Home / مافيا / مهووس بك صغيرتي / الفصل الثالث عشر : هوس التملك والهروب المستحيل

Share

الفصل الثالث عشر : هوس التملك والهروب المستحيل

last update publish date: 2026-08-20 03:47:51

ظل رعد مطوقاً إياها بذراعيه، محاولاً محاصرة تمردها الصامت، ونظر في عينيها الغارقتين بالوجل متسائلاً بنبرة مشحونة بالعتب والحدة:

- "لماذا تحاولين الابتعاد عني دوماً؟ لماذا تهربين من رجل لا يبتغي سوى حبكِ والتمسك بكِ؟"

انهمرت دموع وعد الساخنة على وجنتيها الشاحبتين، وردت بنبرة متهدجة وعيناها تلمعان بالقهر:

- "من يحب بصدق لا يفعل ما تفعله أنت بي.. إنك رجل مريض!"

احتدت نظراته وتضاعف جنونه وهو يقترب من وجهها أكثر، هامساً بنبرة أرعبت أوصالها:

- "أنا مريض بكِ.. نعم، أنا مهووس بكِ إلى حد الجنون! إنني أحبكِ أكثر مما تحبين أنتِ نفسكِ!"

حاولت وعد جاهدة أن تدفعه بيديها المرتجفتين لتبتعد عنه قليلاً، وقالت بصوت مخنوق بالبكاء:

- "أرجوك.. أطلق سراحي، دعني وشأني."

لم يحتمل رعد محاولتها للإفلات؛ فباغتها بصفعة قوية دوت في أرجاء الغرفة، ثم قبض على خصلات شعرها الطويل وجذبها نحوه بقسوة وهو يزمجر بغضب أعمى:

- "قسماً إنني قد أقتلكِ، لكنني لن أسمح لكِ بالرحيل عني أبداً!"

أغمضت وعد عينيها بشدة، واستسلمت لدموعها التي أخذت تشق طريقها بغزارة فوق موضع الصفعة. حين رأى رعد دموعها وانكسارها، هدأ ثوران وحشه قليلاً، واحتضن وجهها بين كفيه برقة مفاجئة ومتناقضة، ثم انحنى يطبع على شفتيها قبلة طويلة وعنيفة، كأنه يفرغ من خلالها كل ذلك الغضب والتوتر اللذين يمزقان أعصابه. كان يشعر بالندم يجتاحه، فلم يكن يرغب في إيذائها مجدداً، لكن تمردها كان يدفعه إلى حافة الجنون.

تراجعت وعد إلى الخلف بقوة ما إن أطلق سراحها، وصاحت بنبرة تقطر كراهية:

- "إنني أكرهك! أكرهك من كل قلبي!"

رمقها رعد بنظرة حادة ومليئة بالوعيد، وضيق عينيه قائلاً بصوت واثق:

- "على الأقل.. أنتِ الآن تشعرين بوجودي، وتشعرين بأي إحساس كان من جهتي، حتى لو كان كراهية!"

التفتت وعد عنه وتوجهت بخطوات متعثرة نحو الشرفة، ونظرت إلى الأسفل بمرارة ويأس شديدين، وههمست في سرها: "ليتني ألقي بنفسي من هنا.. أتمنى لو أموت الآن لأرتاح من هذا العذاب الأبدي."

لم تكد تنهي سطر أفكارها السوداوية حتى اندفع رعد نحوها، وجذبها من خصرها بعنف بعيداً عن حافة الشرفة، ثم دفن وجهه في عنقها مستنشقاً عبيرها، وقال مهدداً بنبرة حاسمة:

- "هذه هي المرة الأخيرة التي أسمعكِ تقولي فيها كلاماً كهذا.. قسماً إن حاولتِ إيذاء نفسكِ مجدداً، سأقتلكِ بيدي!"

شعرت وعد بضعف شديد يسرق القوة من جسدها، واستمرت في البكاء بصمت مرير بينما كان رعد يحكم إغلاق ذراعيه حولها بقسوة، ضاغطاً إياها إلى صدره كأنه يحاول دمجها داخل كيانه. شعرت في تلك اللحظة وكأن حياتها لم تعد ملكاً لها؛ بل أصبحت أشبه بفيلم سينمائي مأساوي، ورعد هو المخرج الوحيد الذي يحرك دميتها كيفما يشاء ومتى أراد.

انحنى رعد وطبع قبلة دافئة على جبهتها، وبقي واضعاً شفتيه هناك لبرهة كأنه يعتذر لها بطريقته الخاصة. رفع رأسه قليلاً ونظر في عينيها المتعبتين، ثم همس بنبرة خفيضة تفيض بالعاطفة:

- "إنني أحبكِ حباً يفوق خيالكِ وتصوركِ.. لو كان حِمل هذا الحب قابلاً للتوزيع، لوزعته على العالم بأكمله، ولكان كافياً ليفيض ويزيد عن حاجتهم."

نظرت إليه وعد بعينين مكسورتين، وقالت بنبرة متحشرجة:

- "أنت لا تحبني يا رعد.. أنت لا تعرف معنى الحب! أنت فقط تريد حيواناً أليفاً في منزلك لتربيه وفق مشيئتك.. وللأسف، أنا هي ذلك الحيوان الضعيف في نظرك!"

اشتعلت عيناه بالشرر مرة أخرى، وصفعها بقوة للمرة الثانية وهو يصرخ بها:

- "هذه هي المرة الأخيرة التي أسمعكِ تهينين فيها نفسكِ أو تتفوهين بهذا الهراء! أنا من يحق له معاتبتكِ وتوبيخكِ، أما أنتِ فليس من حقكِ فعل أي شيء أو الاعتراض على ما أقرره!"

وضعت وعد يدها على وجنتها الملتهبة، وشعرت بروحها تنسحق تحت وطأة قسوته.

أمسك رعد وجهها بكفيه بقوة وضغط على فكها، ونظر في عينيها قائلاً بنبرة توسل مجنونة:

- "ماذا دهاكِ؟ ماذا تريدين مني أن أفعل لكي ترضي عني وتستسلمي لحبي؟ هل تريدين أن أقبل يديكِ؟"

وانحنى بالفعل يقبل يديها برقة، ثم واصل تقبيل جبهتها، وجنتيها، وأنفها، وتابع بصوت لاهث:

- "ماذا تريدين أيضاً؟ لقد سجلت كل أملاكي وثروتي تحت تصرفكِ وكتبت لكِ كل ما أملك! أنا مخلص لكِ وحدكِ، ولم أقترب من امرأة أخرى طوال حياتي، ولن تكون هناك امرأة غيركِ في عيني.. أنتِ تختصرين نساء الأرض جميعاً بنظري. كل ما أتمناه هو أن تحني رأسكِ لي وتستسلمي لكبريائي. أنا لا أريد تعذيبكِ، لكن عنادكِ يجعل عذابي لكِ مجرد نقطة صغيرة في بحر العذاب الذي تذيقينه لقلبي!"

دون أن ينتظر منها رداً، التفت وغادر الغرفة بخطوات غاضبة، وأغلق الباب خلفه بقوة تسببت في اهتزاز الجدران. انهارت وعد على الأرض باكية، وشعرت بأنفاسها تكاد تتوقف من فرط الهلع والقهر.

في الأسفل، دخل رعد إلى مكتبه وبدأ يحتسي الخمر بغزارة لعلها تخمد النار المشتعلة في صدره، وظل هناك حتى هبط الليل بظلاله الكئيبة. في تلك الأثناء، تجمعت وعد شجاعتها وقررت النزول للتحدث معه ووضع حد لهذا الجحيم. دخلت المكتب بخطوات مرتجفة، فرفع رعد رأسه ونظر إليها بنبرة ترحيب باردة:

- "مرحباً بكِ.. ادخلي."

قالت وعد بصوت منخفض تحاول جعله ثابتاً:

- "أريد التحدث معك في أمر هام."

نهض رعد من مقعده وتوجه نحو الأريكة الفاخرة، وجلس ثم أشار بيده إلى المساحة الفارغة بجواره قائلاً:

- "تفضلي بالجلوس هنا بجانبي."

اقتربت وعد بخطوات متباطئة وجلست بجواره، ورغم محاولتها لإخفاء رعبها، إلا أن كل إنش في جسدها كان يرتجف، وكان خوفها الشديد منه جلياً لا يمكن إخفاؤه.

نهض رعد فجأة، ووضع رأسه على قدميها مستلقياً بتعب، محتضناً ساقيها كطفل صغير يبحث عن الأمان لدى والدته. شعرت وعد برغبة عارمة في الصراخ والابتعاد، لكنها كتمت أنفاسها وابتلعت غصتها بصعوبة بالغة لتتمكن من الحديث. همس رعد وهو ما زال محتضناً ساقيها:

- "قولي ما لديكِ.. اسمعكِ."

قالت وعد بنبرة ملؤها الرجاء:

- "أريد فقط أن أرتاح من هذه العيشة.. أريد السلام."

سألها رعد بصوت منخفض وهادئ:

- "وما الذي يعنيه السلام بالنسبة لكِ؟ ما الذي ترغبين فيه تحديداً؟"

ردت وعد بسرعة وعيناها تلمعان بالأمل:

- "أريدك ألا تضربني مجدداً، وألا ترفع يدك علي.. أريد فقط أن أعيش حياة طبيعية وهادئة دون أن تتحكم في كل أنفاسي، ودون أن تحبسني داخل هذا القصر الكئيب. أنا..."

ولم تكد تكمل جملتها حتى قاطعها رعد بصوت دافئ محاولاً امتصاص غضبها، والتخفيف من وطأة الذكريات الأليمة التي تجتاح عقلها:

- "حياتكِ السابقة قد انتهت يا حبيبتي، وعليكِ نسيانها بالكامل.. انسِ قسوة والدكِ والعذاب الذي ذقته على يديه، وانسِ زوجة أبيكِ التي كانت تضطهدكِ، وانسِ آثار الضرب التي ما زالت تشوه جسدكِ بسببهما.. صدقيني، لو كانت زوجة والدكِ ما زالت على قيد الحياة لكنت قتلتها بيدي لأنها تجرأت على إيذائكِ، وهؤلاء الناس لا يستحقون منكِ أي تذكر."

تصنمت وعد في مكانها وتوسعت عيناها بصدمة ذهول، ونبض قلبها بعنف وهي تسأله:

- "كيف.. كيف عرفت كل هذه التفاصيل عن ماضي وعن عائلتي؟"

نهض رعد ببطء وجلس بجوارها، ثم أمسك يدها وطبع عليها قبلة رقيقة قائلاً بنبرة هادئة:

- "أنتِ حبيبتي وزوجتي، ومن الطبيعي أن أعرف عنكِ كل صغيرة وكبيرة.. إن قصتنا مكتوبة منذ صغركِ يا وعد، ولو لم تسرقكِ الأيام مني في ذلك الوقت لما تسببنا في ضياع كل هذه السنوات بعيداً عن بعضنا."

صاحت وعد بمرارة وعقلها يكاد يجن من غموض كلماته:

- "ماذا تعني بـ 'مكتوبة منذ صغري'؟ وما هذا الهراء الذي تتحدث عنه؟ إنك تحاول فقط تشتيت انتباهي وتغيير الموضوع الذي جئت لأجلك من أجله!"

اقترب رعد من وجهها حتى تلاقت أنفاسهما، وهمس بولع:

- "تحدثي يا حبيبتي.. استمري في الكلام، فإن صوتكِ بالنسبة لي كالمعزوفة الموسيقية التي تعيد الروح لجسدي."

بكت وعد بقلة حيلة وقالت بنبرة مستسلمة:

- "إن كنت تسمعني حقاً، فأرجوك أن تحن علي.. دعني أعيش حياة طبيعية كباقي البشر، اسمح لي بالعودة إلى منزلي لفترة، وربما بعد ذلك.. ربما أستطيع أن أحبك."

تغيرت ملامح رعد فوراً إلى الجمود، واحتضن عنقها بقبضته ببطء ضاغطاً عليه برفق تحذيري، وقال بصوت حاسم:

- "أنا مستعد لمنحكِ روحي وأي شيء تطلبينه.. إلا هذا الأمر، فإنه مستحيل تماماً!"

دفعته وعد بكل ما أوتيت من قوة متبقية، ونهضت تركض نحو الباب، ثم صعدت الأدراج بسرعة متوجهة إلى غرفتها وهي تبكي بنحيب مرير. أما رعد، فقد عاد إلى مقعده يكمل احتساء شرابه ببرود شديد، كأن شيئاً لم يكن.

جلست وعد في غرفتها تشعر بالاختناق والإحباط، وفكرت بمرارة: "لقد سجنني في هذا المكان.. أصبحت أكره كل شيء يتعلق به، وأكره اليوم الذي ولدت فيه.. حياتي بأكملها تحولت إلى عذاب مستمر، ولا بد لي من العثور على مخرج والموت سيكون أرحم لي."

نزلت مجدداً نحو المكتب بخطوات صامتة وعقلها قد اتخذ قراره النهائي بالانتحار. دخلت لتجده ما زال جالساً يشرب ببرود، وحين رأى رعد ملامح وجهها المخطوفة وعينيها التي تلمع ببريق غريب، نظر إلى كأسه ثم رفع بصره نحوها وقال بنبرة متهكمة:

- "هل اشتقتِ إلي بهذه السرعة وعدتِ لأجلي؟"

كانت وعد تلتفت بعينيها يميناً ويساراً تبحث عن السلاح الفردي (المسدس) الذي يضعه عادة على مكتبه، لكن رعد قاطع بحثها قائلاً بنبرة حادة وصارمة:

- "ليس لكِ مكان هنا.. اطلعي فوراً إلى غرفتكِ! يبدو أن تجوالكِ في أرجاء القصر بهذه الحالة يروق لكِ، إن رأيتكِ هنا مجدداً أو دخل أحد من الخدم ووجدكِ بهذا المنظر فسأريكِ وجهاً آخر.. اطلعي فوراً!"

ركضت وعد صاعدة إلى غرفتها وأغلقت الباب بعنف، وكانت الأفكار السوداوية تعصف بعقلها: "يجب أن أجد ذلك السلاح.. يجب أن آخذ مسدسه الفردي، فهو الشيء الوحيد الذي سينقذني ويخلصني من هذا الجحيم البارد."

بينما كانت غارقة في أفكارها، انفتح الباب فجأة ودخل رعد وعيناه حمراوان من أثر الخمر والغضب، ونظر إليها بحدة آمراً إياها بنبرة جافة:

- "انزعي ثيابكِ فوراً."

تراجعت وعد إلى الخلف بـذعر، واحتضنت صدرها بكلتا يديها وهي تصرخ بخوف:

- "لا.. أرجوك! لا تفعل هذا!"

اندفع نحوها وجذب يديها بعنف، وبدأ في تقبيلها بقسوة تامة وهي تحاول دفعه والابتعاد عنه بكل قوتها. ضربها بقبضته لتسقط على السرير مستسلمة لبطشه، وبدأ يمزق ملابسها بـجنون تملكي أعمى، مانعاً إياها من أي حركة أو دفاع، ومحكماً قيده حولها ليثبت لها في كل لحظة أنه السجان الذي لا تملك أمامه سوى الانصياع التام.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • مهووس بك صغيرتي   الفصل السابع عشر: أنفاس حارقة

    خرج رعد من الغرفة يتبعه طيف لورا المتبختر، وأوصدا الباب الخشبي الثقيل خلفهما ليتركا خلف جدرانه فراغًا موحشًا تلاشت فيه الأنفاس وساد فيه سكون بطعم الموت. بقيت وعد في مكانها لثوانٍ طويلة، تشعر بغصة مريرة وخانقة تعترض حنجرتها؛ كان شعور الغبن والقهر ينهش مفاصلها وجسدها الضعيف دون أن تفهم سببًا حقيقيًا أو منطقيًا لهذا الألم الذي يعتصر قلبها المكلوم. تذكرت ملامح لورا الصارخة، وطريقة نظراتها الجريئة المتملكة ونبرتها المتحدية نحو رعد، فاهتز كيانها الأنثوي غيظًا وكمدًا. لم تحتمل البقاء حبيسة جدران غرفتها التي باتت تشبه زنزانة انفرادية؛ فتحركت بخطوات شبه مغيبة تحت تأثير مشاعرها المضطربة، فتحت الباب بهدوء مريب، وتسللت خارجة لتهبط الدرج الرخامي العريض بخطوات وئيدة وحذرة لعلها تجد مخرجًا أو تفهم ما يدور حولها في هذا الجحيم المخملي.حين وصلت إلى منتصف السلم، تجمدت الدماء في عروقها وتوقفت في مكانها كالصنم. رأت رعد واقفًا في البهو السفلي الفسيح بكل هيبته الطاغية، ولورا تقف على مسافة قريبة منه للغاية بشكل مستفز، تتحدث بنعومة بالغة وتنفث سموم غنجها ودلالها أمامه، بينما كان هو يدخن سيجارته بملامح جامدة

  • مهووس بك صغيرتي   الفصل السادس عشر : القفص المظلم ..!

    تسللت ظلمة الليل الباردة عبر النوافذ الزجاجية الكبيرة الممتدة من الأرض إلى السقف، لتلقي بظلالها الكئيبة على أرجاء تلك الغرفة الواسعة التي تفوح برائحة الفخامة والترهيب في آن واحد. كان الصمت الذي يلف المكان صمتًا ثقيلاً، مشحونًا بالتوتر، صمتًا يسبق العواصف المدمرة دائمًا في عالم رعد السفياني. تقدم رعد بخطواته الثقيلة المدروسة، يحمل وعد بين ذراعيه القويتين كمن يحمل غنيمة حرب ثمينة تخلى العالم كله عنها. لم تكن قبضته مجرد إمساك بجسدها الضعيف، بل كانت إعلان تملك مطلق لا يجرؤ أحد على منازعته فيه. وضعها فوق فراش السرير العريض الوثير برفق شديد، لكنه رفق يحمل في طياته هيبة مرعبة وقسوة مبطنة. وقبل أن يتراجع خطوة إلى الوراء، انحنى فوقها قليلاً، مستنشقًا عطرها الذي كان يسري في عروقه كمخدر فتاك، وطبع قُبلةً جافةً وطويلةً على رأسها. لم تكن تلك القبلة لمواساتها أو لطمأنتها، بل كانت بمثابة وسم أبدي يطبع به ملكيته على جسدها وروحها، ليذكرها في كل ثانية أنها باتت جزءًا من ممتلكاته الخاصة التي لا تملك حق التصرف في نفسها.تحرك رعد بعد ذلك بخطواتٍ واثقة ومثقلة بالغموض نحو زاوية الغرفة المظلمة. سحب علبة سجا

  • مهووس بك صغيرتي   الفصل الخامس عشر : بين ذراعيه !

    تجمدت الأطراف وشلت الحركة، وعجز اللسان عن النطق أمام مشهد الموت الوشيك. كان رعد واقفاً في منتصف الغرفة وعيناه متسعتان بجنون وكأن جاحظتيهما ستخرجان من محجريهما من فرط الرعب الذي تملكه. برزت عروق يده بشكل مخيف، واشتد خفقان قلبه حتى كاد يمزق صدره وهو يشهد بأم عينيه جسد وعد النحيل يتأرجح على حافة الشرفة الشهيرة. لم يكن يصدق ما تراه عيناه؛ طفلته المستضعفة، المرأة التي حارب الجميع ليمتلكها، تسلم جسدها وروحها للهواء بدم بارد. في تلك اللحظات السريعة كالحلم، صمتت الدنيا في أذن وعد، ولم تعد تسمع سوى حفيف الرياح. همست لنفسها بقلب محترق: "لقد سلمت روحي للهواء.. أخيراً سأرتاح من هذا العالم المظلم. أريد الخلاص فحسب، فلم يعد في قلبي متسع للخوف من أي شيء، ولم يعد هناك من أخشى غيابه وراء ظهري.. لقد تعبت، تعبت إلى حد الموت."رفعت وعد رأسها بشموخ يائس وهي تحدق في الفراغ السحيق تحتها، ودفعت بجسدها إلى الأمام، ملقية بقدميها في الفضاء الخالي مستسلمة للجاذبية. لكن القدر لم يمهلها الخلاص الذي تمنته؛ فقبل أن يهوي جسدها إلى الأسفل، انقضت يد حديدية بسرعة تفوق الخيال لتتمسك بطرف ثوبها الحريري، متبوعة بذرا

  • مهووس بك صغيرتي   الفصل الرابع عشر : حافية الهاوية

    استدار رعد وابتعد عنها بخطوات ثقيلة ومدروسة، تاركاً خلفه كتلة من الوجع والانهيار ممددة على الأرض. كانت وعد عاجزة تماماً عن الحراك، وكأن أنفاسها قد سُلبت منها عنوة. توجه رعد مباشرة نحو الحمام بخطواته الواثقة التي تحمل طابعاً من الجبروت، بينما كان صمت الغرفة يضج بصدى أنينها المكتوم. لم تمر سوى دقائق معدودة حتى خرج مجدداً، جسده الرياضي ينضح بقطرات الماء، وخصلات شعره الأسود المبلل منسدلة على جبينه. كان يمسح عضلاته البارزة وعنقه بمنشفة بيضاء ناصعة ببرود تام، وكأن شيئاً لم يكن، وكأن العاصفة التي أحدثها قبل قليل كانت مجرد نزهة عابرة.على الجانب الآخر من الغرفة، كانت وعد تبكي في صمت مرير يحرق جوفها. لم تكن تبكي خوفاً، بل قهرًا وعجزًا. كان جسدها النحيل يرتعش بشكل متواصل من شدة الألم الجسدي والنفسي؛ عظام يديها وقدميها تؤلمها بقسوة إثر القبضة الحديدية والعنف المفرط الذي تعرضت له على يديه. شعرت وكأن كرامتها قد سُحقت تحت قدمي هذا الطاغية. فجأة، ومن بين دموعها الحارقة، التفتت برأسها ببطء نحو الخزانة، فلمحت بريقاً معدنياً مألوفاً. إنه مسدسه الخاص، مخبأ بعناية داخل جيب بدلته الرسمية المعلقة. في تلك ا

  • مهووس بك صغيرتي   الفصل الثالث عشر : هوس التملك والهروب المستحيل

    ظل رعد مطوقاً إياها بذراعيه، محاولاً محاصرة تمردها الصامت، ونظر في عينيها الغارقتين بالوجل متسائلاً بنبرة مشحونة بالعتب والحدة:- "لماذا تحاولين الابتعاد عني دوماً؟ لماذا تهربين من رجل لا يبتغي سوى حبكِ والتمسك بكِ؟"انهمرت دموع وعد الساخنة على وجنتيها الشاحبتين، وردت بنبرة متهدجة وعيناها تلمعان بالقهر:- "من يحب بصدق لا يفعل ما تفعله أنت بي.. إنك رجل مريض!"احتدت نظراته وتضاعف جنونه وهو يقترب من وجهها أكثر، هامساً بنبرة أرعبت أوصالها:- "أنا مريض بكِ.. نعم، أنا مهووس بكِ إلى حد الجنون! إنني أحبكِ أكثر مما تحبين أنتِ نفسكِ!"حاولت وعد جاهدة أن تدفعه بيديها المرتجفتين لتبتعد عنه قليلاً، وقالت بصوت مخنوق بالبكاء:- "أرجوك.. أطلق سراحي، دعني وشأني."لم يحتمل رعد محاولتها للإفلات؛ فباغتها بصفعة قوية دوت في أرجاء الغرفة، ثم قبض على خصلات شعرها الطويل وجذبها نحوه بقسوة وهو يزمجر بغضب أعمى:- "قسماً إنني قد أقتلكِ، لكنني لن أسمح لكِ بالرحيل عني أبداً!"أغمضت وعد عينيها بشدة، واستسلمت لدموعها التي أخذت تشق طريقها بغزارة فوق موضع الصفعة. حين رأى رعد دموعها وانكسارها، هدأ ثوران وحشه قليلاً، واح

  • مهووس بك صغيرتي   الفصل الثاني عشر : بين جحيم الندم وقيود العشق

    كان المشهد داخل الغرفة أشبه بكابوس مرعب صبغ جدران الذاكرة باللون القاني. وعد مستلقية هناك، غارقة في بركة من دمائها الزكية، بينما وقف رعد شاخصاً ببصره نحوها، والاضطراب يعصف بكيانه حتى بات عاجزاً عن استيعاب ما تقترفه يداه أو ما يدور حوله. اختلط الغضب بالذعر في صدره، فضرب رأسه بكلتا يديه بقوة، مطلقاً صرخة هستيرية شقت سكون المكان؛ صرخة لم يعرف هو نفسه كيف خرجت من أعماقه بلا وعي، مدوية كعاصفة عمياء تضرب أرضاً قاحلة خطا نحوها بخطوات متعثرة وثقيلة، والكلمات تخرج من بين شفتيه مشحونة بنبرة آمرة تخفي خلفها رعباً دفيناً: - انهضي يا وعد.. انهضي! أليست هذه رغبتك؟ ألم تكوني ترغبين في أن يروكِ؟ أن يتغزلوا بجمالكِ الفاتن ويغدقوا عليكِ بعبارات الثناء؟ أردتِ لفت أنظارهم ونيل إعجابهم.. أليس كذلك؟! حسناً، ها قد نلتِ مرادكِ.. لكن حسابنا لم ينتهِ بعد، ما زال بانتظاركِ الكثير معي، لن تنجي بفعلتكِ!"لم يكن هناك أي رد.. وعد كانت غائبة تماماً عن الوجود، جسدها ممدد بلا حراك، والدم القاني يتدفق بغزارة من فمها ليسيل على بشرتها الشاحبة، بينما تبعثر شعرها الحريري حول وجهها، ملطخاً بتلك الدماء الفائرة التي أطفأت ب

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status