Home / مافيا / مهووس بك صغيرتي / الفصل السادس عشر : القفص المظلم ..!

Share

الفصل السادس عشر : القفص المظلم ..!

last update publish date: 2026-08-25 00:25:05

تسللت ظلمة الليل الباردة عبر النوافذ الزجاجية الكبيرة الممتدة من الأرض إلى السقف، لتلقي بظلالها الكئيبة على أرجاء تلك الغرفة الواسعة التي تفوح برائحة الفخامة والترهيب في آن واحد. كان الصمت الذي يلف المكان صمتًا ثقيلاً، مشحونًا بالتوتر، صمتًا يسبق العواصف المدمرة دائمًا في عالم رعد السفياني.

تقدم رعد بخطواته الثقيلة المدروسة، يحمل وعد بين ذراعيه القويتين كمن يحمل غنيمة حرب ثمينة تخلى العالم كله عنها. لم تكن قبضته مجرد إمساك بجسدها الضعيف، بل كانت إعلان تملك مطلق لا يجرؤ أحد على منازعته فيه. وضعها فوق فراش السرير العريض الوثير برفق شديد، لكنه رفق يحمل في طياته هيبة مرعبة وقسوة مبطنة. وقبل أن يتراجع خطوة إلى الوراء، انحنى فوقها قليلاً، مستنشقًا عطرها الذي كان يسري في عروقه كمخدر فتاك، وطبع قُبلةً جافةً وطويلةً على رأسها. لم تكن تلك القبلة لمواساتها أو لطمأنتها، بل كانت بمثابة وسم أبدي يطبع به ملكيته على جسدها وروحها، ليذكرها في كل ثانية أنها باتت جزءًا من ممتلكاته الخاصة التي لا تملك حق التصرف في نفسها.

تحرك رعد بعد ذلك بخطواتٍ واثقة ومثقلة بالغموض نحو زاوية الغرفة المظلمة. سحب علبة سجائره الفاخرة من جيب سترته السوداء، وأشعل سيجارته ببطء شديد، ليتوهج لهيبها الصغير في عتمة الغرفة الشبيهة بالسجون المخملية الفاخرة. جلس على مقعد جلدي عتيق، ينفث الدخان الكثيف في الهواء ليتصاعد على شكل سحب رمادية غامضة تحجب ملامح وجهه القاسية. ومن خلف تلك السحب الدخانية، كانت عيناه الحادتان، اللتان تشبهان عيني صقر جارح يراقب فريسته بدقة متناهية، لا تفارقان ملامحها وتفاصيل جسدها المرتجف. كان يراقبها ببرود سادي، مستمتعًا بالأثر الذي يتركه وجوده الطاغي في نفسها.

على الجانب الآخر من الغرفة، كانت وعد تجلس على حافة الفراش، تلمّ جسدها الضئيل بيديها المرتجفتين وتحاول بشتى الطرق أن تجعل نفسها أصغر حجمًا لتتفادى نظراته المخترقة. كانت عيناها معلقتين بالأرض الخشبية الداكنة، عاجزة تمامًا عن رفع جفنيها لتلتقي بتلك النظرات التي تشعر بها تحرق بشرتها. في تلك اللحظات، كان المونولوج الداخلي في عقلها يمزقها إربًا؛ كانت تحترق بخوفٍ سرمدي لا ينتهي، خوفٍ قديم وعميق يسكن في تجاويف عظامها ويتحكم في أنفاسها. كانت تخشى تلك النهاية المكررة التي تتربص بها دائمًا كلما ظنت أنها قد تجد مخرجًا. تذكرت كل المرات التي حاولت فيها المقاومة، وكيف كانت تنتهي دائمًا بالخضوع لسطوته. كل أنش في هذه الغرفة الواسعة المظلمة، من ستائرها المخملية الثقيلة إلى جدرانها الصامتة، كان يصرخ في وجهها ويدق في رأسها حقيقة واحدة مريرة: أنها باتت أسيرة مكبلة بالأغلال بين يدي رجل لا يعرف للرحمة سبيلاً، رجل يرى في ضعفها قوته، وفي انكسارها قمة انتصاره.

استمر رعد في مراقبتها لعدة دقائق، يدع الخوف يلتهم ما تبقى من شجاعتها، قبل أن يقرر إنهاء سيجارته. أطفأ رعد سيجارته ببطء شديد في المنفضة الكريستالية بجانبه، ضاغطًا عليها ببرود تام يعكس شخصيته المظلمة التي لا تهتز. نهض من مقعده، وكل خطوة من خطواته الثقيلة نحو الفراش كانت تدق في مسامع وعد كطبول حرب مرعبة تعلن بدء مواجهة جديدة. اقترب منها حتى انعدمت المسافة بينهما، ثم وفي حركة غير متوقعة، جثا على ركبتيه أمامها مباشرة على الأرض. وضع يديه الخشنتين القويتين فوق ركبتيها المرتجفتين بقوة وعنفوان، ليمعن في تثبيتها ومنعها حتى من التفكير في التراجع. ثم، في لحظة خضوع نادرة ومربكة تداخلت فيها المشاعر المظلمة بالرغبة الجارفة، أسند رأسه الثقيل على ركبتيها، مستسلمًا لعطرها الذي يسلبه حواسه ويوجع قلبه القاسي. ظل صامتًا لبرهة، يستمع إلى تسارع دقات قلبها الصاخب، ولم تتحرك وعد؛ بل تجمدت الدماء في عروقها تمامًا، حيث تعلمت من تجربتها معه أن كل قُرب منه، وكل لحظة هدوء مصطنعة، إنما هي النذير الذي يسبق عاصفة هوجاء قد تقتلعها من جذورها.

كسر رعد هذا الصمت المطبق، فخرج صوته جهوريًا عميقًا، مخنوقًا بنبرة مظلمة تفيض بالرغبة والرجاء الممزوج بالتهديد المبطن الذي لا يغيب عن كلماته أبدًا:

"ماذا عليّ أن أفعل يا وعد... لكي تشملني رحمتكِ؟ أخبريني كيف السبيل للوصول إلى هذا القلب الذي يرفضني؟ كيف لي أن أجعلكِ تنظرين إليّ كعاشق وليس كسجان؟"

تحت تأثير كلماته ونبرته التي تثير الرعب في نفسها، حاولت وعد التملص من جثومه أمامها. أرادت بكل ما أوتيت من قوة الابتعاد عن هذا الجسد الذي ينبض بالطاقة المظلمة والتملك الأعمى، فتحركت في مكانها بجسدها المرتعش محاولة النهوض والابتعاد عنه إلى أبعد زاوية في الغرفة. لكن يدي رعد كانت أسرع من محاولتها اليائسة؛ إذ أحكم قبضته الحديدية على ركبتيها وجسدها بقوة لا تقاوم، مانعًا إياها من الحراك تمامًا ومثبتًا إياها في مكانها. نظر إليها من الأسفل وعيناه تلتمعان ببريق غاضب ومظلم، وقال بنبرة آمرة حاسمة كحد السيف لا تقبل النقاش أو الجدال:

"لقد جئتُ بكِ إلى هنا، إلى حصني المنيع وعالمي الخاص الذي لا يدخله غيرنا، لكي ترتاحي من عناء الدنيا... ولكي أبقى معكِ وإلى جانبكِ طوال الوقت. ضعي في حسبانكِ جيدًا أنكِ لن تغادري هذه المساحة أبدًا، ولن تخرجي من عالمي ما حييت، فأنتِ قدري الذي اخترته ولن أتنازل عنه."

تجرأت وعد، ورغم الرعب الكامن في أعماقها، حاولت الوقوف ومقاومة قبضته مجددًا في محاولة لإثبات أنها لم تنكسر تمامًا بعد. إلا أن نظرته القاتمة الحادة التي صوبها نحو عينيها ألجمتها على الفور وجعلت الكلمات تجف في حلقها. ساد الصمت للحظات قبل أن تخرج كلماتها هامسة، متحشرجة ونحيلة من شدة الخوف والظمأ الذي جفف عروقها:

"أشعر بالعطش... أريد ماءً..."

حين سماعه لطلبها، ارتسمت على شفتي رعد ابتسامة غامضة ومبهمة، ابتسامة باردة غريبة لم تصل إلى عينيه، جعلت قشعريرة باردة تسري في عمودها الفقري. رفع رأسه عن ركبتيها ببطء، ونظر في عمق عينيها المذعورتين قائلاً بنبرة تداخل فيها الحنان المفرط بالتملك المخيف:

"سأحضر الماء لحبيبتي وسيدتي فورًا. كل ما تطلبينه مجاب، طالما أنكِ هنا بين ذراعي وتستمعين لأوامري."

تحرك رعد بخطوات سريعة نحو الطاولة الجانبية، وجلب لها كأسًا من الكريستال مليئًا بالماء البارد. مد يده إليها بالكأس، فأخذته وعد شربت بنهم شديد لتطفئ النار المستعرة في حلقها جراء الخوف والتوتر. وحين انتهت وأرادت إرجاع الكأس الشاغر وتراجع يديها، لم يسمح لها رعد بترك يده أو الابتعاد عنه. أمسك كفها الصغير الرقيق بين كفتيه الكبيرتين الخشنتين، وضغط عليهما برفق يحمل قوة مبطنة، ثم طبع قبلة حارة، عميقة وطويلة على ظهر يدها جعلت جسدها ينتفض. لم يتوقف عند ذلك، بل بدأ يمرر أنامله الطويلة بجرأة وتملك أعمى على بشرة وجهها النظرة ونعومة خديها، يتلمس ملامحها المذعورة وعينيها القلقتين، هامسًا بصوت منخفض وعيناه تلتمعان برغبة جامحة تكاد تبتلعها:

"حنّي عليّ يا وعد... أرجوكِ لا تحرميني من هذا الحنان الذي أبحث عنه في عيونكِ، فأنا لست سوى رجل يغرق في حبكِ الملعون."

نظرت إليه وعد، ولأول مرة سمحت لدموع القهر والظلم المحبوسة في عينيها أن تلمع تحت الضوء الخافت، وقالت بصوت متحشرج مكسور يعكس حجم العذاب النفسي الذي تعيشه:

"وكيف يطلب امرؤ الحنان والرحمة... وهو نفسه لم يعرف للرحمة طريقًا يومًا تجاهي؟ كيف أحن على سَجَّاني ومغتصب حريتي ومحطم أحلامي؟"

لم تزدها كلماتها القاسية الشاكية هذه إلا إصرارًا وعنادًا في قلبه المظلم. فبدلاً من أن يتراجع، اقترب منها أكثر حتى لفحت أنفاسه الساخنة وجهها وبشرتها، وتلاقت عيناهما في مواجهة صامتة شرسة. قال بجدية مخيفة ونبرة حاسمة لا تحمل هزلًا:

"أمريني بما تشائين في هذا العالم، واطلبي ما تشتهي نفسكِ وسأفعله لكِ في الحال دون تردد. أنا كلي ملك لكِ، رهن إشارتكِ، أتحكم بمسارات حياتي ومماتي من أجل رضاكِ... لكنكِ في المقابل لي، ملكي أنا وحدي، ولا حق لأحد غيري فيكِ، ولا خروج لكِ من هذا القفص إلا إلى قبري."

في تلك اللحظة، ولأول مرة منذ دخولها هذه الغرفة الملعونة، تجرأت وعد ورفعت رأسها لتنظر مباشرة وبكل قوة في عمق عينيه المظلمتين اللتين تشبهان بئراً بلا قاع. وتحدثت بنبرة قوية واضحة رغم ارتعاش جسدها الداخلي، صرخة مكتومة خرجت مدوية من أعماق روحها المعذبة لتخترق حصونه:

"إذن... إن كنت صادقًا وتريد رضاي، فأعطني حريتي المسلوبة! فك وثاقي ودعني أرحل... أنا مسجونة هنا في هذا الجحيم الذي تسميه حصنًا وعالمًا!"

بمجرد نطقها بكلمة الحرية والفراق، تسمر رعد في مكانه كأنه أصيب بصاعقة. سرت في جسده الضخم قشعريرة غضب عارمة، قشعريرة عنيفة هزت أركان كبريائه وقوته الطاغية. شعر بوحشه الداخلي يستيقظ ويكاد يخرج عن السيطرة ليدمر كل شيء حوله. سحب يديه من يديها ببطء شديد، كمن يتراجع خطوة إلى الوراء ليتفادى الانفجار بوجهها. أغمض عينيه بقوة وعصر جفنيه، محاولاً بكل ما يملك من قوة كبح جماح غضبه الأعمى الذي كاد يفتك بالمكان، وقال بصوت متحشرج مخنوق مشحون بالألم البالغ والغضب المكتوم:

"لا يمكنني فعل ذلك... لا تطلبي هذا الطلب أبدًا يا وعد... تحدثي مع قلبي واطلبي أي شيء آخر في هذا الكون، اطلبي النجوم وسأحضرها لكِ، لكن لا تطلبي الفراق والرحيل عني، فهذا ما لا أملكه ولا أطيقه، فموتي أهون عليّ من ابتعادكِ عن ناظري."

تراجعت وعد بخطواتها إلى الخلف فوق السرير مستغلة تراجعه، وسحبت يديها بسرعة وضمتهم بقوة إلى صدرها لعلها تحمي بهما نفسها من بطشه المتوقع. لم يستطع رعد، بطبيعته المتملكة وسيطرته المطلقة، تحمل هذا التباعد الجسدي والنفسي منها؛ فرشقها بنظرة حادة شرسة، نظرة امتلأت بالشرر المتطاير والغضب الجحيمي الساطع، وهتف بصوت هادر كالرعد هز أرجاء الغرفة وجعل النوافذ ترتجف:

"أعيدي يديكِ مكانهما في الحال! لا تجرؤي على سحب يديكِ مني أو الابتعاد عني!"

تسلل الرعب الشديد والمباشر إلى قلب وعد عند سماع نبرته الآمرة، فخافت من بطشه العنيف وقسوته التي تعرفها جيدًا. ولم تجد بدًا من الانصياع مؤقتًا لكي تنجو بحياتها؛ فأعادت يديها إليه ومدتهما أمامه وهي ترتجف بالكامل كعصفور صغير بلله المطر في ليلة عاصفة. قبض رعد على يديها بقوة مفرطة كادت تسحق عظام معصميها، ليفهمها أنها لن تفلت منه أبدًا ويثبت لها سلطته. ثم، وفي حركة سريعة مليئة بالعنفوان والاضطراب، انتفض واقفًا على قدميه بكامل طوله وهيبته الطاغية. سار نحو باب الغرفة بخطوات واسعة وعنيفة، وخرج مغلقًا إياه خلفه بقوة هائلة اهتزت لها الجدران واللوحات المعلقة، ونزل الأدراج بخطوات عاصفة متلاحقة تركت خلفها في الغرفة صمتًا مرعبًا وفراغًا موحشًا كأنها في زنزانة انفرادية.

***

مرّت فترة من الوقت سادت فيها العتمة التامة والوجوم الثقيل داخل الغرفة، حيث بقيت وعد على حالها، غارقة في أفكارها ومخاوفها من القادم المجهول، تتساءل عن الذنب الذي اقترفته لتقع في يد هذا الطاغية. وفيما كانت تحاول التقاط أنفاسها المتهدجة، سُمع صوت خطوات مألوفة تتبعها خطوات أخرى غريبة تقترب من الباب مجددًا. انفتح الباب ببطء وعنف مألوف، ليعود رعد السفياني إلى الغرفة، لكنه في هذه المرة لم يكن وحده؛ بل كانت تسير خلفه امرأة غريبة خطفت نظرات وعد على الفور.

كانت المرأة ذات جمال صارخ، مستفز ومثير للأنظار بشكل لا يمكن تغافله؛ ممشوقة القوام، ممتازة الطول، يتدلى على كتفيها وظهرها شعر أشقر طويل ناعم كالحرير، وتلمع عيناها الزرقاوان ببريق الثقة المفرطة والجرأة التي تقارب الوقاحة والتحدي. كانت ترتدي ملابس مثيرة للغاية ومكشوفة تبرز تفاصيل جسدها بشكل واضح ومتعمد يثير النفوس، وتضع مساحيق تجميل صارخة بألوان قوية تلفت الانتباه وتبرز ملامح وجهها الجريئة والمستعدة للمواجهة.

ظلت وعد في مكانها فوق الفراش، ترمقهما معًا بنظرات مبهمة حائرة، عاجزة تمامًا عن استيعاب ما تراه عيناها وسط هذا القفص المظلم الذي ظنت أنها الأنثى الوحيدة التي تشغل تفكير هذا الرجل فيه. تداخلت الأسئلة في عقلها وتضاربت مشاعرها وهي تلاحظ الكيمياء الغريبة والنظرات المتبادلة بينهما بجرأة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • مهووس بك صغيرتي   الفصل السابع عشر: أنفاس حارقة

    خرج رعد من الغرفة يتبعه طيف لورا المتبختر، وأوصدا الباب الخشبي الثقيل خلفهما ليتركا خلف جدرانه فراغًا موحشًا تلاشت فيه الأنفاس وساد فيه سكون بطعم الموت. بقيت وعد في مكانها لثوانٍ طويلة، تشعر بغصة مريرة وخانقة تعترض حنجرتها؛ كان شعور الغبن والقهر ينهش مفاصلها وجسدها الضعيف دون أن تفهم سببًا حقيقيًا أو منطقيًا لهذا الألم الذي يعتصر قلبها المكلوم. تذكرت ملامح لورا الصارخة، وطريقة نظراتها الجريئة المتملكة ونبرتها المتحدية نحو رعد، فاهتز كيانها الأنثوي غيظًا وكمدًا. لم تحتمل البقاء حبيسة جدران غرفتها التي باتت تشبه زنزانة انفرادية؛ فتحركت بخطوات شبه مغيبة تحت تأثير مشاعرها المضطربة، فتحت الباب بهدوء مريب، وتسللت خارجة لتهبط الدرج الرخامي العريض بخطوات وئيدة وحذرة لعلها تجد مخرجًا أو تفهم ما يدور حولها في هذا الجحيم المخملي.حين وصلت إلى منتصف السلم، تجمدت الدماء في عروقها وتوقفت في مكانها كالصنم. رأت رعد واقفًا في البهو السفلي الفسيح بكل هيبته الطاغية، ولورا تقف على مسافة قريبة منه للغاية بشكل مستفز، تتحدث بنعومة بالغة وتنفث سموم غنجها ودلالها أمامه، بينما كان هو يدخن سيجارته بملامح جامدة

  • مهووس بك صغيرتي   الفصل السادس عشر : القفص المظلم ..!

    تسللت ظلمة الليل الباردة عبر النوافذ الزجاجية الكبيرة الممتدة من الأرض إلى السقف، لتلقي بظلالها الكئيبة على أرجاء تلك الغرفة الواسعة التي تفوح برائحة الفخامة والترهيب في آن واحد. كان الصمت الذي يلف المكان صمتًا ثقيلاً، مشحونًا بالتوتر، صمتًا يسبق العواصف المدمرة دائمًا في عالم رعد السفياني. تقدم رعد بخطواته الثقيلة المدروسة، يحمل وعد بين ذراعيه القويتين كمن يحمل غنيمة حرب ثمينة تخلى العالم كله عنها. لم تكن قبضته مجرد إمساك بجسدها الضعيف، بل كانت إعلان تملك مطلق لا يجرؤ أحد على منازعته فيه. وضعها فوق فراش السرير العريض الوثير برفق شديد، لكنه رفق يحمل في طياته هيبة مرعبة وقسوة مبطنة. وقبل أن يتراجع خطوة إلى الوراء، انحنى فوقها قليلاً، مستنشقًا عطرها الذي كان يسري في عروقه كمخدر فتاك، وطبع قُبلةً جافةً وطويلةً على رأسها. لم تكن تلك القبلة لمواساتها أو لطمأنتها، بل كانت بمثابة وسم أبدي يطبع به ملكيته على جسدها وروحها، ليذكرها في كل ثانية أنها باتت جزءًا من ممتلكاته الخاصة التي لا تملك حق التصرف في نفسها.تحرك رعد بعد ذلك بخطواتٍ واثقة ومثقلة بالغموض نحو زاوية الغرفة المظلمة. سحب علبة سجا

  • مهووس بك صغيرتي   الفصل الخامس عشر : بين ذراعيه !

    تجمدت الأطراف وشلت الحركة، وعجز اللسان عن النطق أمام مشهد الموت الوشيك. كان رعد واقفاً في منتصف الغرفة وعيناه متسعتان بجنون وكأن جاحظتيهما ستخرجان من محجريهما من فرط الرعب الذي تملكه. برزت عروق يده بشكل مخيف، واشتد خفقان قلبه حتى كاد يمزق صدره وهو يشهد بأم عينيه جسد وعد النحيل يتأرجح على حافة الشرفة الشهيرة. لم يكن يصدق ما تراه عيناه؛ طفلته المستضعفة، المرأة التي حارب الجميع ليمتلكها، تسلم جسدها وروحها للهواء بدم بارد. في تلك اللحظات السريعة كالحلم، صمتت الدنيا في أذن وعد، ولم تعد تسمع سوى حفيف الرياح. همست لنفسها بقلب محترق: "لقد سلمت روحي للهواء.. أخيراً سأرتاح من هذا العالم المظلم. أريد الخلاص فحسب، فلم يعد في قلبي متسع للخوف من أي شيء، ولم يعد هناك من أخشى غيابه وراء ظهري.. لقد تعبت، تعبت إلى حد الموت."رفعت وعد رأسها بشموخ يائس وهي تحدق في الفراغ السحيق تحتها، ودفعت بجسدها إلى الأمام، ملقية بقدميها في الفضاء الخالي مستسلمة للجاذبية. لكن القدر لم يمهلها الخلاص الذي تمنته؛ فقبل أن يهوي جسدها إلى الأسفل، انقضت يد حديدية بسرعة تفوق الخيال لتتمسك بطرف ثوبها الحريري، متبوعة بذرا

  • مهووس بك صغيرتي   الفصل الرابع عشر : حافية الهاوية

    استدار رعد وابتعد عنها بخطوات ثقيلة ومدروسة، تاركاً خلفه كتلة من الوجع والانهيار ممددة على الأرض. كانت وعد عاجزة تماماً عن الحراك، وكأن أنفاسها قد سُلبت منها عنوة. توجه رعد مباشرة نحو الحمام بخطواته الواثقة التي تحمل طابعاً من الجبروت، بينما كان صمت الغرفة يضج بصدى أنينها المكتوم. لم تمر سوى دقائق معدودة حتى خرج مجدداً، جسده الرياضي ينضح بقطرات الماء، وخصلات شعره الأسود المبلل منسدلة على جبينه. كان يمسح عضلاته البارزة وعنقه بمنشفة بيضاء ناصعة ببرود تام، وكأن شيئاً لم يكن، وكأن العاصفة التي أحدثها قبل قليل كانت مجرد نزهة عابرة.على الجانب الآخر من الغرفة، كانت وعد تبكي في صمت مرير يحرق جوفها. لم تكن تبكي خوفاً، بل قهرًا وعجزًا. كان جسدها النحيل يرتعش بشكل متواصل من شدة الألم الجسدي والنفسي؛ عظام يديها وقدميها تؤلمها بقسوة إثر القبضة الحديدية والعنف المفرط الذي تعرضت له على يديه. شعرت وكأن كرامتها قد سُحقت تحت قدمي هذا الطاغية. فجأة، ومن بين دموعها الحارقة، التفتت برأسها ببطء نحو الخزانة، فلمحت بريقاً معدنياً مألوفاً. إنه مسدسه الخاص، مخبأ بعناية داخل جيب بدلته الرسمية المعلقة. في تلك ا

  • مهووس بك صغيرتي   الفصل الثالث عشر : هوس التملك والهروب المستحيل

    ظل رعد مطوقاً إياها بذراعيه، محاولاً محاصرة تمردها الصامت، ونظر في عينيها الغارقتين بالوجل متسائلاً بنبرة مشحونة بالعتب والحدة:- "لماذا تحاولين الابتعاد عني دوماً؟ لماذا تهربين من رجل لا يبتغي سوى حبكِ والتمسك بكِ؟"انهمرت دموع وعد الساخنة على وجنتيها الشاحبتين، وردت بنبرة متهدجة وعيناها تلمعان بالقهر:- "من يحب بصدق لا يفعل ما تفعله أنت بي.. إنك رجل مريض!"احتدت نظراته وتضاعف جنونه وهو يقترب من وجهها أكثر، هامساً بنبرة أرعبت أوصالها:- "أنا مريض بكِ.. نعم، أنا مهووس بكِ إلى حد الجنون! إنني أحبكِ أكثر مما تحبين أنتِ نفسكِ!"حاولت وعد جاهدة أن تدفعه بيديها المرتجفتين لتبتعد عنه قليلاً، وقالت بصوت مخنوق بالبكاء:- "أرجوك.. أطلق سراحي، دعني وشأني."لم يحتمل رعد محاولتها للإفلات؛ فباغتها بصفعة قوية دوت في أرجاء الغرفة، ثم قبض على خصلات شعرها الطويل وجذبها نحوه بقسوة وهو يزمجر بغضب أعمى:- "قسماً إنني قد أقتلكِ، لكنني لن أسمح لكِ بالرحيل عني أبداً!"أغمضت وعد عينيها بشدة، واستسلمت لدموعها التي أخذت تشق طريقها بغزارة فوق موضع الصفعة. حين رأى رعد دموعها وانكسارها، هدأ ثوران وحشه قليلاً، واح

  • مهووس بك صغيرتي   الفصل الثاني عشر : بين جحيم الندم وقيود العشق

    كان المشهد داخل الغرفة أشبه بكابوس مرعب صبغ جدران الذاكرة باللون القاني. وعد مستلقية هناك، غارقة في بركة من دمائها الزكية، بينما وقف رعد شاخصاً ببصره نحوها، والاضطراب يعصف بكيانه حتى بات عاجزاً عن استيعاب ما تقترفه يداه أو ما يدور حوله. اختلط الغضب بالذعر في صدره، فضرب رأسه بكلتا يديه بقوة، مطلقاً صرخة هستيرية شقت سكون المكان؛ صرخة لم يعرف هو نفسه كيف خرجت من أعماقه بلا وعي، مدوية كعاصفة عمياء تضرب أرضاً قاحلة خطا نحوها بخطوات متعثرة وثقيلة، والكلمات تخرج من بين شفتيه مشحونة بنبرة آمرة تخفي خلفها رعباً دفيناً: - انهضي يا وعد.. انهضي! أليست هذه رغبتك؟ ألم تكوني ترغبين في أن يروكِ؟ أن يتغزلوا بجمالكِ الفاتن ويغدقوا عليكِ بعبارات الثناء؟ أردتِ لفت أنظارهم ونيل إعجابهم.. أليس كذلك؟! حسناً، ها قد نلتِ مرادكِ.. لكن حسابنا لم ينتهِ بعد، ما زال بانتظاركِ الكثير معي، لن تنجي بفعلتكِ!"لم يكن هناك أي رد.. وعد كانت غائبة تماماً عن الوجود، جسدها ممدد بلا حراك، والدم القاني يتدفق بغزارة من فمها ليسيل على بشرتها الشاحبة، بينما تبعثر شعرها الحريري حول وجهها، ملطخاً بتلك الدماء الفائرة التي أطفأت ب

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status