LOGINوصلت سيارات الجعافرة بفرامل حادة أطارت التراب في الساحة الكبرى للسرايا. الطلقات النارية كانت تملأ السماء احتفالاً بالصلح والنسب الجديد.
نزل أَيْهَم من السيارة الجيب، وبمرونة ورجولة وقف عند الباب الخلفي، وفتحه لـ مريم. كانت مريم تجلس في الداخل، تمسك فستانها الأبيض برعشة حزن، ونبرة فارس وحضنه الأخير لسه معلمين في قلبها. وّطى أَيْهَم لمستواها، ونطق بصوت صعيدي حنون ودافي: ـ "ارفعي راسك يا بنت الهوارة.. أنتِ هنا مش غريبة ولا أسر، أنتِ دخلتي ديار الجعافرة عشان تبقي ست البنات وسيدة الدار دي كلياتها." رفعت مريم عينيها الباكية ونطقت بلهجة صعيدية حادة رغم خوفها: ـ "أني داخلة الدار دي برأسي المرفوعة بأخوي فارس والهوارة كلياتهم يا أَيْهَم بيه.. وما عاش ولا كان اللي يظن إن مريم الهواري ممكن تنكسر!" ابتسم أَيْهَم بإعجاب شديد بكبريائها الأصيل وقال: ـ "وهذا اللي ريدوه بالظبط.. امشي في حمايتي وتحت ظلي، وما تخافيش من إنس ولا جان!" أخذ بيدها بثبات، ودخل بها السرايا أمام الجميع. في سرايا الهواري.. لحظة الانكسار والحنية في نفس الوقت.. كانت السرايا غارقة في هدوء ثقيل وموجوع بعد ما مريم مشيت. كانت مهرة واقفة في نص الأوضة، مجهزة نفسها لمواجهة جديدة مع فارس، متوقعة إنه هيدخل بكل غضبه وقسوته المعتادة عشان ينتقم لكبريائه. وفجأة.. الباب اتفتح ببطء! دخل فارس.. بس مكنش الصقر الغضبان المعتاد. جلبابه الأسود وشاله المائل، ووشه الشاحن وعينيه الحمرة اللي كتمت دموع الوجع على أخته وحبة عينه. قفل الباب ببطء شديد، وسند ظهره على الباب وغمض عينيه بنفاذ صبر وتعب هدد جبل هيبته! مهرة بصت له بذهول.. الصقر اللي كل النجع بيخاف منه، واقف قدامها مكسور وموجوع عشان سلّم أخته بيده للتار. في اللحظة دي، طارت كل المشاحنات والكبرياء من عقليتها، وتحركت غريزة الحنية والدفء اللي جوة قلبها. قربت مهرة منه بخطوات هادية وخفيفة.. مكنش في عينها أي تحدي، كان في عينها بس حزن ودعم حقيقي. وقفت قدامه ورفعت إيدها ببطء شديد، وحطت كفها الصغير على دراعه، ونطقت بصوت هادي ودافي جداً أربك ثباته: ـ "فارس.." فارس فتح عينيه ببطء وبص لها، وكان عينيه فيها كمية وجع وقهارة مشتعلة، ونطق بصوت مبحوح ومكتوم: ـ "جاية تتشمتي يا بنت العم؟ جاية تقولي لي الصقر اتكسر وبعات أخته عشان التار؟" مهرة هزت راسها بنفي بسرعة، ودنّت أكتر منه وحطت إيدها التانية على خدّه برفق، ونطقت بنبرة حنونة ومخلصة طالعة من أعماق قلبها: ـ "والله العظيم ما جاية أتشمّت.. أنا حسيت بوجعك يا فارس. شفت نظرة عينك لمريم وهي ماشية، وشفت الدمعة اللي كتمتها في عينك عشان هيبتك قدام الرجال.. أنت ما بعتهاش، أنت حميتها وحميت العيلتين من بحر دم كان هيتفتح!" فارس جمد في مكانه من أثر كلامها وإيدها الدافية على خده. النبرة الحنونة دي كانت السكينة اللي نزلت على ناره المشتعلة. بص في عيونها العسلية بنظرة غريبة ومحملة بالتعب، ورفع إيده الكبيرة وغطى بيها إيدها اللي على خده، ونطق بصوت خفيض وموجوع: ـ "قلبي بيتقطع عليها يا مهرة.. مريم دي كانت ضحكتي في الدار دي، تسليمها للجعافرة حرق قلبي من جوة وكأني سلّمت روحي بأيدي." مهرة ابتسمت ابتسامة هادية ودافية، وقربت خطوة كمان وشطّت عليه بتلقائية، وحطت رأسها على صدره ونطقت بحنية وصدق: ـ "مريم أقوى مما تتوقع، وأَيْهَم راجل وهيصونها ومحدش يقدر يمسها.. واهدى يا فارس، أنت عملت الصح حتى لو كان يوجع." فارس غمّض عينيه بقوة، ولأول مرة يرفع دراعاته ويحضنها بلهفة واحتياج شديد كأنه بيهرب من وجعه في دفاها، وحط رأسه على شعرها ووهس بصوت خفيض: ـ "خليكي جنبي يا مهرة.. متكونيش أنتِ والزمن عليا." مهرة حست بدقات قلبه السريعة وجرحه العميق، ومسكت في جلبابه ببراعة وهدوء، عشان تبدأ بين الصقر والمُهْرَة حكاية جديدة.. أساسها الدفا والدعم بعد طول الجفاء. في جناح فارس ومهرة.. في عتمة الليل كان الهدوء يخيم على الغرفة إلا من صوت أنفاسهما المتسارعة. فارس كان لسه ضاممها لصدره بحرارة واحتياج شديد، كأنه بيستمد من حنيتها القوة اللي ضاعت منه طول اليوم قدام الرجال. ومهرة كانت حاطة رأسها على صدره، سامعة دقات قلبه القوية اللي بدأت تهدى بالتدريج. بعد لحظات دافية وطويلة، رفع فارس رأسه ببطء، وبص في عينيها العسليتين بنظرة جديدة تماماً.. نظرة خالية من القسوة والتحدي، وفيها لمعة امتنان وذهول من مشاعرها اللي ظهرت فجأة. رفع إيده الكبيرة ومسح شعرها الكستنائي برفق، ونطق بصوت خفيض ومبحوح: ـ "أنا كنت فاكرك جاية تحاربي يا مهرة.. كنت مجهز حالي لمعركة جديدة معاكي بعد ما الباب يتقفل." مهرة رفعت رأسها وبصت في عينيه، وابتسمت ابتسامة خفيفة وفيها كبرياء هادي: ـ "أنا بحارب اللي ييجي عليا أو يحاول يكسرني يا فارس.. بس لما شفت وجعك الحقيقي على أختك، عرفت إن الصقر اللي بيخوف الكل ده، جواه قلب طيب وبيتحرق على أهله.. وأنا عمري ما أكون قاسية على حد موجوع." فارس ابتسم ابتسامة حقيقية ودافية لأول مرة من يوم ما دخلت السرايا، ونزل لمستواها وهمس بنبرة صعيدية هادية بس مليانة رجولة وتملّك: ـ "يعني لنتي مش خايفة مني ولا بتمثلية عشان تهربي؟" مهرة حطت إيدها على صدره، ونطقت بثبات وذكاء: ـ "الهروب كان زمان لما كنت فاكراك مجرد شخص متخلف وعاوز يتحكم فيا بأسلوب قديم.. لكن دلوقتي أنا بقيت مراتك، وعاوزة أشوف فارس الحقيقي.. مش الوش المرعب اللي بتوريه للناس." فارس مسك إيدها اللي على صدره، وطبع بوسة دافية على ظهر كفها، ونطق بوعد صادق هز قلبها: ـ "وفارس الحقيقي عمره ما هيئذيكي يا مهرة.. طول ما أنتِ حنينة وجنبي، الدار دي أمانك، وقسماً بعزة الله لأكون ليكي الضهر والسند اللي بتتمنيه." في صباح اليوم التالي.. في ديار الجعافرة كانت الشمس تسطع على سرايا الجعافرة الكبرى. في الجناح الخاص بـ أَيْهَم، كانت مريم صاحية من بدري، لابسة جلباب صعيدي أسود فاخر ومطرّز بالدهبي، وشالها الملفوف بعناية. كانت قاعدة على طرف الكنبة بانتظار هادئ. انفتح الباب ودخل أَيْهَم.. كان لابس جلبابه الكحلي وشاله، وداخل وبإيده صينية عليها الفطور بنفسه! مريم اتفضت وقفت فوراً بلهجة صعيدية حذرة: ـ "صباح الخير يا أَيْهَم بيه.. أنت شايل الفطور بنفسك ليه؟ فين الحريم والغفر؟" أَيْهَم حط الصينية على الترابيزة، وبص لها بنظرة فيها احترام وتوقير شديد، ونطق بصوت دافي ورجولي: ـ "صباح النور يا ست البنات.. هنه في دياري، عروسة أَيْهَم الجعفري محدش يخدمها غيره في أول يوم ليها. اجعدي وكلِي عشان وجهِك شاحب من جلة النوم." مريم بصت له بذهول من معاملته الحنينة والراقية اللي كانت عكس كل توقعاتها عن الجعافرة، وقعدت ببطء ونطقت بصوت هادي: ـ "أني متشكرة لجبر خاطرك يا أَيْهَم بيه.. بس أني كنت خايفة تكون جايبني هنه انتقام من فارس وأهلي." أَيْهَم قرب منها وقعد قصادها، وبص في عينيها بثبات ونطق بنبرة حاسمة: ـ "أني وأخوكي بينا تار ورجالة وسلاح.. لكن أنتِ دخيلتي وزوجتي الصائنة لكرامتي. والراجل الصعيدي الأصيل ما ينتجمش من خصمه في حريم بيته! أنتِ هنه سيدة الدار وكلمتك مسموعة على الكل، وأي زعلة في عينك هتكون حسابها عندي أني." مريم حسّت بـ أمان غريب بدأ يتسلل لقلبها، وابتسمت ابتسامة خفيفة ودافية: ـ "الله يجبر بخاطرك يا ولد الجعافرة." في سرايا الهواري (على سفرة الفطور) نزلت مهرة مع فارس إيدهم في إيد بعض للأسفل! الجد عبد الرحيم ومنصور وفتحية كانوا قاعدين على السفرة والأجواء مشحونة، بس لما شافوا فارس ومهرة نازلين وهما هاديين ومتفاهمين، الصدمة والراحة ظهرت على وجوه الكل! منصور ابتسم ببراعة، وفتحية رفعت راسها بدموع الراحة. الجد عبد الرحيم ضرب عصايته على الأرض بابتسامة رضا وقال: ـ "ما شاء الله.. الدار نورت بعرسانها! تعالوا اقعدوا يا ولدي." فارس سحب الكرسي لـ مهرة عشان تقعد بنفسه قدام عيون العيلة كلها، وقعد جنبها، وبص لـ جده وقال بصوت رجولي واثق: ـ "الدار منورة بوجودك يا جدي.. وأني طالع بعد الفطور لمضيفة الجعافرة عشان نتفقوا على حدود الأراضي ونقفلوا باب التار نهائياً!" مهرة بصت لـ فارس بقلق وحطت إيدها على إيده تحت السفرة وسألته بصوت واطي: ـ "هتروح لأيهم؟ مش خايف من مشاكل جديدة؟" فارس التفت لها وابتسم ابتسامة خطيرة وواثقة، وضغط على إيدها بحب: ـ "مفيش مشاكل تاني يا مهرة.. الصقر المرة دي رايح يبني أمان لمراته وأخته، ومفيش حد يقدر يقف في وشي طالما أنتِ معايا!"انقطعت ألسنة الجميع وتجمّد الهواء في البهو بعد كلمة مروان الخائنة، وكان صمت المكان أشد هولاً من صوت الرصاص الخارجي! وفي لحظة لم يتوقعها أحد.. استقام الجد عبد الرحيم في وقفته كأن العمر ارتد به ثلاثين عاماً إلى الوراء! لم يتكلم، ولم يصرخ، بل مدّ يده بثبات عجيب نحو حزام منصوره الخفي، وسحب منه مسدساً أسود صغيراً، وبحركة خاطفة لم يدركها مروان وهو يبتسم بشر... "طَخخخخ!" دوت الطلقة في أرجاء السرايا، وسقط جدار الصمت! صرخ مروان صرخة مكتومة ويمسك بيده اليمنى التي ينزف منها الدم، وتراجع للخلف ينظر لجده بذهول ورعب لا يصدق! وقف الجد عبد الرحيم، ودخان المسدس يتصاعد من فوهته، وعيناه تفيضان بهيبة وجبروت صلب، ونطق بصوت هادئ للغاية، لكنه كان ينزل كالحديد على رؤوس الجميع: ـ "اللي يبيع ابن عمه ويشهد مع الغريب على حرمة بيته وعرضه.. ما يترفعش عليه سلاح فرسان، ولا يتقال له يا راجل! ده ياخد عياره في الإيد اللي اتمدت بالخيانة، وتقعدوه جوة كيف الحريم، وتجيبوا له الحكيم يربط جرحه.. وده العقاب اللي يستاهله ولد الهوارة لما ينسى أصله!" أشار الجد بعكازه للرجالة، فانطلق اثنان من كبار حراس السرايا، وسحبوا مروا
عدت أيام على فاجعة المستشفى، ومرت ليلة ورا ليلة وسرايا الهواري عايشة في سكون مرعب، زي الهدوء اللي بيجي قبل الهبوب. الشمس كانت لسه بتشق طريقها على المزارع، والندى نازل على شجر النخل والزرع الأخضر. كانت الساعة جارية على ستة الصبح، والجو في السرايا هادي لدرجة إنك تسمع صوت زقزقة العصافير ونسيم الهواء العليل وهو بيهز الشجر. في الجناح العلوي، كانت الستائر الشيفون الأبيض بتتحرك بهدوء مع الهواء الدافي. مُهرة كانت قاعدة على طرف السرير، لابسة عباية بيضا واسعة وشال حرير خفيف ملفوف على رأسها بيغطي الضمادة اللي بقت أصغر. كانت ماسكة كباية ينسون دافية بيديها الاتنين، وبتبص من الشباك الكبير على الغيط الممتد. كان وشها شاحب بس بدأ يرجعله دمه ورونقه، وعينيها العسلية فيها هدوء عميق... هدوء ما تعرفش وراه رضا ولا عاصفة مستنيّة شرارة عشان تولع! فجأة، اتفتح باب الجناح ببطء شديد ومن غير أي صوت. دخل فارس وهو شايل في إيده صينية فطور صغيرة عليها العسل النحل والقشطة والعيش البلدي المخبوز طازة. كان لابس جلبابه الأبيض الخفيف، ووشه هادي، وعليه نظرة حنية دافية تمسح كل وجع الدنيا. حط الصينية على الطاولة الجانبية
صوت صفارات الإسعاف وصعق محركات السيارات كان يشق سكون الليل بطريقه نحو مستشفى النجع الكبير!كانت السيارة السوداء الضخمة تتطوح في الأزقة بسرعة جنونية، وقدم فارس تضغط على دواسة البنزين بكل قهر العالم. وفي المقعد الخلفي، كانت مُهرة ترقد ورأسها المدمى في أحضان "فتحية" (أم فارس) التي كانت تبكي وتنحب بصلوات خافته، بينما ينظر إليها فارس عبر المرآة الأمامية بعيون تشتعل بنار جهنم وجنون لم يسبق له مثيل!وصلت السيارة وأُحيلت الساحة أمام المستشفى إلى حالة طوارئ قصوى!ترجل فارس كالإعصار، ورفع مُهرة بين ذراعيه بالكامل، وركض بها عبر الممرات البيضاء وصوته الرعدي يزلزل الأسقف:ـ "دكتور فوراً!! أي حد يلحق حُرْمَة فارس الهواري!! بسرعااااة!"هرع الأطباء والممرضات، وسُحبت مُهرة من بين يديه على الحمالة المتحركة نحو غرفة العمليات والطوارئ، وأُغلق الباب الزجاجي المعتم في وجهه!سقط فارس بظهره على الحائط الأبيض، وعيناه مثبتتان على آثار دمائها الحارة التي صبغت يده وجلبابه الكحلي. استند ببراجمه على الجدار وضرب الخرسانة بيده الصلبة ضربة أحدثت صوتاً كالانفجار، والأنفاس تتصاعد من صدره المجهد كأنه بركان محبوس.وصلت س
أشرقت شمس اليوم التالي على سرايا الهواري محمّلة بهواءٍ ثقيل ينبئ بعاصفة وشيكة، هدوء ما قبل المولد كان يخيم على الساحة والمزارع الممتدة. وفي قلب هذا الهدوء المشحون، كان فارس ومروان يستعدان لتجهيز خيولهما في الإسطبلات البعيدة عن المبنى الرئيسي للسرايا، حيث انشغل الجميع بتنسيق ساحة السباق الكبرى.في الجناح العلوي، كانت مُهرة تنقّب في أوراقها وحوائجها لتسليم الملفات الأثرية والأوراق الخاصة بالمزارع التي طلبها الجد عبد الرحيم. كانت السرايا شبه خاوية في تلك اللحظة؛ فالخدم انشغلوا في الإعداد الخارجي، ورجال العيلة متجمعون عند المضياف البعيد.لكن ظلاً خبيثاً كان يترقب هذه اللحظة بالذات!فُتح باب الجناح ببطءٍ مريب، ودخلت سعاد بخطوات متسللة، عينان تفيضان بالغل الحاقد والشرار الأسود بعد طردها وافتضاح أمرها بالأمس. كانت قد تسللت من الباب الخلفي للمطبخ دون أن يراها أحد، والغيظ ينهك عقلها بعدما خصرت مكانتها وكرامتها أمام العيلة بسبب هذه القاهرية!توقفت مُهرة وأمسكت بحافة المكتب، والتفتت بحدة لتفاجأ بسعاد تقف عند أعتاب الغرفة والشر يملأ ملامحها، فنطقت مُهرة بنبرة حادة وكبرياء صلب:ـ "أنتِ إيه اللي جا
أشرقت شمس الصعيد على سرايا الهواري وهي تنبض بهيبة وجلال جديدين. لم يعد اسم مُهرة مجرد اسم زوجة قاهرية دخلت الدار غريبة، بل أصبحت "ست السرايا" بكلمة الجد عبد الرحيم وبصمة كبرياء لا تُكسر، تصون كرامة بيتها وتدير شؤونه بعقل يوزن بلد.في البهو السفلي الواسع، كانت مُهرة تشرف بنفسها على ترتيبات الدار بجانب فتحية أم فارس. عباءتها العنابية الراقية وشالها الحريري كانا يعكسان حضوراً يفيض بالأصالة والهدوء، بينما كان الخدَم والعمال يتحركون بإشارة من يدها الرقيقة بكل احترام وتقدير. كانت الطمأنينة تخيم على المكان بعد كشف ألاعيب سعاد وطردها خارج السرايا، لكن هدوء سرايا الهواري دائماً ما يخبئ خلفه عواصف جديدة لا تؤمن بالهدنة.فجأة، دوت في ساحة السرايا الخارجية أصوات صهيل خيلٍ حاد، يتبعها ركض خيول متسارع وصوت خطوات ثقيلة لأحذية جلدية فاخرة تصطدم بالأرضية الرخامية. فتح منصور والد فارس باب المجلس الكبير، يتبعه شاب في أوائل الثلاثينات، فارع الطول، يرتدي الجلباب الصعيدي الأنيق والمصنوع من أجود أنواع الصوف، وعلى وجهه ابتسامة ثقة جريئة تلمع بعيون حادة وذكية.نطق منصور بصوت عالٍ ومرحب يهز البهو:ـ "يا مرحب ي
في جناح فارس ومهرة (لحظة الاشتعال) ساد صمتٌ قاتل في الغرفة، كأن الهواء تجمد فجأة!كانت شاشة الهاتف تلمع بالرسالة الغريبة، وعينا فارس تحولتا إلى جمرة من الجحيم. ثوانٍ معدودة مرت وهو ينظر للشاشة، قبل أن يمتد كفه الضخم ويمسك الهاتف بعنف، وعروق يده بارزة كالسلاسل!مهرة وقفت فوراً، وجهها شحب من الصدمة، ونطقت بنبرة يهزها الذهول:ـ "فارس! الرقم ده أنا معرفوش.. والرسالة دي أكيد فيه حاجة غلط!"التفت فارس إليها ببطء مرعب. خطواته الثقيلة وقفت أمامها مباشرة، وعيناه تنظران في عينيها بنظرة حادة كالسكين، ونطق بصوت خفيض، بحّة الغضب الصعيدي تخرج من بين أسنانه:ـ "مين اللي كاتب الرسالة دي يا مهرة؟ ومين اللي مستنيكي في النجع في نص الليل وساعة العتمة؟"مهرة رفعت رأسها بثبات رغم ارتعاش جسدها، وحطت يدها على صدره بثقة ورجاء:ـ "وحياة خوفك على أختك مريم يا فارس.. وحياة الوعد اللي قطعته ليا من شوية، أنا معرفش صاحب الرقم ده، ولا ليّا اتفاق مع حد! دي لعبة ملعوبة عشان تهد اللي بينّا!"فارس صرّ على أسنانه، وعقله يصارع بين غريزة الصقر الشكاك التي تربى عليها، وبين دفء حنيتها وصدق عينها العسلية التي تنظر إليه بغير







