Home / مافيا / مهووس بك صغيرتي / الفصل الثاني عشر : بين جحيم الندم وقيود العشق

Share

الفصل الثاني عشر : بين جحيم الندم وقيود العشق

last update publish date: 2026-08-20 03:38:05

كان المشهد داخل الغرفة أشبه بكابوس مرعب صبغ جدران الذاكرة باللون القاني. وعد مستلقية هناك، غارقة في بركة من دمائها الزكية، بينما وقف رعد شاخصاً ببصره نحوها، والاضطراب يعصف بكيانه حتى بات عاجزاً عن استيعاب ما تقترفه يداه أو ما يدور حوله. اختلط الغضب بالذعر في صدره، فضرب رأسه بكلتا يديه بقوة، مطلقاً صرخة هستيرية شقت سكون المكان؛ صرخة لم يعرف هو نفسه كيف خرجت من أعماقه بلا وعي، مدوية كعاصفة عمياء تضرب أرضاً قاحلة

خطا نحوها بخطوات متعثرة وثقيلة، والكلمات تخرج من بين شفتيه مشحونة بنبرة آمرة تخفي خلفها رعباً دفيناً:

- انهضي يا وعد.. انهضي! أليست هذه رغبتك؟ ألم تكوني ترغبين في أن يروكِ؟ أن يتغزلوا بجمالكِ الفاتن ويغدقوا عليكِ بعبارات الثناء؟ أردتِ لفت أنظارهم ونيل إعجابهم.. أليس كذلك؟! حسناً، ها قد نلتِ مرادكِ.. لكن حسابنا لم ينتهِ بعد، ما زال بانتظاركِ الكثير معي، لن تنجي بفعلتكِ!"

لم يكن هناك أي رد.. وعد كانت غائبة تماماً عن الوجود، جسدها ممدد بلا حراك، والدم القاني يتدفق بغزارة من فمها ليسيل على بشرتها الشاحبة، بينما تبعثر شعرها الحريري حول وجهها، ملطخاً بتلك الدماء الفائرة التي أطفأت بريق الحياة في ملامحها.

نظر إليها رعد، وتجمدت العبارات في حلقه حين أدرك أنها لا تجيب، بل ولم تكن تبدي أي أمارة من أمارات الوعي. هبط إلى مستواها وجلس على ركبتيه، والقرفصاء تملأ جلسته ارتباكاً. امتدت يده المرتجفة لتتحسس خصلات شعرها المبتلة بالدماء. حاول رفع رأسها برفق لم يعهده بنفسه من قبل، وهمس بصوت متحشرج: "انهضي.. كفاكِ تمثيلاً، هذا الصمت لن يجدي نفعاً معكِ..."

لكن جسدها ظل مرتخياً كدمية مكسورة، وعيناها كانتا مقلوبتين ناعستين بلا بريق، ووجهها مغطى بالكامل باللون الأحمر، بينما استمر الخيط القاني بالتدفق من زاوية فمها ليعلن عن حجم الكارثة الداخلية. تملكه الذعر الحقيقي هذه المرة، وبدأ يضرب وجنتيها بخفة وهو يصرخ بهلع:

- "وعد! ما بكِ؟ استيقظي.. وعد، أرجوكِ افتحي عينيكِ.. استيقظي يا حبيبتي.. استيقظي!"

لم تتلقَ كلماته سوى الصمت المطبق، وعيناها الغائبتان أكدتا له أنها تجاوزت حدود السمع. نهض رعد كالمجنون، وبدأ يلوح بيديه في الهواء، يضرب مرآة الغرفة بقبضته العارية حتى تهشمت وتناثرت شظاياها لتعكس ملامح وجهه المشوه بالخوف. صرخ بنبرة ممزقة بالوجع: "كيف تجرئين؟! كيف تفكرين في الرحيل وتركي؟! كيف تتركينني هكذا في هذا الجحيم البارد؟!"

ركض خارج الغرفة كالإعصار، يصرخ بأعلى صوته في الخدم، آمراً إياهم باستدعاء الطبيب على الفور. وعندما استمعوا إلى تقييم الوضع المبدئي، أجمع الجميع على ضرورة نقلها فوراً إلى المستشفى لخطورة حالتها. حملوها بسرعة، واندفعت السيارة تشق الطرقات نحو المشفى، ورعد يجلس بجوارها، ملامح وجهه مخطوفة، وعقله مشلول عن التفكير. كان الخدم يتهامسون من حوله بوجل، وأيديهم ترتجف من هول الصدمة، لا يجرؤ أحد منهم على توجيه كلمة واحدة له أو النظر في عينيه المتطايرتين بالشرر والندم.

وقف رعد أمام غرفة العمليات والطوارئ، غارقاً في صمت ثقيل وموحش. كان يدرك في أعماقه، رغم إنكاره، أنه السبب الرئيس في كل ما حدث. عجز عن كبح جماح غيرته العمياء، وفشل في السيطرة على وحشه الداخلي الذي يثور لأتفه الأسباب. كان يشعر بوطأة الذنب تضغط على صدره كحجر رحى ضخم، يتمنى لو أن الزمان يعود للوراء ليغير ما اقترفه، لكن هيهات. لقد فعلت وعد كل ذلك لتتحدى طباعه القاسية؛ فهو ذلك الرجل الذي لا يطيق رؤية مساحيق التجميل الكحلية على عينيها لأنها تزيدها فتنة تثير جنون غيرته، ولا يحتمل قطع الملابس التي ترتديها لأنها تجعل كل من يراها يطمع في جمالها، مما يضرم في قلبه ناراً لا تخمد.

انفتح الباب أخيراً، وخرج الطبيب بملامح مرهقة يكسوها الجد والصرامة. ما إن رآه رعد حتى اندفع نحوه بلهفة وعنف وهو يمسكه من ثيابه متسائلاً بنبرة حادة: "ما بها؟! أخبرني بسرعة!"

نظر إليه الطبيب بصرامة وهدوء، محاولاً تخليص نفسه من قبضته القوية، وقال بنبرة جافة: "تعال معي إلى المكتب أولاً، يا سيد رعد

نظر إليه رعد بنظرات حادة ومليئة بالوعيد والشرر، لكن الطبيب واصل طريقه قائلاً: "أرجو أن ترافقني إلى المكتب لنتحدث بشكل مسؤول، فالأمر يتعلق بالدماء والمسؤولية الطبية."

مشى رعد خلفه بخطوات متثاقلة دون أن ينبس ببنت شفة، ودخل المكتب رافضاً الجلوس. أشار إليه الطبيب نحو المقعد قائلاً: "تفضل بالجلوس، يا سيد رعد."

رد رعد بحدة وغطرسة تخفي انكساره: "تحدث فوراً واختصر.. متى يمكنني إخراجها من هنا؟"

تنهد الطبيب بعمق، ثم قال بنبرة جادة وتحذيرية: "يا سيد رعد، زوجتك تعاني من انخفاض حاد وخطير في ضغط الدم، فضلاً عن تعرضها لضرب مبرح وجرح قطعي عنيف أدى إلى نزيف داخلي وخارجي. كنا نتمنى أن تراعى حالتها الصحية والنفسية بشكل أفضل، وقبل أن يكمل الطبيب جملته..."

ضرب رعد بكفه على مكتب الطبيب بقوة هزت أركان الغرفة، وصاح مهدداً: "لقد قلت لك أخبرني بوضعها الحالي فحسب ولا تتجاوز حدودك! إما أن تنهي هذا الهراء أو أقسم لك أنني سأغلق هذا المشفى بأكمله فوق رؤوسكم!"

شعر الطبيب بخطورة الموقف، فآثر السلامة واكتفى بكتابة الوصفة الطبية، وقدمها له قائلاً بصوت منخفض: "هذه هي الأدوية اللازمة لحالتها، يجب تناولها بانتظام."

أخذ رعد الأوراق بخشونة وقال: "دع الأمور الطبية لرجالي، سيتكفلون بكل شيء.. لا أريد أن أرى أي تقصير من جانبكم."

أومأ الطبيب برأسه ممتثلاً: "مفهوم تماماً، سيد رعد."

غادر رعد المكتب متوجهاً بخطوات سريعة نحو غرفتها. وقف أمام الباب الزجاجي لبرهة، يتأمل جسدها الضعيف الممدد على السرير الأبيض. فتح الباب ببطء شديد ودخل بخطوات صامتة لكي لا يوقظها. كانت نائمة كالملاك الطاهر، هادئة ووديعة على غير عادتها الثائرة. اقترب منها وجلس على حافة الفراش، ثم مد يده برفق شديد ليمرر أصابعه على بشرتها الناعمة، متتبعاً حاجبها، ثم جفنها المغلق، نزولاً إلى وجنتها الشاحبة وشفتيها الصغيرتين. كان يبدو في تلك اللحظة كفنان يعيد رسم ملامح لوحته المفضلة في مخيلته، وقلبه يعتصر من الألم والندم.

تلك الغيرة التي لطالما تحكمت في تصرفاته وأعمت بصيرته، نبعت من مشاعر حب جارف لم يختبره من قبل، حب لم يعرف كيف يترجمه سوى بالقسوة والتملك. وعد بالنسبة لرعد لم تكن مجرد زوجة، بل كانت الحياة بأكملها، كانت أنفاسه وكل ما يملك في هذا العالم، وهي المخلوقة الوحيدة التي شعر بالعيش الحقيقي لأجلها ومنذ وجودها في حياته.

مر يومان عصيبان على تلك الحادثة، أصر رعد بعدهما على نقل وعد إلى القصر رغم عدم تماثلها الكامل للشفاء، لم يكن يطيق بقاءها في المشفى. كانت وعد طوال تلك الفترة مستسلمة تماماً، لا تفارق سريرها إلا نادراً، تحت تأثير الأدوية المهدئة والمسكنات القوية. تأكل القليل, وتشرب دواءها، ثم تغط في نوم عميق هرباً من واقعها المرير.

أما رعد، فقد قضى تلك الأيام متنقلاً بين مكتبه في القصر والعمل، وفي كل مرة يغلبه الشوق، كان يأتي خلسة لينام بجوارها، يتأمل وجهها النائم، ويطبع قبلة دافئة على جبينها قبل أن يغادر هدوء غرفتها. كان يكتفي بسماع دقات قلبها المنتظمة ليشعر بالراحة، ويتأكد أنها ما زالت تنبض بالحياة، خوفاً من أن يثور غضبه مجدداً إن رأته مستيقظة فتتجدد الخلافات. وجاءته فجأة أعمال طارئة تتطلب سفره إلى الخارج، فغادر على متن طائرته الخاصة، ليمضي خمسة عشر يوماً بعيداً عن القصر.

كان كل يوم يمر عليه في غربته يزيده شوقاً وهياماً بها. اتصل بالخدم، وأمرهم بتشغيل كاميرات المراقبة وبث فيديو مباشر له، ليتمكن من رؤيتها وهي نائمة أو وهي تتحرك ببطء في أرجاء الغرفة خلال الفترات القصيرة التي تستيقظ فيها.

أما وعد، فقد شعرت بأن الحياة فقدت كل معانيها الجميلة. كانت الأيام تتشابه لديها، لا تميز بين ليل أو نهار. منذ ذلك اليوم المشؤوم الذي ضربها فيه رعد بعنف، تملكها شعور بالانكسار والموت الداخلي؛ شيء ما ثمين مات في أعماقها ولم يعد قابلاً للإصلاح. أصبحت ترتعد خوفاً وتصاب بنوبة من الهلع بمجرد سماع اسمه، وباتت تكره غرفتها وكل ركن في ذلك القصر، وتتمنى الموت لترتاح من هذا العذاب المستمر. تساءلت بمرارة: "ما الذي يريده مني بعد؟ لقد تزوجني قسراً دون إرادتي، ويتهمني بالخيانة بالباطل، ويضربني عند كل خطأ صغير أو وهمي يصنعه خياله المريض!"

في تلك الأثناء، وتحديداً في المطبخ الواسع أسفل القصر، كانت الخادمتان تتبادلان أطراف الحديث أثناء غسل الأواني:

قالت الخادمة الأولى بنبرة إعجاب: "أرأيتِ؟ من الواضح أن السيد رعد يحب زوجته إلى درجة الجنون والاضطراب. لقد أصبح يغار عليها بشكل مرضي، لدرجة تثير دهشة الجميع. الكثير من النساء يحسدنها على هذه المكانة."

ردت الخادمة الثانية بنبرة إشفاق وحزن: "مسكينة تلك الفتاة، لا زالت صغيرة وشابة ولم يهنأ شبابها. أصبحت الآن تخاف من مواجهة الناس، والجميع في القصر باتوا يخشون السيد رعد وصاروا في حالة صدمة من تصرفاته العنيفة التي لم نعهدها منه بهذا الشكل."

أجابت الأولى بحماس: "يا إلهي! لو تعلمين كم من امرأة تتمنى نظرة واحدة منه! لقد سمعت ما دار في الحفلة وكيف كانت الفتيات يتحدثن عنه وعن ثروته وجاذبيته. إنه يمتلك كل شيء، ورغم ذلك لا يرى سواها، خسارة كبيرة أنه يعاملها بضرب وقسوة وهي بهذه الرقة كآية من الجمال."

علقت الثانية بأسى: "لو كنت مكانها، لقبلت بضربه وقسوته مقابل ربع ذلك الحب والاهتمام الذي يغدقها به!"

ضحكت الأولى بسخرية قائلة: "يا إلهي! استيقظي من أوهامكِ واغسلي الصحون جيداً، انظري لنفسكِ أولاً.. هل تظنين أن السيد رعد سينظر إليكِ؟ اغسلي الأواني ودعي عنكِ هذه التخيلات."

وفي الغرفة العلوية، كانت وعد تشعر بتحسن نسبي في جسدها هذا اليوم، فنهضت وتوجهت نحو المرآة الكبيرة لتجلس على الكرسي المخملي. نظرت إلى انعكاس وجهها؛ بدأت آثار الكدمات والضرب تختفي تدريجياً، لكن الجرح الذي في قلبها كان ما يزال ينزف بغزارة. استعادت بعضاً من حيويتها، وقررت ارتداء فستان أحمر خفيف، وفعلت ذلك بدافع العناد والتحدي، واختارت ملابس لا تعجب رعد لتعبر عن تمردها في غيابه. جمعت شعرها الطويل على شكل كعكة عفوية، ونظرت إلى نفسها في المرآة برضا، قائلة في نفسها: "ملامحي تبدو جميلة الآن، ولكن ما السبب الذي يجعل رعد يعاملني بهذه القسوة ويهين كرامتي؟ بالتأكيد هناك شخص آخر في حياته يراه أفضل مني."

وفجأة، قطع حبل أفكارها صوت جهوري مألوف قادم من خلفها:

- "لا أحد يمكنه أن يكون أفضل منكِ أو يضاهي جمالكِ، يا وعد."

التفتت وعد بذعر، وتجمدت الدماء في عروقها حين رأته واقفاً عند مدخل الغرفة، إذ لم تكن تعلم بموعد عودته من السفر. تقدم رعد نحوها بخطوات واثقة وهادئة، وكان يقوم بحل عقدة رابطة عنقه ببطء، ثم اقترب من خلفها وأحاط عنقها بذراعيه القويتين، مغلقاً عينيه وهو يستنشق عبير عطرها بعمق وولع شديد، وكأنه مدمن وجد ضالته بعد طول غياب. همس بنبرة متحشرجة: "لقد اشتقت إليكِ كثيراً.. الشوق يكاد يقتلني، ولا يمكنكِ تخيل مدى العذاب الذي عشته بعيداً عنكِ."

انتفضت وعد من مكانها بوجل، ونظرت إليه بعينين خائفتين، ثم خفضت رأسها محاولة التملص من حصاره والتوجه نحو السرير لتتحامى به. لكن رعد كان أسرع منها؛ فأمسكها من يدها وجذبها من خصرها بقوة ليلصق جسدها بصدره العريض، حتى شعرت بأنفاسه الحارة تلفح وجهها. امتزجت في أنفاسه رائحة السيجار الفاخر مع عطر رجولي قوي ونفاذ، عطر لطالما ارتبط في ذهنها بفرض رجولته وسيطرته المطلقة عليها. بقيت وعد جامدة في مكانها، تنظر إليه بصمت مطبق وعينين تملأهما نظرة السجين الذي ينظر إلى قضبان سجنه الطاغي.

انحنى رعد قليلاً نحو أذنها، وهمس بصوت دافئ ومنخفض يحمل نبرة تملك واضحة: "لقد اشتقت إليكِ بحق، يا صغيرتي..."

حاولت وعد الابتعاد ودفعه بيديها الصغيرتين قائلة بنبرة مرتجفة: "أرجوك.. ابتعد عني." لكنه بدلاً من الاستجابة لها، أحكم قبضته حولها وزاد من اقترابه، معلناً بداية جولة جديدة من قيد العشق الذي لا مفر منه.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • مهووس بك صغيرتي   الفصل السابع عشر: أنفاس حارقة

    خرج رعد من الغرفة يتبعه طيف لورا المتبختر، وأوصدا الباب الخشبي الثقيل خلفهما ليتركا خلف جدرانه فراغًا موحشًا تلاشت فيه الأنفاس وساد فيه سكون بطعم الموت. بقيت وعد في مكانها لثوانٍ طويلة، تشعر بغصة مريرة وخانقة تعترض حنجرتها؛ كان شعور الغبن والقهر ينهش مفاصلها وجسدها الضعيف دون أن تفهم سببًا حقيقيًا أو منطقيًا لهذا الألم الذي يعتصر قلبها المكلوم. تذكرت ملامح لورا الصارخة، وطريقة نظراتها الجريئة المتملكة ونبرتها المتحدية نحو رعد، فاهتز كيانها الأنثوي غيظًا وكمدًا. لم تحتمل البقاء حبيسة جدران غرفتها التي باتت تشبه زنزانة انفرادية؛ فتحركت بخطوات شبه مغيبة تحت تأثير مشاعرها المضطربة، فتحت الباب بهدوء مريب، وتسللت خارجة لتهبط الدرج الرخامي العريض بخطوات وئيدة وحذرة لعلها تجد مخرجًا أو تفهم ما يدور حولها في هذا الجحيم المخملي.حين وصلت إلى منتصف السلم، تجمدت الدماء في عروقها وتوقفت في مكانها كالصنم. رأت رعد واقفًا في البهو السفلي الفسيح بكل هيبته الطاغية، ولورا تقف على مسافة قريبة منه للغاية بشكل مستفز، تتحدث بنعومة بالغة وتنفث سموم غنجها ودلالها أمامه، بينما كان هو يدخن سيجارته بملامح جامدة

  • مهووس بك صغيرتي   الفصل السادس عشر : القفص المظلم ..!

    تسللت ظلمة الليل الباردة عبر النوافذ الزجاجية الكبيرة الممتدة من الأرض إلى السقف، لتلقي بظلالها الكئيبة على أرجاء تلك الغرفة الواسعة التي تفوح برائحة الفخامة والترهيب في آن واحد. كان الصمت الذي يلف المكان صمتًا ثقيلاً، مشحونًا بالتوتر، صمتًا يسبق العواصف المدمرة دائمًا في عالم رعد السفياني. تقدم رعد بخطواته الثقيلة المدروسة، يحمل وعد بين ذراعيه القويتين كمن يحمل غنيمة حرب ثمينة تخلى العالم كله عنها. لم تكن قبضته مجرد إمساك بجسدها الضعيف، بل كانت إعلان تملك مطلق لا يجرؤ أحد على منازعته فيه. وضعها فوق فراش السرير العريض الوثير برفق شديد، لكنه رفق يحمل في طياته هيبة مرعبة وقسوة مبطنة. وقبل أن يتراجع خطوة إلى الوراء، انحنى فوقها قليلاً، مستنشقًا عطرها الذي كان يسري في عروقه كمخدر فتاك، وطبع قُبلةً جافةً وطويلةً على رأسها. لم تكن تلك القبلة لمواساتها أو لطمأنتها، بل كانت بمثابة وسم أبدي يطبع به ملكيته على جسدها وروحها، ليذكرها في كل ثانية أنها باتت جزءًا من ممتلكاته الخاصة التي لا تملك حق التصرف في نفسها.تحرك رعد بعد ذلك بخطواتٍ واثقة ومثقلة بالغموض نحو زاوية الغرفة المظلمة. سحب علبة سجا

  • مهووس بك صغيرتي   الفصل الخامس عشر : بين ذراعيه !

    تجمدت الأطراف وشلت الحركة، وعجز اللسان عن النطق أمام مشهد الموت الوشيك. كان رعد واقفاً في منتصف الغرفة وعيناه متسعتان بجنون وكأن جاحظتيهما ستخرجان من محجريهما من فرط الرعب الذي تملكه. برزت عروق يده بشكل مخيف، واشتد خفقان قلبه حتى كاد يمزق صدره وهو يشهد بأم عينيه جسد وعد النحيل يتأرجح على حافة الشرفة الشهيرة. لم يكن يصدق ما تراه عيناه؛ طفلته المستضعفة، المرأة التي حارب الجميع ليمتلكها، تسلم جسدها وروحها للهواء بدم بارد. في تلك اللحظات السريعة كالحلم، صمتت الدنيا في أذن وعد، ولم تعد تسمع سوى حفيف الرياح. همست لنفسها بقلب محترق: "لقد سلمت روحي للهواء.. أخيراً سأرتاح من هذا العالم المظلم. أريد الخلاص فحسب، فلم يعد في قلبي متسع للخوف من أي شيء، ولم يعد هناك من أخشى غيابه وراء ظهري.. لقد تعبت، تعبت إلى حد الموت."رفعت وعد رأسها بشموخ يائس وهي تحدق في الفراغ السحيق تحتها، ودفعت بجسدها إلى الأمام، ملقية بقدميها في الفضاء الخالي مستسلمة للجاذبية. لكن القدر لم يمهلها الخلاص الذي تمنته؛ فقبل أن يهوي جسدها إلى الأسفل، انقضت يد حديدية بسرعة تفوق الخيال لتتمسك بطرف ثوبها الحريري، متبوعة بذرا

  • مهووس بك صغيرتي   الفصل الرابع عشر : حافية الهاوية

    استدار رعد وابتعد عنها بخطوات ثقيلة ومدروسة، تاركاً خلفه كتلة من الوجع والانهيار ممددة على الأرض. كانت وعد عاجزة تماماً عن الحراك، وكأن أنفاسها قد سُلبت منها عنوة. توجه رعد مباشرة نحو الحمام بخطواته الواثقة التي تحمل طابعاً من الجبروت، بينما كان صمت الغرفة يضج بصدى أنينها المكتوم. لم تمر سوى دقائق معدودة حتى خرج مجدداً، جسده الرياضي ينضح بقطرات الماء، وخصلات شعره الأسود المبلل منسدلة على جبينه. كان يمسح عضلاته البارزة وعنقه بمنشفة بيضاء ناصعة ببرود تام، وكأن شيئاً لم يكن، وكأن العاصفة التي أحدثها قبل قليل كانت مجرد نزهة عابرة.على الجانب الآخر من الغرفة، كانت وعد تبكي في صمت مرير يحرق جوفها. لم تكن تبكي خوفاً، بل قهرًا وعجزًا. كان جسدها النحيل يرتعش بشكل متواصل من شدة الألم الجسدي والنفسي؛ عظام يديها وقدميها تؤلمها بقسوة إثر القبضة الحديدية والعنف المفرط الذي تعرضت له على يديه. شعرت وكأن كرامتها قد سُحقت تحت قدمي هذا الطاغية. فجأة، ومن بين دموعها الحارقة، التفتت برأسها ببطء نحو الخزانة، فلمحت بريقاً معدنياً مألوفاً. إنه مسدسه الخاص، مخبأ بعناية داخل جيب بدلته الرسمية المعلقة. في تلك ا

  • مهووس بك صغيرتي   الفصل الثالث عشر : هوس التملك والهروب المستحيل

    ظل رعد مطوقاً إياها بذراعيه، محاولاً محاصرة تمردها الصامت، ونظر في عينيها الغارقتين بالوجل متسائلاً بنبرة مشحونة بالعتب والحدة:- "لماذا تحاولين الابتعاد عني دوماً؟ لماذا تهربين من رجل لا يبتغي سوى حبكِ والتمسك بكِ؟"انهمرت دموع وعد الساخنة على وجنتيها الشاحبتين، وردت بنبرة متهدجة وعيناها تلمعان بالقهر:- "من يحب بصدق لا يفعل ما تفعله أنت بي.. إنك رجل مريض!"احتدت نظراته وتضاعف جنونه وهو يقترب من وجهها أكثر، هامساً بنبرة أرعبت أوصالها:- "أنا مريض بكِ.. نعم، أنا مهووس بكِ إلى حد الجنون! إنني أحبكِ أكثر مما تحبين أنتِ نفسكِ!"حاولت وعد جاهدة أن تدفعه بيديها المرتجفتين لتبتعد عنه قليلاً، وقالت بصوت مخنوق بالبكاء:- "أرجوك.. أطلق سراحي، دعني وشأني."لم يحتمل رعد محاولتها للإفلات؛ فباغتها بصفعة قوية دوت في أرجاء الغرفة، ثم قبض على خصلات شعرها الطويل وجذبها نحوه بقسوة وهو يزمجر بغضب أعمى:- "قسماً إنني قد أقتلكِ، لكنني لن أسمح لكِ بالرحيل عني أبداً!"أغمضت وعد عينيها بشدة، واستسلمت لدموعها التي أخذت تشق طريقها بغزارة فوق موضع الصفعة. حين رأى رعد دموعها وانكسارها، هدأ ثوران وحشه قليلاً، واح

  • مهووس بك صغيرتي   الفصل الثاني عشر : بين جحيم الندم وقيود العشق

    كان المشهد داخل الغرفة أشبه بكابوس مرعب صبغ جدران الذاكرة باللون القاني. وعد مستلقية هناك، غارقة في بركة من دمائها الزكية، بينما وقف رعد شاخصاً ببصره نحوها، والاضطراب يعصف بكيانه حتى بات عاجزاً عن استيعاب ما تقترفه يداه أو ما يدور حوله. اختلط الغضب بالذعر في صدره، فضرب رأسه بكلتا يديه بقوة، مطلقاً صرخة هستيرية شقت سكون المكان؛ صرخة لم يعرف هو نفسه كيف خرجت من أعماقه بلا وعي، مدوية كعاصفة عمياء تضرب أرضاً قاحلة خطا نحوها بخطوات متعثرة وثقيلة، والكلمات تخرج من بين شفتيه مشحونة بنبرة آمرة تخفي خلفها رعباً دفيناً: - انهضي يا وعد.. انهضي! أليست هذه رغبتك؟ ألم تكوني ترغبين في أن يروكِ؟ أن يتغزلوا بجمالكِ الفاتن ويغدقوا عليكِ بعبارات الثناء؟ أردتِ لفت أنظارهم ونيل إعجابهم.. أليس كذلك؟! حسناً، ها قد نلتِ مرادكِ.. لكن حسابنا لم ينتهِ بعد، ما زال بانتظاركِ الكثير معي، لن تنجي بفعلتكِ!"لم يكن هناك أي رد.. وعد كانت غائبة تماماً عن الوجود، جسدها ممدد بلا حراك، والدم القاني يتدفق بغزارة من فمها ليسيل على بشرتها الشاحبة، بينما تبعثر شعرها الحريري حول وجهها، ملطخاً بتلك الدماء الفائرة التي أطفأت ب

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status