LOGINصوت صفارات الإسعاف وصعق محركات السيارات كان يشق سكون الليل بطريقه نحو مستشفى النجع الكبير!
كانت السيارة السوداء الضخمة تتطوح في الأزقة بسرعة جنونية، وقدم فارس تضغط على دواسة البنزين بكل قهر العالم. وفي المقعد الخلفي، كانت مُهرة ترقد ورأسها المدمى في أحضان "فتحية" (أم فارس) التي كانت تبكي وتنحب بصلوات خافته، بينما ينظر إليها فارس عبر المرآة الأمامية بعيون تشتعل بنار جهنم وجنون لم يسبق له مثيل! وصلت السيارة وأُحيلت الساحة أمام المستشفى إلى حالة طوارئ قصوى! ترجل فارس كالإعصار، ورفع مُهرة بين ذراعيه بالكامل، وركض بها عبر الممرات البيضاء وصوته الرعدي يزلزل الأسقف: ـ "دكتور فوراً!! أي حد يلحق حُرْمَة فارس الهواري!! بسرعااااة!" هرع الأطباء والممرضات، وسُحبت مُهرة من بين يديه على الحمالة المتحركة نحو غرفة العمليات والطوارئ، وأُغلق الباب الزجاجي المعتم في وجهه! سقط فارس بظهره على الحائط الأبيض، وعيناه مثبتتان على آثار دمائها الحارة التي صبغت يده وجلبابه الكحلي. استند ببراجمه على الجدار وضرب الخرسانة بيده الصلبة ضربة أحدثت صوتاً كالانفجار، والأنفاس تتصاعد من صدره المجهد كأنه بركان محبوس. وصلت سيارة الجد عبد الرحيم، يرافقه منصور ومروان الذي كان وجهه أصفر كالثلج من الهول والندم. تقدم الجد بخطوات ثقيلة يرتكئ فيها على عكازه، ونظر إلى فارس بنبرة يملؤها الحزن والترقب: ـ "طمنا يا فارس يا ولدي.. الحكماء قالوا إيه عن مرتك؟" لم يرد فارس.. كان يقف كالصنم، وعيناه تقطران جحراً وقسوة، ونظراته معلقة بالباب المغلق! الصَدْمَةُ الكُبْرَى وَفَقْدُ الجَنِين بعد ساعة كانت كألف سنة من العذاب.. فُتح باب غرفة العمليات، وخرج الطبيب الرئيسي يمسح عرق جبينه وبملامح يكسوها الأسف والوجوم. هرع فارس ونزع الطبيب من قميصه بلهفة وحرقة صريحة: ـ "انطق يا دكتور!! مرتى جرى لها إيه؟! انطق باللي عندك!" تراجع الطبيب بتوتر ونطق بصوت خفيض وحزين: ـ "اهدأ يا فارس بيه أرجوك.. المدام تعرضت لارتجاج خفيف في المخ بسبب الضربة الرخامية، وخيطنا الجرح في رأسها بـ 8 غرز.. لكن..." توقف الطبيب وتردد، فانقبضت أسطح وجه الجد عبد الرحيم، وزعق فارس بصوت جش: ـ "لكن إيييييه؟! كمل!!" نزل الطبيب بنظره للأرض وقال بأسى: ـ "للأسف.. النزيف الشديد والضربة القاسية في بطنها وأسفل ظهرها أثناء السقوط.. تسببت في إجهاضها! الأنسة كانت حامل في شهرها الأول.. وللأسف فقدنا الجنين!" نزل الخبر كالصاعقة المدوية التي قطعت أنفاس الجميع وسحقت أركان المكان! تسمر فارس في مكانه! اتسعت عيناه السوداوان بذهول مطلق، وطارت الدماء من وجهه بالكامل.. حامل؟! مُهرة كانت تحمل قطعة منه في أحشائها؟! طفلهما الأول.. ثمرة حبهما المشتعل ورباط عرشهما.. مات وقُتل قبل أن يرى النور، وبيد سعاد الغادرة! الجد عبد الرحيم مسك صدره بذهول وشهق بألم، واستند على منصور وهو يتمتم بحسرة: ـ "لا حول ولا قوة إلا بالله.. قطعتِ الخلف وسفكتِ الدم يا سعاد يا بنت الكلاب!" أما فارس.. فقد تراجعت خطواته للخلف ببطء شديد، ويده ترتجف برعشة مرعبة! نظر لكفوفه الملطخة بدمائها.. دم زوجته ودم طفله! تحول الذهول في عينيه فجأة إلى سواد جنوني كاسر! انطلقت من حنجرته زأرة غضب وحسرة هزت جدران المستشفى بالكامل، واندفع كالوحش المثير للرعب نحو الخارج دون أن يوقفه أحد! صرخ الجد عبد الرحيم بمنصور ومروان: ـ "الحقوا فارس!! فارس هيعمل جناية وهيقتل سعاد وأهلها الليلة!!" الانتقامُ الأسْوَدُ وَحِسَابُ الصَّعِيد انطلق فارس بسيارته كالعاصفة نحو منزل أهل سعاد في النجع المظلم، حيث كانت تختبئ وتترعش بعد أن طردها وجرّها سليمان! وصل فارس وترجل كملك الموت! أخرج من أسفل المقعد سلاحه الآلي، واقتحم بوابة الدار بضربة قدم جبارة خلعت الأخشاب من مكانها! صرخ والد سعاد وإخوتها وركضوا بذهول، لكنهم تسمروا عندما رأوا فارس يرفع السلاح ووجّه النيران ونطق بصوت رعدي يقطر دماً: ـ "سُعاااااد!! اطلعي براااااااا وربى لأجتللللك!! جتلتِى ابني وحليتى دم حرمتي في بيتي!!" خرجت سعاد من الغرفة الخلفية تصرخ برعب وتستغيث، وجثت على ركبتيها تحت أقدام والدها المصدوم. تقدم فارس بخطوات ثقيلة وحاسمة، ووجه فوهة السلاح لنصف رأسها مباشرة! كان إبهامه يضغط على الزناد، وعروق رقبته بارزة ونظراته تعلن عن نهاية العالم! وفي اللحظة الأخيرة.. اقتحم الجد عبد الرحيم وسليمان ومروان الدار! قفز سليمان (زوج سعاد) ووقف بوجهه في المنتصف أمام السلاح، وصرخ ودموعه تنزل خضوعاً وخزياً: ـ "له يا فارس!! لا يا وليدى !! القتيلة دي ما تستاهلش تلخبط يدك بدمها وتضيع شبابك في السجن!" الجد عبد الرحيم وقف أمام فارس بصلابة وعكازه يرتجف: ـ "نزل السلاح يا فارس!! ابنك حقه مش هيضيع بالدم اللي يدخلك السجن! الحق بياخده القصاص والعُرْف!" التفت سليمان نحو سعاد المنهارة برعب، ونطق بصوت هز النجع كله بحكم لا رجعة فيه: ـ "أنتِ طالق بالثلاثة يا سعاد!! طالق طلاق لا رجعة فيه! ومالكِش عندي شبر أرض ولا قرش، وساقط عنك حمايتي وعزوتي! ودلوقت.. الشرطة برة هتاخدك بتهمة القتل والإجهاض العمد والشروع في القتل!!" دخلت قوات الشرطة التي طلبها مروان والجد سلفاً، وقيدت سعاد بالحديد وسط صراخها وعويلها وهوانها أمام أهل النجع أجمعين! نظر فارس إلى سعاد وهي تُسحب كالذليلة، ثم رمى السلاح أرضاً بعنف، ونظر إلى إخوتها ووالدها ونطق بنبرة حادة كالسيف: ـ "لو لمحت مخلوق منكم يمر بجانب سرايا الهواري.. هبقى أني والدم والبارود حكماء بيننا!" استقظاةُ المَلاَكِ وَانْكِسَارُ القَلْب في صباح اليوم التالي.. داخل الغرفة الخاصة بالمستشفى.. كان الهدوء يخيم على المكان، ورائحة المعقمات تملأ الجو. كانت مُهرة ترقد على السرير الأبيض، ضمادة بيضاء تلف رأسها وجبينها، ووجهها الشاحب كالياسمين الذابل يفيض بالضعف والانكسار. فتحت عينيها العسليتين ببطء شديد.. لتجد فارس يجلس بجانبها على الكرسي. كان فارس يبدو كمن خاض حرباً طاحنة؛ جلبابه أسود، ذقنه نبتت بسواد حزين، وعيناه البنيتان المحمرتان تعكسان سهراً وقهراً لم يرهما فيه أحد من قبل. ما إن رأى حركة جفنيها، حتى انحنى نحوها بلهفة وحنان جارف، وأمسك كفها الصغير بين يديه الفولاذيتين وقبّلها بعمق، وهامس بصوت رجوليّ بحّار ومكسور: ـ "مُهرة.. حمد الله على سلامتك يا روح الصقر.. افتحي عينيكي يا حبيبتي." نظرت مُهرة إليه بوهن، ودمعة دافئة تسللت من عينها العسلية لتسقط على الوسادة. وضعت يدها الأخرى ببطء شديد على أسفل بطنها.. وشعرت بالفراغ القاتل والألم الممتد! نظرت في عينيه بنبرة مبحوقة تفيض بالحرقة والدموع: ـ "فارس... ابننا راحت يا فارس؟" تسمّر فارس، وانقبضت ملامحه بألم يمزق الصدر. لم يستطع إخفاء الدمعة التي تجمعت في عينه، فانحنى برأسه ووضع جبهته على يدها الممسكة ببطنها، ونطق بصوت خفيض خنقته العبرة: ـ "راح يا مُهرة قلبي.. راحت قطعة من روحنا.. بس أنتِ قمتِ لي بالسلامة، وأنتِ عندي بالدنيا وما فيها!" انهارت مُهرة في البكاء والنحيب، ورفعت يدها لتعانق رأسه وصدره الصلب، بينما ضمها فارس إلى أحضانه بقوة وحنان حارق، يمسح على شعرها ويهمس لها بأعذب كلمات العشق والصبر وفجأه...انقطعت ألسنة الجميع وتجمّد الهواء في البهو بعد كلمة مروان الخائنة، وكان صمت المكان أشد هولاً من صوت الرصاص الخارجي! وفي لحظة لم يتوقعها أحد.. استقام الجد عبد الرحيم في وقفته كأن العمر ارتد به ثلاثين عاماً إلى الوراء! لم يتكلم، ولم يصرخ، بل مدّ يده بثبات عجيب نحو حزام منصوره الخفي، وسحب منه مسدساً أسود صغيراً، وبحركة خاطفة لم يدركها مروان وهو يبتسم بشر... "طَخخخخ!" دوت الطلقة في أرجاء السرايا، وسقط جدار الصمت! صرخ مروان صرخة مكتومة ويمسك بيده اليمنى التي ينزف منها الدم، وتراجع للخلف ينظر لجده بذهول ورعب لا يصدق! وقف الجد عبد الرحيم، ودخان المسدس يتصاعد من فوهته، وعيناه تفيضان بهيبة وجبروت صلب، ونطق بصوت هادئ للغاية، لكنه كان ينزل كالحديد على رؤوس الجميع: ـ "اللي يبيع ابن عمه ويشهد مع الغريب على حرمة بيته وعرضه.. ما يترفعش عليه سلاح فرسان، ولا يتقال له يا راجل! ده ياخد عياره في الإيد اللي اتمدت بالخيانة، وتقعدوه جوة كيف الحريم، وتجيبوا له الحكيم يربط جرحه.. وده العقاب اللي يستاهله ولد الهوارة لما ينسى أصله!" أشار الجد بعكازه للرجالة، فانطلق اثنان من كبار حراس السرايا، وسحبوا مروا
عدت أيام على فاجعة المستشفى، ومرت ليلة ورا ليلة وسرايا الهواري عايشة في سكون مرعب، زي الهدوء اللي بيجي قبل الهبوب. الشمس كانت لسه بتشق طريقها على المزارع، والندى نازل على شجر النخل والزرع الأخضر. كانت الساعة جارية على ستة الصبح، والجو في السرايا هادي لدرجة إنك تسمع صوت زقزقة العصافير ونسيم الهواء العليل وهو بيهز الشجر. في الجناح العلوي، كانت الستائر الشيفون الأبيض بتتحرك بهدوء مع الهواء الدافي. مُهرة كانت قاعدة على طرف السرير، لابسة عباية بيضا واسعة وشال حرير خفيف ملفوف على رأسها بيغطي الضمادة اللي بقت أصغر. كانت ماسكة كباية ينسون دافية بيديها الاتنين، وبتبص من الشباك الكبير على الغيط الممتد. كان وشها شاحب بس بدأ يرجعله دمه ورونقه، وعينيها العسلية فيها هدوء عميق... هدوء ما تعرفش وراه رضا ولا عاصفة مستنيّة شرارة عشان تولع! فجأة، اتفتح باب الجناح ببطء شديد ومن غير أي صوت. دخل فارس وهو شايل في إيده صينية فطور صغيرة عليها العسل النحل والقشطة والعيش البلدي المخبوز طازة. كان لابس جلبابه الأبيض الخفيف، ووشه هادي، وعليه نظرة حنية دافية تمسح كل وجع الدنيا. حط الصينية على الطاولة الجانبية
صوت صفارات الإسعاف وصعق محركات السيارات كان يشق سكون الليل بطريقه نحو مستشفى النجع الكبير!كانت السيارة السوداء الضخمة تتطوح في الأزقة بسرعة جنونية، وقدم فارس تضغط على دواسة البنزين بكل قهر العالم. وفي المقعد الخلفي، كانت مُهرة ترقد ورأسها المدمى في أحضان "فتحية" (أم فارس) التي كانت تبكي وتنحب بصلوات خافته، بينما ينظر إليها فارس عبر المرآة الأمامية بعيون تشتعل بنار جهنم وجنون لم يسبق له مثيل!وصلت السيارة وأُحيلت الساحة أمام المستشفى إلى حالة طوارئ قصوى!ترجل فارس كالإعصار، ورفع مُهرة بين ذراعيه بالكامل، وركض بها عبر الممرات البيضاء وصوته الرعدي يزلزل الأسقف:ـ "دكتور فوراً!! أي حد يلحق حُرْمَة فارس الهواري!! بسرعااااة!"هرع الأطباء والممرضات، وسُحبت مُهرة من بين يديه على الحمالة المتحركة نحو غرفة العمليات والطوارئ، وأُغلق الباب الزجاجي المعتم في وجهه!سقط فارس بظهره على الحائط الأبيض، وعيناه مثبتتان على آثار دمائها الحارة التي صبغت يده وجلبابه الكحلي. استند ببراجمه على الجدار وضرب الخرسانة بيده الصلبة ضربة أحدثت صوتاً كالانفجار، والأنفاس تتصاعد من صدره المجهد كأنه بركان محبوس.وصلت س
أشرقت شمس اليوم التالي على سرايا الهواري محمّلة بهواءٍ ثقيل ينبئ بعاصفة وشيكة، هدوء ما قبل المولد كان يخيم على الساحة والمزارع الممتدة. وفي قلب هذا الهدوء المشحون، كان فارس ومروان يستعدان لتجهيز خيولهما في الإسطبلات البعيدة عن المبنى الرئيسي للسرايا، حيث انشغل الجميع بتنسيق ساحة السباق الكبرى.في الجناح العلوي، كانت مُهرة تنقّب في أوراقها وحوائجها لتسليم الملفات الأثرية والأوراق الخاصة بالمزارع التي طلبها الجد عبد الرحيم. كانت السرايا شبه خاوية في تلك اللحظة؛ فالخدم انشغلوا في الإعداد الخارجي، ورجال العيلة متجمعون عند المضياف البعيد.لكن ظلاً خبيثاً كان يترقب هذه اللحظة بالذات!فُتح باب الجناح ببطءٍ مريب، ودخلت سعاد بخطوات متسللة، عينان تفيضان بالغل الحاقد والشرار الأسود بعد طردها وافتضاح أمرها بالأمس. كانت قد تسللت من الباب الخلفي للمطبخ دون أن يراها أحد، والغيظ ينهك عقلها بعدما خصرت مكانتها وكرامتها أمام العيلة بسبب هذه القاهرية!توقفت مُهرة وأمسكت بحافة المكتب، والتفتت بحدة لتفاجأ بسعاد تقف عند أعتاب الغرفة والشر يملأ ملامحها، فنطقت مُهرة بنبرة حادة وكبرياء صلب:ـ "أنتِ إيه اللي جا
أشرقت شمس الصعيد على سرايا الهواري وهي تنبض بهيبة وجلال جديدين. لم يعد اسم مُهرة مجرد اسم زوجة قاهرية دخلت الدار غريبة، بل أصبحت "ست السرايا" بكلمة الجد عبد الرحيم وبصمة كبرياء لا تُكسر، تصون كرامة بيتها وتدير شؤونه بعقل يوزن بلد.في البهو السفلي الواسع، كانت مُهرة تشرف بنفسها على ترتيبات الدار بجانب فتحية أم فارس. عباءتها العنابية الراقية وشالها الحريري كانا يعكسان حضوراً يفيض بالأصالة والهدوء، بينما كان الخدَم والعمال يتحركون بإشارة من يدها الرقيقة بكل احترام وتقدير. كانت الطمأنينة تخيم على المكان بعد كشف ألاعيب سعاد وطردها خارج السرايا، لكن هدوء سرايا الهواري دائماً ما يخبئ خلفه عواصف جديدة لا تؤمن بالهدنة.فجأة، دوت في ساحة السرايا الخارجية أصوات صهيل خيلٍ حاد، يتبعها ركض خيول متسارع وصوت خطوات ثقيلة لأحذية جلدية فاخرة تصطدم بالأرضية الرخامية. فتح منصور والد فارس باب المجلس الكبير، يتبعه شاب في أوائل الثلاثينات، فارع الطول، يرتدي الجلباب الصعيدي الأنيق والمصنوع من أجود أنواع الصوف، وعلى وجهه ابتسامة ثقة جريئة تلمع بعيون حادة وذكية.نطق منصور بصوت عالٍ ومرحب يهز البهو:ـ "يا مرحب ي
في جناح فارس ومهرة (لحظة الاشتعال) ساد صمتٌ قاتل في الغرفة، كأن الهواء تجمد فجأة!كانت شاشة الهاتف تلمع بالرسالة الغريبة، وعينا فارس تحولتا إلى جمرة من الجحيم. ثوانٍ معدودة مرت وهو ينظر للشاشة، قبل أن يمتد كفه الضخم ويمسك الهاتف بعنف، وعروق يده بارزة كالسلاسل!مهرة وقفت فوراً، وجهها شحب من الصدمة، ونطقت بنبرة يهزها الذهول:ـ "فارس! الرقم ده أنا معرفوش.. والرسالة دي أكيد فيه حاجة غلط!"التفت فارس إليها ببطء مرعب. خطواته الثقيلة وقفت أمامها مباشرة، وعيناه تنظران في عينيها بنظرة حادة كالسكين، ونطق بصوت خفيض، بحّة الغضب الصعيدي تخرج من بين أسنانه:ـ "مين اللي كاتب الرسالة دي يا مهرة؟ ومين اللي مستنيكي في النجع في نص الليل وساعة العتمة؟"مهرة رفعت رأسها بثبات رغم ارتعاش جسدها، وحطت يدها على صدره بثقة ورجاء:ـ "وحياة خوفك على أختك مريم يا فارس.. وحياة الوعد اللي قطعته ليا من شوية، أنا معرفش صاحب الرقم ده، ولا ليّا اتفاق مع حد! دي لعبة ملعوبة عشان تهد اللي بينّا!"فارس صرّ على أسنانه، وعقله يصارع بين غريزة الصقر الشكاك التي تربى عليها، وبين دفء حنيتها وصدق عينها العسلية التي تنظر إليه بغير