LOGINكانت جدران السرايا لا تزال ترتجف من أثر القرار الذي أعلنه فارس!
في المجلس، كان منصور يقف ووجهه يشتعل غضباً، ويده ترتعد وهو يشير إلى ابن أخيه: ـ "كتب كتاب مين يا فارس؟! أنت اتجننت؟! دي بنتي أنا، محدش يجبرها على جوازة في عصرنا ده، وأنا هاخد مراتي وعيالي ونرجع القاهرة فوراً!" خطا الجد عبد الرحيم خطوة إلى الأمام، وضرب بعصاه الأبنوس على الأرض بصوت هزّ القاعة، ونطق بنبرة حازمة أوقفت الجميع: ـ "اهدك يا منصور! واقعد مكانك! الحُكم اللي جاله فارس هو الصح.. بتّك خرجت بالليل في نجع مليان رجالة وسلاح، ولو الجعافرة دريوا بلي حصل، هيبة عيلتك هتتكسر في الصعيد كله! الجوازة دي هي الحماية الوحيدة لاسمها واسم العيلة!" فتحية شهقت بانهيار وضمت مهرة إليها، بينما كانت مهرة تقف كالصنم، عيناها العسليتان تشعان جمرةً من النار والذهول. دفعت مهرة يد الجميع، وخطت خطوات ثقيلة ومباشرة نحو فارس، وقفت أمامه ونظرت في عينيه بثبات حارق ونطقت بصوت خفيض يهتز كالنار: ـ "فاكر إنك لما تفرض عليا جوازة بالسلاح والعرف، هتقدر تكسرني يا فارس؟ وحياة دموع أمي وخوفي على بابا، لو اتكتب الكتاب ده.. هخلي حياتك جحيم، ومش هتشوف مني غير الكره!" ابتسم فارس ابتسامة حادة وباردة، وانحنى نحوها قليلاً ونطق بنبرة صعيدية ثقيلة ومباشرة: ـ "وأنا مكنتش مستني منك حب يا بنت العم.. أنا جلت كلمة، وكلمة الصقر متتردش. وجمعتنا الجاية هتكوني على اسمي، وساعتها حشوفي الجحيم على أصوله!" في ساحة الجعافرة (ساعة العصر) على الناحية الأخرى من النجع، كان أَيْهَم الجعفري يجلس في مضيفته العريضة، مستنداً على كرسيّه الخشبي الضخم، يداعب حصانه الأصيل، وعيناه السوداوان سارحتان في لا شيء. دخل أحد رجاله بسرعة ولهفة: ـ "يا أَيْهَم بيه! الحق.. السرايا هناك مقلوبة، والغفر جالي إن فيه خطوبة وفرح على السريع الجمعة الجاية في سرايا الهواري!" توقفت يد أَيْهَم عن الحركة، وربط حاجبيه بحدة، ونطق بصوت حاد كالرصاص: ـ "فرح مين يا ولد؟" الرجل بلع ريقه بتوتر: ـ "فارس الهواري هيكتب كتابه على بنت عمّه القاهرية.. اللي وقفت جُدامك في أرض الحد!" قام أَيْهَم واقفاً بكامل طوله وهيبته والمرجل يغلي في صدره! ابتسامة حادة وخطيرة ارتسمت على شفتيه، وضيق عينيه السوداوين بشرار حارق وهو يهمس لنفسه: ـ "عايز تلحق تلف اللجام عليها يا فارس قبل ما تطولها يدي؟ بس الظاهر إنك نسيت إن أَيْهَم الجعفري لما يحط عينه على مَهرة.. مش بيسيبها لغيره بسهولة!" التفت أَيْهَم إلى رجاله ونطق بصوت حازم هزّ المجلس: ـ "جهزوا الخيل والسلاح.. الفرح ده مش هيعدي على خير، وعزومتنا هتوصلهم في قلب السرايا!" ليلة الخميس (قبل كتب الكتاب بيوم) كانت السرايا تزينت بالأنوار المعلقة، والسرادق الضخم أُقيم في الساحة، لكن الجو الداخلي كان أشد ظلاماً من الليل. في غرفة مهرة، كانت تسير جيئة وذهاباً كاللبؤة الحبيسة. فتحية كانت تجلس على الطرف تبكي بالدماء، وآسر ونور يحاولون تهدئتها. وفجأة.. سمعت مهرة صوت حصان يصهل بالقرب من سور الشباك الخلفي! أسرعت مهرة إلى الشباك وفتحت الستارة.. رأت هناك، في عتمة الليل وتحت ظل شجرة التوت، خيال رجل يقف بهيبة وثبات على ظهر حصانه. رفع الرجل رأسه.. كان أَيْهَم الجعفري! اتسعت عينا مهرة بصدمة، وبلعت ريقها وهي تنظر إليه بذهول من جرأته في اختراق حصون السرايا ليلاً! أشار لها أَيْهَم بيده بهدوء وثقة مرعبة، ثم نزل من على حصانه واقترب من أسفل الشباك بخطوات خفيفة، ورفع رأسه ونطق بصوت خفيض وحاد وصل إلى أذنيها بوضوح: ـ "يا بنت الهواري.. لو واجفة هنه بمرادِك، حباركلك وأمشي.. أما لو المغصوبة على كتب الكتاب ده.. جولي كلمة واحدة، وأنا أهدّ السرايا دي على رأس فارس والي فيها وأخسرك من بين أيديهم الليلة!" جمُد جسد مهرة في مكانه، وعيناها العسليتان اتسعتا بذهول من هذا العرض الخطير والمفاجئ.. وفي تلك اللحظة بالذات.. سُمع صوت خطوات ثقيلة وقوية تقترب من باب غرفة مهرة.. وصوت مفتاح فارس يلتف في القفل!انقطعت ألسنة الجميع وتجمّد الهواء في البهو بعد كلمة مروان الخائنة، وكان صمت المكان أشد هولاً من صوت الرصاص الخارجي! وفي لحظة لم يتوقعها أحد.. استقام الجد عبد الرحيم في وقفته كأن العمر ارتد به ثلاثين عاماً إلى الوراء! لم يتكلم، ولم يصرخ، بل مدّ يده بثبات عجيب نحو حزام منصوره الخفي، وسحب منه مسدساً أسود صغيراً، وبحركة خاطفة لم يدركها مروان وهو يبتسم بشر... "طَخخخخ!" دوت الطلقة في أرجاء السرايا، وسقط جدار الصمت! صرخ مروان صرخة مكتومة ويمسك بيده اليمنى التي ينزف منها الدم، وتراجع للخلف ينظر لجده بذهول ورعب لا يصدق! وقف الجد عبد الرحيم، ودخان المسدس يتصاعد من فوهته، وعيناه تفيضان بهيبة وجبروت صلب، ونطق بصوت هادئ للغاية، لكنه كان ينزل كالحديد على رؤوس الجميع: ـ "اللي يبيع ابن عمه ويشهد مع الغريب على حرمة بيته وعرضه.. ما يترفعش عليه سلاح فرسان، ولا يتقال له يا راجل! ده ياخد عياره في الإيد اللي اتمدت بالخيانة، وتقعدوه جوة كيف الحريم، وتجيبوا له الحكيم يربط جرحه.. وده العقاب اللي يستاهله ولد الهوارة لما ينسى أصله!" أشار الجد بعكازه للرجالة، فانطلق اثنان من كبار حراس السرايا، وسحبوا مروا
عدت أيام على فاجعة المستشفى، ومرت ليلة ورا ليلة وسرايا الهواري عايشة في سكون مرعب، زي الهدوء اللي بيجي قبل الهبوب. الشمس كانت لسه بتشق طريقها على المزارع، والندى نازل على شجر النخل والزرع الأخضر. كانت الساعة جارية على ستة الصبح، والجو في السرايا هادي لدرجة إنك تسمع صوت زقزقة العصافير ونسيم الهواء العليل وهو بيهز الشجر. في الجناح العلوي، كانت الستائر الشيفون الأبيض بتتحرك بهدوء مع الهواء الدافي. مُهرة كانت قاعدة على طرف السرير، لابسة عباية بيضا واسعة وشال حرير خفيف ملفوف على رأسها بيغطي الضمادة اللي بقت أصغر. كانت ماسكة كباية ينسون دافية بيديها الاتنين، وبتبص من الشباك الكبير على الغيط الممتد. كان وشها شاحب بس بدأ يرجعله دمه ورونقه، وعينيها العسلية فيها هدوء عميق... هدوء ما تعرفش وراه رضا ولا عاصفة مستنيّة شرارة عشان تولع! فجأة، اتفتح باب الجناح ببطء شديد ومن غير أي صوت. دخل فارس وهو شايل في إيده صينية فطور صغيرة عليها العسل النحل والقشطة والعيش البلدي المخبوز طازة. كان لابس جلبابه الأبيض الخفيف، ووشه هادي، وعليه نظرة حنية دافية تمسح كل وجع الدنيا. حط الصينية على الطاولة الجانبية
صوت صفارات الإسعاف وصعق محركات السيارات كان يشق سكون الليل بطريقه نحو مستشفى النجع الكبير!كانت السيارة السوداء الضخمة تتطوح في الأزقة بسرعة جنونية، وقدم فارس تضغط على دواسة البنزين بكل قهر العالم. وفي المقعد الخلفي، كانت مُهرة ترقد ورأسها المدمى في أحضان "فتحية" (أم فارس) التي كانت تبكي وتنحب بصلوات خافته، بينما ينظر إليها فارس عبر المرآة الأمامية بعيون تشتعل بنار جهنم وجنون لم يسبق له مثيل!وصلت السيارة وأُحيلت الساحة أمام المستشفى إلى حالة طوارئ قصوى!ترجل فارس كالإعصار، ورفع مُهرة بين ذراعيه بالكامل، وركض بها عبر الممرات البيضاء وصوته الرعدي يزلزل الأسقف:ـ "دكتور فوراً!! أي حد يلحق حُرْمَة فارس الهواري!! بسرعااااة!"هرع الأطباء والممرضات، وسُحبت مُهرة من بين يديه على الحمالة المتحركة نحو غرفة العمليات والطوارئ، وأُغلق الباب الزجاجي المعتم في وجهه!سقط فارس بظهره على الحائط الأبيض، وعيناه مثبتتان على آثار دمائها الحارة التي صبغت يده وجلبابه الكحلي. استند ببراجمه على الجدار وضرب الخرسانة بيده الصلبة ضربة أحدثت صوتاً كالانفجار، والأنفاس تتصاعد من صدره المجهد كأنه بركان محبوس.وصلت س
أشرقت شمس اليوم التالي على سرايا الهواري محمّلة بهواءٍ ثقيل ينبئ بعاصفة وشيكة، هدوء ما قبل المولد كان يخيم على الساحة والمزارع الممتدة. وفي قلب هذا الهدوء المشحون، كان فارس ومروان يستعدان لتجهيز خيولهما في الإسطبلات البعيدة عن المبنى الرئيسي للسرايا، حيث انشغل الجميع بتنسيق ساحة السباق الكبرى.في الجناح العلوي، كانت مُهرة تنقّب في أوراقها وحوائجها لتسليم الملفات الأثرية والأوراق الخاصة بالمزارع التي طلبها الجد عبد الرحيم. كانت السرايا شبه خاوية في تلك اللحظة؛ فالخدم انشغلوا في الإعداد الخارجي، ورجال العيلة متجمعون عند المضياف البعيد.لكن ظلاً خبيثاً كان يترقب هذه اللحظة بالذات!فُتح باب الجناح ببطءٍ مريب، ودخلت سعاد بخطوات متسللة، عينان تفيضان بالغل الحاقد والشرار الأسود بعد طردها وافتضاح أمرها بالأمس. كانت قد تسللت من الباب الخلفي للمطبخ دون أن يراها أحد، والغيظ ينهك عقلها بعدما خصرت مكانتها وكرامتها أمام العيلة بسبب هذه القاهرية!توقفت مُهرة وأمسكت بحافة المكتب، والتفتت بحدة لتفاجأ بسعاد تقف عند أعتاب الغرفة والشر يملأ ملامحها، فنطقت مُهرة بنبرة حادة وكبرياء صلب:ـ "أنتِ إيه اللي جا
أشرقت شمس الصعيد على سرايا الهواري وهي تنبض بهيبة وجلال جديدين. لم يعد اسم مُهرة مجرد اسم زوجة قاهرية دخلت الدار غريبة، بل أصبحت "ست السرايا" بكلمة الجد عبد الرحيم وبصمة كبرياء لا تُكسر، تصون كرامة بيتها وتدير شؤونه بعقل يوزن بلد.في البهو السفلي الواسع، كانت مُهرة تشرف بنفسها على ترتيبات الدار بجانب فتحية أم فارس. عباءتها العنابية الراقية وشالها الحريري كانا يعكسان حضوراً يفيض بالأصالة والهدوء، بينما كان الخدَم والعمال يتحركون بإشارة من يدها الرقيقة بكل احترام وتقدير. كانت الطمأنينة تخيم على المكان بعد كشف ألاعيب سعاد وطردها خارج السرايا، لكن هدوء سرايا الهواري دائماً ما يخبئ خلفه عواصف جديدة لا تؤمن بالهدنة.فجأة، دوت في ساحة السرايا الخارجية أصوات صهيل خيلٍ حاد، يتبعها ركض خيول متسارع وصوت خطوات ثقيلة لأحذية جلدية فاخرة تصطدم بالأرضية الرخامية. فتح منصور والد فارس باب المجلس الكبير، يتبعه شاب في أوائل الثلاثينات، فارع الطول، يرتدي الجلباب الصعيدي الأنيق والمصنوع من أجود أنواع الصوف، وعلى وجهه ابتسامة ثقة جريئة تلمع بعيون حادة وذكية.نطق منصور بصوت عالٍ ومرحب يهز البهو:ـ "يا مرحب ي
في جناح فارس ومهرة (لحظة الاشتعال) ساد صمتٌ قاتل في الغرفة، كأن الهواء تجمد فجأة!كانت شاشة الهاتف تلمع بالرسالة الغريبة، وعينا فارس تحولتا إلى جمرة من الجحيم. ثوانٍ معدودة مرت وهو ينظر للشاشة، قبل أن يمتد كفه الضخم ويمسك الهاتف بعنف، وعروق يده بارزة كالسلاسل!مهرة وقفت فوراً، وجهها شحب من الصدمة، ونطقت بنبرة يهزها الذهول:ـ "فارس! الرقم ده أنا معرفوش.. والرسالة دي أكيد فيه حاجة غلط!"التفت فارس إليها ببطء مرعب. خطواته الثقيلة وقفت أمامها مباشرة، وعيناه تنظران في عينيها بنظرة حادة كالسكين، ونطق بصوت خفيض، بحّة الغضب الصعيدي تخرج من بين أسنانه:ـ "مين اللي كاتب الرسالة دي يا مهرة؟ ومين اللي مستنيكي في النجع في نص الليل وساعة العتمة؟"مهرة رفعت رأسها بثبات رغم ارتعاش جسدها، وحطت يدها على صدره بثقة ورجاء:ـ "وحياة خوفك على أختك مريم يا فارس.. وحياة الوعد اللي قطعته ليا من شوية، أنا معرفش صاحب الرقم ده، ولا ليّا اتفاق مع حد! دي لعبة ملعوبة عشان تهد اللي بينّا!"فارس صرّ على أسنانه، وعقله يصارع بين غريزة الصقر الشكاك التي تربى عليها، وبين دفء حنيتها وصدق عينها العسلية التي تنظر إليه بغير