LOGINفي ساحة السرايا المشتعلة
كانت الأجواء مشحونة لدرجة لا تُحمل! السلاح مرفوع في كل مكان، وصوت تعشيق البنادق يملأ الأرجاء. في المنتصف.. كان فارس الهواري يقف بعيون تشتعل غضباً، جلبابه الكحلي يهتز مع الهواء، وفي وجهه كل الكبرياء والصرامة، فهو بالفعل قد كتب كتابَهُ على مهرة وأصبحت زوجته على سنة الله ورسوله! وفجأة، دخل أَيْهَم الجعفري على رأس رجاله بكل هيبة وجرأة، عيناه لا ترتعب من سلاح ولا جيش، متوجهًا مباشرة نحو فارس ومهرة التي كانت تقف وعيونها تفيض بالرفض والتمرد على هذا الزواج المفروض عليها. أَيْهَم وقف باِعتداد ورفع صوته الجهوري الذي هزّ السرايا: ـ "فاكر يا ابن الهواري إن بكتب الكتاب المغصوب ده هتقدر تملك مَهرة مش رايدك؟! الحريم في ديار الجعافرة والهوارة ما بينغصبوش، وإذا كنت واخدها بورقة، فاليوم ده هيكون نهايتها!" فارس صرّ على أسنانه بقوة، ووجه سلاحه نحوه مباشرة: ـ "المَهرة بقت مراتي وעל ذمتي شرعاً يا أَيْهَم! والتطاول على حرمة بيتي معناه إن مكانك هنا هو القبر!" طرح الحل البديل (النسب لإنهاء التار) قبل أن يشتعل الرصاص وتتحول السرايا إلى بركة دم، رنَّ صوت عكاز الجد عبد الرحيم وهو يضرب الأرض بقوة، ليلجم الجميع بسلطته وهيبته: ـ "وقّف سلاحك يا فارس! وسع يا جعفري!" تقدم الجد بخطوات ثقيلة وثابتة، ونظر إلى أَيْهَم بنظرة فاحصة وقال بحدة: ـ "جاي لحد باب داري وبتعمل المشاكل دي كلها عشان بنت عم فارس؟ طب اسمع مني يا أَيْهَم، طالما الشغلة وصلت لكده، والتار بين العيلتين ساحب أرواح، حلها مش بالسلاح.. حلها بالأصول!" أَيْهَم ضيق عينيه بذكاء وابتسم ابتسامة حادة: ـ "وعلى قولك يا حاج.. الأصول هي الفيصل. وعلشان التار القديم ده يخلص وينقفل للأبد، وعلشان ما يبقاش فيه دم تاني.. مهرة تفضل مراتي، وفي المقابل، يحصل نسب يربط العيلتين ببعض للأبد: أنا هتجوز "مريم" أخت فارس!" الصدمة والقبول المُر الكلمات وقعت كالصاعقة على رأس فارس! اتسعتا عيناه بغضب جنوني وصرخ بأعلى صوت: ـ "تتجوز مين يا ابن الكلب؟! مريم أختي أنا؟! مستحيل! أنت جاي تاخد مراتي وعاوز تاخد أختي كمان؟! ده جثتي أولاً!" أَيْهَم وقف بثبات وتحدى نظرات فارس المشتعلة: ـ "ده الحل الوحيد اللي يخلي الدم يتوقف، ويا إما الحرب تبدأ من اللحظة دي والكل هيدفع الثمن!" الجد عبد الرحيم تملّكه الصمت لثوانٍ معدودة، كان يوزع نظراته بحكمة البدو الكبار بين غضب حفيده فارس، وبين مصلحة العيلة وإغلاق باب التار للأبد. أخيراً، تحدث الجد بصوت حاسم لا يقبل النقاش: ـ "خلاص.. حصل! مهرة لـ فارس، ومريم أخت فارس لـ أَيْهَم الجعفري. العقدين يتكتبوا في ليلة واحدة، والنسب الجديد يمسح أي قطرة دم قديمة بين الهوارة والجعافرة!" فارس كان سيتحدث ويعترض بجنون، لكن إشارة صارمة من جده أخرسته وجعلت السم يرتد إلى جوفه. أما أَيْهَم، فابتسم بانتصار وهو ينظر إلى مهرة التي تنفس الصعداء، وعلم أن اللعبة الكبرى قد بدأت، وأن ديار الجعافرة والهوارة على موعد مع زواج يكتب تاريخاً جديداً بالدم والذهب! قبل الخروج من السرايا.. في ممر الدور الثاني صوت ضرب النار في الساحات برة كان بيرنّ زي الفزع في قلب مريم. كانت واقفة بفستانها الأبيض، إيديها بتتعدل وبتترعش، والدموع نازلة كاسرة كحل عينها على خدودها. مهرة كانت مسكاها من إيدها بتحاول تقويها، لحد ما ظهر فارس من آخر الممر. فارس كان بيمشي بخطوات تقيلة كأن الأرض تحتيه من حديد. جلبابه الأسود وشاله المفرود مكنوش مدراريين الحزن العظيم اللي طالع من عينيه. أول ما مريم شافته، اتنفضت ونطقت بصوت مقطوع بالبكاء وبلهجة صعيدية مكسورة: ـ "فارس.. يا خوي! أنت زعلان مني؟ والله ما كان بيدي يا خوي.. أنا مشيت القضا والقدر عشان عينك وعشان الدار ما تخربش!" فارس وقف قدامها. الهيبة والصقارة اللي في عينيه انكسرت في ثانية لما شاف دموع أخته الصغيرة.. حبة عينه وجوهرة السرايا. رفع إيده اللي بتترعش ببطء، ومسح دموعها بصباعه الكبير، ونطق بصوت مبحوح، متأثر، ومحمل بالوجع والصعيد الحزين: ـ "أنا أزعل منك أنتِ يا مريم؟! أنتِ قطّعتِ قلبي يا بت أبوي.. أنتِ الحتة الطيبة اللي في الدار دي كلياتها. كسروا ظهري بيكي يا مريم.. كسروا هيبة أخوكي لما جعلوا روحك هي الثمن اللي يدفعوه للتار وللدم!" مريم مسكت إيد فارس وحطتها على خدها وهي بتبكي بكا يقطع القلب: ـ "ما تقولش أكده يا فارس! أنت طول عمرك في نظري وفوق راسي الصقر اللي بتهاب منه الرجال. أنا رايحة هناك ورأسي مرفوعة بيك.. ما تخافش على أختك، أنا بنت الهوارة ومش هجيب لك العار ولا هطيّح بكلمتك." فارس جذبها لصدره بعنف وحب شديد، حضنها بكُليّته كأنه عاوز يرجعها جوة ضلوعه ويخبيها من الدنيا كلها.غمّض عينيه بقوة، ودمعة حارة وحيدة نزلت من عينه على شعرها، ونطق في أذنها بنبرة صعيدية حادة زي السيف، بس طالعة من جرح مفتوح: ـ "اسمعيني زين يا مريم.. ديار الجعافرة اللي أنتِ رايحاها دي، هيعيشوا فيها خايفين من خطوتك! أقسم بالله العظيم.. لو أَيْهَم ولا أي ولد من الجعافرة حسّسك يوم إنك أسر ولا ثمن.. لأكون جايد فيهم النار من أول النجع لآخره! أنتِ هتروحي هناك سيدة السرايا وست البنات.. وقسماً بعزة الله، لو لمحِت في عينك زعلة واحدة، لأطير رقابهم كلياتهم!" مريم طلعت من حضنه، وبصت في عينيه وبست إيده: ـ "سامحني يا خوي.. ودعيت لك بالستر والراحة." فارس بص لها بنظرة كلها حنان موجوع، ونزل على مستوى راسها وباس جبهتها بوسة طويلة، وقال بصوت حزين وثابت: ـ "الله معاكي يا جلب أخوكي.. امشي ورأسك في السحاب، وأني وراكي سند وضهر ما ينكسرش أبداً." التفت فارس لـ مهرة اللي كانت واقفة وعيونها دمعت من منظر فارس وأخته، بص لها فارس بنظرة ثقيلة ونطق بقلة حيلة وحزن صعيدي أصيل: ـ "سلّميها بيدِك يا مهرة لعمي منصور.. وقولي له يدير باله عليها لحد ما تركب عربيتها.. أني مش جادر أشوفها وهي بتفارق باب الدار."انقطعت ألسنة الجميع وتجمّد الهواء في البهو بعد كلمة مروان الخائنة، وكان صمت المكان أشد هولاً من صوت الرصاص الخارجي! وفي لحظة لم يتوقعها أحد.. استقام الجد عبد الرحيم في وقفته كأن العمر ارتد به ثلاثين عاماً إلى الوراء! لم يتكلم، ولم يصرخ، بل مدّ يده بثبات عجيب نحو حزام منصوره الخفي، وسحب منه مسدساً أسود صغيراً، وبحركة خاطفة لم يدركها مروان وهو يبتسم بشر... "طَخخخخ!" دوت الطلقة في أرجاء السرايا، وسقط جدار الصمت! صرخ مروان صرخة مكتومة ويمسك بيده اليمنى التي ينزف منها الدم، وتراجع للخلف ينظر لجده بذهول ورعب لا يصدق! وقف الجد عبد الرحيم، ودخان المسدس يتصاعد من فوهته، وعيناه تفيضان بهيبة وجبروت صلب، ونطق بصوت هادئ للغاية، لكنه كان ينزل كالحديد على رؤوس الجميع: ـ "اللي يبيع ابن عمه ويشهد مع الغريب على حرمة بيته وعرضه.. ما يترفعش عليه سلاح فرسان، ولا يتقال له يا راجل! ده ياخد عياره في الإيد اللي اتمدت بالخيانة، وتقعدوه جوة كيف الحريم، وتجيبوا له الحكيم يربط جرحه.. وده العقاب اللي يستاهله ولد الهوارة لما ينسى أصله!" أشار الجد بعكازه للرجالة، فانطلق اثنان من كبار حراس السرايا، وسحبوا مروا
عدت أيام على فاجعة المستشفى، ومرت ليلة ورا ليلة وسرايا الهواري عايشة في سكون مرعب، زي الهدوء اللي بيجي قبل الهبوب. الشمس كانت لسه بتشق طريقها على المزارع، والندى نازل على شجر النخل والزرع الأخضر. كانت الساعة جارية على ستة الصبح، والجو في السرايا هادي لدرجة إنك تسمع صوت زقزقة العصافير ونسيم الهواء العليل وهو بيهز الشجر. في الجناح العلوي، كانت الستائر الشيفون الأبيض بتتحرك بهدوء مع الهواء الدافي. مُهرة كانت قاعدة على طرف السرير، لابسة عباية بيضا واسعة وشال حرير خفيف ملفوف على رأسها بيغطي الضمادة اللي بقت أصغر. كانت ماسكة كباية ينسون دافية بيديها الاتنين، وبتبص من الشباك الكبير على الغيط الممتد. كان وشها شاحب بس بدأ يرجعله دمه ورونقه، وعينيها العسلية فيها هدوء عميق... هدوء ما تعرفش وراه رضا ولا عاصفة مستنيّة شرارة عشان تولع! فجأة، اتفتح باب الجناح ببطء شديد ومن غير أي صوت. دخل فارس وهو شايل في إيده صينية فطور صغيرة عليها العسل النحل والقشطة والعيش البلدي المخبوز طازة. كان لابس جلبابه الأبيض الخفيف، ووشه هادي، وعليه نظرة حنية دافية تمسح كل وجع الدنيا. حط الصينية على الطاولة الجانبية
صوت صفارات الإسعاف وصعق محركات السيارات كان يشق سكون الليل بطريقه نحو مستشفى النجع الكبير!كانت السيارة السوداء الضخمة تتطوح في الأزقة بسرعة جنونية، وقدم فارس تضغط على دواسة البنزين بكل قهر العالم. وفي المقعد الخلفي، كانت مُهرة ترقد ورأسها المدمى في أحضان "فتحية" (أم فارس) التي كانت تبكي وتنحب بصلوات خافته، بينما ينظر إليها فارس عبر المرآة الأمامية بعيون تشتعل بنار جهنم وجنون لم يسبق له مثيل!وصلت السيارة وأُحيلت الساحة أمام المستشفى إلى حالة طوارئ قصوى!ترجل فارس كالإعصار، ورفع مُهرة بين ذراعيه بالكامل، وركض بها عبر الممرات البيضاء وصوته الرعدي يزلزل الأسقف:ـ "دكتور فوراً!! أي حد يلحق حُرْمَة فارس الهواري!! بسرعااااة!"هرع الأطباء والممرضات، وسُحبت مُهرة من بين يديه على الحمالة المتحركة نحو غرفة العمليات والطوارئ، وأُغلق الباب الزجاجي المعتم في وجهه!سقط فارس بظهره على الحائط الأبيض، وعيناه مثبتتان على آثار دمائها الحارة التي صبغت يده وجلبابه الكحلي. استند ببراجمه على الجدار وضرب الخرسانة بيده الصلبة ضربة أحدثت صوتاً كالانفجار، والأنفاس تتصاعد من صدره المجهد كأنه بركان محبوس.وصلت س
أشرقت شمس اليوم التالي على سرايا الهواري محمّلة بهواءٍ ثقيل ينبئ بعاصفة وشيكة، هدوء ما قبل المولد كان يخيم على الساحة والمزارع الممتدة. وفي قلب هذا الهدوء المشحون، كان فارس ومروان يستعدان لتجهيز خيولهما في الإسطبلات البعيدة عن المبنى الرئيسي للسرايا، حيث انشغل الجميع بتنسيق ساحة السباق الكبرى.في الجناح العلوي، كانت مُهرة تنقّب في أوراقها وحوائجها لتسليم الملفات الأثرية والأوراق الخاصة بالمزارع التي طلبها الجد عبد الرحيم. كانت السرايا شبه خاوية في تلك اللحظة؛ فالخدم انشغلوا في الإعداد الخارجي، ورجال العيلة متجمعون عند المضياف البعيد.لكن ظلاً خبيثاً كان يترقب هذه اللحظة بالذات!فُتح باب الجناح ببطءٍ مريب، ودخلت سعاد بخطوات متسللة، عينان تفيضان بالغل الحاقد والشرار الأسود بعد طردها وافتضاح أمرها بالأمس. كانت قد تسللت من الباب الخلفي للمطبخ دون أن يراها أحد، والغيظ ينهك عقلها بعدما خصرت مكانتها وكرامتها أمام العيلة بسبب هذه القاهرية!توقفت مُهرة وأمسكت بحافة المكتب، والتفتت بحدة لتفاجأ بسعاد تقف عند أعتاب الغرفة والشر يملأ ملامحها، فنطقت مُهرة بنبرة حادة وكبرياء صلب:ـ "أنتِ إيه اللي جا
أشرقت شمس الصعيد على سرايا الهواري وهي تنبض بهيبة وجلال جديدين. لم يعد اسم مُهرة مجرد اسم زوجة قاهرية دخلت الدار غريبة، بل أصبحت "ست السرايا" بكلمة الجد عبد الرحيم وبصمة كبرياء لا تُكسر، تصون كرامة بيتها وتدير شؤونه بعقل يوزن بلد.في البهو السفلي الواسع، كانت مُهرة تشرف بنفسها على ترتيبات الدار بجانب فتحية أم فارس. عباءتها العنابية الراقية وشالها الحريري كانا يعكسان حضوراً يفيض بالأصالة والهدوء، بينما كان الخدَم والعمال يتحركون بإشارة من يدها الرقيقة بكل احترام وتقدير. كانت الطمأنينة تخيم على المكان بعد كشف ألاعيب سعاد وطردها خارج السرايا، لكن هدوء سرايا الهواري دائماً ما يخبئ خلفه عواصف جديدة لا تؤمن بالهدنة.فجأة، دوت في ساحة السرايا الخارجية أصوات صهيل خيلٍ حاد، يتبعها ركض خيول متسارع وصوت خطوات ثقيلة لأحذية جلدية فاخرة تصطدم بالأرضية الرخامية. فتح منصور والد فارس باب المجلس الكبير، يتبعه شاب في أوائل الثلاثينات، فارع الطول، يرتدي الجلباب الصعيدي الأنيق والمصنوع من أجود أنواع الصوف، وعلى وجهه ابتسامة ثقة جريئة تلمع بعيون حادة وذكية.نطق منصور بصوت عالٍ ومرحب يهز البهو:ـ "يا مرحب ي
في جناح فارس ومهرة (لحظة الاشتعال) ساد صمتٌ قاتل في الغرفة، كأن الهواء تجمد فجأة!كانت شاشة الهاتف تلمع بالرسالة الغريبة، وعينا فارس تحولتا إلى جمرة من الجحيم. ثوانٍ معدودة مرت وهو ينظر للشاشة، قبل أن يمتد كفه الضخم ويمسك الهاتف بعنف، وعروق يده بارزة كالسلاسل!مهرة وقفت فوراً، وجهها شحب من الصدمة، ونطقت بنبرة يهزها الذهول:ـ "فارس! الرقم ده أنا معرفوش.. والرسالة دي أكيد فيه حاجة غلط!"التفت فارس إليها ببطء مرعب. خطواته الثقيلة وقفت أمامها مباشرة، وعيناه تنظران في عينيها بنظرة حادة كالسكين، ونطق بصوت خفيض، بحّة الغضب الصعيدي تخرج من بين أسنانه:ـ "مين اللي كاتب الرسالة دي يا مهرة؟ ومين اللي مستنيكي في النجع في نص الليل وساعة العتمة؟"مهرة رفعت رأسها بثبات رغم ارتعاش جسدها، وحطت يدها على صدره بثقة ورجاء:ـ "وحياة خوفك على أختك مريم يا فارس.. وحياة الوعد اللي قطعته ليا من شوية، أنا معرفش صاحب الرقم ده، ولا ليّا اتفاق مع حد! دي لعبة ملعوبة عشان تهد اللي بينّا!"فارس صرّ على أسنانه، وعقله يصارع بين غريزة الصقر الشكاك التي تربى عليها، وبين دفء حنيتها وصدق عينها العسلية التي تنظر إليه بغير







