LOGINفي جناح فارس ومهرة (لحظة الاشتعال)
ساد صمتٌ قاتل في الغرفة، كأن الهواء تجمد فجأة! كانت شاشة الهاتف تلمع بالرسالة الغريبة، وعينا فارس تحولتا إلى جمرة من الجحيم. ثوانٍ معدودة مرت وهو ينظر للشاشة، قبل أن يمتد كفه الضخم ويمسك الهاتف بعنف، وعروق يده بارزة كالسلاسل! مهرة وقفت فوراً، وجهها شحب من الصدمة، ونطقت بنبرة يهزها الذهول: ـ "فارس! الرقم ده أنا معرفوش.. والرسالة دي أكيد فيه حاجة غلط!" التفت فارس إليها ببطء مرعب. خطواته الثقيلة وقفت أمامها مباشرة، وعيناه تنظران في عينيها بنظرة حادة كالسكين، ونطق بصوت خفيض، بحّة الغضب الصعيدي تخرج من بين أسنانه: ـ "مين اللي كاتب الرسالة دي يا مهرة؟ ومين اللي مستنيكي في النجع في نص الليل وساعة العتمة؟" مهرة رفعت رأسها بثبات رغم ارتعاش جسدها، وحطت يدها على صدره بثقة ورجاء: ـ "وحياة خوفك على أختك مريم يا فارس.. وحياة الوعد اللي قطعته ليا من شوية، أنا معرفش صاحب الرقم ده، ولا ليّا اتفاق مع حد! دي لعبة ملعوبة عشان تهد اللي بينّا!" فارس صرّ على أسنانه، وعقله يصارع بين غريزة الصقر الشكاك التي تربى عليها، وبين دفء حنيتها وصدق عينها العسلية التي تنظر إليه بغير خوف. ضغط فارس على الهاتف في يده، ودون أن ينطق بكلمة، اتصل بالرقم فوراً وفتح المكبر الصوتي (السبيكر)! كشف اللعبة (مواجهة المتصل) رن الهاتف مرتين.. ثم فتح الخط! جاء صوت رجل غير صعيدي، متوتر وبيحاول يبان غامض: ـ "إيه يا مهرة؟ استلمتِ الرسالة؟ أنا جهزت العربية برة النجع عشان نطلع على القاهرة زي ما اتفقتِ معايا في التليفون..." في تلك اللحظة.. مهرة صرخت بغضب ونقاء: ـ "أنت مين يا كذاب يا نذل؟! أنا معرفكش ولا عمري اتكلمت معاك!" فارس وضع إبهامه على شفتي مهرة برفق ليمنعها من الكلام، ثم قرب الهاتف من فمه ونطق بنبرة رجولية مرعبة هزت السماعة: ـ "أهلاً يا ولد المحروقة.. معاك فارس الهواري! وحياة اللي خلق الخلق، لو ما قولت في خمس ثواني مين اللي أدالك القِرشين عشان تكتب الرسالة دي.. حتكون جثتك مرمية في النيل قبل ما الفجر يطلع!" الصمت حلّ على الطرف الآخر، وصوت نفس المتصل بدأ يضطرب برعب شديد! المتصل بلع ريقه وصوته اترعش: ـ "فـ.. فارس بيه؟! والله العظيم أنا ماليش دعوة! أنا شغال في موقف العربيات، وأخدت ألف جنيه من وحدة ست كبيرة من عندكم في السرايا عشان أبعث الرسالة دي للرقم ده أول ما الليل يليل!" عين فارس ضاقت بشرار حارق، ونطق بصوت حاد: ـ "أوصافه إيه يا ولد؟" المتصل بعفوية ورعب: ـ "ست كبيرة.. لافة شال أسود، ولابسة غوايش دهب كتير في إيدها، وكانت بتتحسس وبتتكلم بصوت واطي عشان محدش يشوفها!" أغلق فارس الخط بعنف، ورما الهاتف على السرير. انكشاف المكيدة والثبات مهرة بصت لـ فارس وعيونها دمعت من شدة الصدمة: ـ "سعاد!.. غوايش الدهب والشال الأسود.. هي اللي كانت عاوزة تخرب بيتك وتخليك تقتلني أو تطردني!" فارس وقف صامتاً لثوانٍ، صدره يعلو ويهبط. التفت لـ مهرة، وبص في عيونها اللي كان فيها ألم من إنه شك فيها ولو لثانية. خطا خطوات دافية نحوها، ومسك إيديها الـ اتنين بكفيه العريضين، ونزل رأسه لمستواها ونطق بنبرة صادقة مليانة اعتذار وندم صعيدي اصيل: ـ "سامحيني يا بنت العم.. الشيطان كان حيعمي عيني، بس صدق عينك ونظرتك هي اللي طفّت ناري قبل ما تحرقنا." مهرة ابتسمت بدموع ونزلت رأسها على صدره: ـ "أنا مقدرة يا فارس.. بس الست دي مش هينفع تسكت لها، لأنها كانت عاوزة تحرق السرايا كلها بحسدها." فارس لف دراعاته حولها بعنف وحماية، ونطق بوعد حاسم هز الغرفة: ـ "سعاد حسابها معايا الصبح قدام العيلة كلها يا مهرة.. واللي يفكر يلعب في ظهر الصقر ويمس حرمته، ملهوش مكان في ديار الهوارة!" في شروق اليوم التالي.. مواجهة المضيفة كانت أطياف النور الأولى تتسلل لساحة السرايا. المجلس الكبير كان يجتمع فيه الجد عبد الرحيم، ومنصور، وسليمان، بينما كانت سعاد تجلس بثقة خبيثة تتناول شاي الصباح، وهي تظن أن فتنتا أثمرت ليلتها وأن الجناح الأعلى مشتعل بالحرب! وفجأة... هزت أركان السرايا خطوات ثقيلة وحازمة! نزل فارس من على السلم الداخلي بكامل هيبته، جلبابه الكحلي وشاله، وعيناه تشتعلان بنار لا ترحم. وبجانبه كانت تمشي مهرة بثبات وكبرياء، مرتادية عباءة استقبال راقية ووجهها يفيض بالهدوء والانتصار. الجد عبد الرحيم رفع رأسه بذهول من منظرهما، ونطق: ـ "خير يا فارس يا ولدي؟ طالع بمرتك في الشروق وشكوككم كأنها نار!" وقف فارس في منتصف المجلس، وأخرج هاتف مهرة ورمى به على الطاولة الأمامية بعنف أحدث صوتاً جليلاً! التفت فارس صوب سعاد بنظرة ثاقبة جعلت الغوايش الذهبية في يدها تصطدم ببعضها من فرط الارتجاف! ونطق فارس بصوت كالرعد زلزل المضيفة: ـ "الخير يقل في البيت اللي تتربى فيه الأفاعي يا جدي! الحجة سعاد.. مرت عمي سليمان.. جيبالي واد من الموقف بـ ألف جنيه عشان يبعث رسالة لمراتي بالليل، وتعمل لعبة رخيصة عشان تشككني في شرف بيتي وحرمتي!" انكشاف الحقائق والقصاص سليمان (زوج سعاد) قفز من مكانه مصدماً: ـ "إيه الحكي ده يا فارس؟! أنت اتجننت كيف تتهم مرتي بكده؟!" فارس لم ينتظر؛ ضغط على زر في هاتفه وشغّل تسجيلاً صوتياً للمكالمة التي أجراها ليلة البارحة مع صاحب الرسالة وهو يعترف بأوصاف سعاد والدفع والغوايش وشالها الأسود بالتفصيل! عمّ الصمت القاتل المضيفة.. سعاد اصفرّ وجهها تماماً ووقفت تترعش وتأتأة: ـ "أـ أنا.. أنا كنت خايفة على كرامة العيلة.. البت دي قاهرية وتدبر..." الجد عبد الرحيم وقف بضربة عكاز زلزلت الأرض، وعيناه تفيضان بالشرار: ـ "اخرسي يا سعاد! بقى بتلعبي في شرف حريم الهوارة وتدبري المكايد جوة سرايا عبد الرحيم الهواري؟! أنتِ قطعتِ أصول الدار وعيبك ملوش دوا!" التفت الجد لـ سليمان ونطق بحكم لا يرد: ـ "سليمان! مرتك تاخد حوائجها وتغور على بيت أهلها في النجع الثاني، وما تحطش رجلها في السرايا دي تاني إلا لما فارس ومهرة يسامحوا.. وده كلامي الأخير!" سليمان نزل رأسه بخزي وسحب سعاد التي كانت تبكي بذهول وهوان خارج المضيفة! انتصار المَهرة وسيدَة السرايا التفت الجد عبد الرحيم لـ مهرة التي كانت تقف بثبات وهدوء، ونظر إليها بإعجاب وتوقير شديد، ونطق بصوت دافي قدام العيلة كلها: ـ "حقك عليا يا بنتي.. أنتِ أثبتِ إنك بنت أصول، وعقلك يوزن بلد. من النهاردة أنتِ ست السرايا دي مع فتحية أمك، وكلمتك مسموعة على الكبير قبل الصغير!" مهرة ابتسمت ابتسامة هادئة وفيها كبرياء راقٍ: ـ "تسلم يا جدي.. أنا يهمني أمان البيت وحق جوزي اللي حاولوا يكسروا هيبته." فارس بص لـ مهرة بنظرة تملّك وفخر حارق! مسك إيدها قدام الجد وأبوه منصور، وطبع بوسة على ظهر كفها ونطق بنبرة صعيدية دافية وواثقة: ـ "المَهرة دي هي روح الصقر يا جدي.. واللي يفكر يمس طرفها، كأنه كتب نهايته بيده!" في مسائهم الخاص (نهاية الفصل الأول من الملحمة) في جناحهم الخاص، كانت الأجواء صافية تماماً كليلة دافئة بعد عاصفة عاتية. كانت مهرة تقف في الشرفة تطل على النجع والزرع الأخضر الممتد، وفارس جاء من خلفها ولف ذراعيه القويين حول خصرها، وحط دقنه على كتفها بنعومة: ـ "مبقاش في مشاكل ولا عقبات يا مهرة قلبي.. الدار دي بقت دارك، والصعاب كلها اتدكت تحت رجلينا." مهرة لفت رأسها وبصت في عينيه البنيتين بابتسامة ساحرة ودافيّة: ـ "يعني المَهرة كده اتلجمت يا فارس؟" فارس ضحك بصوت رجولي دافي هز صدره، وهمس أمام شفتيها بحب صادق: ـ "المَهرة عمرها ما تتلجم يا بنت العم.. المَهرة بتتدارى في قلب الصقر اللي بيعشق جموحها!"انقطعت ألسنة الجميع وتجمّد الهواء في البهو بعد كلمة مروان الخائنة، وكان صمت المكان أشد هولاً من صوت الرصاص الخارجي! وفي لحظة لم يتوقعها أحد.. استقام الجد عبد الرحيم في وقفته كأن العمر ارتد به ثلاثين عاماً إلى الوراء! لم يتكلم، ولم يصرخ، بل مدّ يده بثبات عجيب نحو حزام منصوره الخفي، وسحب منه مسدساً أسود صغيراً، وبحركة خاطفة لم يدركها مروان وهو يبتسم بشر... "طَخخخخ!" دوت الطلقة في أرجاء السرايا، وسقط جدار الصمت! صرخ مروان صرخة مكتومة ويمسك بيده اليمنى التي ينزف منها الدم، وتراجع للخلف ينظر لجده بذهول ورعب لا يصدق! وقف الجد عبد الرحيم، ودخان المسدس يتصاعد من فوهته، وعيناه تفيضان بهيبة وجبروت صلب، ونطق بصوت هادئ للغاية، لكنه كان ينزل كالحديد على رؤوس الجميع: ـ "اللي يبيع ابن عمه ويشهد مع الغريب على حرمة بيته وعرضه.. ما يترفعش عليه سلاح فرسان، ولا يتقال له يا راجل! ده ياخد عياره في الإيد اللي اتمدت بالخيانة، وتقعدوه جوة كيف الحريم، وتجيبوا له الحكيم يربط جرحه.. وده العقاب اللي يستاهله ولد الهوارة لما ينسى أصله!" أشار الجد بعكازه للرجالة، فانطلق اثنان من كبار حراس السرايا، وسحبوا مروا
عدت أيام على فاجعة المستشفى، ومرت ليلة ورا ليلة وسرايا الهواري عايشة في سكون مرعب، زي الهدوء اللي بيجي قبل الهبوب. الشمس كانت لسه بتشق طريقها على المزارع، والندى نازل على شجر النخل والزرع الأخضر. كانت الساعة جارية على ستة الصبح، والجو في السرايا هادي لدرجة إنك تسمع صوت زقزقة العصافير ونسيم الهواء العليل وهو بيهز الشجر. في الجناح العلوي، كانت الستائر الشيفون الأبيض بتتحرك بهدوء مع الهواء الدافي. مُهرة كانت قاعدة على طرف السرير، لابسة عباية بيضا واسعة وشال حرير خفيف ملفوف على رأسها بيغطي الضمادة اللي بقت أصغر. كانت ماسكة كباية ينسون دافية بيديها الاتنين، وبتبص من الشباك الكبير على الغيط الممتد. كان وشها شاحب بس بدأ يرجعله دمه ورونقه، وعينيها العسلية فيها هدوء عميق... هدوء ما تعرفش وراه رضا ولا عاصفة مستنيّة شرارة عشان تولع! فجأة، اتفتح باب الجناح ببطء شديد ومن غير أي صوت. دخل فارس وهو شايل في إيده صينية فطور صغيرة عليها العسل النحل والقشطة والعيش البلدي المخبوز طازة. كان لابس جلبابه الأبيض الخفيف، ووشه هادي، وعليه نظرة حنية دافية تمسح كل وجع الدنيا. حط الصينية على الطاولة الجانبية
صوت صفارات الإسعاف وصعق محركات السيارات كان يشق سكون الليل بطريقه نحو مستشفى النجع الكبير!كانت السيارة السوداء الضخمة تتطوح في الأزقة بسرعة جنونية، وقدم فارس تضغط على دواسة البنزين بكل قهر العالم. وفي المقعد الخلفي، كانت مُهرة ترقد ورأسها المدمى في أحضان "فتحية" (أم فارس) التي كانت تبكي وتنحب بصلوات خافته، بينما ينظر إليها فارس عبر المرآة الأمامية بعيون تشتعل بنار جهنم وجنون لم يسبق له مثيل!وصلت السيارة وأُحيلت الساحة أمام المستشفى إلى حالة طوارئ قصوى!ترجل فارس كالإعصار، ورفع مُهرة بين ذراعيه بالكامل، وركض بها عبر الممرات البيضاء وصوته الرعدي يزلزل الأسقف:ـ "دكتور فوراً!! أي حد يلحق حُرْمَة فارس الهواري!! بسرعااااة!"هرع الأطباء والممرضات، وسُحبت مُهرة من بين يديه على الحمالة المتحركة نحو غرفة العمليات والطوارئ، وأُغلق الباب الزجاجي المعتم في وجهه!سقط فارس بظهره على الحائط الأبيض، وعيناه مثبتتان على آثار دمائها الحارة التي صبغت يده وجلبابه الكحلي. استند ببراجمه على الجدار وضرب الخرسانة بيده الصلبة ضربة أحدثت صوتاً كالانفجار، والأنفاس تتصاعد من صدره المجهد كأنه بركان محبوس.وصلت س
أشرقت شمس اليوم التالي على سرايا الهواري محمّلة بهواءٍ ثقيل ينبئ بعاصفة وشيكة، هدوء ما قبل المولد كان يخيم على الساحة والمزارع الممتدة. وفي قلب هذا الهدوء المشحون، كان فارس ومروان يستعدان لتجهيز خيولهما في الإسطبلات البعيدة عن المبنى الرئيسي للسرايا، حيث انشغل الجميع بتنسيق ساحة السباق الكبرى.في الجناح العلوي، كانت مُهرة تنقّب في أوراقها وحوائجها لتسليم الملفات الأثرية والأوراق الخاصة بالمزارع التي طلبها الجد عبد الرحيم. كانت السرايا شبه خاوية في تلك اللحظة؛ فالخدم انشغلوا في الإعداد الخارجي، ورجال العيلة متجمعون عند المضياف البعيد.لكن ظلاً خبيثاً كان يترقب هذه اللحظة بالذات!فُتح باب الجناح ببطءٍ مريب، ودخلت سعاد بخطوات متسللة، عينان تفيضان بالغل الحاقد والشرار الأسود بعد طردها وافتضاح أمرها بالأمس. كانت قد تسللت من الباب الخلفي للمطبخ دون أن يراها أحد، والغيظ ينهك عقلها بعدما خصرت مكانتها وكرامتها أمام العيلة بسبب هذه القاهرية!توقفت مُهرة وأمسكت بحافة المكتب، والتفتت بحدة لتفاجأ بسعاد تقف عند أعتاب الغرفة والشر يملأ ملامحها، فنطقت مُهرة بنبرة حادة وكبرياء صلب:ـ "أنتِ إيه اللي جا
أشرقت شمس الصعيد على سرايا الهواري وهي تنبض بهيبة وجلال جديدين. لم يعد اسم مُهرة مجرد اسم زوجة قاهرية دخلت الدار غريبة، بل أصبحت "ست السرايا" بكلمة الجد عبد الرحيم وبصمة كبرياء لا تُكسر، تصون كرامة بيتها وتدير شؤونه بعقل يوزن بلد.في البهو السفلي الواسع، كانت مُهرة تشرف بنفسها على ترتيبات الدار بجانب فتحية أم فارس. عباءتها العنابية الراقية وشالها الحريري كانا يعكسان حضوراً يفيض بالأصالة والهدوء، بينما كان الخدَم والعمال يتحركون بإشارة من يدها الرقيقة بكل احترام وتقدير. كانت الطمأنينة تخيم على المكان بعد كشف ألاعيب سعاد وطردها خارج السرايا، لكن هدوء سرايا الهواري دائماً ما يخبئ خلفه عواصف جديدة لا تؤمن بالهدنة.فجأة، دوت في ساحة السرايا الخارجية أصوات صهيل خيلٍ حاد، يتبعها ركض خيول متسارع وصوت خطوات ثقيلة لأحذية جلدية فاخرة تصطدم بالأرضية الرخامية. فتح منصور والد فارس باب المجلس الكبير، يتبعه شاب في أوائل الثلاثينات، فارع الطول، يرتدي الجلباب الصعيدي الأنيق والمصنوع من أجود أنواع الصوف، وعلى وجهه ابتسامة ثقة جريئة تلمع بعيون حادة وذكية.نطق منصور بصوت عالٍ ومرحب يهز البهو:ـ "يا مرحب ي
في جناح فارس ومهرة (لحظة الاشتعال) ساد صمتٌ قاتل في الغرفة، كأن الهواء تجمد فجأة!كانت شاشة الهاتف تلمع بالرسالة الغريبة، وعينا فارس تحولتا إلى جمرة من الجحيم. ثوانٍ معدودة مرت وهو ينظر للشاشة، قبل أن يمتد كفه الضخم ويمسك الهاتف بعنف، وعروق يده بارزة كالسلاسل!مهرة وقفت فوراً، وجهها شحب من الصدمة، ونطقت بنبرة يهزها الذهول:ـ "فارس! الرقم ده أنا معرفوش.. والرسالة دي أكيد فيه حاجة غلط!"التفت فارس إليها ببطء مرعب. خطواته الثقيلة وقفت أمامها مباشرة، وعيناه تنظران في عينيها بنظرة حادة كالسكين، ونطق بصوت خفيض، بحّة الغضب الصعيدي تخرج من بين أسنانه:ـ "مين اللي كاتب الرسالة دي يا مهرة؟ ومين اللي مستنيكي في النجع في نص الليل وساعة العتمة؟"مهرة رفعت رأسها بثبات رغم ارتعاش جسدها، وحطت يدها على صدره بثقة ورجاء:ـ "وحياة خوفك على أختك مريم يا فارس.. وحياة الوعد اللي قطعته ليا من شوية، أنا معرفش صاحب الرقم ده، ولا ليّا اتفاق مع حد! دي لعبة ملعوبة عشان تهد اللي بينّا!"فارس صرّ على أسنانه، وعقله يصارع بين غريزة الصقر الشكاك التي تربى عليها، وبين دفء حنيتها وصدق عينها العسلية التي تنظر إليه بغير







