Accueil / مافيا / مهووس بك صغيرتي / الفصل الرابع عشر : حافية الهاوية

Partager

الفصل الرابع عشر : حافية الهاوية

last update Date de publication: 2026-08-20 23:26:47

استدار رعد وابتعد عنها بخطوات ثقيلة ومدروسة، تاركاً خلفه كتلة من الوجع والانهيار ممددة على الأرض. كانت وعد عاجزة تماماً عن الحراك، وكأن أنفاسها قد سُلبت منها عنوة. توجه رعد مباشرة نحو الحمام بخطواته الواثقة التي تحمل طابعاً من الجبروت، بينما كان صمت الغرفة يضج بصدى أنينها المكتوم. لم تمر سوى دقائق معدودة حتى خرج مجدداً، جسده الرياضي ينضح بقطرات الماء، وخصلات شعره الأسود المبلل منسدلة على جبينه. كان يمسح عضلاته البارزة وعنقه بمنشفة بيضاء ناصعة ببرود تام، وكأن شيئاً لم يكن، وكأن العاصفة التي أحدثها قبل قليل كانت مجرد نزهة عابرة.

على الجانب الآخر من الغرفة، كانت وعد تبكي في صمت مرير يحرق جوفها. لم تكن تبكي خوفاً، بل قهرًا وعجزًا. كان جسدها النحيل يرتعش بشكل متواصل من شدة الألم الجسدي والنفسي؛ عظام يديها وقدميها تؤلمها بقسوة إثر القبضة الحديدية والعنف المفرط الذي تعرضت له على يديه. شعرت وكأن كرامتها قد سُحقت تحت قدمي هذا الطاغية. فجأة، ومن بين دموعها الحارقة، التفتت برأسها ببطء نحو الخزانة، فلمحت بريقاً معدنياً مألوفاً. إنه مسدسه الخاص، مخبأ بعناية داخل جيب بدلته الرسمية المعلقة. في تلك اللحظة، تولدت في عقلها فكرة مجنونة، فكرة الخلاص الأبدي. تحاملت على آلامها القاتلة، وضغطت على أسنانها لئلا تصدر أي صوت، ثم نهضت ببطء شديد مستغلة استدارته وشغوفه بمسح شعره أمام المرآة.

تحركت بخطوات واهنة تشبه خطوات شبح يتقدم نحو حتفه. كانت كل خطوة تكلفها قطرة من روحها حتى وصلت إلى البدلة المعلقة. امتدت يدها المرتعشة، المتورمة من أثر قسوته، وسحبت المسدس ببطء شديد. كان ثقيلاً في يدها الباردة، لكنه كان يمثل لها بوابة الحرية الوحيدة. دون تردد، وبأصابع ترتجف من فرط القهر، رفعت السلاح ووجهت فوهته المظلمة مباشرة نحو صدغها، نحو رأسها المثقل بالهموم والذكريات المؤلمة.

في تلك اللحظة بالذات، كان رعد ما يزال ممسكاً بالمنشفة، يمسح خصلات شعره وعيناه غارقتان في شرود عميق يملأ المكان. كان هناك صراع خفي يدور في أعماقه، ندم مستتر يرفض كبرياؤه الاعتراف به؛ ندم على كل لحظة عنف قسا بها عليها، وعلى هذا الهوس الأعمى الذي يدفعه لتدمير الشيء الوحيد الذي يحبه. وعندما رفع نظره أخيراً ليصوب عينيه نحو المرآة الكبيرة أمامه، تجمدت الدماء في عروقه وتوقفت أنفاسه. صُدم رعد بالمنظر الذي رآه منعكساً في الزجاج: وعد، حبيبته المستضعفة، تمسك بمسدسه وتصوبه نحو رأسها، وعيناها تلمعان بإصرار مرعب على الموت.

انتفض رعد من مكانه برعب لم يختبره قط في حياته برغم كل المعارك والمخاطر التي خاضها. تحرك نحوها بجنون وتلعثم في كلامه، وهو يمد يديه نحوها بحذر شديد كمن يتعامل مع قنبلة موقوتة، هاتفاً بصوت يرتجف:

- "وعد! ضعي ذلك الشيء من يدكِ.. فوراً! لا تفعلي شيئاً مجنوناً!"

صرخت وعد بنبرة حادة، يملؤها القهر والغل المكبوت، وتراجعت خطوة إلى الوراء لئلا يقترب:

- "لقد كرهت نفسي، وكرهت حياتي وكل تفاصيلي بسببك! أهذا هو حبك اللعين الذي تتبجح به؟ أنت مسخ! سأنهي حياتي الآن هنا أمام عينيك لأرتاح من هذا الجحيم، ولن أسامحك أبداً.. لا في الدنيا ولا في الآخرة!"

شعر رعد للمرة الأولى في حياته باختناق حقيقي، وكأن جدران الغرفة تضيق عليه لتسحق عظام صدره. شعر وكأن روحه تُنتزع من جسده دون رحمة. كان يود لو يطير إليها، لو يملك سرعة البرق لينتزع السلاح من يدها الضعيفة، لكن الخوف الشديد من أن تضغط على الزناد بفعل التوتر شلّ حركته المعتادة. تراجع خطوة صغيرة إلى الوراء محاولاً تصنع الهدوء لتهدئتها، وقال بنبرة توسلية لم يعتد عليها أحد منه:

- "أبعدي هذه الفكرة اللعينة عن رأسكِ يا وعد.. أرجوكِ، ضعي السلاح أرضاً ودعينا نتحدث بهدوء، سأفعل كل ما تريدينه!"

صرخت وعد وهي تتراجع أكثر نحو حافة الهاوية النفسية، وعيناها تفيضان بالدموع:

- "ابتعد عني! لا تقترب!"

ولم تكد تكمل كلمتها الأخيرة حتى استغل رعد إغماض عينيها المؤقت مع شهقتها، وانقض عليها بسرعة البرق. كان اندفاعه وحشياً ويائساً. التقط معصمها بذكاء والوى ذراعها إلى الخلف بقوة مفرطة محاولاً السيطرة على السلاح. سقط المسدس من يدها المنهكة وارتطم بالأرض بصدى معدني مرعب. وبسبب شدة غضبه وخوفه الأعمى الذي تحول فوراً إلى ثورة عارمة، عاجلها بصفعة قوية على وجنتها، هوت بجسدها الضعيف أرضاً لتتمدد على السجادة مجدداً.

زأر رعد بغضب أعمى وصوت هادر أشبه بالرعد، واهتزت له جدران الجناح بالكامل:

- "أتفكرين في تهديدي بالموت؟ أنتِ! من تظنين نفسكِ لتلعبي معي هذه اللعبة؟ يبدو أنكِ لم تعرفي بعد من هو رعد! أنا الرجل الذي يرتعد أباطرة المال والأعمال خوفاً من نظرة واحدة من عينيه! والآن تأتين أنتِ، فتاة مجردة من كل شيء، لتهدديني في عقر داري؟ لولا أنني أحبكِ بجنون يربك عقلي، ولولا أنني أحاول بكل ما أوتيت من قوة التحكم في أعصابي، لكان لي معكِ الآن تصرف آخر ينهي هذا العناد للأبد!"

كانت وعد ممددة على الأرض، تضع يدها على وجنتها التي اشتعلت حمرة وألماً. كانت تشعر بدوار عنيف يلف الغرفة من حولها، وصداع حاد يكاد يشق رأسها نصفين، مع آلام مبرحة تنهش كل إنش من جسدها المنهك. لم تعد قادرة حتى على الرد، فاكتفت بنظرات كراهية صامتة وجهتها إليه.

تابع رعد صراخه، وصوته يملأ الغرفة قسوة وجبروتاً، وهو يسير جيئة وذهاباً كالنمر الحبيس:

- "أتريدين تعذيبي برحيلكِ؟ بل أنا من سيعذبكِ ببقائكِ هنا تحت رحمتي! سأجعل السجن الذي تعيشين فيه أضيق، سأجعلكِ عاجزة حتى عن رفع يدكِ للاعتراض أو إبداء الرأي. أنتِ دائماً، وفي كل فرصة، تتعمدين عنادي وكسر كلمتي، وأنا رعد.. لن أسمح لأي مخلوق على وجه هذه الأرض أن يعاندني أو يخالف أمري كائناً من كان! ماذا تريدين أكثر من هذا الحب؟ أجيبي! أنا مستعد لمنحكِ إمبراطوريتي بالكامل، مستعد لكتابة كل أملاكي باسمكِ، ومستعد لإهدائكِ قلبي وروحي على طبق من ذهب! لقد تنازلت لأجلكِ تنازلات لم أحلم بها يوماً؛ توسلت إليكِ، وقبلت يديكِ المرتعشتين، ولم يسبق لي في حياتي كلها أن خفضت رأسي أو كبريائي لامرأة قط! لكنكِ لئيمة.. أنتِ تتلاعبين بي وبعواطفي، ولم تدركي بعد مدى خطورة الرجل الذي تقفين أمامه."

صمت لرعد لحظة، لاهثاً من شدة الانفعال، ثم واصل بنبرة منخفضة لكنها أكثر رعباً، نبرة تجمع بين الهوس المرضي والتملك المطلق:

- "يبدو أنني كنت طيباً معكِ أكثر من اللازم، وبحاجة ماسة لإذاقتكِ طعم العذاب ذاته الذي تذيقينه لي كل ليلة. إن رغبتي فيكِ تكاد تقتلني، تنهش عظام صدري وتمنعني من النوم. رموش عينيكِ هذه التي تنظر إلي بكره، تأسرني وتقيد حريتي. حركات شفتيكِ الكارهة تثير جنوني وتدفعني للحافة. كل تفصيلة صغيرة فيكِ تخصني أنا وحدي؛ يداكِ، شعركِ، وحتى هذا البرد اللعين الذي يلامس بشرتكِ الآن، أنا أولى به! جسدكِ، مشيتكِ، وطريقة كلامكِ.. كلها أشياء عشعشت في عقلي وتملكت تفكيري طوال الوقت! هل تعلمين؟ لقد سافرت قبل أيام، ابتعدت أميالاً لأهرب منكِ ومن سحركِ المدمر، لكنني طوال الطريق، وفي كل ثانية، كنت أود العودة فوراً والركوع عند قدميكِ لأصرخ في وجهكِ وأخبركِ كم أعشقكِ وكم أمقت هذا العشق! أنا أحبس كبريائي اللعين في كل مرة أطلب منكِ الحنان ولا أجد سوى الصدود والجفاء، ومع كل هذا الذل الذي أعيشه معكِ، لا يهمني شيء.. أنا أحبكِ، وهنا تنتهي الرواية وتغلق الأبواب! ما الذي تتوقعينه من رجل بمكاني وقوتي؟ أنا أدير أسواقاً تجارية ضخمة وعابرة للقارات في لمح البصر بكلمة واحدة مني، وتأتين أنتِ بكل بساطة لتهدديني بالانتحار؟ لقد أعطيتكِ من الاهتمام والمكانة أكثر بكثير مما تستحقين!"

كان يصرخ ويوجه كلماته كالسهام المسمومة بغضب أعمى، ولم يكتفِ بذلك، بل امتدت يده لتهوي على فازة كريستالية ثمينة على الطاولة، فتحطمت إلى أشلاء تناثرت في أرجاء الغرفة، متبعاً إياها بتحطيم بعض الأثاث من شدة ثورته واهتزازه النفسي.

أما وعد، فلم تعد تحتمل سماع هذا الهوس المقزز. استغلت انشغاله بتحطيم الغرفة وتفريغ غضبه الوحشي، فنهضت بصعوبة بالغة وهي تسند جسدها على الحائط، ورأسها يكاد ينفجر من شدة الصداع والضربات. تراجعت ببطء وتسللت نحو الشرفة الكبيرة المفتوحة، حيث كان الهواء البارد العاصف في ذلك الوقت من الليل يلفح جسدها العاري تقريباً، ويداعب خصلات شعرها المنسدل في فوضى عارمة.

وقفت هناك، واستنشقت الهواء النقي البارد بعمق، ليدخل إلى رئتيها المحترقتين كبلسم مؤقت. في تلك اللحظة، شعرت بروحها المتعبة وكأنها تنفصل عن جسدها المثقل بالجراح، تطفو في الفضاء الخارجي وتهمس في أذنها بنبرة حنونة ومغرية: "ألقي بنفسكِ يا وعد.. ارمي هذا الجسد المتألم وارتاحي للأبد من سجن رعد.. ارفعي قدميكِ الصغيرتين فحسب، والجاذبية ستتكفل بالباقي."

تجمعت الدموع بكثافة في عينيها لتغطي رؤيتها، ورفعت يديها ببطء نحو السماء وكأنها تريد عناق الهواء الشاغر، أو كأنها تستعد للطيران بعيداً عن هذا الجحيم. كانت تقف على الحافة تماماً، بجسدها المنهك الذي يرتجف بشدة، والبرد القارس يضرب بشرتها ويكشف من خلال ثوبها الحريري الرقيق والممزق عن تفاصيل قوامها المنحوت كتمثال من الألم. رفعت يديها مستسلمة للقدر، مغمضة عينيها، متمنية من أعماق قلبها الانتقال السريع إلى العالم الآخر، فكل ما رأته وعاشته في هذا العالم منذ أن عرفت رعد لم يكن سوى العذاب والمهانة والدموع.

في هذه الأثناء داخل الغرفة، كان رعد ما يزال يصرخ ويهذي بغضبه الأعمى، لكن فجأة انتبه إلى الصمت المطبق الذي ساد المكان. التفت بسرعة ووجه نظره الحاد نحو الزاوية التي ترك فيها وعد ممددة على الأرض.. لكن الصدمة ألجمته؛ لم يجدها هناك. اختفت!

شعر بوخزة قاتلة في قلبه، ورفع عينيه بوجل ورعب حقيقي نحو الشرفة المفتوحة. تجمدت أطرافه وتسمرت نظراته في مكانها وعيناه متسعتان من شدة الذهول والصدمة، وهو يرى طيفها الأبيض يقف بثبات على حافة الشرفة العالية، مستعدة للقفز في أي ثانية نحو الهاوية السحيقة!

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

Continuez à lire ce livre gratuitement
Scanner le code pour télécharger l'application

Dernier chapitre

  • مهووس بك صغيرتي   الفصل السابع عشر: أنفاس حارقة

    خرج رعد من الغرفة يتبعه طيف لورا المتبختر، وأوصدا الباب الخشبي الثقيل خلفهما ليتركا خلف جدرانه فراغًا موحشًا تلاشت فيه الأنفاس وساد فيه سكون بطعم الموت. بقيت وعد في مكانها لثوانٍ طويلة، تشعر بغصة مريرة وخانقة تعترض حنجرتها؛ كان شعور الغبن والقهر ينهش مفاصلها وجسدها الضعيف دون أن تفهم سببًا حقيقيًا أو منطقيًا لهذا الألم الذي يعتصر قلبها المكلوم. تذكرت ملامح لورا الصارخة، وطريقة نظراتها الجريئة المتملكة ونبرتها المتحدية نحو رعد، فاهتز كيانها الأنثوي غيظًا وكمدًا. لم تحتمل البقاء حبيسة جدران غرفتها التي باتت تشبه زنزانة انفرادية؛ فتحركت بخطوات شبه مغيبة تحت تأثير مشاعرها المضطربة، فتحت الباب بهدوء مريب، وتسللت خارجة لتهبط الدرج الرخامي العريض بخطوات وئيدة وحذرة لعلها تجد مخرجًا أو تفهم ما يدور حولها في هذا الجحيم المخملي.حين وصلت إلى منتصف السلم، تجمدت الدماء في عروقها وتوقفت في مكانها كالصنم. رأت رعد واقفًا في البهو السفلي الفسيح بكل هيبته الطاغية، ولورا تقف على مسافة قريبة منه للغاية بشكل مستفز، تتحدث بنعومة بالغة وتنفث سموم غنجها ودلالها أمامه، بينما كان هو يدخن سيجارته بملامح جامدة

  • مهووس بك صغيرتي   الفصل السادس عشر : القفص المظلم ..!

    تسللت ظلمة الليل الباردة عبر النوافذ الزجاجية الكبيرة الممتدة من الأرض إلى السقف، لتلقي بظلالها الكئيبة على أرجاء تلك الغرفة الواسعة التي تفوح برائحة الفخامة والترهيب في آن واحد. كان الصمت الذي يلف المكان صمتًا ثقيلاً، مشحونًا بالتوتر، صمتًا يسبق العواصف المدمرة دائمًا في عالم رعد السفياني. تقدم رعد بخطواته الثقيلة المدروسة، يحمل وعد بين ذراعيه القويتين كمن يحمل غنيمة حرب ثمينة تخلى العالم كله عنها. لم تكن قبضته مجرد إمساك بجسدها الضعيف، بل كانت إعلان تملك مطلق لا يجرؤ أحد على منازعته فيه. وضعها فوق فراش السرير العريض الوثير برفق شديد، لكنه رفق يحمل في طياته هيبة مرعبة وقسوة مبطنة. وقبل أن يتراجع خطوة إلى الوراء، انحنى فوقها قليلاً، مستنشقًا عطرها الذي كان يسري في عروقه كمخدر فتاك، وطبع قُبلةً جافةً وطويلةً على رأسها. لم تكن تلك القبلة لمواساتها أو لطمأنتها، بل كانت بمثابة وسم أبدي يطبع به ملكيته على جسدها وروحها، ليذكرها في كل ثانية أنها باتت جزءًا من ممتلكاته الخاصة التي لا تملك حق التصرف في نفسها.تحرك رعد بعد ذلك بخطواتٍ واثقة ومثقلة بالغموض نحو زاوية الغرفة المظلمة. سحب علبة سجا

  • مهووس بك صغيرتي   الفصل الخامس عشر : بين ذراعيه !

    تجمدت الأطراف وشلت الحركة، وعجز اللسان عن النطق أمام مشهد الموت الوشيك. كان رعد واقفاً في منتصف الغرفة وعيناه متسعتان بجنون وكأن جاحظتيهما ستخرجان من محجريهما من فرط الرعب الذي تملكه. برزت عروق يده بشكل مخيف، واشتد خفقان قلبه حتى كاد يمزق صدره وهو يشهد بأم عينيه جسد وعد النحيل يتأرجح على حافة الشرفة الشهيرة. لم يكن يصدق ما تراه عيناه؛ طفلته المستضعفة، المرأة التي حارب الجميع ليمتلكها، تسلم جسدها وروحها للهواء بدم بارد. في تلك اللحظات السريعة كالحلم، صمتت الدنيا في أذن وعد، ولم تعد تسمع سوى حفيف الرياح. همست لنفسها بقلب محترق: "لقد سلمت روحي للهواء.. أخيراً سأرتاح من هذا العالم المظلم. أريد الخلاص فحسب، فلم يعد في قلبي متسع للخوف من أي شيء، ولم يعد هناك من أخشى غيابه وراء ظهري.. لقد تعبت، تعبت إلى حد الموت."رفعت وعد رأسها بشموخ يائس وهي تحدق في الفراغ السحيق تحتها، ودفعت بجسدها إلى الأمام، ملقية بقدميها في الفضاء الخالي مستسلمة للجاذبية. لكن القدر لم يمهلها الخلاص الذي تمنته؛ فقبل أن يهوي جسدها إلى الأسفل، انقضت يد حديدية بسرعة تفوق الخيال لتتمسك بطرف ثوبها الحريري، متبوعة بذرا

  • مهووس بك صغيرتي   الفصل الرابع عشر : حافية الهاوية

    استدار رعد وابتعد عنها بخطوات ثقيلة ومدروسة، تاركاً خلفه كتلة من الوجع والانهيار ممددة على الأرض. كانت وعد عاجزة تماماً عن الحراك، وكأن أنفاسها قد سُلبت منها عنوة. توجه رعد مباشرة نحو الحمام بخطواته الواثقة التي تحمل طابعاً من الجبروت، بينما كان صمت الغرفة يضج بصدى أنينها المكتوم. لم تمر سوى دقائق معدودة حتى خرج مجدداً، جسده الرياضي ينضح بقطرات الماء، وخصلات شعره الأسود المبلل منسدلة على جبينه. كان يمسح عضلاته البارزة وعنقه بمنشفة بيضاء ناصعة ببرود تام، وكأن شيئاً لم يكن، وكأن العاصفة التي أحدثها قبل قليل كانت مجرد نزهة عابرة.على الجانب الآخر من الغرفة، كانت وعد تبكي في صمت مرير يحرق جوفها. لم تكن تبكي خوفاً، بل قهرًا وعجزًا. كان جسدها النحيل يرتعش بشكل متواصل من شدة الألم الجسدي والنفسي؛ عظام يديها وقدميها تؤلمها بقسوة إثر القبضة الحديدية والعنف المفرط الذي تعرضت له على يديه. شعرت وكأن كرامتها قد سُحقت تحت قدمي هذا الطاغية. فجأة، ومن بين دموعها الحارقة، التفتت برأسها ببطء نحو الخزانة، فلمحت بريقاً معدنياً مألوفاً. إنه مسدسه الخاص، مخبأ بعناية داخل جيب بدلته الرسمية المعلقة. في تلك ا

  • مهووس بك صغيرتي   الفصل الثالث عشر : هوس التملك والهروب المستحيل

    ظل رعد مطوقاً إياها بذراعيه، محاولاً محاصرة تمردها الصامت، ونظر في عينيها الغارقتين بالوجل متسائلاً بنبرة مشحونة بالعتب والحدة:- "لماذا تحاولين الابتعاد عني دوماً؟ لماذا تهربين من رجل لا يبتغي سوى حبكِ والتمسك بكِ؟"انهمرت دموع وعد الساخنة على وجنتيها الشاحبتين، وردت بنبرة متهدجة وعيناها تلمعان بالقهر:- "من يحب بصدق لا يفعل ما تفعله أنت بي.. إنك رجل مريض!"احتدت نظراته وتضاعف جنونه وهو يقترب من وجهها أكثر، هامساً بنبرة أرعبت أوصالها:- "أنا مريض بكِ.. نعم، أنا مهووس بكِ إلى حد الجنون! إنني أحبكِ أكثر مما تحبين أنتِ نفسكِ!"حاولت وعد جاهدة أن تدفعه بيديها المرتجفتين لتبتعد عنه قليلاً، وقالت بصوت مخنوق بالبكاء:- "أرجوك.. أطلق سراحي، دعني وشأني."لم يحتمل رعد محاولتها للإفلات؛ فباغتها بصفعة قوية دوت في أرجاء الغرفة، ثم قبض على خصلات شعرها الطويل وجذبها نحوه بقسوة وهو يزمجر بغضب أعمى:- "قسماً إنني قد أقتلكِ، لكنني لن أسمح لكِ بالرحيل عني أبداً!"أغمضت وعد عينيها بشدة، واستسلمت لدموعها التي أخذت تشق طريقها بغزارة فوق موضع الصفعة. حين رأى رعد دموعها وانكسارها، هدأ ثوران وحشه قليلاً، واح

  • مهووس بك صغيرتي   الفصل الثاني عشر : بين جحيم الندم وقيود العشق

    كان المشهد داخل الغرفة أشبه بكابوس مرعب صبغ جدران الذاكرة باللون القاني. وعد مستلقية هناك، غارقة في بركة من دمائها الزكية، بينما وقف رعد شاخصاً ببصره نحوها، والاضطراب يعصف بكيانه حتى بات عاجزاً عن استيعاب ما تقترفه يداه أو ما يدور حوله. اختلط الغضب بالذعر في صدره، فضرب رأسه بكلتا يديه بقوة، مطلقاً صرخة هستيرية شقت سكون المكان؛ صرخة لم يعرف هو نفسه كيف خرجت من أعماقه بلا وعي، مدوية كعاصفة عمياء تضرب أرضاً قاحلة خطا نحوها بخطوات متعثرة وثقيلة، والكلمات تخرج من بين شفتيه مشحونة بنبرة آمرة تخفي خلفها رعباً دفيناً: - انهضي يا وعد.. انهضي! أليست هذه رغبتك؟ ألم تكوني ترغبين في أن يروكِ؟ أن يتغزلوا بجمالكِ الفاتن ويغدقوا عليكِ بعبارات الثناء؟ أردتِ لفت أنظارهم ونيل إعجابهم.. أليس كذلك؟! حسناً، ها قد نلتِ مرادكِ.. لكن حسابنا لم ينتهِ بعد، ما زال بانتظاركِ الكثير معي، لن تنجي بفعلتكِ!"لم يكن هناك أي رد.. وعد كانت غائبة تماماً عن الوجود، جسدها ممدد بلا حراك، والدم القاني يتدفق بغزارة من فمها ليسيل على بشرتها الشاحبة، بينما تبعثر شعرها الحريري حول وجهها، ملطخاً بتلك الدماء الفائرة التي أطفأت ب

Plus de chapitres
Découvrez et lisez de bons romans gratuitement
Accédez gratuitement à un grand nombre de bons romans sur GoodNovel. Téléchargez les livres que vous aimez et lisez où et quand vous voulez.
Lisez des livres gratuitement sur l'APP
Scanner le code pour lire sur l'application
DMCA.com Protection Status