تسجيل الدخول| وجهة نظر ليديا |:
انطفأت كل الأصوات. شعرت بعقلي صمت فجأة، وشعرت بصدى الصوت الخشن يتردد بداخلي تشبثت بالسماعة، وقلت بصوت حاولت إخراجه ثابتا: " من؟ " لم يأتني جواب لفترة طويلة، انتظرت حتى تملكني الرعب أكثر فأكثر. ثم جاء الصوت مجددا، خافتا، كأنه همس يداعب الأذنين: " هل أنتِ بخير؟ " شعرت بموجة برودة تسري في جسدي هل أنتِ بخير؟ منذ متى لم يسألني أحد هذا السؤال؟ أو بالأحرى متى سألني أحد؟ أقمت كتفاي الذين كانا منكمشان بخوف، ووقفت باعتدال فمن ذا الذي يسأل عني؟ وهل يهمه حقا؟ هل يا ترى شخص يريد شيئا وهذه مجرد مقدمات؟ لكن كيف له الإتصال بي شيء ما دفعني للرد باقتضاب، لايهم من هو أو السبب " وهل يهمك؟ " " نعم " مباشرة داهمني الرد ووقع على قلبي، بصوت حاد، جاد، واثق لا يقبل النقاش مادام يريد الجواب حقا، فلما لا أجيب؟ " لا " أجبت عن سؤاله السابق، ونظرت للحائط أمامي بملامح جامدة إنها أول مرة أعترف أني لست بخير... الصمت ساد في الطرف الآخر، ثم سمعت خرخشة خفيفة بعدها صوته مجددا: " إفتحي الباب " " لما؟ " سألت بسرعة، فعندما رن الجرس لم أجد أحدا أمام الباب فلما أفتحه؟ وهل هذا هو نفس الشخص الذي رن؟ هل هو أمام الباب الآن؟ من يكون؟ " لدي شيء لك " رفعت حاجبي، ونظراتي المثبثة على الباب ضاقت بشك، لكن سرعان ما فزعت بسبب طنين الهاتف في أذني، واكتشفت أنه أغلق الخط نظرت للسماعة باستغراب أسألها عن هوية المتصل بينما أعيدها لمكانها. ومجددا فزعت حين رن جرس الباب بلعت ريقي، واقتربت من الباب. نظرت عبر العين السحرية لكن لا شيء مجددا فابتعدت وتنهدت بحزم ثم فتحت الباب شققته شقا صغيرا ونظرت أمام الشقة لكن لا شيء سوى الظلام، نظرت للأسفل قليلا فإذا بصندوق كرتوني متوسط الحجم وهو محشور في كيس بلاستيكي تملكني الخوف مجددا، وبات صدري يعلو ويهبط وأنا أحدق به خائفة من الاحتمالات الكارثية التي يلدها لي رأسي. كنت على وشك إغلاق الباب حين لفتني شيء مجددا ملاحظة صغيرة ملتصقة بأعلى الكيس < خذيني :( > رمشت بغير استيعاب. هل يعقل أن وحشا أو قاتلا يترك رسالة؟ بوجه حزين؟ تناقض الرسمة الطفولية مع رعب الموقف جعل عقلي يتوقف للحظة نظرت حولي كأنني أستشير الهواء، ثم للكيس مجددا، وفي تلك اللحظة غلبني الفضول ففتحت الباب مددت يدي والتقطت الكيس بسرعة البرق ثم أدخلته وأغلقت الباب مباشرة، فقد كنت أتوقع أن ينقض وحش على يدي ما إن أخرجها وضعت الكيس أرضا ثم قرفصت أمامه أراقبه باستغراب. ليس استغرابا منه، بل من سيناريو حياتي الغبي من التراجيديا إلى الرعب واو، ناقص فقط سكتة قلبية تختم من أجلي هذه القصة البائسة شعرت بيداي ضعيفتين جدا، أضعف من أن أفتح الكيس لكنني فعلت وأخرجت العلبة الساخنة مما جعل جفوني المنتفخة الذابلة تضيق باستغراب فتحته، فانطلقت رائحة زكية صفعت أنفي وأنعشت حواسي على حين غرة، رائحة الدجاج والجبنة الطازجة توسعت عيوني ولأول مرة منذ أيام، شعرت برد فعل جسديّ حقيقي بعيداً عن الألم. معدتي، التي ظننت أنها ماتت، أصدرت صوتاً مخجلاً، قوياً ومؤلماً، كأنها تصرخ بي: "أريده!" بقيت أحدق في السندويش الساخن والجبنة الذائبة على أطرافه.. للحظة، عبرت فكرة منطقية في عقلي المشوش: "ماذا لو كان مسموماً؟ ماذا لو كان خدعة؟" تجمدت يدي التي كانت تقترب منه. هل آكله؟ إنه من غريب.. وقد أموت.. ثم أرخيت كتفي بوهن، وضحكت بخفة، ضحكة مكسورة بلا روح. وإن مت؟ هل يهم؟ أساساً، الموت يبدو خياراً مغرياً، فإن كان مسموماً فهذا الخلاص، وإن لم يكن.. فعلى الأقل سأشبع هذا الألم الذي ينهش أحشائي. في الحالتين أنا الرابحة. مددت يدي المرتجفة، وأمسكت بالسندويش الدافئ. الحرارة التي انتقلت منه لأطراف أصابعي المتجمدة جعلت دمعة جديدة تفر من عيني. كيف لطعام.. مجرد طعام.. أن يمنحني دفئاً افتقدته من البشر؟ قربته من فمي، وبعيون مغلقة أخذت قضمة كبيرة.. يا إلهي.. المذاق انفجر في فمي.. دافئ، غني، مالح، ولذيذ بشكل يبكي القلب. كان ألذ شيء تذوقته في حياتي، أو ربما جوعي وحرماني هو من جعله كذلك. لم أستطع التوقف غصباً عني، وخيانةً لكبريائي، بدأت آكل.. وآكل.. القضمة الأولى تبعتها الثانية، ثم الثالثة بسرعة أكبر. كنت أمضغ وعيوني تفيض بالدموع التي تسقط مالحة وتختلط مع الطعام في فمي، فلا أعرف هل أتذوق الجبنة أم أتذوق قهري. كنت آكل بشراهة شخص لم يرَ النور منذ سنين، وبحزن شخص فقد كل شيء. أبكي، وأشهق، وأمضغ، وأبتلع الغصة مع الطعام.. كان المشهد مثيراً للشفقة.. أعلم ذلك.. أنا، ليديا، أجلس مقرفصة على أرضية باردة أمام الباب، ألتهم طعاماً من غريب، وأبكي كالطفلة الضائعة.. أنهيته. ونظرت للعلبة الفارغة ثم ابتسمت بقهر لقد كان لذيذا، بطريقة مؤلمة.. بقيت على الأرض أحدق في نقطة عشوائية حتى شعرت بالثقل والنعاس الشديد نتيجة لإشباع بطني تماما تنهدت، ثم قمت ببطأ وأطرافي متشنجة أمشي نحو أقرب مكان قد أرتاح فيه، الأريكة. وقبل أن أضع مؤخرتي عليها رنّ الهاتف.. نظرت له بعيني الدامعة وقد تملكني فضول طفيف، مجرد قرصة فضول لا تساوي شيئا أمام النعاس الذي أشعر به، فتجاهلت وجلست " آآآه! " الراحة لعظامي الباردة وعضلاتي المتصلبة ورأسي الذي ينبض بألم فضيع رن الهاتف مجددا ولم أهتم. قشعر جسدي من البرد فنظرت حولي أبحث عن بطانية لكن لا يوجد آه حتى البطانية تعاند؟ حتى البطانية لا تريدني؟ وقفت أجر أقدامي باتجاه الغرفة، الرؤية أمامي مشوشة بسبب الدموع التي لم تجف والنعاس الشديد، وحين مررت في الرواق بجانب الطاولة الجانبية.. رن الهاتف مجددا ماهذا سيصرعني بصوته! رنّة أخرى وسينفجر رأسي رفعت السماعة على مضض ووضعتها قرب رأسي الذي ينهشه الألم ونطقت بامتعاض: " ماذا؟ " هاجمني الصوت الملهوف من الجهة الأخرى.. بارد، حاد، ممزوج بالقلق والعتاب: " أين أنتِ؟ " لا أعرف من هذا، ولا أعرف لماذا نظرت لوجهتي، الغرفة المغلقة، وأجبت غير مهتمة بصوتي المبحوح الضعيف: " في طريقي للنوم " سمعت تنهيدة، ثم عاد الصوت الثابت الذي سمعته أول مرة: " هل أكلتِ؟ " " همم " همهمت بالموافقة بينما جفناي انغلقا ببطأ كأن بينهما حبالا تشدهما لتغلقهما غصبا عني، ولم أفتحهما مجددا إلا حين تكلم مجددا فأيقظني من غفوتي السريعة " ذاهبة للنوم؟ " " همممم! " همهمت مجددا، صوت خافت ناعس لكن لا يخلو من التذمر، فلولا هذا الإزعاج لكنت نائمة الآن " حسنا. تصبحين على خير " ثم قال بصوت خافت، فأجبت بهمهمة قصيرة ووضعت السماعة وانطلقت نحو الغرفة أخيرا . . تقلبت في السرير براحة كبيرة، ملامحي مسترخية برضى وجسدي يشعر بالسرور لسبب مجهول ما سر هذه الراحة؟ يا ترى هل متّ؟ عقدت حاجباي ولم أجرؤ على فتح عينيّ. فماذا لو فتحتهما على الغرفة الباردة مجددا.. عاد النوم يسحب وعيي بسلاسة فأرخيت نفسي دون مقاومة بينما صوت غريب يتردد صداه في رأسي صوت رنين هاتف أمي آه كالعادة، تنساه دوما في الغرفة بينما تنزل للمطبخ كي تعد الفطور نهضت من سريري بنعاس، عيوني مغلقة وأنا أمشي كالمومياء عبر الرواق الطويل لأدخل غرفة والديّ، ومباشرة صاح بي أبي وهو يدفن رأسه تحت الوسادة: " خذيه بسرعة لقد صرعني! من بحق الجحيم يتصل هكذا منذ الصباح الباكر!؟ " تجاهلت كلامه تماما وأنا أسير بخمول حتى حملته من طاولة السرير ثم خرجت مجددا تاركة أبي يتذمر نزلت الدرج بسلاسة. وجهي عابس وأنا أدخل المطبخ أتذمر لأجد أمي واقفة أمام الفرن " ألا تسمعين أم ماذا؟ كم مرة أخبرتك أن تنزليه معك حين تنزلين صباحا! " ضحكت بخفة، ضحكة رنانة لطيفة وهي ترد بينما تستمر في الطبخ: " آه لقد نسيت.. أجيبي أنتِ، لن تندمي.. " عقدت حاجباي، وعيوني لا تزال مغلقة: " أنا؟ لكنني لا أعرف من " توقف الهاتف عن الرنين، فتقدمت إلى جانبها: " ماذا تطبخين اليوم؟ " " البيتزا. لقد أسعدتني بنتائجك المرتفعة هذا العام وسأكافؤك بطريقتي " عاد الهاتف للرنين شهقت بسعادة ورفعت رأسي لها وأخدت أقفز بحماس: " ياااي بيتزا!! " توقفت عن القفز محاولة لفتح عيني ورؤية أمي حقا بدل الظلال المشوشة، لكن جفوني تأبى الانفلات " أ.أمي..؟ " قلت بنبرة مرتجفة. الصورة المشوشة أخذت تضمحل وتزداد قتامة " همم؟ " جاء صوت أمي بعيدا.. خافتا، والظلام يزداد، أنفاسي تتقطع والرعب يذب في أوصالي " أميي ! " صحت بصوت أعلى، لتنفتح عينيّ أخيرا تدفق الهواء البارد إلى رئتي، والنور المتسرب من النافذة إلى عيني، وصوت الرنين الواضح إلى أذني نظرت حولي وصدري يعلو وينخض باضطراب، وإذا بالمكان من حولي مظلم وميّت عكس ما كنت به قبل قليل تجمدت ملامحي، وسكن جسدي قليلا... إذن.. فقد.. كان حلما؟ مجرد حلم؟ لكن... كيف؟ أنا.. أمي... أبي كان هناك.. أنا.. هذا ليس حقيقة، أنا كنت في منزلي.. لابد أني نمت بعد تناول البيتزا وهذا مجرد حلم.. أجل، لابد من ذلك، أنا لا أنتمي إلى هنا رنين الهاتف كسر الصمت مجددا هاتف أمي؟ لا لا... ذلك.. كان حلما ولو! على الأقل أعطاني استراحة من هذا الواقع اللعين!! لماذا! لماذا انتهى لماذا!؟ شددت على أطراف الغطاء بقوة أغرس فيه أظافري كأني ألومه على ما حصل. بل ألوم الهاتف العاهر ! أبعدته ثم وقفت بسرعة وعصبية فتحت الباب وخرجت حافية أتجه نحو الازعاج مباشرة. كيف بحق الجحيم يقطع حلمي؟ رفعت السماعة اللعينة التي أيقظتني، ومباشرة صحت بصوتي المبحوح، لعل صراخي كفيل بالتعبير عن مدى غضبي وإحباطي: " ماللعنة ماذا تريدون من يتصل بهذا الوقت واللعنة الملعونة لماذا ! " ولكن فزعت حين قابلني الصراخ، صوت أجش عميق صرخ علي بالمقابل بنبرة مجلجلة: " تبا لما لا تردين أين كنتِ !؟ " . .عقدت حاجبيها بانزعاج، وصاحت مباشرة: " من أين لك برقمي!؟ " سمعت تنهيدة حالمة من الطرف الآخر، ثم أتى صوته هائما: " آآهٍ ما أحلى صوتك... ما أحلى حضورك.. حتى وأنت غاضبة تبقين لطيفة " قالت متجاهلة غزله:" سألتك من أين عرفت رقمي؟ " قال بصوت لعوب: " يقولون إن العاشق يفعل أي شيء من أجل معشوقته.. حتى أنه يسرق هاتف صديقتها ليأخد منه رقمها " شهقت إيفي واضعة يدها على فمها، وصاحت على الشاب: " هل أنت مجنون!؟ سرقت هاتف صديقتي؟ أعده حالا! " " حقا؟ يبدو غاليا.. كنت أفكر في بيعه في الواقع، ولكن سأعيده لها من أجل عيونك، بشرط " استشاطت إيفي غضبا " شرط!؟ وتجرؤ على إعطاء الشروط؟ " " لا تقلقي يا لطيفة، شرطي بسيط جدا، وسوف أسلمك الهاتف الآن " ضيقت عينيها بحذر: " وما هو هذا الشرط؟ " " إنزلي بعد ساعة، سأعطيك الهاتف وأخبرك بالشرط، حسنا؟ " أغلقت الهاتف في وجهه، وعبست بغضب وهي تتمتم: " أيها الصيني القذر! " ... | بعد ساعة | كانت إيفي تقف متخصرة بملامح متجهمة. وقفت أمام الباب تستظل بسقفه وقد وضعت أكياس البقالة بجانبها وهي تنتظر، فقد خرجت لشراء البقالة وقررت أن تنتظره لربما كان جادّا
صعدت الدرج بخطوات متعثرة، ولا تتذكر متى فتحت الباب، ولكن :صوت إغلاقه خلفها وهدوء هذا المنزل القديم بدا لها كإشارة خضراء للانهيار.. رمت كل ما بيدها من أكياس وحقيبتها على الأرض وركضت نحو الصالة بشفاه متقوسة بغصة، وارتمت على الارض بجانب الاريكة واضعة ذراعيها عليها دافنة وجهها بينهما بدأ كتفاها يهتزان بانتظام، وصوت نحيبها يتسلل من تحت ذراعيها وعبر قماش الأريكة ليمزق صمت المكان بلحن كئيب يزيد المكان كئابة ورماديّةً أكثر مما هو عليه شهقت بقوة، ثم جاء صوتها البائس متسائلا بيأس: " لـ..لِ..لماذا؟ آه؟ آآه...~ واهتز صدرها بقوة إثر الشهقات القوية، فأخدت ثانية لتبلع ريقها مما جعل الهدوء يعم وقبل أن تنطلق أصواتها مجددا مستأنفة سيمفونيتها الحزينة، اخترق الصمتَ رنينٌ ضعيف يعود للهاتف الأرضي جعلها تنتفض لا إراديا رفعت رأسها نحو الهاتف ليظهر وجهها المحمر بشدة
كانت الساعة تشير للحادية عشر حين فتحت باب الشقة، وقد كانت العمارة القديمة مظلمة فلم تشعر بفرق كبير لهذا خرجت وأغلقته ورائها ثم أخدت تنزل الدرجات وعلى وجهها ملامح الاشمئزاز من اتساخها واهترائها وتحطمها نزلت الطابقين حتى إذا اقتربت من باب الخروج بدأ الممر يضيء شيئا فشيئا كلما اقتربت، وحين تجاوزت الباب الحديدي تماما لتصبح في الشارع أغلقت عينيها بألم تلقائيا. وضعت يدها فوق عينيها كي تظللهما وفتحتهما قليلا تحاول الاعتياد على النظر سمعت صوتا عاليا ومفزعا على جانبها فانتفضت واستدارت بسرعة لتجدها مجرد دراجة نارية يقوم صاحبها باستعراض أصواتها أمام مجموعة من الفتيات العائدات من الثانوية، واللاتي ناظرنه بإعجاب بينما واحدة منهن قلبت عينيها بسخط وسحبت صديقاتها بعيدا رمشت وهي توسع قليلا في فتح عينيها بعد أن اعتادت على الضوء قليلا ثم نظرت حولها جيدا لتجده شارعا متواضعا كل بناياته قديمة ولكنه نابض بالحياة... شمس ساطعة، عصافير وطيور تغرد، سيارات تمر، صرخات أطفال، وصرخات أمهات كذلك، رائحة الطعام... هذه أجواء جعلت ملامحها تتكشر بضيق لم تفهم سببه نظرت مجددا فوجدت فتاة الثانوية الساخطة تتقدم
•بعد ثلاثة أيام : مرت ثلاثة أيام منذ ذلك اليوم المشؤوم، وليديا ليست بخير تماما ولم تتحسن ولكن على الأقل تراجعت عن تلك الفكرة الغبية. جلست على الأريكة بعد أن أنهت تناول فطورها الشهي كالعادة، إذ إن ذلك الرجل يرسل لها الطعام كل يوم. تنهدت ونظرت حولها بيأس، هي تشعر بالوحدة القاتلة.. لكن رغم ذلك فالأمر ليس سيئا لدرجة أن تنتحر، لذا هي تلوم نفسها على ما كانت مقدمة على فعله في لحظة ضعف منها. على كل حال ذلك البيت كان باردا ومملا ليس فيه لمحة حنان، مارك كان جافا متبلدا منذ البداية ولم تكن تتوقع منه شيئا فعليا، ووالدها ليس في البلاد ولربما لم يسمع بما حدث، هذه هي الحقيقة. على كل حال يبقى الأمر مؤلما... الوحدة ليست بالشيء الهين، والحب من طرف واحد ناهيك عن رغبته في الزواج عليها قد كسر قلبها ولكنها تعلم أنه كما قال ذلك الرجل يومها فإنها فترة كباقي الفترات وسوف تمر، يوما ما ستخرج من هذه الدوامة من فقدان الشغف ومن الذبول والاكتئاب المرير. لم تشعر بنفسها وهي تستلقي هنالك وتحدق في الحائط لفترة طويلة، حتى سمعت الهاتف يرن لم تعلم هل كانت نائمة أم شاردة أم في غيبوبة، ولكنها قامت على كل حا
زفر زفيرا قويا، ثم تابع: " أنا معك. مابكِ؟ مالذي يجري معك؟ " ضغطت على السماعة بكلتا يديها، عيناها التاهئتان المغرورقتان جعلتاها تبدو كطفلة ضائعة، فنظرت حولها بتوهان، غير عارفة ماذا تقول وكيف تعبّر، فلم تجد ما تقوله الرجل على الطرف الآخر قابله صمت طويل، أنفاس متعثرة، وشهقات من بقايا البكاء والذعر، فمنحها فترة قصيرة من الصمت قبل أن يهمس بلطف: " ماذا هناك همم؟ هل أنتِ حزينة؟ " أنصتت لكلماته بنبرته الهادئة التي هدأت من روعها قليلا، فانكمشت ملامحها بعبوس إثر سؤاله وأومأت برأسها كأنه يراها هو لم يسمع ردا، لكنه سمع وتيرة أنفاسها التي تغيرت بفعل هزها لرأسها ثم عادت لطبيعتها، فقال بصوت منخفض مجددا: " أنتِ حزينة؟ هل أنتِ أيضا تركوكِ لوحدك؟ هل أنتِ أيضا تخلوا عنك؟ " ازداد تركيزها مع كلامه، تبدو منصاعة وغير واعية تماما بعد نوبة الهلع تلك فكانت لا تدرك ما يحدث حقا، فلم تلاحظ أن هذا الصوت هو نفس صوت من كان يطرق على الباب، والذي يعود لنفس الرجل الذي اتصل سابقا. أومأت مجددا، فسمع ذلك، وقال بحقد مجاريا لمشاعرها؛ لكي يشعرها بأن أحدا يشعر مثلها: " إنهم لعناء! كيف يفعلون هذا بنا؟ كيف
" تبا لما لا تردين أين كنتِ !؟ " تجمدت ليديا بضع ثوان، محاولة استيعاب أن اللعين الذي أيقظها وقطع حلمها يتجرأ أيضا على الشتم والصراخ عليها رمشت بعيونها المتوسعة، ثم حاولت إخراج بضع أحرف من شفتيها المنفرجتين بصدمة لكن لم تستطع. كل ما أخرجته كان تنهيدة ساخرة غير مصدقة ثم ضغطت أسنانها مع بعض بِغيض. " أيها ال.. وتجرؤ على السب أيضا؟ " همست، ثم ارتفع صوتها في الأخير، لكن لم يقابلها سوى صوته الحاد مجددا: " سألتك أين كنتِ! ماذا كنتِ تفعلين لما تأخرت؟ " صاحت بنفاذ صبر: " وما شأن لعنتك أين كنت! أنت حقا متطفل! " ترقبت جوابه الوقح لترد عليه، لكن قابلها الصمت لثانيتين، ثم تنهيدة عميقة، ثم عاد صوته مجددا؛ منخفضا وحادا: " ليديا.. لا تتطاولي بالكلام. سأكرر مجددا: لما تأخرتِ عن الإجابة؟ " كان مصرا على معرفة سبب تأخرها فلم تتردد في إخباره عبر صراخها الذي تصم له الآذان : " لأنني كنت مشغولة بأشياء أهم من بعض المتطفلين المزعجين اللعناء الذين لولاهم لكانت مدة انفصالي عن الحياة اللعينة قد طالت ! هل ارتحت الآن!؟ هل ارتحت بمعرفة إفسادك ليومي اللعين الذي لم يكن جيدا أساسا هل ارتحت بإيقاظك لي من نومي!







