LOGINجاءت الرسالة يوم الخميس، وفيها اسم امرأة لا تعرفها.
في المركز، البريد يوزَّع في الحادية عشرة صباحاً على طاولة في البهو. رجل يُدعى فيليب يقرأ الأسماء بصوت عالٍ ويلفظها كلها خطأ، ويقف الناس في نصف دائرة حوله، ولا أحد يبتعد قبل أن ينتهي. في الأسبوعين الماضيين كانت ليلى تقف في هذه الدائرة كل يوم. أربعة عشر يوماً. عرفت كم فيها من ساعة. عرفت أن الأربعاء أطول من الثلاثاء بلا سبب، وأن الوقت في الصباح يمشي والوقت بعد الرابعة يقف، وأن الانتظار ليس فراغاً كما يظنّ الناس — الانتظار عمل. عمل يستهلك اليوم كله ولا يُنتج شيئاً. في اليومين الأولين قرّرت أن تغيّر التاريخ. في الثالث قرّرت ألّا تغيّره. في الخامس كتبت على ورقة كل الاحتمالات وأحرقتها في مغسلة المركز بولّاعة استعارتها ثم أعادتها. في السابع اتصلت بالمحامية وتركت رسالة صوتية لم يُردّ عليها. في العاشر اتصلت مرة أخرى وردّت مساعدة قالت إن الأستاذة دي كوك في المحكمة وستعاود الاتصال. لم تعاود. وفي اليوم الثاني عشر حدث شيء صغير لم تخبر به أحداً. كانت في القطار عائدة من درس اللغة، ووقف رجل عند الباب يتكلّم في هاتفه بالعربية — لهجة حلبية، صوت عالٍ، يشتري شيئاً ويجادل في السعر. ولم يكن في الأمر شيء. سمعت عربية في هذا البلد مئات المرات. لكنها وجدت نفسها تُصغي إلى كيف يقولها. إلى موضع النبرة. إلى الكلمات التي يبتلعها. وفكّرت، بلا مقدّمات: هذا الرجل لن يفهم كلمة «حدا» كما فهمها ذاك. ثم نزلت من القطار وقالت لنفسها إنها متعبة. وفي الرابع عشر نادى فيليب اسمها. «لايلا… الهومزي؟» أخذت الظرف ومشت به إلى السلّم قبل أن تفتحه، لأنها لا تريد أن يكون وجهها في نصف دائرة حين تقرأ. ورقة واحدة. فرنسية وهولندية، عمودان. الموعد: الثلاثاء ٢٤، الساعة التاسعة والنصف. المكان: الطابق الثالث، غرفة ٣٠٧. المترجم: مؤكَّد. وفي السطر الأخير: الموظف المكلّف: Mme A. DECLERCQ قرأت السطر ثلاث مرات. في المرة الأولى لم تفهم. في الثانية فهمت. وفي الثالثة شعرت بشيء في معدتها لم تكن مستعدة له إطلاقاً. كان يُفترض أن تشعر بالراحة. الرجل الذي يعرف أنها تكذب خرج من ملفّها. الرجل الذي قرأ نسخة بطاقة هويتها وحفظ حرفاً وقارن ثلاثة تواريخ لم يعد هو من يقرأ عليها المحضر. امرأة أخرى، لا تعرفها ولا تعرف لهجتها ولا يهمّها كيف يُنطق اسمها، ستفتح الملف وتقرأ الأقوال وتطلب منها التوقيع. امرأة لن تلاحظ شيئاً. امرأة ستقرأ «قام أحد أقاربها بمساعدتي» ولن تتوقّف عندها، لأنها لا تعرف أن الجملة الأصلية كانت «حدا فتحلي الباب». امرأة ستمرّ فوق التواريخ الثلاثة مرور موظفة مرهقة عندها أحد عشر ملفاً في اليوم. امرأة ستنطق اسمها كما هو مكتوب. وهذا يعني — إن ربحت — أنها ربحت بالغلط. وأن الغلط يمكن أن يُكتشف بعد سنة، أو ثلاث، أو حين تقدّم طلب لمّ شمل لأمّها. هذا ما أرادته منذ أسبوعين. هذا بالضبط ما أرادته. جلست على الدرجة ولم تشعر بأي راحة. بل شعرت بأن أحداً سحب من تحتها شيئاً لم تكن تعرف أنها تقف عليه. في الواحدة نزلت إلى مكتب الإدارة. الموظفة خلف الطاولة كانت تأكل ساندويتشاً وتتصفّح هاتفها، ورفعت عينيها بنصف اهتمام. «عندي سؤال عن موعد المقابلة.» «الموعد مكتوب في الورقة.» «لا، أعرف. أنا… ». توقّفت. لم تكن قد جهّزت الجملة. «الموظف تغيّر. هل يمكن أن أطلب الموظف الأول؟» نظرت إليها المرأة نظرة طويلة. ثم وضعت الساندويتش. «تطلبين موظفاً بالاسم؟» «نعم.» «لماذا؟» «لأنه…» — وسمعت ليلى نفسها وهي تقولها، وسمعت كم بدت سخيفة، وقالتها على أي حال — «لأنه يفهم لغتي.» ابتسمت المرأة. لم تكن ابتسامة قاسية. كانت أسوأ: كانت ابتسامة شخص سمع هذا الطلب مئة مرة. «المكتب يعيّن الملفات حسب الجدول، مدام. لا أحد يختار موظفه. ولا الموظف يختار ملفاته.» «لكن إذا كان هو من طلب…» «الموظفون لا يطلبون ملفات.» «لكن إذا كان هو من طلب…» «الموظفون لا يطلبون ملفات.» قالتها بنبرة نهائية، ثم أضافت، وهي تمسح أصابعها بمنديل: «ولو طلب، ما كان ليخبرك.» ورفعت رأسها ونظرت إلى ليلى نظرة أطول قليلاً ممّا يقتضيه الأمر. نظرة امرأة تعمل في هذا المبنى منذ سنوات وتعرف بالضبط أي نوع من الأسئلة يسبق أي نوع من المشاكل. «مدام. نصيحة. لا تسألي عن الموظفين بالاسم. لا هنا ولا هناك. مفهوم؟» «مفهوم.» عادت إلى الساندويتش. قالت لها هودان في المساء، وهما تنتظران في طابور العشاء: «منيح.» «شنو المنيح؟» «واحدة مرا»، قالت هودان. «النساء كيسمعو كثر.» «ولّا كيلاحظو كثر.» نظرت إليها هودان نظرة سريعة، ولم تسأل عمّا يوجد في ملفّها ولا تريده أن يُلاحَظ. هذه من قواعد المكان: لا أحد يسأل. الجميع يعرف أن لكل ملف ثقباً، ولا أحد يسأل عن ثقب غيره. «ليلى.» «هوم.» «أنت خايفة من الرجل، ولّا خايفة عليه؟» لم تجب. تقدّم الطابور خطوة. أخذت صحناً، وملعقة، وقطعة خبز في كيس. وفكّرت أن السؤال غبي، لأن ليلى لا تعرف عن هذا الرجل شيئاً: لا اسمه الأول، ولا إن كان متزوّجاً، ولا لماذا يعمل في مبنى كهذا وهو يتكلّم لغتين ونصفاً ويمكنه أن يعمل في أي مكان. تعرف عنه أربعة أشياء فقط: أنه يفهم لهجتها. وأنه صحّح كلمة في مصلحتها. وأنه انتظر انطفاء الضوء الأحمر ليكلّمها. وأنه ينطق اسمها صحيحاً. أربعة أشياء. ولا واحد منها يقول إن كان في صفّها. ومع ذلك، حين قرأت اسم المرأة على الورقة صباحاً، لم تكن الكلمة الأولى التي جاءتها هي «نجوت». كانت: «راح». في السابعة والنصف، وهي تحمل صحنها إلى المغسلة، ناداها فيليب من البهو. «الهومزي! نسيت واحدة!» ظرف ثانٍ. أصغر. من الجهة نفسها، وبالبريد نفسه، لكن الختم عليه من يوم آخر. فتحته واقفة هذه المرة. ورقة نصف حجم الأولى. أربعة أسطر. عنوانها بالفرنسية: تصحيح إداري. بالإشارة إلى الاستدعاء المرسل بتاريخ ١٦، يُرجى العلم بأن الموظف المكلّف بالملف رقم ٠٥٨٤٤٢٧١٩٣ هو السيد م. الرفاعي. يُلغى ما ورد خلاف ذلك. ونزلت عيناها إلى أسفل الورقة، إلى الخانة الصغيرة التي لا ينظر إليها أحد، حيث يُطبع تاريخ تحرير الوثيقة. كان مطبوعاً هناك: ١٣. الاستدعاء الأول حُرّر في السادس عشر. والتصحيح حُرّر في الثالث عشر. قبله بثلاثة أيام. قرأت التاريخين مرة أخرى، ثم قلبت الورقة لترى إن كان خلفها شيء. لم يكن خلفها شيء. ولا تُحرَّر وثيقة تصحيح قبل الوثيقة التي تصحّحها. هذا لا يحدث. إلا إذا كان أحدهم قد قدّم الطلب أولاً، وتأخّرت المعالجة، وخرج الاستدعاء الآلي في هذه الأثناء بالاسم القديم في الجدول. يعني أن أحداً تحرّك في الثالث عشر. يوم الثلاثاء. بعد المقابلة بيوم واحد. قبل أن يعرف أحد أن الملف سيُنقَل أصلاً. وقفت ليلى في وسط البهو، والصحن ما زال في يدها، وعرفت أن الورقة التي تحملها ليست تصحيحاً لخطأ. أحدهم أعاد ملفّها إلى نفسه — قبل أن يُسحب منه.غرفة ٠١٢ لم يكن فيها نافذة.هذا أول ما لاحظته ليلى. الغرفتان السابقتان كان فيهما نافذة — واحدة عالية لا تُفتح، وواحدة تطلّ على سطح فيه نورس. هذه لا شيء. أربعة جدران، وضوء أبيض من السقف، ومروحة تهوية تصدر صوتاً منخفضاً لا يتوقّف.والثاني: الطاولة كانت أكبر. وحولها خمسة مقاعد.خمسة.دخلت في الحادية عشرة إلا خمس دقائق ومعها مايكه. كان هناك ثلاثة أشخاص في انتظارهما.في رأس الطاولة رجل في الخمسينات لم ترَه من قبل. أصلع، نظّارة رفيعة، وأمامه حاسوب محمول لا ملفّ ورقي. قدّم نفسه بالفرنسية: دي بروين. وحدة تقييم المصداقية.إلى يساره امرأة في الأربعين قدّمت نفسها بالعربية: «نسرين. مترجمة محلّفة.»عراقية. من بغداد، من طريقة نطقها للقاف.وعلى الطرف الآخر من الطاولة، في المقعد الأبعد، جالساً إلى الجانب لا في المواجهة، بلا أوراق أمامه إلا دفتر صغير وقلم:مهنّد الرفاعي.لم يقف حين دخلت. لم ينظر إليها أكثر من ثانية.وفهمت ليلى، من ترتيب المقاعد وحده، أن شيئاً قد تغيّر: أن الرجل الذي كان يقود الغرفة صار الآن جالساً على الحافة، وأن أحداً وضعه هناك.«السيد الرفاعي هو الموظف المكلّف بالملف»، قال دي بروين،
الرسالة التي وصلت في الأسبوع الخامس لم يكن يُفترض أن توجد.بعد التوقيع لا يبقى أمامك إلا شيء واحد: القرار. يأتي بعد أشهر، في ظرف، وفيه كلمة واحدة تهمّ.لكن هذه الرسالة لم تكن قراراً.استدعاء لمقابلة تكميلية.الثلاثاء، الساعة الحادية عشرة. الطابق الأرضي، غرفة ٠١٢. مترجم مؤكَّد. مدّة متوقّعة: ثلاث ساعات.ثلاث ساعات.نزلت هودان الدرج ووجدتها واقفة في منتصف البهو، والورقة في يدها، والناس يمرّون حولها.أخذت هودان الورقة وقرأتها. ثم قرأتها مرة ثانية.«ليلى.»«شنو يعني تكميلية؟»«اقعدي.»«هودان.»«اقعدي بالله عليك.»جلستا على المقعد قرب باب المطبخ.«التكميلية»، قالت هودان، ببطء، وبعناية شخص يعرف أن كل كلمة الآن سيُعاد سماعها ألف مرة الليلة، «كتجي منين الملف يمشي للتحليل، والمحلّل يلقى حاجة.»«شنو حاجة؟»«حاجة ما كتجيش مع حاجة أخرى.»سكتت ليلى.«ماشي دائماً خايب»، قالت هودان بسرعة. «مرّات كتكون وثيقة ناقصة. مرّات اسم. مرّات…»«هودان.»«…»«كم واحدة عرفتي جاتها تكميلية؟»توقّفت هودان. ثم قالت: «ثلاثة.»«وشنو وقع لهم؟»نظرت هودان إلى الأرض.«واحدة خرجات بالقبول»، قالت. «هادي الحقيقة، ليلى. واحد
بعد التوقيع، لا يحدث شيء.هذا ما لا يقوله أحد لك. تظنّ أن التوقيع نهاية شيء، فتكتشف أنه بداية نوع آخر من الوقت — وقت لا فيه مواعيد ولا رسائل ولا أرقام، وقت يمرّ عليك دون أن يمرّ.مرّت أربعة أسابيع.في الأسبوع الأول كانت ليلى تنزل إلى البهو في الحادية عشرة كل يوم وتقف في نصف الدائرة حول طاولة البريد. في الثاني صارت تنزل ولا تقف قريباً. في الثالث صارت تسمع فيليب من الطابق الثاني وتعرف من نبرته أن اسمها ليس في الحزمة. في الرابع لم تعد تنزل.درس اللغة أربع مرات في الأسبوع، في قاعة فيها ثمانية عشر شخصاً من تسع دول، وأستاذة بلجيكية اسمها آن تعامل الجميع كأطفال في السابعة وتقصد بذلك اللطف.Je m'appelle. J'habite. Je suis.قالت ليلى je suis مئتي مرة في أربعة أسابيع ولم تعرف مرة واحدة كيف تكمل الجملة.في اليوم الحادي عشر طلبت منهم آن أن يكتبوا فقرة: صف يوماً عادياً في حياتك.كتبت ليلى ستة أسطر عن يوم في المركز: أستيقظ، أنتظر الحمّام، آكل، آخذ القطار، أعود.وقرأتها آن ووضعت نجمة صغيرة في الأعلى وكتبت: Très bien! Mais utilisez plus d'adjectifs.استعملي صفات أكثر.هودان تلقّت رسالة في الأسبوع الث
كان مهنّد الرفاعي يعرف بالضبط في أي لحظة اتخذ القرار الذي سيكلّفه كل شيء.لم تكن اللحظة التي صحّح فيها الكلمة. كانت قبلها بأربعين دقيقة، وهو ما يزال في الممرّ، يقرأ الملف واقفاً لأن المصعد كان معطّلاً وصعد ثلاثة طوابق ولم يجد وقتاً للجلوس.الصفحة الرابعة. نسخة ممسوحة من بطاقة هوية، بالعربية، بخطّ سجل مدني من مدينة لم يزرها في حياته.ليلى الحمصي.وفي الاستمارة الفرنسية، أسفل الصفحة الخامسة، اسم آخر بحرف مختلف.وقف في الممرّ ثلاث ثوانٍ ينظر إلى الحرفين.ثم فعل الشيء الذي لا يفعله موظف حماية أبداً: شعر بشيء تجاه ملفّ قبل أن يقابل صاحبه.في التدريب يقولون لك هذا في الأسبوع الأول. الملف ليس شخصاً. الملف مجموعة وقائع تُقيَّم وفق معايير. إن بدأتَ ترى فيه أُمّك أو أباك أو نفسك، فأنت لم تعد تقيّم — أنت تصدّق. والتصديق ليس وظيفتك.كان يعيد هذه الجملة على المتدرّبين الجدد بنفسه. مرتين في السنة. بنفس النبرة.والآن كان واقفاً في ممرّ يحمل ملفاً مفتوحاً، ويفكّر في رجل مات في حمص سنة ٢٠٢١ كان يصحّح حرفاً في اسم ابنته بصبر.مكتبه في الطابق الرابع، غرفة فيها أربعة مكاتب وثلاث نوافذ وآلة قهوة أُصلحت مر
في الجلسة الثانية لا يُسأل الإنسان شيئاً جديداً. يُقرأ عليه ما قاله، ويُطلب منه أن يوقّع تحته.وهذا أخطر بكثير.غرفة 307 كانت في الطابق الثالث، وأكبر قليلاً من الأولى، وفيها نافذة تطلّ على سطح مبنى آخر عليه أنابيب تهوية ونورس واحد واقف بلا حركة طوال الجلسة.المسجّل نفسه. الضوء الأحمر مضاء.فؤاد جاء قبلها بربع ساعة كالعادة. لكنه لم يقل «ارتاحي يا بنتي» هذه المرة. قال «صباح الخير» ونظر إلى أوراقه، ولم يرفع عينيه إليها إلا مرة واحدة، في الدقيقة الثلاثين، ولثانية.في التاسعة والنصف لم يكن قد جاء. في التاسعة وخمس دقائق لم يكن قد جاء. وبدأت ليلى تحسب احتمالاً لم تفكّر فيه: أن يكون التصحيح الإداري نفسه قد أُلغي، وأن تدخل المرأة صاحبة الاسم الذي لا تعرفه.ودخل هو في التاسعة وثمانٍ وثلاثين دقيقة.لم ينظر إليها. جلس، وفتح الملف، وقال بالفرنسية:«نستكمل جلسة الحادي عشر. سأقرأ عليك أقوالك كما دُوّنت. إن وجدتِ خطأً أو نقصاً، أوقفيني. بعد القراءة توقّعين. التوقيع يعني أن هذا المحضر يمثّل أقوالك.»ترجم فؤاد بدقّة كاملة هذه المرة. كل كلمة. حتى «يمثّل».ثم بدأ يقرأ.كان الأمر أغرب ممّا توقّعت. حياتها،
جاءت الرسالة يوم الخميس، وفيها اسم امرأة لا تعرفها.في المركز، البريد يوزَّع في الحادية عشرة صباحاً على طاولة في البهو. رجل يُدعى فيليب يقرأ الأسماء بصوت عالٍ ويلفظها كلها خطأ، ويقف الناس في نصف دائرة حوله، ولا أحد يبتعد قبل أن ينتهي.في الأسبوعين الماضيين كانت ليلى تقف في هذه الدائرة كل يوم.أربعة عشر يوماً. عرفت كم فيها من ساعة. عرفت أن الأربعاء أطول من الثلاثاء بلا سبب، وأن الوقت في الصباح يمشي والوقت بعد الرابعة يقف، وأن الانتظار ليس فراغاً كما يظنّ الناس — الانتظار عمل. عمل يستهلك اليوم كله ولا يُنتج شيئاً.في اليومين الأولين قرّرت أن تغيّر التاريخ. في الثالث قرّرت ألّا تغيّره. في الخامس كتبت على ورقة كل الاحتمالات وأحرقتها في مغسلة المركز بولّاعة استعارتها ثم أعادتها. في السابع اتصلت بالمحامية وتركت رسالة صوتية لم يُردّ عليها. في العاشر اتصلت مرة أخرى وردّت مساعدة قالت إن الأستاذة دي كوك في المحكمة وستعاود الاتصال. لم تعاود.وفي اليوم الثاني عشر حدث شيء صغير لم تخبر به أحداً.كانت في القطار عائدة من درس اللغة، ووقف رجل عند الباب يتكلّم في هاتفه بالعربية — لهجة حلبية، صوت عالٍ، ي







