Home / مافيا / مهووس بك صغيرتي / الفصل السابع عشر: أنفاس حارقة

Share

الفصل السابع عشر: أنفاس حارقة

last update publish date: 2026-08-26 19:41:24

خرج رعد من الغرفة يتبعه طيف لورا المتبختر، وأوصدا الباب الخشبي الثقيل خلفهما ليتركا خلف جدرانه فراغًا موحشًا تلاشت فيه الأنفاس وساد فيه سكون بطعم الموت. بقيت وعد في مكانها لثوانٍ طويلة، تشعر بغصة مريرة وخانقة تعترض حنجرتها؛ كان شعور الغبن والقهر ينهش مفاصلها وجسدها الضعيف دون أن تفهم سببًا حقيقيًا أو منطقيًا لهذا الألم الذي يعتصر قلبها المكلوم. تذكرت ملامح لورا الصارخة، وطريقة نظراتها الجريئة المتملكة ونبرتها المتحدية نحو رعد، فاهتز كيانها الأنثوي غيظًا وكمدًا. لم تحتمل البقاء حبيسة جدران غرفتها التي باتت تشبه زنزانة انفرادية؛ فتحركت بخطوات شبه مغيبة تحت تأثير مشاعرها المضطربة، فتحت الباب بهدوء مريب، وتسللت خارجة لتهبط الدرج الرخامي العريض بخطوات وئيدة وحذرة لعلها تجد مخرجًا أو تفهم ما يدور حولها في هذا الجحيم المخملي.

حين وصلت إلى منتصف السلم، تجمدت الدماء في عروقها وتوقفت في مكانها كالصنم. رأت رعد واقفًا في البهو السفلي الفسيح بكل هيبته الطاغية، ولورا تقف على مسافة قريبة منه للغاية بشكل مستفز، تتحدث بنعومة بالغة وتنفث سموم غنجها ودلالها أمامه، بينما كان هو يدخن سيجارته بملامح جامدة كالصخر لا تفسر ما يدور في عقله المظلم. شعرت وعد بضباب أسود يحجب الرؤية عن عينيها، واختلطت مشاعر الكره الدفين بالغيرة المظلمة الحارقة في صدرها حتى عجزت تمامًا عن ضبط توازن جسدها. التوت قدمها فجأة فوق حافة الدرجة الرخامية الزلقة، وفقدت السيطرة على جسدها الضئيل، لتتدحرج بعنف وتسقط أرضًا متأرجحة بين درجات السلم القاسية التي كانت تضرب جسدها بلا رحمة.

دوّى صوت ارتطام جسدها الناعم بقوة في أرجاء البهو الموحش والصامت، ليمزق حبل أفكار رعد ويق Harshly يقطع حديث لورا. التفت رعد بجسده الضخم كلمح البصر، وحين وقعت عيناه الحادتان على جسد وعد الملقى في أسفل الدرج وهي تئن بوجع، انسلخت منه برودته القاسية وقناعه الحديدي؛ انطلق نحوها كوحش كاسر استثيرت غريزته الحمائية والتملكية، ركض بسرعة جنونية وجثا على ركبتيه أمامها مباشرة على الأرض الرخامية، حابسًا أنفاسه من فرط الرعب الحقيقي الذي تملكه لأول مرة في حياته من احتمال خسارتها.

حاولت وعد النهوض برأس مرفوع لكي تحافظ على ما تبقى من كبريائها الجريح أمام غريمتها، إلا أن الألم الحارق في كاحلها كان أسرع وأقوى منها. انحنى رعد فوقها بلهفة وخوف غير معهودين في شخصيته السادية، وأمسك وجهها الشاحب بين كفيه الكبيرتين المرتجفتين بقوة تحاول بث الأمان فيها، يبحث في عينيها المدمعتين عن موضع الألم والكسر، وهتف بصوت متحشرج تملأه خشية حقيقية كادت تقتله:

"وعد! هل أصابكِ مكروه؟ أين يؤلمكِ؟ تحدثي معي ولا تصمتي!"

على مقربة منهما، كانت لورا تقف متسمرة في مكانها كمن أصابها الشلل، وقد صدمتها ملامح رعد وتحوله المفاجئ؛ لم تره طوال سنوات معرفتها به بهذا الذعر والضعف، ولم تتخيل أبدًا أن هذا الرجل الطاغية البارد الذي يرتعد الجميع من ذكر اسمه يمكن أن تهتز أركانه وتنهار حصونه من أجل امرأة ضعيفة ومسجونة لديه. نظرت وعد إلى لورا بنظرات مشبعة بالتحدي والنصر رغم انكسارها، ورغم الألم الحارق الذي يسري في كاحلها، حركت رأسها ببطء وأمسكت قدمها بيدها المرتجفة متظاهرة بأن الوجع يتركز هناك لتستدر عطفه بالكامل وتكوي قلب المرأة الأخرى بنيران الغيرة.

لم يتردد رعد لثانية واحدة ولم يفكر في عواقب أفعاله؛ انحنى بخفة مذهلة ورفعها بين ذراعيه القويتين كمن يحمي أثمن غنائمه وممتلكاته في هذا العالم، وصعد بها الدرج بخطوات سريعة ومتلاحقة وعيناه معلقتين بملامحها المتألمة. وفي لحظة ضعف أنثوية غير مدركة، وبدافع الخوف المستعر والاحتماء من سطوة الغيرة التي نهشت قلبها، رفعت وعد يديها المحمومتين ولفتهما حول عنقه العريض، دافنة وجهها الصغير في صدره الدافئ الذي كان ينبض بعنف. تجمدت لورا في أسفل البهو من هول الصدمة والمهانة؛ بقيت تحدق في أثرهما وصعودهما معًا حتى كادت أنفاسها تنقطع من فرط الغيظ، وشعرت بإهانة بالغة لكرامتها جعلتها تضع يديها على خاصرتها بملامح متشنجة وعينين تشتعلان حقدًا وكراهية أبدية لوعد.

صعد بها رعد إلى الغرفة الواسعة، وكان داخله المظلم يبتهج سرًا بعناقها التلقائي وغير المتوقع، ذلك العناق الذي تمنى الحصول عليه طويلاً وحارب من أجله. وضعها فوق الفراش الوثير برفق شديد لا يتناسب مع طبيعته العنيفة، وحين أرادت سحب يديها بسرعة والابتعاد عنه لتستعيد قناع برودها، رفض تركها أو السماح لها بالابتعاد. انحنى فوقها بجسده الضخم يثبت حركتها، ليلتصق صدره العريض بقوة بذراعيها، وأسند وجهه القاسي الملتحي على وجهها الناعم، متلمسًا خصلات شعرها الحريري المبعثرة بأصابعه الطويلة، وطبع قبلة حارة، عميقة وطويلة على لحيتها الخفيفة ونعومة عنقها جعلت أنفاسها تضطرب.

ارتسمت على شفتي رعد ابتسامة خفيفة، دافئة ونادرة للغاية، تلاشت معها قسوته المعهودة وحل مكانها هوس أعمى، ونظر في عمق عينيها الخائفتين هامسًا بنبرة صوت غائرة تخرج من أعماق قلبه:

"أخبريني يا وعد... ما الذي يؤلمكِ حقًا في هذا الجسد الذي بات ملكًا لي؟"

أجابت بوجه مشيح وعينين ترفضان التلاقي معه، وبنبرة مقتضبة حاولت جاهدة أن تجعلها باردة وخالية من المشاعر:

"لا شيء... أنا بخير، ابتعد عني."

أمسك ذقنها بيده برفق شديد لا يخلو من الإصرار والقوة المبطنة، وأجبر عينيها الهاربتين على التلاقي مع عينيه المشتعلتين قائلاً:

"لكنكِ تحتاجينني... أليس كذلك؟ عناقكِ لي في الأسفل قال الكثير مما تخفينه وراء هذا البرود المصطنع."

لم تجب وعد، بل لزمت الصمت المطبق الذي تحتمي خلفه دائمًا، ووضعت يدها المرتعشة فوق صدره العريض العاري لتمنعه من الاقتراب أكثر وامتصاص أنفاسها، وأغمضت عينيها بقوة محاولة كبح مشاعرها المتضاربة التي تكاد تدمرها. لكنها تذكرت فجأة وجود لورا في الأسفل، وتذكرت تملكه السادي وقسوته التي لا تنتهي، فانتفضت وحاولت سحب يدها والابتعاد عنه بعنف؛ إلا أن رعد كان أسرع وأقوى، أحكم قبضته الحديدية على يدها الصغيرة، وأعادها بقوة إلى صدره، وزرها إليه بعنفوان شديد كاد يسحق عظام صدرها، هامسًا بخشونة بالغة قرب أذنها:

"لا تفكري في الابتعاد عني أبدًا يا وعد... لا تجرؤي على سحب يدكِ من فوق قلبي، فأنتِ موطني الوحيد وجحيمي الذي اخترت العيش فيه."

تنحنحت بضيق وألم وقالت بنبرة مخنوقة من شدة ضغطه عليها:

"أنت تخنقني بأفعالك وهوسك... ابتعد عني ودعني أتنفس."

أجابها بنبرة تملك أعمى وجنون مطلق لا يقبل الجدال أو النقاش:

"وليكن ذلك... إن كان الموت خنقًا بين ذراعيّ يضمن بقاءكِ لي وحدي وعدم فراركِ، فلن أطلق سراحكِ أبدًا ولو كلفتني حياتي. والآن، ارتاحي هنا ولا تتحركي، لقد تركت لورا في الأسفل تنتظر وعليّ إنهاء بعض الأمور الخاصة معها قبل رحيلها."

انقبض قلب وعد بعنف عند سماع اسم لورا مجددًا، ولم تستطع منع نفسها من الشعور بالمهانة والدونية. أشاحت بوجهها نحو الجهة الأخرى وعنقت وسادتها بقوة وكأنها تحتمي بها من قسوة الواقع، بينما انحنى رعد وطبع قبلة عميقة وحارقة على عنقها وفكها تركت أثرًا أحمر قبل أن ينتفض واقفًا بكل طوله، ويخرج من الغرفة مغلقًا الباب وراءه بهدوء مريب يحمل الوعيد. بقيت وعد وحدها في الغرفة الصامتة، تجلد نفسها بأفكارها السوداء؛ كانت تقنع نفسها دائمًا أنها تكرهه وتمقت وجوده، فكيف لقلبها أن يحترق ويتمزق غيرة من امرأة أخرى شاركته ماضيه؟

بعد مرور بعض الوقت من الصراع النفسي المرير، لم تطق وعد البقاء محبوسة ومترقبة لما يحدث في الأسفل؛ تحاملت على ألم رجلها وكاحلها الملتوي، ونهضت بخطوات عرجاء متجهة نحو حديقة القصر الخلفية الشاسعة لتستنشق بعض الهواء النقي الذي يهدئ من روعها. خرجت إلى الممرات الطويلة المؤدية للحديقة حتى وصلت إلى بقعة هادئة مليئة بالزهور، ورأت من بعيد شابًا طويلاً ووسيمًا يقف متأملًا أحواض الورد بنظرات غامضة ومبهمة. ما إن استشعر حركتها وخطواتها المتعثرة حتى دار بجسده نحوها، وتجمد في مكانه وحدق في ملامحها الطفولية الساحرة وعينيها الحزينتين بذهول وإعجاب شديدين لم يستطع إخفاءهما.

تقدم نحوها خطوة بملامح مبتسمة وجذابة، وهتف بنبرة مهذبة ومتفاجئة تملأها الرقة:

"يا آنسة... من تكونين؟ لم أركِ في هذا المكان من قبل، وكيف لجمال مثلكِ أن يتجول وحيدًا؟"

أجابت بوجه شاحب ونبرة حذرة وخافتة تملأها الريبة:

"لا أحد... أنا مجرد عابرة، وعليّ العودة."

ابتسم الشاب بجرأة أكبر، واقترب منها مسافة خطوة أخرى قائلًا بنبرة مستفزة تثير الفضول:

"وكيف لآلة فاتنة وسحر طاغٍ مثلكِ أن تقول عن نفسها لا أحد؟ إن هذا القصر الموحش والبارد لا يستحق أبدًا أن تطأه أقدام تملك هذا السحر والنعومة. أرى من عينيكِ أنكِ لستِ على ما يرام مع سيد هذا المكان، فملامحكِ حزينة وتخفي وراءها كسرًا كبيرًا."

حاولت وعد التراجع بسرعة والمغادرة لترتفع عن هذا الحديث المريب وتتجنب غضب رعد إذا علم، لكن الشاب استوقفها مكملاً بجدية وثقة بالغة وهو يمد يده نحوها:

"أنا نادر... نادر الإبراهيمي. جئت إلى هنا لقضاء خدمة ضرورية ومستعجلة للسيد رعد السفياني تخص أعماله. إذا احتجتِ لأي شيء في هذا المكان، أو إذا ضاق بكِ هذا القصر الملعون، فقط اطلبيني وسأكون في خدمتكِ فورًا... يبدو أنكِ مستقرة هنا رغماً عنكِ."

أجابت باختصار شديد محاولة دفعه للرحيل وإنهاء الموقف قبل الكارثة:

"أجل... اسمي وعد، وعليّ الذهاب الآن."

انحنى نادر برقة مصطنعة ومبالغ فيها، وأمسك يدها الصغيرة الرقيقة قبل أن تمنعه، وطبع عليها قبلة جريئة وطويلة، وعيناه يخترقان عينيها قائلًا بوقاحة وعدم مبالاة بالعواقب:

"تشرفت بمعرفتكِ يا وعد... أنتِ جميلة للغاية بشكل قاتل، وربما أجمل امرأة وقعت عليها عيناي في هذا العالم البائس، ولم أرَ قط في حياتي مثل هذا السحر..."

لم يمنح القدر نادر فرصة لإكمال جملته أو سحب شفتيه عن يدها؛ إذ انشق صمت المكان فجأة عن هجوم وحشي ومرعب كأنه زلزال مدمر. اندفع رعد السفياني من بين الأشجار كالعاصفة الجحيمية، وعيناه حمراوان كالجمر تشتعلان برغبة صريحة وصادقة في القتل وسفك الدماء. وقبل أن يستوعب نادر ما يحدث أو يتخذ وضعية الدفاع، وجه إليه رعد لكمة مدمرة ومحملة بكل غيظه بيده الضخمة فوق رأسه ووجهه، سقط على أثرها نادر أرضًا بعنف والدماء القانية تسيل بغزارة من جبينه وفمه لتلوث العشب الأخضر.

حاول نادر النهوض بتعثر والدفاع عن نفسه، لكن وحش رعد الداخلي كان قد تحرر بالكامل من قيوده؛ انقض عليه مجددًا كالمفترس، وانهال عليه بضربات متتالية، وحشية وسادية على وجهه وجسده، حتى برزت عروق عنقه ووجهه وانتفخت من شدة الغضب الأعمى والتملك الجنوني الذي أعمى بصره. كان رعد يصرخ بنبرة جحيمية مرعبة هزت أركان الحديقة الشاسعة وجعلت الطيور تفر ذعرًا:

"كيف تجرؤ على لمسها وتدنيسها بيدك؟! كيف تجرؤ على الاقتراب من أملاك رعد السفياني الخاصة؟! سأقتلك هنا وأدفنك في هذا المكان!"

كان نادر يئن ويتأوه تحت وطأة الضربات المسحوقة، يشعر بالاختناق والدماء تملأ حلقه وصدره، بينما استمر رعد في ضربه وركله بلا رحمة أو شفقة كأنه جثة هامدة، حتى تدخل بعض رجال الحراسة الأقوياء المدربين بسرعة برفقة لورا التي صرخت برعب وهلع جراء المنظر الدموي، وجروا رعد بعيدًا بصعوبة بالغة وهم يحاولون كبح جماحه والسيطرة على ثورته. انتفض رعد من بين أيديهم بعنف بري، ومزق قميصه الأسود بيده ليتركه عاري الصدر تمامًا، وعضلات جسده المشدودة والقوية تتنفس غضبًا وتتصبب عرقًا ممزوجًا برائحة الموت.

وقفت لورا مذهولة ومتجمدة في مكانها، وعيناها معلقتين بكتفي رعد وعضلاته البارزة المشرئبة بالغضب، وتشعر في نفس الوقت بغيرة حارقة وندم يمزق أحشاءها لأن هذا الجنون وهذا الثوران المرعب لم يكن من أجلها يوماً؛ تمنت في تلك اللحظة المظلمة لو كانت هي مكان وعد، لترى وتختبر كيف يثور هذا الرجل القاسي ويتحول إلى وحش كاسر يغار عليها ويحرق العالم ومن فيه لأجلها، وهو الذي كان يتعامل مع الجميع طوال حياته ببرود حديدي لا يرحم ولا يهتز لأي سبب.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • مهووس بك صغيرتي   الفصل السابع عشر: أنفاس حارقة

    خرج رعد من الغرفة يتبعه طيف لورا المتبختر، وأوصدا الباب الخشبي الثقيل خلفهما ليتركا خلف جدرانه فراغًا موحشًا تلاشت فيه الأنفاس وساد فيه سكون بطعم الموت. بقيت وعد في مكانها لثوانٍ طويلة، تشعر بغصة مريرة وخانقة تعترض حنجرتها؛ كان شعور الغبن والقهر ينهش مفاصلها وجسدها الضعيف دون أن تفهم سببًا حقيقيًا أو منطقيًا لهذا الألم الذي يعتصر قلبها المكلوم. تذكرت ملامح لورا الصارخة، وطريقة نظراتها الجريئة المتملكة ونبرتها المتحدية نحو رعد، فاهتز كيانها الأنثوي غيظًا وكمدًا. لم تحتمل البقاء حبيسة جدران غرفتها التي باتت تشبه زنزانة انفرادية؛ فتحركت بخطوات شبه مغيبة تحت تأثير مشاعرها المضطربة، فتحت الباب بهدوء مريب، وتسللت خارجة لتهبط الدرج الرخامي العريض بخطوات وئيدة وحذرة لعلها تجد مخرجًا أو تفهم ما يدور حولها في هذا الجحيم المخملي.حين وصلت إلى منتصف السلم، تجمدت الدماء في عروقها وتوقفت في مكانها كالصنم. رأت رعد واقفًا في البهو السفلي الفسيح بكل هيبته الطاغية، ولورا تقف على مسافة قريبة منه للغاية بشكل مستفز، تتحدث بنعومة بالغة وتنفث سموم غنجها ودلالها أمامه، بينما كان هو يدخن سيجارته بملامح جامدة

  • مهووس بك صغيرتي   الفصل السادس عشر : القفص المظلم ..!

    تسللت ظلمة الليل الباردة عبر النوافذ الزجاجية الكبيرة الممتدة من الأرض إلى السقف، لتلقي بظلالها الكئيبة على أرجاء تلك الغرفة الواسعة التي تفوح برائحة الفخامة والترهيب في آن واحد. كان الصمت الذي يلف المكان صمتًا ثقيلاً، مشحونًا بالتوتر، صمتًا يسبق العواصف المدمرة دائمًا في عالم رعد السفياني. تقدم رعد بخطواته الثقيلة المدروسة، يحمل وعد بين ذراعيه القويتين كمن يحمل غنيمة حرب ثمينة تخلى العالم كله عنها. لم تكن قبضته مجرد إمساك بجسدها الضعيف، بل كانت إعلان تملك مطلق لا يجرؤ أحد على منازعته فيه. وضعها فوق فراش السرير العريض الوثير برفق شديد، لكنه رفق يحمل في طياته هيبة مرعبة وقسوة مبطنة. وقبل أن يتراجع خطوة إلى الوراء، انحنى فوقها قليلاً، مستنشقًا عطرها الذي كان يسري في عروقه كمخدر فتاك، وطبع قُبلةً جافةً وطويلةً على رأسها. لم تكن تلك القبلة لمواساتها أو لطمأنتها، بل كانت بمثابة وسم أبدي يطبع به ملكيته على جسدها وروحها، ليذكرها في كل ثانية أنها باتت جزءًا من ممتلكاته الخاصة التي لا تملك حق التصرف في نفسها.تحرك رعد بعد ذلك بخطواتٍ واثقة ومثقلة بالغموض نحو زاوية الغرفة المظلمة. سحب علبة سجا

  • مهووس بك صغيرتي   الفصل الخامس عشر : بين ذراعيه !

    تجمدت الأطراف وشلت الحركة، وعجز اللسان عن النطق أمام مشهد الموت الوشيك. كان رعد واقفاً في منتصف الغرفة وعيناه متسعتان بجنون وكأن جاحظتيهما ستخرجان من محجريهما من فرط الرعب الذي تملكه. برزت عروق يده بشكل مخيف، واشتد خفقان قلبه حتى كاد يمزق صدره وهو يشهد بأم عينيه جسد وعد النحيل يتأرجح على حافة الشرفة الشهيرة. لم يكن يصدق ما تراه عيناه؛ طفلته المستضعفة، المرأة التي حارب الجميع ليمتلكها، تسلم جسدها وروحها للهواء بدم بارد. في تلك اللحظات السريعة كالحلم، صمتت الدنيا في أذن وعد، ولم تعد تسمع سوى حفيف الرياح. همست لنفسها بقلب محترق: "لقد سلمت روحي للهواء.. أخيراً سأرتاح من هذا العالم المظلم. أريد الخلاص فحسب، فلم يعد في قلبي متسع للخوف من أي شيء، ولم يعد هناك من أخشى غيابه وراء ظهري.. لقد تعبت، تعبت إلى حد الموت."رفعت وعد رأسها بشموخ يائس وهي تحدق في الفراغ السحيق تحتها، ودفعت بجسدها إلى الأمام، ملقية بقدميها في الفضاء الخالي مستسلمة للجاذبية. لكن القدر لم يمهلها الخلاص الذي تمنته؛ فقبل أن يهوي جسدها إلى الأسفل، انقضت يد حديدية بسرعة تفوق الخيال لتتمسك بطرف ثوبها الحريري، متبوعة بذرا

  • مهووس بك صغيرتي   الفصل الرابع عشر : حافية الهاوية

    استدار رعد وابتعد عنها بخطوات ثقيلة ومدروسة، تاركاً خلفه كتلة من الوجع والانهيار ممددة على الأرض. كانت وعد عاجزة تماماً عن الحراك، وكأن أنفاسها قد سُلبت منها عنوة. توجه رعد مباشرة نحو الحمام بخطواته الواثقة التي تحمل طابعاً من الجبروت، بينما كان صمت الغرفة يضج بصدى أنينها المكتوم. لم تمر سوى دقائق معدودة حتى خرج مجدداً، جسده الرياضي ينضح بقطرات الماء، وخصلات شعره الأسود المبلل منسدلة على جبينه. كان يمسح عضلاته البارزة وعنقه بمنشفة بيضاء ناصعة ببرود تام، وكأن شيئاً لم يكن، وكأن العاصفة التي أحدثها قبل قليل كانت مجرد نزهة عابرة.على الجانب الآخر من الغرفة، كانت وعد تبكي في صمت مرير يحرق جوفها. لم تكن تبكي خوفاً، بل قهرًا وعجزًا. كان جسدها النحيل يرتعش بشكل متواصل من شدة الألم الجسدي والنفسي؛ عظام يديها وقدميها تؤلمها بقسوة إثر القبضة الحديدية والعنف المفرط الذي تعرضت له على يديه. شعرت وكأن كرامتها قد سُحقت تحت قدمي هذا الطاغية. فجأة، ومن بين دموعها الحارقة، التفتت برأسها ببطء نحو الخزانة، فلمحت بريقاً معدنياً مألوفاً. إنه مسدسه الخاص، مخبأ بعناية داخل جيب بدلته الرسمية المعلقة. في تلك ا

  • مهووس بك صغيرتي   الفصل الثالث عشر : هوس التملك والهروب المستحيل

    ظل رعد مطوقاً إياها بذراعيه، محاولاً محاصرة تمردها الصامت، ونظر في عينيها الغارقتين بالوجل متسائلاً بنبرة مشحونة بالعتب والحدة:- "لماذا تحاولين الابتعاد عني دوماً؟ لماذا تهربين من رجل لا يبتغي سوى حبكِ والتمسك بكِ؟"انهمرت دموع وعد الساخنة على وجنتيها الشاحبتين، وردت بنبرة متهدجة وعيناها تلمعان بالقهر:- "من يحب بصدق لا يفعل ما تفعله أنت بي.. إنك رجل مريض!"احتدت نظراته وتضاعف جنونه وهو يقترب من وجهها أكثر، هامساً بنبرة أرعبت أوصالها:- "أنا مريض بكِ.. نعم، أنا مهووس بكِ إلى حد الجنون! إنني أحبكِ أكثر مما تحبين أنتِ نفسكِ!"حاولت وعد جاهدة أن تدفعه بيديها المرتجفتين لتبتعد عنه قليلاً، وقالت بصوت مخنوق بالبكاء:- "أرجوك.. أطلق سراحي، دعني وشأني."لم يحتمل رعد محاولتها للإفلات؛ فباغتها بصفعة قوية دوت في أرجاء الغرفة، ثم قبض على خصلات شعرها الطويل وجذبها نحوه بقسوة وهو يزمجر بغضب أعمى:- "قسماً إنني قد أقتلكِ، لكنني لن أسمح لكِ بالرحيل عني أبداً!"أغمضت وعد عينيها بشدة، واستسلمت لدموعها التي أخذت تشق طريقها بغزارة فوق موضع الصفعة. حين رأى رعد دموعها وانكسارها، هدأ ثوران وحشه قليلاً، واح

  • مهووس بك صغيرتي   الفصل الثاني عشر : بين جحيم الندم وقيود العشق

    كان المشهد داخل الغرفة أشبه بكابوس مرعب صبغ جدران الذاكرة باللون القاني. وعد مستلقية هناك، غارقة في بركة من دمائها الزكية، بينما وقف رعد شاخصاً ببصره نحوها، والاضطراب يعصف بكيانه حتى بات عاجزاً عن استيعاب ما تقترفه يداه أو ما يدور حوله. اختلط الغضب بالذعر في صدره، فضرب رأسه بكلتا يديه بقوة، مطلقاً صرخة هستيرية شقت سكون المكان؛ صرخة لم يعرف هو نفسه كيف خرجت من أعماقه بلا وعي، مدوية كعاصفة عمياء تضرب أرضاً قاحلة خطا نحوها بخطوات متعثرة وثقيلة، والكلمات تخرج من بين شفتيه مشحونة بنبرة آمرة تخفي خلفها رعباً دفيناً: - انهضي يا وعد.. انهضي! أليست هذه رغبتك؟ ألم تكوني ترغبين في أن يروكِ؟ أن يتغزلوا بجمالكِ الفاتن ويغدقوا عليكِ بعبارات الثناء؟ أردتِ لفت أنظارهم ونيل إعجابهم.. أليس كذلك؟! حسناً، ها قد نلتِ مرادكِ.. لكن حسابنا لم ينتهِ بعد، ما زال بانتظاركِ الكثير معي، لن تنجي بفعلتكِ!"لم يكن هناك أي رد.. وعد كانت غائبة تماماً عن الوجود، جسدها ممدد بلا حراك، والدم القاني يتدفق بغزارة من فمها ليسيل على بشرتها الشاحبة، بينما تبعثر شعرها الحريري حول وجهها، ملطخاً بتلك الدماء الفائرة التي أطفأت ب

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status