته."مكان آمن."ضحكت بخفّة"وهل أبدو مهدّدة؟"لم يُجب فورًا ثم قال"أكثر مما تعتقدين."التفتُّ إليه"اشرح."تنفّس ب
تجمّدتُ لثانية. ليس خوفًا بل دهشة.لم يسبق أن تحدّاني أحد بهذا الشكل داخل مكاني عالمي حيث أتحكّم بكل شيء.لكنني لم أُظهر ذلك.استدرتُ عنه، وقلت بهدوء:"ابقَ إذًا، لكن لا تُعيق عملي."لم يُجب.لكني شعرت أنه انتصر في شيءٍ ما.وذلك لم يُعجبني.خرجتُ من الغرفة،لكنه تبعني.كنت أسير في الممر، وهو خلفي بخطواتٍ ثابتة، كأننا نسير في اتجاهٍ واحد، رغم أنني لم أطلب ذلك.توقّفت فجأة، فاضطر إلى التوقّف.التفتُّ إليه مباشرة"هل تتبعني؟"أجاب دون تردد"نعم."تجمّدتُ لحظة، ثم قلت بحدّة"ولماذا؟"نظر إليّ بثبات، وقال"لأنني لم أنتهِ بعد."ضيّقتُ عيني:"من ماذا؟""منكِ."تسلّل الصمت بين الكلمات،لكنه لم يكن صمتًا عاديًا.كان كأن شيئًا يُقال دون أن يُنطق.قلت ببطء:"أنا لستُ قضية تعمل عليها."أجاب:"كل ما يلفت انتباهي يصبح كذلك."شعرتُ بانزعاجٍ حقيقي هذه المرة."وأنا لا يلفتني هذا النوع من الرجال."ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال"أعرف."توقّفت."تعرف؟""نعم لأنكِ لم تنظري إليّ كما تنظر النساء."لم تعجبني كلماته،ولا ثقته."وهذا يُريحني." قلتُها بوضوحلكنّه لم يتأثر."لكنّه لا يُريحني."للحظةلم أعرف بماذا أُ
يوم الثلاثاء، منتصف شهر أغسطس، الساعة السابعة وخمس وأربعون دقيقة مساءًالمكان مستشفى حكومي قسم الطوارئ.لم يكن المساء مختلفًا عمّا سبقه،أو هكذا خُيِّل إليّ.كانت الأضواء البيضاء الباردة تنعكس على الجدران، كأنها تحاول أن تُخفي ما تراكم فوقها من تعبٍ وإرهاق، وتمتزج رائحة المطهّرات بأنفاس القلق، فتُثقِل الهواء وتُعكِّره.كنت أتنقّل بين الأسرّة كعادتي، لا أطيل النظر في العيون، ولا أسمح لأي صوتٍ داخلي أن يعلو على صوت الواجب.أنا حور،طبيبة وهذا يكفيني.أما الحب،فترفٌ لا أؤمن به، ولا أحتاج إليه."دكتورة حور، وصلت حالة إسعاف حالًا!"قطع صوت الممرضة سكون أفكاري المقتضبة، فالتفتُّ على الفور، وقد اعتدت أن أستجيب قبل أن أُفكّر.أُدخِل المصاب مسرعًا، شابٌّ في أواخر العشرينات، ينزف من كتفه، وقد شحب وجهه كأن الحياة قد انسحبت منه جزئيًا."إصابة بطلقٍ ناري، والنزيف شديد!"لم أطرح أسئلة كثيرة،فالأجساد بالنسبة إليّ خرائط واضحة، أعرف من أين أبدأ، وإلى أين أنتهي.غير أنه لم يكن وحده.دخل خلفه رجلٌ آخر، بخطواتٍ ثابتة على نحوٍ لافت، كأن الفوضى المحيطة لا تعنيه.كانت عيناه أول ما شدّ انتباهي؛ حادّتان، ت