مشاركة

| 03 | : وحيدة

مؤلف: BãSãSæ
last update تاريخ النشر: 2026-06-30 03:21:01

رغم كل ما زعمته بداخلها من كره وغضب نحوه إلا أنها كانت تحبس أنفاسها طوال الطريق نحو المحكمة. قلبها يطرق بعنف وحنجرتها تختنق بالغصة وهي تحاول قمع شعاع الأمل المتسلل إلى قلبها المكسور بأنه سيعتذر لها، أو على الأقل يعطيها مجرد إشارة.. مجرد إشارة صغيرة وهي ستعود بسرعة، حتى لو تزوج لأجل طفل فهي لن تحرمه من ذلك طالما يحبها هي.

لكن... ذلك الأمل الذي لم يتبدد حتى وهي تنتظر أمام قاعة المحاكمة لساعة، حتى وهي ترى فقط محامي العائلة لوحده دون حضور أي فرد، تبدد حين أجاب المحامي بعد سؤال القاضي:" هل موكلك موافق على الطَـلَاق؟ "

" نعم سيدي. موكلي يوافق على الطلاق بالتراضي ولا يعارض أي طلبات "

هناك انطفأت شرارة الأمل الصغيرة بدلو كبير من الثلج الذي كان أكبر كثيرا من أن يلقى عليها

كتفاها انحنيا بشكل واضح وارتخت جفونها بذبول تزامنا مع سؤال القاضي:

" هل أنت موافقة؟ هل لديك أي طلبات نفقة أو مطالبات مالية؟ "

بصوت بارد خافت يكاد يكون همسا، أجابت شاردة في نقطة عشوائية:

" لا. أريد الطلاق فقط "

وبما أنه اتفاقي ولا يوجد أطفال بينهم أو نزاع مالي، طرق القاضي بمطرقته، وقال بصوت جوهري:

" مُـنِـحَ الطَلَاق "

.

.

تقف في طريق خالٍ بعد أن قادها إليه مشيها وهي شاردة

عشر دقائق.. كل ما تطلبه الأمر لإنهاء ست سنوات من العطاء اللامشروط عشر دقائق

علامَ تبكي؟

على سنوات عمرها الضائعة؟

على روحها المستنزفة؟

على كرامتها المسحوقة؟

أم على حياتها البائسة؟

هو حتى لم يحضر.. حتى فرد من إحدى العائلتين لم يكن هناك، لا أحد كان مهتما، القاعة كانت فارغة تماما

أو هذا ما اعتقَدَته...

ففي آخر القاعة، لم تكن تعلم أنها مخطئة، وأن هناك من يهتم. وقد كان يجلس متخفيا تحت كمامته لكنه يراقب بحدة

عيونه الباردة كانت تتفحص المكان، لكن حين تحط عليها كانت تلين بشكل غريب... تلمع ببريق فريد.. شيء يشبه الاشتياق

ليس ذلك الاشتياق الحلو الذي يزيد من عمق المشاعر، بل ذلك النوع الذي يجعلك تتألم.. تتعذب.. روحك تتقطع وقلبك يدفن وهو ينبض باسم الحبيب

وذلك الرجل نفسه كان راكبا في سيارة الأجرة التي توقفت أمام قدميها

كانت قد لاحظت لتوها أنها ضائعة لكن بمجرد أن رأت سيارة الأجرة ركبت

توقف قلبه عن النبض، عيونه توسعت دون وعي وهو يقبض على أطراف الكرسي بيديه القويتين، ثم أغلق عيونه بضعف حين سمع صوتها الخافت:

" شارع فيذير لاين من فضلك "

وانطلقت السيارة.

.

.

_________

| وجهة نظر ليديا | :

الآن..

الآن فقط أدرك كم أنني غبية، وأني خسرت كل شيء..

من ألوم؟ ألوم نفسي أم ألوم قسوة الجميع؟

من كثرة الألم لا يمكنني البكاء حتى، على الأقل ليس وأنا في سيارة الأجرة

راقبت الشوارع الرطبة، ورأيت الأزواج المتحابة تمشي بسلام ممسكة الأيدي بحميمية ويتبادلون أطراف الحديث

هل سبق أن فعلنا ذلك؟ لا أظن..

هل سبق أن نظر لي بحنان؟ بالتأكيد لا..

هل سبق وخصص لي وقتا؟ أبدا..

الألم يتراكم بداخلي بطريقة مؤلمة

مؤلمة جدا

أكثر إيلاما من أي شيء

والآن تيقينت أنني وحيدة، تماما.

لا أم

لا أخ

لا أخت

ولا حتى صديقة..

ومن أعرفهم لا يكلفون نفسهم عناء الاتصال حتى..

وحيدة تماما

وبينما أراقب قطرات المطر الرقيقة تتساقط، وقعت عيناي الذابلتان على الحديقة، حيث....

الأطفال

عقدت حاجباي، واضطرب صدري

أحقا.. ليس بإمكاني إنجاب الأطفال؟

ألن ألد؟

ألن... ألن أكون أما؟

أغلقت عيناي بشدة، وقبضتي اشتدت على مسند الباب

ألم على ألم

هذه هي حياتي

أوقفت عقلي عن التفكير قبل أن ينفجر قلبي، ثم أسندت رأسي على الزجاج وأغلقت عيناي.. مجرد هرب من هذا الألم

ليتني لم أولد أساسا....

.

بعد فترة توقفت سيارة الأجرة أمام العمارة فأدخلت يدي في حقيبتي وأمسكت أول ما وقعت يدي عليه من مال وسلمته إياه ثم نزلت مباشرة فلفحتني نسمة باردة جعلت بدني يقشعر

سرت بهدوء وعيوني شاردة أصعد الدرج نحو شقتي الجديدة. مع كل درجة أصعدها أشعر بروحي تصعد معها، كأنها ستخرج الآن لشدة الألم

أتمنى ذلك بالفعل

وبينما أفتح الباب تسائلت: هل يمكن لإنسان أن يحتمل هذا القدر من الألم؟

عقدت حاجباي بخفة وخطوت للداخل ثم أغلقت الباب ورائي

جديا أريد جوابا، هل الإنسان قادر على تحمل هذا حقا؟

لا أعتقد، أساسا كل ما أفكر به الآن هو الخلاص

وضعت مفاتيحي على الطاولة ونظرت نحو المطبخ، ليس جوعا، بل شرودا..

هل أفعلها فحسب؟

لكن.. حينها سأكون ضعيفة جدا، جبانة، سيضن ذلك اللعين أنني لم أحتمل العيش بدونه بينما أنا فقط تراكمت علي الأمور، وسيعتقد أنه محور حياتي...

لكن مالذي يهم طالما أني سأجد السلام؟

أنا فعلا ضعيفة.. وأنا أعرف الحقيقة.. لا يهم أيا ما سيقال من بعدي

توقفت فجأة، ورفعت رأسي ونظرت أمامي

أملت رأسي وعيوني امتلأت بالدموع تلقائيا..

مالذي يضمن لي أن أحدا سيسمع بي من الأساس

مالذي يضمن أن جثتي لن تبقى هنا تتعفن للأبد؟

شعرت بركبتاي تهتزان فجأة، فنظرت للأريكة التي تبعد عني بضع خطوات

نظرت تحتي للأرض الباردة

أجل

البرد هو ما أنتمي إليه

جلست.

ضممت ركبتاي لصدري وعانقتهما ثم أسندت رأسي إليهما.

لماذا يحدث معي هذا؟

مالذي فعلته؟

أنا لم أؤذي أحدا، "لماذا يستمر الجميع بإيذائي بهذه الطريقة؟ "

شهقت، ودفنت وجهي بين ركبتي

" لما يفعلون هذا؟ لما يحدث هذا؟

أ.أاأأنا لم أفعل شيئا لهم.. "

اختنقت بالشهقات الحادة وشعرت بها تقطع صدري عالقة به رافضة للخروج..

" حح..ح..حتى الب..بب..بكاء؟ "

اهتز جسدي بقوة وأنا أختنق بالعبرة، رفعت رأسي للأعلى لعل ذلك يساعد في تمريرها لكن لا شيء سوى المزيد من الاختناق الذي يزيد من قهري ووحدتي

ولا أعلم متى أو كيف انتهى بي الأمر أنتحب بقوة، لاتزال تلك الشهقات الخانقة لكنها تخرج بصوت عالٍ مخزٍ ونحيب يائس يقطع أحبالي الصوتية

وكأن عيناي كانتا تنتظران فقط إشارة واحدة فلم تتوقفا عن ذرف الدموع وحنجرتي لم تتوقف عن النحيب حتى مع الألم الذي تسببه الشهقات

تعبت...

" تعبت... "

" لما يحدث مم.مع..معي هه.ه.هذا؟ "

" ت.ت.تت...تعبت "

ووسط فوضى أصواتي، سمعت صوتا غريبا يأتي من مكان ما..صوت إلكتروني باهت، لكن انشغالي بالبكاء وانغلاق عيناي إثر ذلك لم يسمحا لي بأن أتفقد الصوت

أو هذا ما بررت به لنفسي فقط

الأمر هو أنني لم أعد أهتم.. ليس فقط الآن بسبب انهياري، بل هذا الذبول وفقدان الشغف والاهتمام حتى بأبسط الأمور قد بدأ معي منذ أولى أشهر زواجي منه، فقط كنت أحاول التماسك.

والتفكير بهذا لم يزدني سوى ألما، فتعالى بكائي وازدادت دموعي غزارة

بكيت.. وبكيت.. وبكيت..

ولازلت أشعر بهذا الألم القاتل!

أليس من المفترض أن يختفي حين نزلت دموعي أخيرا؟ هل هذا يعني أن دموعي لا تفرق؟ لقد ظننت أن البكاء يخرج الألم، فكتمت دموعي إلى أن تحين لحظة الألم القصوى فأخرجها. هل هذا يعني أنني كنت أكتمها بلا فائدة؟

جميل، ألم جديد يضاف إلى صندوق تحملي الذي فاض منذ زمن طويل

رميت بظهري على الباب خلفي مستندة عليه، وأرخيت جسدي متعبة بشدة، لكن سرعان ما انتفضت لا إراديا فجأة حين انقطعت كل الأصوات في رأسي وتردد صوت واحد

DingDong ~~

الصمت بعده كان موحشا، عيوني متوسعة وأنا أجول بنظراتي عبر الشقة كأنني أستنجد بالهواء كي يشرح لي ما يحصل وهل فعلا أحدهم رن جرس الباب أم أنه يتهيأ لي

DingDong ~~

انتفض جسدي واقفةً بسرعة البرق حتى وجدت نفسي أقابل الباب أسير للوراء مبتعدة عنه وقلبي ينبض بذعر

من؟

من قد يكون وأنا ليس لي أحد؟

مارك؟

مستحيل...

قاتل متسلسل؟

ربما

رن مجددا، فبللت شفاهي بخوف ومسحت ماء أنفي بكمّي ثم اقتربت بخطوات حذرة حتى وقفت أمامه

مددت قدميّ ووقفت على أصابع قدميّ لأرى الطارق من خلال العين، وقد لعنت نفسي على تفكيري لوهلة بأن مارك عاد من أجلي.. هل يعقل؟

تبخر الأمل الصغير فجأة حين لم أجد أحدا لكن تولّد مكانه الاستغراب..

انتفض جسدي حين دوى صوت خافت لرنين هاتف ما وأعدت قدماي لتلامسا الأرض

الصوت ليس لهاتفي، إذن لما يبدو قريبا؟

اقتربت مجددا وألصقت أذني بالباب أنصت بعناية أكتم أنفاسي للتركيز، فبدأ الصوت يتضح أكثر

واتضح أنه ليس قادما من الخارج.. بل من عندي.. من مكان ما بالشقة...

تجمد جسدي من الخوف، وهذا ما لا يعرفه أحد عني فإني أخاف، أخاف جدا، وأشعر أن قلبي سيخرج من مكانه لمجرد هذا الشيء الصغير...

استدرت ببطأ وصدري يعلو ويهبط بعمق وسرعة قياسية. ألا يكفي عيشي لوحدي في هذه الشقة ليزيدني هذا الصوت؟

ابتلعت ريقي، ومررت نظراتي الواهنة عبر كل أنحاء الشقة، حتى استقرت أخيرا على الرواق المظلم..

الصوت كان يصدر من هناك..

ضممت يداي لصدري لا إراديا وانكمشت ملامحي بينما أحاول تدقيق النظر وأنا أتقدم خطوة واحدة، فلمحت طاولة خشبية عتيقة مرتفعة، عليها مزهرية بورود ذابلة، و...هاتف أرضي

توقف رنين الهاتف، وعم الصمت مجددا

نظرت حولي والرعب ذب في أوصالي

احتنضت نفسي ودموعي عادت لتتكدس بقهر

يا ربِّ ماهذا؟ لماهذا؟

رن الهاتف مجددا ففزعت ونظرت له. أخدت أنتحب بقهر لكن قدماي تتقدمان نحوه ببطأ، حتى وصلت أمامه

هاتف أرضي قديم يستقر أعلى الطاولة العتيقة، مكسوّ بالغبار وهو يهتز بخفة إثر الرنين

بلعت ريقي، أخدت أنفاسا مهدئة، ثم مددت يدي المرتجفة ببطأ، ورفعت السماعة، فانفطع صوت الرنين

حدقت بها بعيوني التي لم تجف دموعها بعد، ثم وضعتها قرب أذني، وسألت بصوت لم أستطع إخفاء رجفته:

" م..مرحبا..؟ "

تجمدت تلقائيا واقشعر جسدي حين جاء الصوت الآخر عبر السماعة، صوت عميق وخشن بطريقة غير عادية

" ليـديـا.. "

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • ملاذ عبر الأثير: مكالمات مع مجهول   | 10 |

    عقدت حاجبيها بانزعاج، وصاحت مباشرة: " من أين لك برقمي!؟ " سمعت تنهيدة حالمة من الطرف الآخر، ثم أتى صوته هائما: " آآهٍ ما أحلى صوتك... ما أحلى حضورك.. حتى وأنت غاضبة تبقين لطيفة " قالت متجاهلة غزله:" سألتك من أين عرفت رقمي؟ " قال بصوت لعوب: " يقولون إن العاشق يفعل أي شيء من أجل معشوقته.. حتى أنه يسرق هاتف صديقتها ليأخد منه رقمها " شهقت إيفي واضعة يدها على فمها، وصاحت على الشاب: " هل أنت مجنون!؟ سرقت هاتف صديقتي؟ أعده حالا! " " حقا؟ يبدو غاليا.. كنت أفكر في بيعه في الواقع، ولكن سأعيده لها من أجل عيونك، بشرط " استشاطت إيفي غضبا " شرط!؟ وتجرؤ على إعطاء الشروط؟ " " لا تقلقي يا لطيفة، شرطي بسيط جدا، وسوف أسلمك الهاتف الآن " ضيقت عينيها بحذر: " وما هو هذا الشرط؟ " " إنزلي بعد ساعة، سأعطيك الهاتف وأخبرك بالشرط، حسنا؟ " أغلقت الهاتف في وجهه، وعبست بغضب وهي تتمتم: " أيها الصيني القذر! " ... | بعد ساعة | كانت إيفي تقف متخصرة بملامح متجهمة. وقفت أمام الباب تستظل بسقفه وقد وضعت أكياس البقالة بجانبها وهي تنتظر، فقد خرجت لشراء البقالة وقررت أن تنتظره لربما كان جادّا

  • ملاذ عبر الأثير: مكالمات مع مجهول   | 09 | : مواساة كارثية

    صعدت الدرج بخطوات متعثرة، ولا تتذكر متى فتحت الباب، ولكن :صوت إغلاقه خلفها وهدوء هذا المنزل القديم بدا لها كإشارة خضراء للانهيار.. رمت كل ما بيدها من أكياس وحقيبتها على الأرض وركضت نحو الصالة بشفاه متقوسة بغصة، وارتمت على الارض بجانب الاريكة واضعة ذراعيها عليها دافنة وجهها بينهما بدأ كتفاها يهتزان بانتظام، وصوت نحيبها يتسلل من تحت ذراعيها وعبر قماش الأريكة ليمزق صمت المكان بلحن كئيب يزيد المكان كئابة ورماديّةً أكثر مما هو عليه شهقت بقوة، ثم جاء صوتها البائس متسائلا بيأس: " لـ..لِ..لماذا؟ آه؟ آآه...~ واهتز صدرها بقوة إثر الشهقات القوية، فأخدت ثانية لتبلع ريقها مما جعل الهدوء يعم وقبل أن تنطلق أصواتها مجددا مستأنفة سيمفونيتها الحزينة، اخترق الصمتَ رنينٌ ضعيف يعود للهاتف الأرضي جعلها تنتفض لا إراديا رفعت رأسها نحو الهاتف ليظهر وجهها المحمر بشدة

  • ملاذ عبر الأثير: مكالمات مع مجهول   | 08 | : الأطفال

    كانت الساعة تشير للحادية عشر حين فتحت باب الشقة، وقد كانت العمارة القديمة مظلمة فلم تشعر بفرق كبير لهذا خرجت وأغلقته ورائها ثم أخدت تنزل الدرجات وعلى وجهها ملامح الاشمئزاز من اتساخها واهترائها وتحطمها نزلت الطابقين حتى إذا اقتربت من باب الخروج بدأ الممر يضيء شيئا فشيئا كلما اقتربت، وحين تجاوزت الباب الحديدي تماما لتصبح في الشارع أغلقت عينيها بألم تلقائيا. وضعت يدها فوق عينيها كي تظللهما وفتحتهما قليلا تحاول الاعتياد على النظر سمعت صوتا عاليا ومفزعا على جانبها فانتفضت واستدارت بسرعة لتجدها مجرد دراجة نارية يقوم صاحبها باستعراض أصواتها أمام مجموعة من الفتيات العائدات من الثانوية، واللاتي ناظرنه بإعجاب بينما واحدة منهن قلبت عينيها بسخط وسحبت صديقاتها بعيدا رمشت وهي توسع قليلا في فتح عينيها بعد أن اعتادت على الضوء قليلا ثم نظرت حولها جيدا لتجده شارعا متواضعا كل بناياته قديمة ولكنه نابض بالحياة... شمس ساطعة، عصافير وطيور تغرد، سيارات تمر، صرخات أطفال، وصرخات أمهات كذلك، رائحة الطعام... هذه أجواء جعلت ملامحها تتكشر بضيق لم تفهم سببه نظرت مجددا فوجدت فتاة الثانوية الساخطة تتقدم

  • ملاذ عبر الأثير: مكالمات مع مجهول   | 07 | : مزعج ونكدية

    •بعد ثلاثة أيام : مرت ثلاثة أيام منذ ذلك اليوم المشؤوم، وليديا ليست بخير تماما ولم تتحسن ولكن على الأقل تراجعت عن تلك الفكرة الغبية. جلست على الأريكة بعد أن أنهت تناول فطورها الشهي كالعادة، إذ إن ذلك الرجل يرسل لها الطعام كل يوم. تنهدت ونظرت حولها بيأس، هي تشعر بالوحدة القاتلة.. لكن رغم ذلك فالأمر ليس سيئا لدرجة أن تنتحر، لذا هي تلوم نفسها على ما كانت مقدمة على فعله في لحظة ضعف منها. على كل حال ذلك البيت كان باردا ومملا ليس فيه لمحة حنان، مارك كان جافا متبلدا منذ البداية ولم تكن تتوقع منه شيئا فعليا، ووالدها ليس في البلاد ولربما لم يسمع بما حدث، هذه هي الحقيقة. على كل حال يبقى الأمر مؤلما... الوحدة ليست بالشيء الهين، والحب من طرف واحد ناهيك عن رغبته في الزواج عليها قد كسر قلبها ولكنها تعلم أنه كما قال ذلك الرجل يومها فإنها فترة كباقي الفترات وسوف تمر، يوما ما ستخرج من هذه الدوامة من فقدان الشغف ومن الذبول والاكتئاب المرير. لم تشعر بنفسها وهي تستلقي هنالك وتحدق في الحائط لفترة طويلة، حتى سمعت الهاتف يرن لم تعلم هل كانت نائمة أم شاردة أم في غيبوبة، ولكنها قامت على كل حا

  • ملاذ عبر الأثير: مكالمات مع مجهول   | 06 | : الخلاص (2)

    زفر زفيرا قويا، ثم تابع: " أنا معك. مابكِ؟ مالذي يجري معك؟ " ضغطت على السماعة بكلتا يديها، عيناها التاهئتان المغرورقتان جعلتاها تبدو كطفلة ضائعة، فنظرت حولها بتوهان، غير عارفة ماذا تقول وكيف تعبّر، فلم تجد ما تقوله الرجل على الطرف الآخر قابله صمت طويل، أنفاس متعثرة، وشهقات من بقايا البكاء والذعر، فمنحها فترة قصيرة من الصمت قبل أن يهمس بلطف: " ماذا هناك همم؟ هل أنتِ حزينة؟ " أنصتت لكلماته بنبرته الهادئة التي هدأت من روعها قليلا، فانكمشت ملامحها بعبوس إثر سؤاله وأومأت برأسها كأنه يراها هو لم يسمع ردا، لكنه سمع وتيرة أنفاسها التي تغيرت بفعل هزها لرأسها ثم عادت لطبيعتها، فقال بصوت منخفض مجددا: " أنتِ حزينة؟ هل أنتِ أيضا تركوكِ لوحدك؟ هل أنتِ أيضا تخلوا عنك؟ " ازداد تركيزها مع كلامه، تبدو منصاعة وغير واعية تماما بعد نوبة الهلع تلك فكانت لا تدرك ما يحدث حقا، فلم تلاحظ أن هذا الصوت هو نفس صوت من كان يطرق على الباب، والذي يعود لنفس الرجل الذي اتصل سابقا. أومأت مجددا، فسمع ذلك، وقال بحقد مجاريا لمشاعرها؛ لكي يشعرها بأن أحدا يشعر مثلها: " إنهم لعناء! كيف يفعلون هذا بنا؟ كيف

  • ملاذ عبر الأثير: مكالمات مع مجهول   | 05 | : الخلاص

    " تبا لما لا تردين أين كنتِ !؟ " تجمدت ليديا بضع ثوان، محاولة استيعاب أن اللعين الذي أيقظها وقطع حلمها يتجرأ أيضا على الشتم والصراخ عليها رمشت بعيونها المتوسعة، ثم حاولت إخراج بضع أحرف من شفتيها المنفرجتين بصدمة لكن لم تستطع. كل ما أخرجته كان تنهيدة ساخرة غير مصدقة ثم ضغطت أسنانها مع بعض بِغيض. " أيها ال.. وتجرؤ على السب أيضا؟ " همست، ثم ارتفع صوتها في الأخير، لكن لم يقابلها سوى صوته الحاد مجددا: " سألتك أين كنتِ! ماذا كنتِ تفعلين لما تأخرت؟ " صاحت بنفاذ صبر: " وما شأن لعنتك أين كنت! أنت حقا متطفل! " ترقبت جوابه الوقح لترد عليه، لكن قابلها الصمت لثانيتين، ثم تنهيدة عميقة، ثم عاد صوته مجددا؛ منخفضا وحادا: " ليديا.. لا تتطاولي بالكلام. سأكرر مجددا: لما تأخرتِ عن الإجابة؟ " كان مصرا على معرفة سبب تأخرها فلم تتردد في إخباره عبر صراخها الذي تصم له الآذان : " لأنني كنت مشغولة بأشياء أهم من بعض المتطفلين المزعجين اللعناء الذين لولاهم لكانت مدة انفصالي عن الحياة اللعينة قد طالت ! هل ارتحت الآن!؟ هل ارتحت بمعرفة إفسادك ليومي اللعين الذي لم يكن جيدا أساسا هل ارتحت بإيقاظك لي من نومي!

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status