مشاركة

من الفلاحة للنبل

مؤلف: FARAHA HALAwLAw
last update تاريخ النشر: 2026-08-22 04:07:23

وبعد أن هز صراخها القصر وكأنه زُلزل، جاء ليتفقّد الأوضاع ، دخل إلى غرفتها، وكانت الخادمات يُفسحن له المجال مع كل خطوة يخطوها، حتى انتصف الغرفة وهو يراها بنظراته الحادّة ووجهه الخالي من التعبيرات، وذاك البرود المعتاد.

كانت تركض في أرجاء الغرفة ذهابًا وإيابًا، والخادمات يحاولن تهدئتها، وهو يُحرّك نظره معها بصمت، يراقبها كلما انتقلت من زاوية لأخرى.

"وما إن تنبّهت الخادمتان، اللتان كانتا تسعيان جاهدتَين لتهدئتها، إلى حضوره حتى توقفتا في الحال، وانحنتا باحترامٍ عميق، ثم تراجعتا بخطى متئدة إلى الخلف، تاركتَين المكان يتهيّب سكونه أمام طلّته.

تنهد بنفاد صبر وقال بنبرة هادئة ولكن حادة:

— "ما تظنين نفسكِ فاعلة؟!"

توقفت ريموندا، واستدارت ببطء لتجده واقفًا هناك، ينظر إليها بغضب ، امتلأت عيناها بالدموع تلقائيًا، وقالت وهي تشير إلى موضع الجُرح: — "هنا... هناك دوامة دائرية... تحوم في داخلي..."

أغمض عينيه وزفر بضيق، ثم التفت للخادمات قائلا :

— "يمكنكن الخروج."

انحنين بسرعة وخرجن، وأغلقن الباب خلفهن.

نظر إليها، ثم عقد يديه خلف ظهره، وتقدّم ناحيتها.

وحالما اقترب، تراجعت خطوة إلى الخلف.

قال لها بنبرة ثابتة:— "إنها تعويذة علاج."

رمشت بعينيها مرتين وقالت بتردد:— "ت... تعويذة؟"

تنهد بنفاد صبر وقال : — "لن أطيل."

ثم مدّ إصبعيه مجددًا إلى جبينها، فعادت ذاكرتها مجددًا.

قال وهو يستدير مبتعدًا:— "تعايشي مع ذكراك، لن أسحبها مجددًا."

وخرج من الغرفة وهو يضم يديه خلف ظهره ، أما هي، فقد بدأت عيناها تمتلئان بالدموع ، في كل مرة تتذكر فيها الذكرى... كأنها تحدث من جديد.

ركضت وارتمت على بطنها فوق السرير، وبدأت بالبكاء.

وبين شهقاتها، وبينما كانت ترفع رأسها، رأته...

رأته أحدهم يراقبها من فتحة الباب الذي لم يُغلق بالكامل ، مسحت دموعها بسرعة وجلست، ثم قالت بصوت مرتجف:— "مَن...؟"

وهنا، حاول من كان خلف الباب الركض هربًا، لكنه اصطدم بالباب ووقع داخل الغرفة ، كان طفلًا... يبدو في الثامنة من عمره.

رفع رأسه وابتسم لها ابتسامة بريئة، ثم قال:— "مرحبًا؟

ابتسمت ريموندا، جالسة على السرير ويداها متشابكتان على فخذيها، ثم قالت:— "مرحبًا أيها الصغير، تفضّل."

نهض الطفل، نفض ثوبه، وابتسم لها ابتسامة عريضة

"كان بجانبه حيوانٌ أليف غريب المظهر، وجهه يشبه الأرنب، وذيله طويلٌ كذيل الظربان، يقفز بين الأقدام بخفة وأناقة تشبه حركات الكنغر.

.

"اقترب الطفل منها بخطى وئيدة، وحيوانه يقفز خلفه برشاقة، ثم خاطبها بنبرة لطيفة: — هل يُفترض بكِ أن تكوني الملكة الجديدة؟

"ابتسمت ريموندا ضاحكةً، وقالت بنبرة لطيفة: — لا أعلم بعد... لكن، هل تود أن تخبرني باسمك؟

قال الطفل بحماس:— أنا نيرو! وهذا بونو."

وأشار إلى الحيوان الأليف بفخر..

"ابتسمت ريموندا بدفء، وعيناها تتلألأان بحزن خفيف، وقالت: — أنت لطيف جدًا يا نيرو، تذكرني بشخصٍ ما...

ثم التفتت إلى الحيوان الأليف، متأملة شكله الغريب:

— وحسنًا، وبونو هذا... ما عساه يكون؟ لا أستطيع تحديد نوعه من مظهره الغريب.

صرخ بونو واضعًا يديه في خاصرته:— "ماذا تعنين؟!"

تراجعت ريموندا قليلًا وهي جالسة، وضمّت يدها إلى صدرها بذهول، وقالت:— هل... يمكنه حقًا الحديث؟!

ضحك نيرو واضعا يديه في خاصرته قائلا :

— "نعم، يستطيع. لم لا؟"

قالت ريموندا بتعجّب:— "غريب... كيف يستطيع الكلام؟"

صرخ بونو بغضب:— "ولِمَ لا أستطيع الكلام؟! ها أنتِ تتحدثين!"

ثم ضمّ ذراعيه بغضب، ولف جسده، معطيًا ظهره لها.

ضحكت ريموندا بخفه : — "لا أقصد أن أزعجك يا بونو، فقط... الأمر غريب بعض الشيء."

حدّق نيرو فيها بعينين واسعتين، وأمال رأسه قليلًا، وقال بنبرة تجمع الفضول والدهشة: — لماذا يبدو لكِ كل شيء غريبًا؟ أليس كل ما يتحرك قادرًا على الكلام؟

وضعت ريموندا يدها على ذقنها قائلة:

— "همم... ربما، لكنني ظننت أنه حيوان فقط، لذا..."

قاطعها نيرو وهو يرفع سبابته: — "لكن الحيوانات أيضًا تتحدث! أنتِ فقط لا تفهمينها."

ضحكت من طريقته في الكلام:

— "ربما أنت محق."

"ثم ضيّقت ريموندا عينيها قليلًا، وقد لاحظت شيئًا يختبئ خلف عنق نيرو، فأشارت بإصبعها قائلة:

— هناك شيء خلفك... شيء يختبئ!

"التفت نيرو يمينًا وشمالًا بعينين متسعتين، كمن يبحث عن أثرٍ ضائع، وقال بنبرة متسائلة : — أين؟

كان هناك مخلوق صغير، تتشبّث بكم قميصه.

أشارت ريموندا إليها:— "هذه! ألا تراها؟"

ضحك نيرو وقال:— "آه، تقصدين الجنية؟!"

ردت بدهشة:— "جنية! ويا تُرى، ما اسمها؟"

هزّ كتفيه قائلًا ببساطة :— "جنية!"؟

ضحكت ريموندا: — "فهمت... اسمها هو جنية! عمومًا، أهلًا بكِ يا جنية."

لكن الجنية تشبّثت بشعر نيرو واختبأت، فضحك نيرو ولوّح بكفّه: — "لا تكوني سخيفة، أيتها الملكة! كيف يمكن لجنية أن تتكلم؟!"?

رفعت ريموندا حاجبها بدهشة خفيفة، وقالت:

— بونو يتكلم، وهذه لا؟! آه، أنسى... أنسى...

وقبل أن تُكمل حديثها، قاطعهم صوت من بعيد ينادي:

— "نيرو! نيرو!"

ردّ الطفل فورًا متلفتا الى مصدر الصوت : — "نعم أمي! قادم!"

تلفت الى ريموندا قائلا "عليّ الذهاب إلى الإلقاء."

جرى نيرو مبتعدًا، ولحقه بونو، وتبعتهما الجنية، لكن قبل أن تبتعد، التفتت إلى ريموندا، وابتسمت لها ابتسامة خفيفة... ثم طارت مسرعة خلفهما.

استلقت ريموندا على السرير، مدّت ذراعيها وهي تحدّق بالسقف وتفكر: — "يا تُرى... كيف حال رين الآن؟ هل أكل؟ هل نام؟ هل أبي يضربه الآن؟!"

بعد ليلة كاملة من الصراع الداخلي والتفكير العميق، مضت الليلة واشرقت شمس الصباح ، أطلقت ريموندا تنهيدةً طويلة، وأغمضت عينيها لحظة. ثم جلست على سريرها بعزم راسخ، وقالت:— سأذهب لمحادثة ذلك الرجل... عليّ أن أفهم

قامت ريموندا من السرير، وما إن دارت بمقبض الباب لتخرج، حتى وجدت نفسها في مواجهة وجهٍ مهيب عند العتبة، يملؤه الوقار والهيبة

كانت الملكة العُليّة واقفة أمام الباب، تضم يديها إلى بعضهما، بوجه حاد خالٍ من أي ابتسامة، يفيض بالهيبة والصرامة.

ترتدي فستانًا ملكيًّا مُخصرًا، ساترًا، يوحي بالفخامة والرقي، وتتزيّن بالجواهر واللآلئ ، وراءها تقف صفوف من الخادمات بترتيب مهيب.

تراجعت ريموندا خطوة إلى الخلف احترامًا.

دخلت الملكة إلى الغرفة، وتبعتها الخادمات بصمت.

تلفّتت الملكة إلى ريموندا، وقالت بلهجة آمرة صارمة:

— "اسمعي جيدًا، يوجد هنا، في هذا القصر، قواعد... يجب عليكِ الالتزام بها ، لا تتصرّفي من نفسك."

ثم صفّقت الملكة بيدها، فدخلت امرأة طويلة، متوسطة القوام، ووجهها يحمل صرامةً واضحة، وخطواتها واثقة تعكس سلطةً وطاعةً مطلقة.

قالت الملكة: — "هذه السيدة فيونا... ستُعلّمك أصول النبل ، من الآن فصاعدًا، ستبدئين التدريب."

ولم تمنح ريموندا فرصة للكلام أو الاعتراض، بل استدارت الملكة وخرجت، تاركة خلفها هيبتها وصدى كلماتها.

رمقت السيدة فيونا ريموندا بنظرات حادة ثابتة.

تجنّبت ريموندا النظر مباشرة، لكنها شعرت بثقل النظرات، فأدارت وجهها ثم قالت:— "حسنًا... هل..؟"

قاطعتها فيونا فورًا:— "أول قاعدة: النبلاء قليلوا الكلام. لا يتحدثون كثيرًا، وإذا تحدثوا، أفادوا."

ثم أخذت تدقق النظر في ريموندا من رأسها حتى قدميها:— "شعركِ... وقفتكِ... أظافركِ..."

هزّت رأسها بإيماءةٍ تأكيدية، ويداها متشابكتان أمام صدرها، وقالت بصوت هادئ لكنه حازم: — كل شيء يحتاج إلى إعادة تهيئة من جديد

رفعت ريموندا حاجبها بدهشة:— "ماذا؟!"

دخلت مجموعة من الخادمات، فأشارت فيونا بصرامة:

— "جهّزن الحمام."

وبعد لحظات، انحنت إحدى الخادمات برأسها: — "تمّ، سيدة فيونا."

همست ريموندا لنفسها:— "بهذه السرعة؟"

وبصفقة حادة ، من يد السيدة فيونا انفتح باب الحمّام.

دخلت ريموندا بخطى مترددة، وما إن وقعت عيناها على المكان حتى اتسعتا بدهشة: كان حوض الاستحمام بحجم بركة، يحيط به الزهور والشموع، وداخل الماء كانت زهور عطرة منثورة تملأ المكان بأريجٍ ساحر.

قالت ببهجة وهي تتلفّت:— "هذا الحمّام لي؟!"

رفعت فيونا حاجبها دون أن تجيب ، خفضت ريموندا رأسها بخوف، لكن فيونا صرخت:— "النبلاء لا يُبهرون."

ثم صفّقت:— "حمّموها."

صرخت ريموندا وهي تتراجع: — "لا، لا، لا حاجة! لم أكن أشارك حتى النساء في قريتي التحمّم في البحر... أنا... أخجل كثيرًا!"

لكن صوت فيونا الحاد اخترق تردّدها:— "النبلاء لا يعترضون.

بعد دقائق، خرجت ريموندا من الحمّام، تفوح منها رائحة الزهور وكأنها خرجت من جنّة ، رفعت ذراعها وشمت العبق: — "يا إلهي، ما هذه الرائحة؟ يبدو أن هذا الحمّام طويل... لكنه جميل جدًا. أعتقد أنني في الجنة."

تمتمت:— "قالت أمي ذات مرة إن الطيبين إذا ماتوا، ينتقلون إلى الجنة... هل أنا متُّ؟"

لكنها لم تُكمل حديثها، إذ قاطع شرودها صوت فيونا الحازم:— "سرّحن شعرها."

أجلستها الخادمات على كرسي مزخرف، بينما المشط والزيوت والمرطّبات تطايرت في الهواء، كل منها يتوجّه حيث يُطلب دون أن تلمسه يد.

قالت ريموندا على استحياء:— "في الحقيقة، أودّ أن يكون شعري مثل..."

لكن فيونا قاطعتها صارخة:— "النبلاء لا يختارون تسريحات شعرهم!"

أغمضت ريموندا عينيها من حدة الصوت، ثم تمتمت همسًا:— "وما الذي يمكن للنبلاء فعله يا ترى؟...

تألقت خصلات شعرها الأسود اللامع بعد تلك العناية السحرية، وكأن الحياة عادت إليه من جديد.

التفّ شعرها بشكل لولبي أنيق، مشدود برفق إلى الخلف، مما أضفى عليه لمسة من الرقيّ. ومن الأمام، انسدلت خصلتان لتحدّدا وجهها بشكل متناسق، مبرِزتين ملامحها بأسلوب ساحر وجذّاب. كانت تسريحتها تجسيدًا فريدًا للبساطة الممزوجة بالفخامة.

ثم وُضع على وجنتيها قليل من أحمر الخدود، مع أحمر شفاه برغندي، وكُحلٍ أسود زاد من سحر نظرتها. عُلّقت قلادة لؤلؤية بسيطة على عنقها، وتألّقت بفستان ملكي أنيق مخصر، واسع النفشة، طويل الأكمام، تتحدد أطرافه من أعلى اليدين وحتى المعصمين، وكانت نفشته مكوّنة من عدّة طبقات متناغمة.

دهشت ريموندا حين رأت نفسها في المرآة، بالكاد تعرّفت على ملامحها، فقد أبرز هذا التغيير جمالًا لم تكن تدري أنه يسكنها.

ابتسمت لنفسها وهمست:

— "لم أصبح أميرة فقط يا "آنا"...بل ملكة."

ثم خفضت رأسها، تائهة بين الحلم والحقيقة

قاطع شرود ريموندا مجددًا صوت السيدة فيونا، بنبرة صارمة تقطع السكون كما يقطع السيف الهواء:

— "النُّبْل ليس شكلًا فحسب، بل خُلق وسلوك."

ثم تابعت وهي تقترب، تضم عصًا صغيرة بين كفيها بخطوات واثقة:— "يجب أن تتعلّمي كيف تضحكين، كيف تأكلين، كيف تشمّين الزهر، كيف تبتسمين، كيف تجلسين... وكيف تبكين."

رفعت ريموندا حاجبها في تعجب، وارتسم الحيرة على ملامح وجهها، وقالت بدهشة:— ها؟ حتى... البكاء؟

توقّفت فيونا، واستدارت إليها بقوة، ونظرتها حادة كالسهم:— "هل تظنّين أن الملكات يبكين كالعوام؟!"

سارت نحو الباب، وقبل أن تخرج، ألقت بجملة أخيرة:

— "سيُعدّ الطعام خلال دقائق."

رمقت ريموندا انعكاسها في المرآة بذهول، تمرّرت على ملامحها الدهشة ، وسألت نفسها همسًا:— "هل سآكل بهذه الأناقة؟! ألن يتلطّخ كل هذا؟"

لكن صوت فيونا عاد يخترق الغرفة من عند الباب، وكأنها قرأت أفكارها: — "النبلاء يُحملون في جنائزهم وهم أنيقون، ما بالك أثناء الطعام؟"

ثم أغلقت الباب خلفها بقوة، تاركة الصمت يتردد في أرجاء الغرفة ، أغمضت ريموندا عينيها، وضغطت على صدغها بيدها، ثم تمتمت:— "يا إلهي... ما هذه السيدة؟!"

نظرت نحو الباب المغلق وقالت بمرارةٍ مازحة:— "لو كانت " آنا" هنا، لردّت عليها بطريقتها... وبكل جرأة!"

ثم تنهدت، وابتسمت رغماً عنها، كأنها تستحضر طيف صديقتها، لتجد بعض العزاء في وحدتها الملكية الجديدة

. دخلت السيدة فيونا بعد دقائق، تتبعها خادمات يضعن

أطباق الطعام أمام ريموندا بكل عناية. جلست ريموندا على طرف الكرسي، تنظر إلى الأطباق المتراصة أمامها، تتأمل الصحون الذهبية البراقة، وعينيها تتسعان دهشة.

همست لنفسها:— "هل... سأأكل وحدي؟!"

رفعت بصرها نحو الكرسي المقابل، حيث جلست فيونا تراقبها، ثم رفعت حاجبها وقالت ببرود:— "نعم.?"

أطرقت ريموندا بنظرها نحو المائدة مجددًا، وقالت في داخلها وهي تفتح عينيها على آخرهما: — "يا إلهي... الصحون تلمع كأنها مرآة... هل يمكن أن تكون من الذهب؟ لا، لا، لا! للثراء حدود! لا تكوني فلاحة حقيقية يا ريموندا!"

ثم رفعت نظرها إلى الشوكة والمِلعقة المزخرفتين، إلى حاملة الشموع التي تتوسط الطاولة، ثم عادت بنظرها إلى وجه فيونا التي كانت تحدق بها بشراسة، ورفع أحد حاجبيها كسيف مرفوع.

خفضت ريموندا بصرها فورًا. عندها، ابتسمت فيونا ابتسامة صغيرة وقالت:— "جيد النبلاء لا يأكلون قبل أن يُقال لهم: تفضلوا."

تمتمت ريموندا داخل نفسها:— "تظنّ أنني كنت أعرف؟! كنت فقط خائفة من الصراخ المعتاد... فلم أتقدّم."

قالت فيونا بنبرة آمرة:— "الآن، خذي الشوكة والسكين يجب أن تقطعي اللحم بالسكين، وتتناوليه بالشوكة افعلي كما أقول."

هزّت ريموندا رأسها موافقة، ثم بدأت في محاولتها، وأمسكت السكين والشوكة كما طلبت منها، وأخذت دقائق طويلة وهي تحك السكين على قطعة لحم قاومت كأنها صخرة من الفولاذ. كانت كل لحظة تنظر بخوف نحو فيونا التي تراقبها بعين ثابتة ووجه جامد، مما زاد من ارتباكها.

وأخيرًا، انقطعت القطعة، فرفعت ريموندا رأسها وقالت فرحة:— "ها! انقطعت!"

لكن النصر لم يدم طويلًا... رمقتها فيونا بنظرة جعلت فرحتها تذوب، فخفضت ريموندا رأسها كمن ارتكب جرمًا.

قالت فيونا بجفاف:— "لا يهم. الآن، ارفعي الشوكة إلى فمك... بهدوء."

أومأت ريموندا برأسها، ورفعت الشوكة بتأنٍّ، فابتسمت فيونا قليلًا:— "جيد. والآن... مرة أخرى."

عادت ريموندا لتكرّر العملية، غير أن القطعة الجديدة لم ترضَ بالخضوع كما سابقتها. كررت المحاولة، ويدها ترتجف، لكن ما هي إلا لحظة حتى... طارت قطعة اللحم من على الشوكة مباشرة إلى وجه السيدة فيونا.

شهقت ريموندا بصدمة، وعضّت على طرف أصابعها وقالت بصوت منخفض:— "أنا... آسفة..."

ظلّت فيونا تنظر إليها بنظرات مسمومة، قبل أن تتنهد بهدوء بالغ، تأخذ المنديل، تمسح وجهها برشاقة كمن اعتاد الكوارث، ثم قالت ببرود:— "سوف نتابع... إلى أن تتحولي من فلاحة... إلى نبيلة.

ظلّت السيدة فيونا توبّخ ريموندا دون هوادة، حتى تحوّلت المائدة من ساحة طعام إلى ساحة تدريب صارم. كل دقيقة كانت درسًا، وكل لقمة كانت امتحانًا. ساعاتٌ مضت على كيفية مسك الشوكة، وساعاتٌ أخرى لتعلّم قطع اللحم، وساعاتٌ ثالثة لتوقيت تناول اللقمة... لا بل حتى عدد القضمات في كل لقمة!

كانت التعليمات تنهال على رأس ريموندا كالسيل، كلمات مثل: "ارفعي الشوكة بزاوية خمس وأربعين درجة"، و"يجب أن تمضغي سبع مرات قبل البلع"، و"بعد كل ثلاث لقمات اشربي رشفة صغيرة من الكأس"، وكأنها في درس  لا جلسة طعام.

كان عقلها يتخبط وسط دوامة لا تنتهي، حتى أنّ الغداء امتدّ إلى المساء، وتحول إلى عشاء من شدة ما استُهلك من الوقت.

وأخيرًا، وقبل أن تخرج السيدة فيونا، التفتت إلى الخادمات وقالت بنبرة آمرة:— "ساعدنها للاستعداد للنوم."

ثم رفعت رأسها بتعالٍ، وأمسكت بمروحة صغيرة في يدها، وغادرت الغرفة بخطى واثقة ، قالت إحدى الخادمات بلطف: — "الحمام جاهز يا جلالتك."

شهقت ريموندا وهي تقول بذهول:— "مجدّدًا؟!"

ودخلت الحمام مرة أخرى، حيث تم الاعتناء بها كما في المرة الأولى. غُسلت خصلات شعرها بعناية، وعُطّرت بالمسك والورد، ثم سُرّح شعرها بتسريحة النوم المخصصة للملكات، كما قيل لها، وأُعطيت ملابس مريحة من الحرير الناعم. بعدها، تركنها الخادمات تستلقي على سريرها الملكي.

فتحت ذراعيها ونظرت للسقف قائلة بتنهيدة مُرهقة:

— "يا إلهي... أنا متعبة حتى من الرفاهية..."

لكن ما كادت تلتقط أنفاسها، حتى جلست مفزوعة على السرير، وقد وضعت يدها على صدرها بخوف... كان هو واقفًا أمام السرير بصمت.

قالت بارتباك وهي تحاول التقاط أنفاسها:

— "متى... متى دخلت؟!"

أجابها بهدوء عميق ونبرة لا تحمل انفعالًا:

— "جئت لأشرح لك ما يجب أن تفهميه."

توسّعت عيناها وهو يكمل:— "ما هو أكيد... أنني لم أحضرك ليتم ، تبجيلك ."

نظرت إليه بذهول، وظلّ يحدّق فيها، ونظراتهما تتشابك وسط صمت غريب، ثقيل، يوحي بأن الحقيقة على وشك أن تُقال....

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   قلادة

    كأنّ التساؤلات انهالت عليه دفعةً واحدة: كيف يعرف هذا الوحش بشأن نطاق الطاقة؟ كيف يعرف المسافة المطلوبة؟ وإن كان لهذه الكائنات ملكٌ يقودها... فهي بطبيعتها بدائية، لا عقل بشريًا لها كي تتطور أو تنتظم ، لقد أُبيدت الأنواع المتقدمة منها سلفًا لوضع حدٍّ لها... لكن من يدري؟إن كانت هذه الكائنات قد تطورت إلى هذه الدرجة... فربما هذا أبسط ما لديها.شدّ كاسبر على أسنانه، ثم ركل الوحش في بطنه فتراجع للخلف. رفع كاسبر كفّه عاليًا، لكن الوحش — وبسرعة خاطفة — أمسك بمعصمه قبل أن يستوعب ما يحدث ، ابتسم له ابتسامة واسعة، ثم لوى معصمه وكسره.صرخ كاسبر متأوهًا: —يا إلهي... سحقًا!نظر إلى الوحش بغضب، ثم ركله بقوة ليندفع بعيدًا. أمسك بيده المصابة، عضّ على أسنانه، ولفّها بعنف حتى أعاد العظم إلى موضعه، يتنفس بسرعة من شدّة الألم. أغمض عينيه، وقف بثبات، أرجع إحدى قدميه للخلف، وأحكم قبضته على السيف... ثم اندفع.اصطدم السيفان، ودخلا في مبارزةٍ ساخنة؛ كلٌّ منهما يقاتل بكل ما لديه ، توقفا أخيرًا، يتنفسان بصعوبة، وصدر كاسبر يعلو ويهبط بعنف.علّق الوحش سيفه على كتفه، وابتسم بخبث قائلًا:—أتعرف أنني ألهو معك منذ ساعات

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   من المتحكم

    وقف كاسبر على صهوة حصانه في مقدمة الجيش ، إلى جانبه ألكسندر وأوغست، وفي الجهة الأخرى ليوبولد وخلفهم الجيش متراصٌّ في صفوف ممتدة.تقدّم كاسبر خطوة، ثم استدار بحصانه ليواجه الجنود، بينما بقي الثلاثة في ثباتهم قال بصوت جهوري، ممسكًا بلجام حصانه:—اسمعوا أيها الجيش...ساد الصمت.تابع :—تذكّروا جيدًا أننا ندخل أقوى وأرعب أرض... أرض تايتا. مقبرة البشرية.شدّ على اللجام :—لكن تذكّروا... لا شيء أقوى من كاليمور وجيشها ، رفع صوته أكثر:—اثبتوا! ترابطوا. ! وإياكم والتردد!ثم صرخ:—إما النصر... أو النصر!»ارتجّ الميدان بصوت الجنود:—تحيا كاليمور! يحيا الجيش الكاليموري! بينما كانت الهتافات تتصاعد، ظل أوغست يمسح الأفق بنظرة حادة، يقيّم الأرض والاتجاهات بصمترفع كاسبر يده عاليًا وأشار: —الوحدة الأولى إلى الشرق!تحرّك جيش ليوبولد ، الوحدة الثانية إلى الغرب...!اندفع جيش ألكسندر ، الوحدة الثالثة إلى الشمال! تحرّك جيش أوغست ثم قال اخيرا: —الوحدة الأخيرة... خلفي.استدار بحصانه وانطلق، فتبعته القوات، وغبار الرمال يرتفع تحت حوافر الخيل توقّف أوغست لحظة نظر إلى كاسبر وهو يبتعد مع جيشه...ثم استدار بصمت، وأكمل طر

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   الموت او الاذلال

    تراجعت كارينا خطوة صغيرة إلى الخلف، وكأن كلمة "وفاق" لم تكن بريئة كما بدت لها تسارعت أنفاسها أكثر، وعيناها ما زالتا معلّقتين به بحذر ، قالت بصوت منخفض متردد: —و... ما معنى هذا الوفاق؟ابتسم بيرون ابتسامة خفيفة، وأدار رأسه قليلًا كأنه يختار كلماته بعناية:—معناه بسيط جدًا... اقترب خطوة واحدة فقط دون أن يلمسها، لكن المسافة بينهما صارت خانقة: —أن نتوقف عن لعب دور الأعداء.سكت لحظة، ثم تابع بنبرة أخف، شبه ساخرة:—أنا لا أحب أن أكون عدوًا لأحد... خصوصًا لمن يحمل أسرارًا خطيرة كهذه.ارتجفت أصابعها قليلًا ،قالت بسرعة:—أنا لا أفهم ما تقصده ، اسرار ماذا؟رفع حاجبه، ثم أشار بخفة إلى المكان الذي كان فيه الكاتب قبل قليل، اغمضت عينيها بحسرة على حالها ، خفض صوته:—دعيني أكون أوضح...اقترب نصف خطوة أخرى، فشدّت جسدها تلقائيًا :—أنا لم أركِ... ولم أرَ شيئًا لا الكاتب... ولا هذا المشهد المثير للاهتمام.ثم أضاف بسخرية خفيفة:—وأنتِ ..من الآن فصاعدًا... ابنة بارة بعمها حسناً؟؟ ثم...أليس العم أبًا؟ارتجفت شفتاها: —ولِمَ تظن انني سوف أفعل ما تريد؟ابتسم بيرون بهدوء غريب:—لأنكِ ذكية ، ثم أمال رأسه قليلًا: —وا

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   ان نكون على وفاق

    اتكأ إيلادور على الكرسي :-أنا أسمع... تفضّلي يا آنسة... ....ريموندا؟ ، نظرت إليه بامتعاض، وتمتمت بصوت خافت:—هل يدّعي أنه لا يتذكر اسمي جيدًا؟؟؟قال إيلادور:—معذرة؟ ، رفعت ريموندا رأسها بسرعة، وقالت وهي تتدارك بابتسامة قصيرة:—لا، لم أقل شيئًا. عمومًا... لديّ مخزون أسئلة لدرجة أنني لا أعرف بأيّها أبدأ!سكت لحظات، ثم قال:—اسألي أي شيء. أنا أسمع.رفعت سبابتها قائلة :—وستجيب عليها كلها، أليس كذلك؟نظر إليها ورد بهدوء: —سأجيب على ما أعرف.ضيّقت عينيها قائلة : —أنت تعرفها كلها . ما أعنيه... أنك لن تتفادى الإجابة.فرد ببرود:—بل سأتفادى ما لا يناسبني. لذا اسألي... دون شروط ، تلفّتت بتذمر، فتنهد قائلا :—ألن تسألي؟التفتت إليه ثم قالت : آه... نعم. في الحقيقة... كيف تُضيئون الأماكن هنا؟ عقد حاجبيه تساؤلاً: كيف؟ لا أفهم قصدك.قالت على استحياء:—نحن نستخدم الشموع لإضاءة الحجرات و... هزّ رأسه وقد فهم: —آه... تسألين عن تلك القوة التي تُنير بلا فتيل!!؟؟سكت لحظة، ثم قال: —نسميها كهرباء ، وأشار إلى الجدار:—هي نورٌ يسري في أسلاك خفية، كما يسري الماء في القنوات لا زيت لها، ولا نار... ومع ذلك تملأ المكان

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   لا اعرف الخوف

    عمَّ الصمت والهدوء ، قال الإمبراطور دون أن يلتفت: "تفضّل"اقترب إيلادور رفع الإمبراطور كأس العصير وارتشف منه، بينما كان إيلادور يتأمّله بصمت تقدّم بخطوات ثقيلة تهزّ الأرض حتى وقف أمام الإمبراطور مباشرة، ينظر إليه بحدّةٍ اعتادها الجميع منه؛ وجهٌ متجهّم لا يعرف اللين.رفع الإمبراطور رأسه ، تبادلا النظرات وضع الإمبراطور كأسه على الطاولة وأشار بكفّه إلى إيلادور أن يجلس نظر إليه لحظة، ثم جلس على الكرسي المقابل، وظلّ ينظر بثبات دون أن ينبس بكلمة.ابتسم الإمبراطور ابتسامة خفيفة، وخفض رأسه قليلًا وقال:—اسكب لنفسك كأسًا... لعلّنا سنقول الكثير.نظر إيلادور إلى القنينة الزجاجية، ثم إلى الكأس الفارغ أمامه، ورفع رأسه متكئًا وقال:—ألستَ من استضافني؟ اسكب لي أنت.توقف الإمبراطور والكأس بين يديه، ثم ابتسم بسخرية خفيفة وضعه جانبًا واتكأ على كرسيّه قائلًا:—أظنّ أن والدك علّمك أشياء كثيرة يا إيلادور... لكنه لم يعلّمك الخوف.ظلّ إيلادور صامتًا تابع الإمبراطور:—وهذا طبيعي... لا يمكنه أن يعلّمك شيئًا هو شخصيًا لا يعترف به ، والدك كان محاربًا قويًا... وصديقًا جيدًا لي.»عقد إيلادور حاجبيه أكثر حتى بدا وجهه

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   مفاجآت

    جلست ريموندا على طرف السرير، حيث كان إيلادور يغطّ في نومٍ مضطرب، يتعرّق بغزارة ولأول مرة... تراه عن قربٍ إلى هذه الدرجة. كان شعره الأسود الفحمي يصل إلى نهاية عنقه وتلك الظلال الداكنة تحت عينيه الحادتين ، كانت تدل على الإجهاد الذي يعيشه وتلك التجاعيد بين حاجبيه ، تلك التي طُبعت على وجهه من كثرة ما كان يقطّبهما ، أثر شاربٍ خفيف بالكاد يُرى ،عظام فكه البارزة ووجهه... المليء بالخدوش ،قديمة... وجديدة آثار معارك لا تُحصى.وهناك ندبةٌ قديمة تبدأ من مدمع عينه اليسرى، تمتد مائلةً عبر وجهه حتى تصل إلى نهاية أنفه في الجهة اليمنى وضعت كفّها برفق على جبينه كان جسده يشتعل كالنار من شدّة الحمى.تمتمت بقلق: —يا إلهي... ماذا عليّ أن أفعل؟ نظرت إلى الباب... ثم إليه ، فخاطبت نفسها بخفوت: —لقد رفض قطعًا أن أخبر أحدًا...سكتت لحظة تفكّر بحيرة ثم قالت: —على الأقل... يجب أن أُخفّف هذه الحرارة ، وقفت لتستعد لتخرج لكنه تحرّك قليلًا فتوقّفت، راقبته مال برأسه قليلًا... لكنه ظل نائمًا تنفّست بعمق، ثم خرجت من الجناح بعد دقائق، عادت تحمل وعاءً ممتلئًا بالماء، ومعه قطع قماش.جلست قرب رأسه ،بلّلت القماش ، عصرته فو

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status