تسجيل الدخولتوقفت في مكانها، رفّت عيناها، واستدارت نحوه ببطء، متسائلة بعينيها قبل لسانها:— "ماذا تقصد...؟"
أشار براد إلى الكرسي أمامه قائلا :— "اجلسي، ما زال أمامنا ما يجب أن نتحدث فيه." وبعد ان جلست ريموندا حيث إشارة قال السيد براد وهو يبتسم:— "اسمعي، ريموندا." خفضت ريموندا رأسها بخجل، وقالت وهي تحك ذراعها: — "نعم... عم براد." قال بلطف:— "لن أطيل عليكِ ، ما رأيكِ أن تعملي عندي، في المخبز؟" رفعت رأسها بدهشة:— "ماذا؟!" ضحك بخفة :— "لن تبيعي الخبز، فوالدة آنا لن تسمح، لكنكِ ستعملين في إعداد العجينة وتشغيل الفرن. ما رأيك؟" قاطعته ريموندا بحماس: — "موافقة! موافقة! شكرًا لك، عم براد. لن أنسى هذا المعروف ما حييت." ابتسم وقال بحنان:— "تعالي غدًا لتباشري العمل." أومأت بفرح:— "حسنًا، شكرًا لك." ثم أردف هو ينهض من الكرسي قائلا لها:—"اتبعيني." خرجت ريموندا من المجلس، تمشي خلف السيد براد، وابتسامة خفيفة تعلو وجهها وهي تحدق في الأرض. وفجأة، ظهرت "آنا "من حيث لا تدري، وقرنت ذراعها بذراع ريموندا وهي تقول بنبرتها المرحة المعتادة: — "ما رأيكِ بالعرض يا صديقتي؟ لقد رأيتُ ذلك العجوز، كاد كرشه أن ينفجر من الغضب! ووجهه؟ لقد انتفخ هكذا!" ثم بدأت تُقلد تعابير وجه ويليم بحركات مضحكة جعلت ريموندا تنفجر ضاحكة ، كانت آنا تتفنن في تقليد ملامحه بطريقة ساخرة، بينما السيد براد ينظر إليهما من بعيد بنظرات دافئة ومحبّة تارة والتفت إلى الطريق تارةً أخرى . لحقت آنا بأبيها بخطوات سريعة وهي تقول بحماس: — "أليس كذلك يا أبي؟ أنت أيضًا رأيت وجهه، أليس كذلك؟" لكنه لم يرد، كان يسير بهدوء وهو يبتسم، متجاهلًا كعادته ثرثرة ابنته الكثيرة التي اعتاد عليها. كانت ريموندا تمشي خلفهما، تراقبهما بصمت، وابتسامة دافئة ترتسم على شفتيها. ثم خفضت بصرها، وهمست في قلبها: — "حقًا، آنا محظوظة... لديها أب لطيف، لطيف حتى مع الغرباء ، فكيف به مع أهل بيته؟" قاطعتها آنا فجأة وهي تلوّح لها:— "إلى اللقاء، ريموندا!" ثم التفتت إلى والدها وهي تركض: — "حسابنا في المنزل، أيها البخيل! ستشتريها لي مهما كلف الأمر!" ضحك السيد براد وهزّ رأسه، قائلا : — "هيا، انطلقي إلى المنزل ، والدتك تحتاج المساعدة." ركضت آنا وهي تبتعد، وصوتها يختفي تدريجيًا: — "سوف نلتقي في المنزل!" ابتسم السيد براد مرة أخرى، وهز رأسه وكأنه يقول في نفسه: "ما زالت تلك الفتاة ضجيجًا لا يهدأ." أما ريموندا، فكانت تتابعهم بصمت، ثم أسرعت بخطواتها قليلاً، لتصل معه إلى المخبز وحين وصلا إلى المخبز، دخل إلى المخبز وخرج سريعا ثم مدّ لها كيسًا فيه بعض الخبز، قائلا :— "خذي هذا... اعتبريه عربون البداية." نظرت إلى الكيس، ودمعتاها تتلألآن على وجنتيها: — "شكرًا... شكرًا جزيلاً." أخذت الكيس وركضت عائدة، بينما ظل براد يراقبها بشفقة، حتى اختفت عن ناظريه. وفي صباح اليوم التالي استيقظت ريموندا وكلها نشاط، شعرت بسعادة غامرة، فقد حصلت أخيرًا على انتصار صغير في وسط زحام الهزائم. لبست معطفها، وطبعت قبلة صغيرة على جبين أخيها، ثم وضعت له بعضًا من الخبز الذي حصلت عليه بالأمس، وخرجت بسرعة. وعند الباب، وهي ممتلئة بالنشاط والحماس لبدء يومها، رأت جاك يقف عند مسافة قريبة من منزلها، ساكنًا تحت ظلال الشارع المبتلّ ، كان يرتدي سروالًا داكنًا واسعًا ينسدل بخطوط مستقيمة فوق حذائه الجلدي، وفوقه قميص داخلي أبيض لا يظهر منه سوى الأكمام عند المعصمين. التفّت حول جسده سترة شتوية سوداء فضفاضة عند العنق، تُظهر تباين القماش الأبيض تحتها ، انحنى برأسه قليلًا، فغابت ملامحه في نصف الظل، ولمع انعكاس الضوء على نظارته المعدنية المستديرة، لتغدو نظراته ، كأنها تخفي شيئًا أكثر من مجرد صمت مرّت به وألقت عليه تحية سريعة وهمّت بالرحيل، لكنه ناداها:— "ريموندا؟" توقفت، ثم استدارت إليه وابتسامة خفيفة على وجهها: — "نعم، جاك؟" ظلّ صامتًا لبرهة، ينظر إلى الأرض ويتجنب التقاء عينيها، ثم رفع يده ليحكّ مؤخرة رأسه وقال بتردد: — "لقد كنت أفكّر... بخطبتك، من قبل." بقيت تنظر إليه بصمت، دون مقاطعة ، تابع، بعد صمت ثقيل، وكأنه يكبت شيئًا:— "لكن... بسبب ما حدث... لم يعد الأمر ممكنًا." ثم انفجر فجأة، بصوت مرتفع ونبرة غضب:— "أنا... أنا أتفهم أنكِ فتاة وحيدة، تعولين طفلًا وأبًا، لكن... ألم يكن هناك طريقة أفضل من تلك؟!" خفض رأسه وهو يضغط على قبضته، متمتمًا بكلمات لا تُفهم بوضوح. نظرت إليه ريموندا بدهشة خفيفة، ثم ظهرت على وجهها ابتسامة رضا هادئة، وقالت:— "جاك... جاك؟" لكنه ظل ينظر إلى الأرض، متصلّب الجسد ، اقتربت منه خطوة، ثم قالت بصوت ثابت: — "أنا لا أريد أن أقول لك شيئًا، على الأقل ليس شيئًا كأنني 'بريئة من كل ذلك'... لأنك إن كنت ستصدقني، لما شككت بي من الأساس." ثم مرّت بجانبه بهدوء، وهمّت بالانصراف ، وقبل أن تبتعد، صرخ خلفها بصوتٍ مخنوق بالغضب:— "لكنني ظننتك الفتاة المناسبة! لقد... أحببتك لوقت طويل... ولكن...!" عضّ على أسنانه، ثم صرخ مجددًا وهو يرتجف: — "أهذا فقط ما أحصل عليه؟!" توقفت للحظة، استمعت إلى كلماته، ثم تابعت طريقها... دون أن تلتفت.. مرّت الأيام على هذا النحو، واستمرت ريموندا في عملها في مخبز السيد براد، الذي لم يكن يدفئها بخبزه فحسب، بل بكلماته اللطيفة أيضًا. كان بالنسبة لها كأبٍ بديل، يحمل طيبةً لم تعرفها من والدها الحقيقي. أما آنا، فكانت تمر عليها من وقت إلى آخر في المخبز، وتجلس بجوارها، تثرثر بحيوية عن الفتيات والأحاديث اليومية، وعن الأمر الذي تنتظر حدوثه بشغف: "الزواج من امير "كانت ريموندا تبتسم وتضحك أحيانًا، ليس لأنها تجد الحديث مثيرًا، بل لأن وجود آنا كان كضوء شمس دافئ في برد أيامها القاسية. لكن الإشاعات لم تزُل، فبعض الناس نسوا، وبعضهم تظاهر بذلك، لكن نظرات الاحتقار ما تزال تلاحقها، وكأنها وشم لا يُمحى ، ظل كثيرون يشككون في صدق القصة، ويشيرون إلى ظروف معيشتها كذريعة لإدانتها. أما ريموندا، فقد كانت تتجاهل ذلك، وتكتم في قلبها الصغير قسوة العالم، كمن تعوّد على الألم حتى صار جزءًا من يومه. أما جاك، فكان يظهر من حين لآخر، يخرج من بين الزوايا كالغضب المتربص، يصرخ فيها، يطالبها بالتبرير، كأنه لا يصدق ما جرى ولا يعرف ما يريد. يبدو كالمجنون. وهي لا تجيبه بشيء سوى ابتسامة هادئة، تحاول أن تخبئ بها ما في قلبها من وجع. ثم، عندما يفرغ من كلماته، كانت تتابع طريقها دون أن تنبس بحرف. وفي يوم ككل الايام و وأخيرًا، بعد مغيب الشمس، انتهى العمل ، انصرف الجميع، وبينما كانت تهمّ بالخروج. "وجدتُ العم براد واقفًا عند الباب، يرتدي كعادته بنطالًا واسعًا معلّقًا بحمّالات، وفوقه معطفٌ شتوي ثقيل تركه مفتوحًا على إزاره، فبدت بطنه البارزة متدلية من بين الطيات ، وعلى رأسه قبعةٌ تخفي صلعته، بينما تتدلّى شواربه البيضاء الكثّة فوق شفتيه ، يبتسم لها كعادته، ويمدّ لها كيسًا تفوح منه رائحة الخبز الطازج، يعلوه بخار خفيف. "قالت بخجلٍ، مطرقةً برأسها وقد شبكت يديها أمامها في وقفةٍ مترددة. :— "لا، عم براد... لقد أكرمتني بما فيه الكفاية." ابتسم بحنو بينما يمد اليها الكيس قائلا :— "لا بأس، خذيه ، إن بات حتى الصباح فلن يشتريه أحد أوليس من الأفضل أن يُطعم أحدهم؟" ناولها الكيس، فشكرته وودّعته بأدب، ثم انطلقت عائدة إلى بيتها ، كانت تمشي بسرعة، في طريقه عودتها ،بينما الثلج يهطل، يغطي الحي بالبياض. فجأة !بدأت تسمع خطوات تتبعها ارتجفت، وازداد قلقها لم تجرؤ على الالتفات، بل أسرعت في مشيتها، والخطوات خلفها تزداد سرعة. وكلما أسرعت في خطواتها، ازداد وقع أقدامه خلفها، حتى وجدت نفسها تركض بجنون، وهو يركض خلفها كظلّ لا يرحم. اندفعت عبر زقاق ضيق يغشاه السواد، يبتلع ضوء القمر بين جدرانه الرطبة. وفي اللحظة التي بلغت مدخله، امتدت يده كقيدٍ من حديد، فأمسك بها. صرخت، لكن كفّه كتم أنفاسها، وحاولت أن تفلت من قبضته بارتجافٍ يائس، إلا أن جسده الغليظ دفعها إلى الداخل حيث لا عين تراها. لم يمهلها سوى ثوانٍ، حتى بريق السكين يلمع بين يديه، ثم يغرسه في صدرها مرة بعد أخرى... كل طعنة تخطف منها أنفاسًا، وكل مقاومة تذبل أكثر. انهارت على الأرض، وتركها تتهاوى في الظلام كزهرةٍ داسها الطغيان، ثم فرّ هاربًا بلا أثر. سقطت تلك التي لم تعرف من الحياة سوى وجوهًا قاسية ومراراتٍ ثقيلة، تلك التي كانت تعيل أسرةً بدل أن تَعُلها... الفقيرة التي لم تملك شيئًا سوى ابتسامةٍ صافية، خُطفت عنها أخيرًا، كما يُخطف النور من بين الجدران. سقطت على الأرض، والثلج من تحتها تلون بلون دمها بدأت تأخذ شهقاتٍ متقطعة بصعوبة، والدمع يسيل من عينيها. وبينما وهي ملاقاة على الأرض، والبرد ينهش أطرافها، راحت الأسئلة تتدفق في ذهنها كأنها آخر ما يمكن أن يفكر فيه جسد يحتضر: لماذا؟ من فعل هذا؟... أنا... لم أؤذِ أحدًا قط... لِمَ؟ كانت أنفاسها تتقطع، وصدرها يعلو ويهبط بصعوبة، فيما بدا شريط حياتها يعرض أمامها سريعًا؛ ومضات من وجعٍ قديم، أحلام صغيرة لم تكتمل، وآمال انطفأت قبل أن تولد. أمي... نعم امي أردتُ رؤيتكِ حقًا... أردتُ فقط أن أسألكِ: لماذا ..لماذا تركتِني؟ لماذا لم تأخذيني معك؟ وآنا... ... كنت أريد أن أراكِ في ثوب العرس، اردت أن أراكِ سعيدة... انفرجت شفتاها بحشرجة ضعيفة، كأنها تودّع الحياة بسؤال يائس:لماذا أموت الآن؟... هكذا... باردة... وحيدة؟ لكن في لحظةٍ خاطفة، اخترق الألم صدى بعيد، دافئ كالأمل الأخير؛ ضحكة رين تتردّد في عقلها... صوته يناديها كما كان يفعل كل صباح. رين!... رين!... كيف أترك رين وحده؟ إنه ما زال طفلًا... صغيرًا لا يعرف شيئًا عن هذا العالم... انحدرت دمعة أخيرة من عينها وهي تبتسم ابتسامة واهنة، ثم انطفأ كل شيء راحت دموعها تنهمر وهي تهمس بصوت مبحوح، يختلط بأنفاسها المتقطعة:— "أريد فقط أن أعيش... فقط حتى يكبر رين... لا، لا أريد أكثر... فقط حتى أؤمّنه في يدٍ طيبة... لا أطلب الكثير... فقط دقيقة أخرى... حتى أطعمَه هذا الرغيف الدافئ..." سقط نظرها على الخبز المتناثر بجانبها، يلوح كرمز صغير لحلمٍ لم يتحقق مدّت يدها المرتجفة نحوه، لكن قوتها خذلتها أغمضت عينيها، والدموع تتجمّع على وجنتيها الباهتتين، وهمست بضعف متكسّر: — "لم يذق مثله من قبل... فقط... فقط... لا أريد الموت الآن..." وفيما كانت الكلمات تتلاشى مع أنفاسها، أخذ بريق عينيها يخبو شيئًا فشيئًا، حتى انطفأ تمامًا. بقي الخبز مبعثرًا بجوار جسدها، والثلج ينهال في صمتٍ ليغطي ملامحها الهزيلة... وكأن الشتاء نفسه قرر أن يحتضنها آخر مرّة فجاة بدت لك القلادة الصغيرة في عنقها تميض ، حتى ظهر هو، بمعطفه الأسود الطويل، واقفًا فوق رأسها، نظر إليها من علٍ : – "إذًا... أنتِ من ناداني؟" رماها بنظرة غريبة، وانحنى قليلًا نحوها. – "أتريدين أن تعيشي؟... وبأيّ ثمن؟...**كأنّ التساؤلات انهالت عليه دفعةً واحدة: كيف يعرف هذا الوحش بشأن نطاق الطاقة؟ كيف يعرف المسافة المطلوبة؟ وإن كان لهذه الكائنات ملكٌ يقودها... فهي بطبيعتها بدائية، لا عقل بشريًا لها كي تتطور أو تنتظم ، لقد أُبيدت الأنواع المتقدمة منها سلفًا لوضع حدٍّ لها... لكن من يدري؟إن كانت هذه الكائنات قد تطورت إلى هذه الدرجة... فربما هذا أبسط ما لديها.شدّ كاسبر على أسنانه، ثم ركل الوحش في بطنه فتراجع للخلف. رفع كاسبر كفّه عاليًا، لكن الوحش — وبسرعة خاطفة — أمسك بمعصمه قبل أن يستوعب ما يحدث ، ابتسم له ابتسامة واسعة، ثم لوى معصمه وكسره.صرخ كاسبر متأوهًا: —يا إلهي... سحقًا!نظر إلى الوحش بغضب، ثم ركله بقوة ليندفع بعيدًا. أمسك بيده المصابة، عضّ على أسنانه، ولفّها بعنف حتى أعاد العظم إلى موضعه، يتنفس بسرعة من شدّة الألم. أغمض عينيه، وقف بثبات، أرجع إحدى قدميه للخلف، وأحكم قبضته على السيف... ثم اندفع.اصطدم السيفان، ودخلا في مبارزةٍ ساخنة؛ كلٌّ منهما يقاتل بكل ما لديه ، توقفا أخيرًا، يتنفسان بصعوبة، وصدر كاسبر يعلو ويهبط بعنف.علّق الوحش سيفه على كتفه، وابتسم بخبث قائلًا:—أتعرف أنني ألهو معك منذ ساعات
وقف كاسبر على صهوة حصانه في مقدمة الجيش ، إلى جانبه ألكسندر وأوغست، وفي الجهة الأخرى ليوبولد وخلفهم الجيش متراصٌّ في صفوف ممتدة.تقدّم كاسبر خطوة، ثم استدار بحصانه ليواجه الجنود، بينما بقي الثلاثة في ثباتهم قال بصوت جهوري، ممسكًا بلجام حصانه:—اسمعوا أيها الجيش...ساد الصمت.تابع :—تذكّروا جيدًا أننا ندخل أقوى وأرعب أرض... أرض تايتا. مقبرة البشرية.شدّ على اللجام :—لكن تذكّروا... لا شيء أقوى من كاليمور وجيشها ، رفع صوته أكثر:—اثبتوا! ترابطوا. ! وإياكم والتردد!ثم صرخ:—إما النصر... أو النصر!»ارتجّ الميدان بصوت الجنود:—تحيا كاليمور! يحيا الجيش الكاليموري! بينما كانت الهتافات تتصاعد، ظل أوغست يمسح الأفق بنظرة حادة، يقيّم الأرض والاتجاهات بصمترفع كاسبر يده عاليًا وأشار: —الوحدة الأولى إلى الشرق!تحرّك جيش ليوبولد ، الوحدة الثانية إلى الغرب...!اندفع جيش ألكسندر ، الوحدة الثالثة إلى الشمال! تحرّك جيش أوغست ثم قال اخيرا: —الوحدة الأخيرة... خلفي.استدار بحصانه وانطلق، فتبعته القوات، وغبار الرمال يرتفع تحت حوافر الخيل توقّف أوغست لحظة نظر إلى كاسبر وهو يبتعد مع جيشه...ثم استدار بصمت، وأكمل طر
تراجعت كارينا خطوة صغيرة إلى الخلف، وكأن كلمة "وفاق" لم تكن بريئة كما بدت لها تسارعت أنفاسها أكثر، وعيناها ما زالتا معلّقتين به بحذر ، قالت بصوت منخفض متردد: —و... ما معنى هذا الوفاق؟ابتسم بيرون ابتسامة خفيفة، وأدار رأسه قليلًا كأنه يختار كلماته بعناية:—معناه بسيط جدًا... اقترب خطوة واحدة فقط دون أن يلمسها، لكن المسافة بينهما صارت خانقة: —أن نتوقف عن لعب دور الأعداء.سكت لحظة، ثم تابع بنبرة أخف، شبه ساخرة:—أنا لا أحب أن أكون عدوًا لأحد... خصوصًا لمن يحمل أسرارًا خطيرة كهذه.ارتجفت أصابعها قليلًا ،قالت بسرعة:—أنا لا أفهم ما تقصده ، اسرار ماذا؟رفع حاجبه، ثم أشار بخفة إلى المكان الذي كان فيه الكاتب قبل قليل، اغمضت عينيها بحسرة على حالها ، خفض صوته:—دعيني أكون أوضح...اقترب نصف خطوة أخرى، فشدّت جسدها تلقائيًا :—أنا لم أركِ... ولم أرَ شيئًا لا الكاتب... ولا هذا المشهد المثير للاهتمام.ثم أضاف بسخرية خفيفة:—وأنتِ ..من الآن فصاعدًا... ابنة بارة بعمها حسناً؟؟ ثم...أليس العم أبًا؟ارتجفت شفتاها: —ولِمَ تظن انني سوف أفعل ما تريد؟ابتسم بيرون بهدوء غريب:—لأنكِ ذكية ، ثم أمال رأسه قليلًا: —وا
اتكأ إيلادور على الكرسي :-أنا أسمع... تفضّلي يا آنسة... ....ريموندا؟ ، نظرت إليه بامتعاض، وتمتمت بصوت خافت:—هل يدّعي أنه لا يتذكر اسمي جيدًا؟؟؟قال إيلادور:—معذرة؟ ، رفعت ريموندا رأسها بسرعة، وقالت وهي تتدارك بابتسامة قصيرة:—لا، لم أقل شيئًا. عمومًا... لديّ مخزون أسئلة لدرجة أنني لا أعرف بأيّها أبدأ!سكت لحظات، ثم قال:—اسألي أي شيء. أنا أسمع.رفعت سبابتها قائلة :—وستجيب عليها كلها، أليس كذلك؟نظر إليها ورد بهدوء: —سأجيب على ما أعرف.ضيّقت عينيها قائلة : —أنت تعرفها كلها . ما أعنيه... أنك لن تتفادى الإجابة.فرد ببرود:—بل سأتفادى ما لا يناسبني. لذا اسألي... دون شروط ، تلفّتت بتذمر، فتنهد قائلا :—ألن تسألي؟التفتت إليه ثم قالت : آه... نعم. في الحقيقة... كيف تُضيئون الأماكن هنا؟ عقد حاجبيه تساؤلاً: كيف؟ لا أفهم قصدك.قالت على استحياء:—نحن نستخدم الشموع لإضاءة الحجرات و... هزّ رأسه وقد فهم: —آه... تسألين عن تلك القوة التي تُنير بلا فتيل!!؟؟سكت لحظة، ثم قال: —نسميها كهرباء ، وأشار إلى الجدار:—هي نورٌ يسري في أسلاك خفية، كما يسري الماء في القنوات لا زيت لها، ولا نار... ومع ذلك تملأ المكان
عمَّ الصمت والهدوء ، قال الإمبراطور دون أن يلتفت: "تفضّل"اقترب إيلادور رفع الإمبراطور كأس العصير وارتشف منه، بينما كان إيلادور يتأمّله بصمت تقدّم بخطوات ثقيلة تهزّ الأرض حتى وقف أمام الإمبراطور مباشرة، ينظر إليه بحدّةٍ اعتادها الجميع منه؛ وجهٌ متجهّم لا يعرف اللين.رفع الإمبراطور رأسه ، تبادلا النظرات وضع الإمبراطور كأسه على الطاولة وأشار بكفّه إلى إيلادور أن يجلس نظر إليه لحظة، ثم جلس على الكرسي المقابل، وظلّ ينظر بثبات دون أن ينبس بكلمة.ابتسم الإمبراطور ابتسامة خفيفة، وخفض رأسه قليلًا وقال:—اسكب لنفسك كأسًا... لعلّنا سنقول الكثير.نظر إيلادور إلى القنينة الزجاجية، ثم إلى الكأس الفارغ أمامه، ورفع رأسه متكئًا وقال:—ألستَ من استضافني؟ اسكب لي أنت.توقف الإمبراطور والكأس بين يديه، ثم ابتسم بسخرية خفيفة وضعه جانبًا واتكأ على كرسيّه قائلًا:—أظنّ أن والدك علّمك أشياء كثيرة يا إيلادور... لكنه لم يعلّمك الخوف.ظلّ إيلادور صامتًا تابع الإمبراطور:—وهذا طبيعي... لا يمكنه أن يعلّمك شيئًا هو شخصيًا لا يعترف به ، والدك كان محاربًا قويًا... وصديقًا جيدًا لي.»عقد إيلادور حاجبيه أكثر حتى بدا وجهه
جلست ريموندا على طرف السرير، حيث كان إيلادور يغطّ في نومٍ مضطرب، يتعرّق بغزارة ولأول مرة... تراه عن قربٍ إلى هذه الدرجة. كان شعره الأسود الفحمي يصل إلى نهاية عنقه وتلك الظلال الداكنة تحت عينيه الحادتين ، كانت تدل على الإجهاد الذي يعيشه وتلك التجاعيد بين حاجبيه ، تلك التي طُبعت على وجهه من كثرة ما كان يقطّبهما ، أثر شاربٍ خفيف بالكاد يُرى ،عظام فكه البارزة ووجهه... المليء بالخدوش ،قديمة... وجديدة آثار معارك لا تُحصى.وهناك ندبةٌ قديمة تبدأ من مدمع عينه اليسرى، تمتد مائلةً عبر وجهه حتى تصل إلى نهاية أنفه في الجهة اليمنى وضعت كفّها برفق على جبينه كان جسده يشتعل كالنار من شدّة الحمى.تمتمت بقلق: —يا إلهي... ماذا عليّ أن أفعل؟ نظرت إلى الباب... ثم إليه ، فخاطبت نفسها بخفوت: —لقد رفض قطعًا أن أخبر أحدًا...سكتت لحظة تفكّر بحيرة ثم قالت: —على الأقل... يجب أن أُخفّف هذه الحرارة ، وقفت لتستعد لتخرج لكنه تحرّك قليلًا فتوقّفت، راقبته مال برأسه قليلًا... لكنه ظل نائمًا تنفّست بعمق، ثم خرجت من الجناح بعد دقائق، عادت تحمل وعاءً ممتلئًا بالماء، ومعه قطع قماش.جلست قرب رأسه ،بلّلت القماش ، عصرته فو







