تسجيل الدخولظلت تتراجع إلى الخلف، خطواتها الصغيرة تتعثر في بلاطٍ بدا وكأنه يذوب تحتها، وصوته يزحف خلفها كهمس الأفاعي:— "لقد دفعت لوالدك لقاء هذا..."
اتسعت عينا ريموندا، تراجع النور منهما فجأة، كأن روحها شُطِبت ، وضعت كفيها على فمها، محاولة كتم شهقة الخذلان...في داخلها، شيء تكسّر بصوتٍ لم يسمعه أحد، لكنها سمعته جيدًا. "لماذا يا أبي؟" ترددت الجملة في ذهنها كجرس جنازة ، واصلت تراجعها...حتى اصطدمت بطاولة ارتجّ قلبها. كان هناك حامل شموع فضي. أمسكته ، رفعته ، وضربت ، ارتد رأسه للخلف، وسقطت منه صرخة مفترسة:— "أيتها المتسولة الصغيرة! كيف تجرؤين؟!" استغلت اللحظة...ركضت ، صوت قدميها كأنهما نداء النجاة ، دموعها كانت تسبقها سقطت الوردة التي كانت على شعرها وردة صغيرة... لكن ذابلة تمامًا. خرجت من المنزل ، الشارع صامت، والثلج بدأ في السقوط ، رآها السيد براد، الخباز، وهو يغلق المخبز. تمتم بقلق:— "ريموندا؟" لكنها لم تسمع...أو ربما لم تكن مستعدة لسماع شيء دخلت منزلها،أغلقت الباب،ودخلت غرفتها ، وجلست في الزاوية، تضمّ ركبتيها، وتدفن رأسها بينهما تبكي... بصمت ، حتى البكاء لديها خاضع لقوانين. لم تنم ، عيناها ظلّتا مفتوحتين حتى ذاب الليل ، وفي الفجر، سُمِع صوت والدها... كالعادة... ثمل خرجت، فوجدته يتمايل وهو يحمل زجاجة خمر جديدة. ابتسم وهو يهز الزجاجة كمن حصل على الكنز: — "انظري... زجاجة كاملة... لي وحدي... لن يشاركني أحد... هههه..." قالت بصوت مكسور:— "هل... بعتني لقاء زجاجة خمر؟ بئس السبب " رفع رأسه بصعوبة، يحاول أن يفهم قالت، والدموع تنهمر:— "كيف... كيف تبيع ابنتك ؟ لم أطلب منك شيئًا قط... طيلة حياتي... وأنا فقط... أحاول أن أحيا، لا أن أعيش... لكن... كنت ستسلب مني حتى ذلك... ولأجل ماذا؟ زجاجة خمر؟!" نظر إليها باشمئزاز واحتقار: — "أولست من رفض إعطائي المال؟... أيتها السخيفة! تعالي... سأريك..." لكنه سقط ، سقط أمامها كجثة من خمر ، وهو يهمهم بكلماتٍ متقطعة:— "أنتِ... كامك... لا تستحقان شيئًا..." ثم نام اختفى صوته لكن السمّ بقي. جلست...تبكي... لكنها لم تبكِ على ما حدث هذه الليلة... بل على كل شيء ، كان رين، في زاوية الممر، ينظر إليها... بعينين كبيرتين... مكسورتين. لم يقل شيئًا ولم تقل مسحت دموعها،أخذت يد أخيها الصغيرة، وخرجا من المنزل في صمت. لكن ما ينتظرهما...كان أسوأ مما توقعت... خرجت ريموندا من بيتها، وما كانت قد جففت دموعها بعد ، كانت السماء رمادية، كما لو أنها تنتظر فقط لحظة الانهيار لتسقط بالبكاء لكن المفاجأة لم تأتِ من السماء... بل من الأرض. صفّ من النسوة أمامها، بقيادة السيدة ميرندا، وإلى خلفهن، يقف السيد ويليم بثبات خادع، يمرّر يده على كرشه المنتفخ، وعيناه تبرقان بلمعانٍ خبيث. رفعت ميرندا يدها مشيرة إلى ريموندا، وقالت بصوت جافّ يقطر ادّعاءً : — "هذه هي! الشيطانة الصغيرة، التي حاولت إغواء زوجي!" اتسعت عينا ريموندا، وقلبها خفق بسرعة... قالت بارتباك، وقد اشتعل الخوف في وجهها:— "سيدة ميرندا... ماذا تقولين؟!" تقدمت ميرندا بخطى ثابتة، ورفعت حاجبها بازدراء: — "ما زلتِ تتظاهرين بالطهارة؟ هذه الوردة التي وُجدت في بيتي... أليست لكِ؟ نظرت ريموندا للوردة وقالت بهدوء: — "نعم، الوردة لي... لكن..." قاطعتها امرأة من بين النساء وقالت بصوت مرتفع: — "اعترفت! المتسولة الفقيرة تُغوي الرجال حتى تسرقهم! و امرأة اخرى من الخلف:— "سمعتن يا سيدات؟ الفتاة المتسوّلة تُراود الرجال المحترمين! هذا ما تفعله الفقيرات ... يغوين كي يأكلن! حتى ارتفع صوت في الجموع:— "لنرجمها بالحجارة! لتكن عبرة لكل من تسوّل لها نفسها! وانطلقت الهمسات...ثم النظرات...ثم الشتائم. رين الصغير، وقف مذهولًا، لا يفهم ما يجري، يركض من امرأة إلى أخرى، يستجدي الرحمة لأخته: — "أرجوكم! لا تؤذوا ريموندا! أرجوكم!" لكن الصوت ضاع وسط غضبٍ أعمى أُلقي حجر. ثم آخر ، تكوّرت ريموندا على الأرض، تغطي رأسها بذراعيها، ووجهها يحترق من العار، وجسدها يرتجف من الألم. "ارموها!" "فلتكن عبرة!" "هكذا تتطاول الخادمات!" الحجارة كانت كلمات ، والكلمات كانت أحجارًا. ثم...اخترق الصوت المشهد ، صوت يلهث، يركض، يصرخ: — "آنا! آنا! صديقتك... تُرجم بالحجارة!" كانت آنا تستعد للذهاب إلى البستان، لكنها ما إن سمعت الخبر، حتى رمت سلتها،واندفعت كالريح. وصلت إلى الساحة،ورأت ريموندا مُنهارة في الأرض، والنساء يتحلقن حولها كذئابٍ حول فريسة انشقّت الجموع، ودخلت فتاة واحدة (آنا) وقفت أمامها كدرع لا يُكسر عقدت ذراعيها في صدرها، ونظرت إلى النساء نظرة النسر من فوق: — "ماذا تظنن أنفسكن فاعلات؟! أتسقط امرأة في حيّنا، ولا أحد يرفعها؟!" رفعت ريموندا رأسها، ورأت صديقتها واقفة كسيفٍ براق في معركة ظالمة. قالت امرأة: — "هذه الفاسقة الصغيرة راودت زوج ميرندا! قاطعتها آنا، رفعت آنا نظرها إلى السيدة، ثم أشارت إلى السيد ويليم في الخلف:— "اهذا هو الزوج المنشود ؟! قالت ميرندا بفخرٍ أعمى: — "نعم، إنه زوجي! ضحكت آنا بسخرية:— "كرشه أكبر من فرن أبي؟!" صُدمت النساء. لكن آنا تقدمت أكثر، وصوتها يزداد ثباتًا:— "حتى لو توسّل هذا الكائن لريموندا، ما كانت لتعيره التفاتة. لانه ببساطة لدينا قاعدة بسيطة أنا وهي: نحن اولا لا نغوي الرجال بالاخص الفلاحين، ولا قصار القامة ، ولا القبيحين، ولا أصحاب الكروش وزوجكِ... للأسف، يجمع كل هذا في جسد واحد!" ضجّ الناس بالضحك، وأحمرّ وجه ويليم، فتقدم خطوة: — "ماذا قلتِ أيتها الشقيّة؟! صُدمت ميرندا، وزمّت شفتيها: — "زوجي فلاح؟! هذا غير مقبول!" أجابت آنا بهدوء:— "جميل، إذًا تعترفين ببقية الصفات. و في منتصف المُشاحنات ، مرّ بائع جرائد، قال وهو يهز رأسه:— "لا تدافعي عن سيئة السمعة يا بنت الخباز، فتصيبك العدوى." التفتت إليه آنا ببرود:— "اهتم بشؤونك، واحتفظ بوجهك البائس لمرآتك." ثم التفتت للنساء: — "أتظنّن أن الزواج بمن لم يكن لكنّ خيار سواهم انتصار؟ هذا هزيمة، لكن بطعم الخضوع! أنتم استسلمتن مبكرًا، لذا تهجمن من ترفض الهزيمة؟ ثم، متى صار الفقر تهمة؟ أتهاجمون فتاة لأنها بلا أم تحميها؟! أتعاقب لأنها لم تُولد في قصر؟! ثم رفعت يدها وأشارت إليهن:— "ماذا لو كانت ريموندا... ابنة واحد منكن ؟ ما كنتن فاعلات؟"" سكتت النسوة...وانخفضت رؤوسهن، واحدة تلو الأخرى.تراجع الجمع ثم تفرّق. ظلت ريموندا جالسة، والدموع تغسل غبار الحجارة عن خدّيها مدّت آنا يدها إليها بابتسامة نظرت ريموندا... ابتسمت، وأمسكت بها ثم وقفت..... رافقتها آنا حتى عتبة المنزل، ثم التفتت إليها وقالت بنبرة حازمة: — "سأُوصِل رين إلى مدرسته، وأذهب للعمل في البستان مكانكِ اليوم. ارتاحي أنتِ." رفعت ريموندا يدها باعتراض خافت، شبه همسة: — "لا، آنا... لا أريد أن أثقل عليكِ أكثر." لكن آنا اكتفت بابتسامة ساخرة: — "ثقلتِ أصلًا، فات الأوان." ثم أشارت بيدها إلى الداخل:— "ادخلي وارتاحي. أوامر عليا." ابتسمت ريموندا ابتسامة خفيفة، تكاد تُرى، وقالت بعين دامعة:— "شكرًا، آنا... شكرًا على كل شيء." لوّحت آنا براحة يدها، لا مبالية كعادتها: — "لا بأس." ثم أمسكت بيد رين وذهبت به. ظل الصغير يلتفت إلى الوراء في كل خطوة، يُراقب وجه أخته بصمت، حتى اختفى أثرهما. مرّ اليوم ببطء ثقيل. وجاء اليوم التالي، استيقظت ريموندا، جلست على طرف فراشها كأنها خارجة من كابوس ، ثم تناولت المشط، لكنها سرعان ما أدركت أن ما تبقّى منه ليس إلا عودين مكسورين . تنهدت بمرارة، مررت أصابعها في شعرها عوضًا عنه، ثم ارتدت معطفها وأسدلته على رأسها ، اقتربت من المرآة المكسورة، نظرت إلى انعكاسها ، الهالات تحت عينيها تنطق عن ليالٍ بلا نوم لم تعلق... فقط ابتلعت التعب كعادتها. أوصلت رين، ومرّت بجانب المخبز، فسلّمت على السيد براد... لكنه تجاهلها تمامًا لم تنطق بكلمة وصلت البستان، وقبل أن تلمس يدها التراب، دوّى صوت صارم خلفها: — "أنتِ!" التفتت بفزع ، ضمّت يديها إلى صدرها كأنها تتوسّل: — "نعم، سيدة مولان؟" قالت الأخيرة ببرود:— "من الآن فصاعدًا، لن تعملي هنا." رفعت ريموندا حاجبيها، مصدومة: — "ماذا؟! لكن سيدة مولان، لماذا—" قاطعتها السيدة، وقد اشتد صوتها: لا تسمعين ما يتناقله الناس؟، "سمعتكِ لا تسمح لكِ بالبقاء. أجابتها بسرعه ريموندا لكن هذا كل مجرد كذب ردت عليها ببرود: لا يهمّ إن كان ما يقال صحيحًا أو لا... ما يهمّ هو أن الناس يتحدثون. وهذا كافٍ." اتسعت عيناها، تاهت الكلمات من شفتيها. نظرت إلى العاملات من حولها ، واحدة منهن رمقتها بنظرة سريعة، ثم خفضت رأسها، وعادت إلى عملها بصمت حتى آنا... تجاهلتها تمامًا، وكأنها لا تراها. خرجت ريموندا من البستان يائسة، تجوب الحي من باب إلى باب ، كل من طرقت بابه، أُغلق في وجهها. كل نساء الحي، رفضن تشغيلها ، الجميع يتعامل معها كأنها طاعونٌ بشري، مرضٌ خفي. في طريق العودة، سمعت صوتًا يناديها:— "ريموندا؟" رفعت رأسها، وجففت دموعها سريعًا كان جاك. ابتسمت مجهدة:— "مرحبًا، جاك... كيف حالك؟" أومأ بجفاف:— "كنت أريد الكتاب الذي أعرته لك." أخرجت الكتاب من السلة على عجل: — "تفضّل. كنت سآتي به إليك." أخذه، ولم يقل شيئًا استدار ومضى، كما جاء، خفيفًا خفيفًا... كأنه لم يكن ، نظرت اليه للحظات وهو يغادر ولم تنبس بكلمة. وفي طريق عودتها إلى البيت، كانت خطوات ريموندا سريعة لكنها مثقلة بالخذلان... وبينما تمرّ في أحد الأزقة القريبة من منزلها، لمحت مجموعة من الشباب الواقفين على طرف الطريق، يضحكون ويتسامرون بلا اكتراث. أحدهم قال بنبرة ساخرة: — "أوه، انظروا من هنا... الخادمة الصغيرة!" ضحك آخر وأضاف وهو يلوّح بقطعة خبز: — "هل تريدين خبزًا؟ تعالي إلى منزلي وخذيه، مع خدمة إضافية!" وانفجروا جميعًا بالضحك، ضحكات فظة لا ترحم. كانت أعين المارة عليها... نظراتهم ليست كلها شفقة، بل بعضها تواطؤ صامت، وبعضها إدانة صامتة تقول: أنتِ تستحقين. ضغطت على أسنانها وهي تخفض رأسها، تتمنى لو تختفي، لو تذوب في الهواء... لم تستطع احتمال المزيد. ركضت ، ركضت بكل قوتها، لا تعرف إن كانت تهرب من السخرية، من الألم، من نظرات الاتهام... أم من كل ذلك مجتمِعًا وصلت إلى البيت... فتجمد الدم في عروقها رين... رأسه ينزف، يجلس عند العتبة صرخت: — "رين! ما بك؟!" أخذته إلى الداخل، نظّفت جرحه بقطعة قماشها "بندانتها الوحيدة" . — "لماذا دخلت في شجار؟ ألم أحذّرك؟!" قال بصوت متعب:— "كان يسيء إليكِ... قال كلامًا سيئًا، لم أحتمله." أغمضت عينيها، وسكبت دموعها دون حيلة. ثم نظرت إليه، وأمسكت بكتفيه:— "اسمعني جيدًا ، تجاهلهم لأنك إن حاولت إسكات أفواه الناس... فستشيب قبل أن تُسكت أحدًا." هزّ رأسه، تمتم:— "لكنّي لم أتحمل." لم تجبه فقط سحبت نفسها إلى غرفتها، تاملت الحصاله لوهلة ، ثم رفعتها ضمّتها إلى صدرها كطفل يتيم : — "أمي... كنت فقط أريد أن أراكِ. انهمرت دموعها من جديد، حتى قطع الطرق الخفيف حبل تفكيرها، مسحت دموعها بسرعة وخرجت لترى من الطارق كانت آنا تقف أمام الباب. تمتمت آنا:— "مرحبًا..." نظرت إليها ريموندا باستغراب وسألت: — "آنا؟ لماذا قطعتِ كل هذه المسافة؟" ابتسمت آنا بسخرية خفيفة وقالت: — "أعلم أنني أصبحت أزوركِ كثيرًا، وهذا غير معتاد، لكن جئت لأوضح ما حدث في البستان." سكتت ريموندا لثوانٍ، ثم قالت بخفوت: — "أعرف... يجب أن تحمي سمعتكِ، وأن..." رمشت آنا بدهشة ثم قاطعتها:— "ماذا؟ لا يا سخيفة!" وأشارت بكفّها بلا مبالاة:— "أمي عينت فتاة تراقبني حتى لا أتحدث معكِ. أمي تصدّق ثرثرة الحي كالعادة، فأردت فقط أن أوهمها أنني أُطيعها، لا أكثر." ، ابتسمت ريموندا بخجل:— "شكرًا لكِ، آنا..." قالت آنا وهي تستدير:— "عليّ العودة الآن... إلى اللقاء." ردّت ريموندا بإشارة من يدها. وبينما كانت آنا تبتعد، صادفت والد ريموندا في طريقه إلى البيت، كما اعتاد، مترنّحًا من السكر. نظرت إليه آنا بدهشة، حتى دخل منزله، ثم وضعت يدها على فمها وقالت متمتمة: — "أمعقول؟ هذا والد ريموندا؟!" وضربت جبينها بيدها:— "يا لي من غبية!" ثم ركضت مبتعدة. مرّت الأيام ولم يتغيّر شيء ، لم يُقبل أحد على توظيف ريموندا، فسمعتها في الحي قد ساءت، والمنطقة صغيرة، والأحاديث تنتشر فيها بسرعة. ومع فقدان العمل، نفد ما كانت تدّخره من نقود خلال شهور، في أيام قليلة فقط، لتغطية الطعام والشراب. أما رين، فقد فُصل من المدرسة، والمعلم لم يتفهّم ظروفهم. قال لها ببرود:— "من ذا الذي يوظف فتاة بسمعة سيئة؟ لن أراهن على تدريس أخيكِ." وفي يوم بائس، سُمِع طرق على الباب ، فتحت ريموندا، كان فمها جافًا من الجوع، فلم تأكل منذ الصباح شيئًا. كان رين قد اعتاد الركض من بيت إلى آخر، يأكل عند أصدقائه ليسدّ جوعه. كان القادم، كان رجلًا يرتدي معطفًا أسود طويلًا، يتخصر بحزام ،وقبعة سوداء ذات أطراف حادة كعادته. إنه خالها "هنري". ابتسم بلطف وقال: — "مرحبًا صغيرتي." قالت ريموندا وهي تفتح الباب بسرعة: — "تفضّل خالي." دخل وجلس بهدوء. وبعد دقائق من الصمت، كسره قائلاً: — "ريموندا، أعلم ما حدث وما يحدث. لذا... تعالي معي، ننتقل إلى منطقَتي. ستعيشين مع بيل والبقية." رفعت ريموندا عينيها إليه، والدمع فيها يتلألأ: — "وماذا عن رين؟" نظر إليها بصمت، ولم يُجب ، أضافت بانكسار: — "كيف تريد مني أن أتركه؟ إنه طفلي قبل أن يكون أخي..." تنهد مجيبا عليها:— "أنا لا أرفض، أنتِ ابنة أختي... لكن رين ... والده لن يرضى." أجابت ريموندا بهدوء: — "أعرف يا خالي، ولا ألومك. وشكرًا على عرضك الطيب، لكن لا يمكنني ترك رين ، لن أختار نفسي عليه." خفضت رأسها، فابتسم هنري بألم وفتح يديه مستسلمًا: — "لا كلام يُقال بعد هذا." ودّعته عند الباب، وقبل أن تعود للداخل، أمسكت آنا بمعصمها فجأة وقالت:— "تعالي معي." سحبتها تركض بها بينما كانت القلادة الصغيرة تتارجح على عنق ريموندا ، صاحت ريموندا بدهشة: — "آنا! ماذا تفعلين؟!" مروا بخالها الذي تابعهم بنظراته ، قالت آنا بحماس وهي تجرّها:— "ستعرفين عندما نصل! —على الاقل دعني اغلق الباب!" ضحكت ثم أضافت:— "لا بأس، أغلقيه لاحقًا!" عندما وصلت ريموندا وجدت أن الوجهة هي مجلس الحي، وجدت العم براد جالسًا هناك مع ويليم وعدد من رجال الحي ، وكان الطفل الذي استدعاها في الزاوية، يتلفّت بخوف ، وقفت ريموندا عند الباب، وضمّت يديها أمام صدرها، تتحاشى النظر إلى أحد. ابتسم لها العم براد بعفويته المعتادة، وقال بلطف: – "تعالي يا ابنتي، لا تخافي." ضربت آنا كتفها بكتف ريموندا، وأشارت لها بحاجبها أن تقترب. سارت ريموندا بخطى مترددة حتى جلست بهدوء، بينما كان ويليم يرمقها بنظرات حاقدة مليئة بالتهديد. بدأ العم براد الحديث:– "مرحبًا بكم أيها السادة، وأعتذر عن إزعاجكم، لكنني كرجل مسؤول في هذا المجتمع، لا يمكنني السكوت عن إشاعة تهدم حياة فتاة صغيرة." قاطعه ويليم بسخرية: – "وأين والدها من كل هذا؟ قضية كهذه تستدعي حضوره ، أو ربما لأنها بلا أب، أو لأن أباها المخمور لا يعنيه الأمر؟" أغمض براد عينيه بصبر، وقال بهدوء: – "لسنا هنا لنتحدث عن والدها، بل عن الحقيقة." لكن ويليم لم يسكت، بل وقف بكامل طوله يخاطب رجال المجلس بصوت عالٍ: – "أيها الرجال! هل سنصدق رواية فتاة نشأت بلا أم، وتحت يد أب سكير؟ هل أحدكم مستعد للاستماع إليها أصلًا؟" ارتفعت الأصوات في المجلس، بعضهم متردد، وآخرون يهمسون ، رفع براد يده لتهدئة الحاضرين، ثم قال: – "أيها السادة، مهما كانت الظروف، يبقى البريء بريئًا. وأنا أشهد أنني رأيت ريموندا في تلك الليلة، كانت تركض مذعورة وتبكي." ضحك ويليم باستهزاء:– "وهذا يُعد دليلًا؟ مجرد رؤيتك لها؟" لكن براد أشار إلى الطفل الذي كان يقف خلفه، وقال بثقة: – "هذا هو دليلي." نظر ويليم إلى الطفل بنظرة مليئة بالتهديد، فاختبأ الطفل خلف العم براد ، اقترب منه براد وربت على كتفه مطمئنًا، فتكلم الطفل بصوت خافت: – "نعم... العم ويليم هو من طلب مني أن أنادي ريموندا، وقال لي أن أُخبرها أن السيدة ميرندا تطلبها." عمّ الصمت، ثم تبعته همهمات متصاعدة، وسادت الفوضى في المجلس ، أغمضت ريموندا عينيها، والدموع تنهمر على وجنتيها بصمت. صرخ ويليم غاضبًا، وهو يشير إلى الرجال: – "كذب! كذب! لا تصدقوا هذا!" لكن الرجال لم يلتفتوا له، بل وقفوا وغادروا المجلس واحدًا تلو الآخر، غير مقتنعين بكلامه. وقف ويليم مصدومًا، عاجزًا عن إيقافهم، ثم رمق براد بنظرة مليئة بالغضب والحقد ، وعندما وصل إلى الباب، التفت ناحية ريموندا، وكانت تمسك ذراعها بخوف وتتجنب النظر إليه، فابتسم بسخرية وقال بصوت خافت مليء بالوعيد:– "متسولة قذرة... ستدفعين الثمن." ثم خرج وصفق الباب خلفه بعنف، تاركًا خلفه صمتًا ثقيلًا ، أعادت ريموندا أنفاسها بصعوبة، وأخيرًا... تنهدت بارتياح ، أغمضت عينيها ببطء، كأنها تسمح لدموعها بأن تنهمر دون مقاومة، تفرغ ثقلًا ظلّ مختنقًا في صدرها لليالٍ طويلة. مسحت دموعها بأطراف أصابعها، ثم همّت بالوقوف والذهاب، لكن صوت العم براد جاءها بشكل مفاجئ، — "هل تظنين أن الأمر انتهى عند هذه اللحظة؟".....كأنّ التساؤلات انهالت عليه دفعةً واحدة: كيف يعرف هذا الوحش بشأن نطاق الطاقة؟ كيف يعرف المسافة المطلوبة؟ وإن كان لهذه الكائنات ملكٌ يقودها... فهي بطبيعتها بدائية، لا عقل بشريًا لها كي تتطور أو تنتظم ، لقد أُبيدت الأنواع المتقدمة منها سلفًا لوضع حدٍّ لها... لكن من يدري؟إن كانت هذه الكائنات قد تطورت إلى هذه الدرجة... فربما هذا أبسط ما لديها.شدّ كاسبر على أسنانه، ثم ركل الوحش في بطنه فتراجع للخلف. رفع كاسبر كفّه عاليًا، لكن الوحش — وبسرعة خاطفة — أمسك بمعصمه قبل أن يستوعب ما يحدث ، ابتسم له ابتسامة واسعة، ثم لوى معصمه وكسره.صرخ كاسبر متأوهًا: —يا إلهي... سحقًا!نظر إلى الوحش بغضب، ثم ركله بقوة ليندفع بعيدًا. أمسك بيده المصابة، عضّ على أسنانه، ولفّها بعنف حتى أعاد العظم إلى موضعه، يتنفس بسرعة من شدّة الألم. أغمض عينيه، وقف بثبات، أرجع إحدى قدميه للخلف، وأحكم قبضته على السيف... ثم اندفع.اصطدم السيفان، ودخلا في مبارزةٍ ساخنة؛ كلٌّ منهما يقاتل بكل ما لديه ، توقفا أخيرًا، يتنفسان بصعوبة، وصدر كاسبر يعلو ويهبط بعنف.علّق الوحش سيفه على كتفه، وابتسم بخبث قائلًا:—أتعرف أنني ألهو معك منذ ساعات
وقف كاسبر على صهوة حصانه في مقدمة الجيش ، إلى جانبه ألكسندر وأوغست، وفي الجهة الأخرى ليوبولد وخلفهم الجيش متراصٌّ في صفوف ممتدة.تقدّم كاسبر خطوة، ثم استدار بحصانه ليواجه الجنود، بينما بقي الثلاثة في ثباتهم قال بصوت جهوري، ممسكًا بلجام حصانه:—اسمعوا أيها الجيش...ساد الصمت.تابع :—تذكّروا جيدًا أننا ندخل أقوى وأرعب أرض... أرض تايتا. مقبرة البشرية.شدّ على اللجام :—لكن تذكّروا... لا شيء أقوى من كاليمور وجيشها ، رفع صوته أكثر:—اثبتوا! ترابطوا. ! وإياكم والتردد!ثم صرخ:—إما النصر... أو النصر!»ارتجّ الميدان بصوت الجنود:—تحيا كاليمور! يحيا الجيش الكاليموري! بينما كانت الهتافات تتصاعد، ظل أوغست يمسح الأفق بنظرة حادة، يقيّم الأرض والاتجاهات بصمترفع كاسبر يده عاليًا وأشار: —الوحدة الأولى إلى الشرق!تحرّك جيش ليوبولد ، الوحدة الثانية إلى الغرب...!اندفع جيش ألكسندر ، الوحدة الثالثة إلى الشمال! تحرّك جيش أوغست ثم قال اخيرا: —الوحدة الأخيرة... خلفي.استدار بحصانه وانطلق، فتبعته القوات، وغبار الرمال يرتفع تحت حوافر الخيل توقّف أوغست لحظة نظر إلى كاسبر وهو يبتعد مع جيشه...ثم استدار بصمت، وأكمل طر
تراجعت كارينا خطوة صغيرة إلى الخلف، وكأن كلمة "وفاق" لم تكن بريئة كما بدت لها تسارعت أنفاسها أكثر، وعيناها ما زالتا معلّقتين به بحذر ، قالت بصوت منخفض متردد: —و... ما معنى هذا الوفاق؟ابتسم بيرون ابتسامة خفيفة، وأدار رأسه قليلًا كأنه يختار كلماته بعناية:—معناه بسيط جدًا... اقترب خطوة واحدة فقط دون أن يلمسها، لكن المسافة بينهما صارت خانقة: —أن نتوقف عن لعب دور الأعداء.سكت لحظة، ثم تابع بنبرة أخف، شبه ساخرة:—أنا لا أحب أن أكون عدوًا لأحد... خصوصًا لمن يحمل أسرارًا خطيرة كهذه.ارتجفت أصابعها قليلًا ،قالت بسرعة:—أنا لا أفهم ما تقصده ، اسرار ماذا؟رفع حاجبه، ثم أشار بخفة إلى المكان الذي كان فيه الكاتب قبل قليل، اغمضت عينيها بحسرة على حالها ، خفض صوته:—دعيني أكون أوضح...اقترب نصف خطوة أخرى، فشدّت جسدها تلقائيًا :—أنا لم أركِ... ولم أرَ شيئًا لا الكاتب... ولا هذا المشهد المثير للاهتمام.ثم أضاف بسخرية خفيفة:—وأنتِ ..من الآن فصاعدًا... ابنة بارة بعمها حسناً؟؟ ثم...أليس العم أبًا؟ارتجفت شفتاها: —ولِمَ تظن انني سوف أفعل ما تريد؟ابتسم بيرون بهدوء غريب:—لأنكِ ذكية ، ثم أمال رأسه قليلًا: —وا
اتكأ إيلادور على الكرسي :-أنا أسمع... تفضّلي يا آنسة... ....ريموندا؟ ، نظرت إليه بامتعاض، وتمتمت بصوت خافت:—هل يدّعي أنه لا يتذكر اسمي جيدًا؟؟؟قال إيلادور:—معذرة؟ ، رفعت ريموندا رأسها بسرعة، وقالت وهي تتدارك بابتسامة قصيرة:—لا، لم أقل شيئًا. عمومًا... لديّ مخزون أسئلة لدرجة أنني لا أعرف بأيّها أبدأ!سكت لحظات، ثم قال:—اسألي أي شيء. أنا أسمع.رفعت سبابتها قائلة :—وستجيب عليها كلها، أليس كذلك؟نظر إليها ورد بهدوء: —سأجيب على ما أعرف.ضيّقت عينيها قائلة : —أنت تعرفها كلها . ما أعنيه... أنك لن تتفادى الإجابة.فرد ببرود:—بل سأتفادى ما لا يناسبني. لذا اسألي... دون شروط ، تلفّتت بتذمر، فتنهد قائلا :—ألن تسألي؟التفتت إليه ثم قالت : آه... نعم. في الحقيقة... كيف تُضيئون الأماكن هنا؟ عقد حاجبيه تساؤلاً: كيف؟ لا أفهم قصدك.قالت على استحياء:—نحن نستخدم الشموع لإضاءة الحجرات و... هزّ رأسه وقد فهم: —آه... تسألين عن تلك القوة التي تُنير بلا فتيل!!؟؟سكت لحظة، ثم قال: —نسميها كهرباء ، وأشار إلى الجدار:—هي نورٌ يسري في أسلاك خفية، كما يسري الماء في القنوات لا زيت لها، ولا نار... ومع ذلك تملأ المكان
عمَّ الصمت والهدوء ، قال الإمبراطور دون أن يلتفت: "تفضّل"اقترب إيلادور رفع الإمبراطور كأس العصير وارتشف منه، بينما كان إيلادور يتأمّله بصمت تقدّم بخطوات ثقيلة تهزّ الأرض حتى وقف أمام الإمبراطور مباشرة، ينظر إليه بحدّةٍ اعتادها الجميع منه؛ وجهٌ متجهّم لا يعرف اللين.رفع الإمبراطور رأسه ، تبادلا النظرات وضع الإمبراطور كأسه على الطاولة وأشار بكفّه إلى إيلادور أن يجلس نظر إليه لحظة، ثم جلس على الكرسي المقابل، وظلّ ينظر بثبات دون أن ينبس بكلمة.ابتسم الإمبراطور ابتسامة خفيفة، وخفض رأسه قليلًا وقال:—اسكب لنفسك كأسًا... لعلّنا سنقول الكثير.نظر إيلادور إلى القنينة الزجاجية، ثم إلى الكأس الفارغ أمامه، ورفع رأسه متكئًا وقال:—ألستَ من استضافني؟ اسكب لي أنت.توقف الإمبراطور والكأس بين يديه، ثم ابتسم بسخرية خفيفة وضعه جانبًا واتكأ على كرسيّه قائلًا:—أظنّ أن والدك علّمك أشياء كثيرة يا إيلادور... لكنه لم يعلّمك الخوف.ظلّ إيلادور صامتًا تابع الإمبراطور:—وهذا طبيعي... لا يمكنه أن يعلّمك شيئًا هو شخصيًا لا يعترف به ، والدك كان محاربًا قويًا... وصديقًا جيدًا لي.»عقد إيلادور حاجبيه أكثر حتى بدا وجهه
جلست ريموندا على طرف السرير، حيث كان إيلادور يغطّ في نومٍ مضطرب، يتعرّق بغزارة ولأول مرة... تراه عن قربٍ إلى هذه الدرجة. كان شعره الأسود الفحمي يصل إلى نهاية عنقه وتلك الظلال الداكنة تحت عينيه الحادتين ، كانت تدل على الإجهاد الذي يعيشه وتلك التجاعيد بين حاجبيه ، تلك التي طُبعت على وجهه من كثرة ما كان يقطّبهما ، أثر شاربٍ خفيف بالكاد يُرى ،عظام فكه البارزة ووجهه... المليء بالخدوش ،قديمة... وجديدة آثار معارك لا تُحصى.وهناك ندبةٌ قديمة تبدأ من مدمع عينه اليسرى، تمتد مائلةً عبر وجهه حتى تصل إلى نهاية أنفه في الجهة اليمنى وضعت كفّها برفق على جبينه كان جسده يشتعل كالنار من شدّة الحمى.تمتمت بقلق: —يا إلهي... ماذا عليّ أن أفعل؟ نظرت إلى الباب... ثم إليه ، فخاطبت نفسها بخفوت: —لقد رفض قطعًا أن أخبر أحدًا...سكتت لحظة تفكّر بحيرة ثم قالت: —على الأقل... يجب أن أُخفّف هذه الحرارة ، وقفت لتستعد لتخرج لكنه تحرّك قليلًا فتوقّفت، راقبته مال برأسه قليلًا... لكنه ظل نائمًا تنفّست بعمق، ثم خرجت من الجناح بعد دقائق، عادت تحمل وعاءً ممتلئًا بالماء، ومعه قطع قماش.جلست قرب رأسه ،بلّلت القماش ، عصرته فو







