مشاركة

سر

مؤلف: FARAHA HALAwLAw
last update تاريخ النشر: 2026-08-22 04:08:16

بينما كانت تقترب من مصدر الشعاع بخطوات حذرة، باغتها بقبضته تمسك بمعصمها فجأة، ولفه بقوة جعلتها تنتفض، وجهه يقطر غضبًا، وعيناه تشتعلان شررًا قال من بين أسنانه، بصوت منخفض مخنوق بالغضب:— "أنتِ... ماذا تظنين أنكِ تفعلين؟"

ارتبكت وراحت تحاول أن تستجمع كلماتها:— "أنا... أنا فقط..."

قاطعها بانفجار صوته: — "كِدتِ تدخلين إلى هنا وكأن الأمر يخصّك، وكأن لكِ حقًا في ذلك!"

ارتبكت أكثر، وقالت بصوت خافت مرتجف: — "كنت فقط أشعر بالضجر، فقلت في نفسي... ربما أقرأ كتابًا، قد ينسيني قليلاً..."

جذبها من معصمها بقوة، حتى اهتز جسدها أمامه، ثم اشار  بيده الأخرى نحو الرفوف:— "تقرئين؟! من هذه المكتبة التي قلتُ لكِ بوضوح ألا تقربيها ؟!"

ثم علا صوته كالرعد، وجهه لا يزال مقطّبًا: — "هل جننتِ؟! لماذا  تمسين شيئًا انت تجهله !"

أغمضت عينيها من شدة الذعر، فاقترب أكثر وأشار بإصبعه إلى وجهها، سبابته تكاد تلامس جبينها: — "اسمعيني جيدًا... إياكِ أن تتعدي حدودك، وإلا..."

خفض صوته فجأة، لكن نبرته صارت أكثر فتكًا: — "ستجدين نفسكِ واقعة مثل الكلب تمامًا... تنزفين في الشارع، مثلما وجدناكِ ملقاة."

اتسعت عيناها من الصدمة، والدموع بدأت تتجمع فيها.

همست بصوت مكسور، بالكاد يُسمع:— "م... مثل الكلب؟

صرخ بها بحدة:— "الآن، عودي إلى غرفتك... ولا تغادريها ، يُمنع خروجك !"

ثم دفعها من معصمها بقوة حتى ابتعدت عنه ، وقفت لوهلة تنظر إليه بعينين تلمعان بالدموع، ثم انفجرت باكية، تمسّكت بفستانها بكلتا يديها وركضت، دموعها تنهمر بحرارة حتى ابتلعها ممر القصر واختفى صوت بكائها شيئًا فشيئًا.

نظر في اتجاهها وهو يتمتم بغضب مكتوم:

— "تلك المعتوهة..."

ثم استدار وخرج من المكتبة غاضبًا، بينما الرفوف من خلفه كانت تعيد ترتيب كتبها تلقائيًا، بهدوء يناقض ضجيج اللحظة.

واصلت ريموندا الركض حتى بلغت غرفتها، ألقت بنفسها على الفراش، ودفنت وجهها في الوسادة تبكي بحرقة ، لم تكد تمر لحظات، حتى جاءها الصوت الجاف المعتاد:— "النبلاء لا يبكون بصوت مرتفع."

رفعت رأسها ببطء، وهي لا تزال تشهق، سمعت صوت السيدة فيونا بوضوح، قبل أن تنفجر في بكاء أشد

نظرت إليها فيونا بنظرة جامدة، ثم رفعت رأسها بتعالٍ وقالت:— "هه... هذه الفتاة؟ لن تصبح نبيلة إطلاقًا."

ثم أدارت ظهرها وغادرت الغرفة، تاركة وراءها ريموندا تغرق في وحدتها، وبكاؤها يملأ السكون

بعد أن شَبِعت بكاءً، رفعت وجهها نحو المرآة ، الكحل قد سال على وجنتيها، ووجهها شاحب تغلفه خيوط من الحزن. وضعت كفيها على وجهها وغمغمت بانكسار:

— "يا إلهي... لا أريد أن أكون نبيلة بعد الآن... أريد كوخي الصغير... أريد رين... وآنا..."

لكن صوتًا طفوليًا رقيقًا قاطع حزنها:— "أيتها الملكة الجديدة، ما الذي دهاكِ؟"

مسحت دموعها سريعًا والتفتت نحوه، مجبرة شفتيها على ابتسامة متعبة:— "مرحبًا نيرو..."

انفجر نيرو ضاحكًا وهو يشير إلى وجهها:— "ما زال وجهكِ ملطخًا بالبكاء!"

نظرت إلى المرآة مجددًا، ثم ضحكت بدورها ضحكة خفيفة ممزوجة بالخجل ، وضعت يديها على خاصرتها وقالت بنبرة مرحة:— "وكيف حالك يا نيرو؟ وكيف حالك يا... بوني؟"

صاح بونو فورًا، وذراعاه على خصره:

— "اسمي بونو! ليس بوني!"

ضحكت ريموندا بلطف:— "آه، معذرة، يا بونو."

اقترب منها نيرو، وحدّق بعينيه الواسعتين، بنبرة طفل يتظاهر بالجدية:— "لماذا كنتِ تبكين، أيتها ريموندا؟"

ابتسمت، محاولة طمأنته:— "لم أكن أبكي... فقط كنت منزعجة قليلًا، لا أكثر."

ثم نظرت إليه كمن تحاول تغيير الموضوع:

— "وأنت؟ لماذا لم تنم بعد؟ هاه؟"

ضحك نيرو:— "كنت في طريقي إلى النوم، عمتِ مساءً، يا ملكتنا."

— "عمت مساءً، يا صغيري."

وبعد أن غادر نيرو وبونو، دخلت الخادمات كعادتهن، وهيّأنها للنوم ، رقدت على سريرها، والشرود يعاودها: — "ذلك الرجل... سيء الطبع ، لماذا أنا عالقة معه؟ وإن قرأت كتابًا، ماذا قد يحدث؟! أنا حتى لا أجيد لغتهم المكتوبة!"

ثم تنهدت، أغلقت عينيها ببطء وهمست لنفسها: — "تبا... أريد فقط أن أنام.

أشرقت الشمس على وجه ريموندا، فتثاءبت وهي تمد ذراعيها باتساع... ولم تكد تكمل التثاؤب حتى صفعتها مروحة صغيرة بخفة على فمها

— "النبلاء لا يتثاءبون كأن أفواههم قدور طعام!"

صرخت السيدة فيونا، وهي ترفع حاجبها باستياء.

لترد  ريموندا بخضوع مصطنع:

— "حسنًا، سيدة فيونا..."

سارت فيونا في الغرفة بخطوات واثقة، تدور برأس مرفوع ومروحتها تضربها بخفة على كفها.

— "لدينا بعد خمسة عشر يومًا احتفالية كبرى سيحضرها النبلاء والملوك من أرجاء العالم كافة."

ثم توقفت، واستدارت نحو ريموندا، وأشارت إليها بالمروحة كما لو كانت تصدر حكمًا ملكيًا: — "وعليه، يجب أن تتعلمي كل أصول النبل خلال الأيام القادمة."

عادت لتدور في الغرفة وهي تعد على أصابعها: — "المشي، الكلام، الابتسامة، كيف تخطين، كيف تلقين التحية، متى تتكلمين، ومتى تصمتين، ماذا تقولين... وماذا لا."

ثم توقفت مجددًا، واستدارت ناحيتها بعينين حادتين:

— كيف تجلسين، كيف تنظرين، كيف ترقصين..."

اقتربت منها بانحناءة خفيفة، وهمست وكأنها تلفظ سرًا خطيرًا:— "حتى... كيف تتنفسين."

ثم رفعت رأسها بتعالٍ، وقالت:— ستاتي مدربة الرقص هذا اليوم، استعدي."

وخرجت وهي تغلق الباب خلفها بقوة جعلت ريموندا تغمض عينيها من وقع الصوت، ثم تمتمت بيأس: — "يا إلهي... خمسة عشر يومًا من الجحيم الملكي.

ثم بدأت رحلة المشقة المعتادة... صراخ، توجيهات، انتقادات، وكأن اليوم لا ينتهي ، وما إن انتصف النهار، حتى أُعلنت استراحة قصيرة، كأنها نسمة هواء وسط عاصفة.

تنهدت ريموندا وهي تستند إلى حافة النافذة:

— "يجب أن أتنفّس قليلًا... ولو خارج الغرفة."

ثم خطت نحو المرآة ونظرت إلى انعكاسها في المرآة كان شعرها منسدلًا بعشوائية، فرفعت حاجبها بتأفف وقالت:

— إنه مزعج بهذا الشكل

ضفرت خصلتين من الأمام، وربطتهما خلف رأسها، ثم جمعت شعرها في كعكة منخفضة وثبّتتها بدبوس مزهر صغير. ابتسمت لنفسها بخفة:— "أفضل بكثير."

استدارت نحو إحدى الخادمات وسألتها بأدب: — "هل يمكنني الحصول على فستان أقصر قليلًا؟ فقط لأتمكن من المشي بحرية."

رفعت طرف فستانها لتُظهر معاناتها ، ابتسمت الخادمة برقة وأومأت:— "كما ترغبين، جلالتك."

وبعد دقائق، عادوا إليها بفستان أنيق، يصل إلى نهاية الساق، ضيق من الخصر، تتسع تنورته بطبقات خفيفة في الأسفل، أما الأكمام فقصيرة نسبيًا، تنتهي عند منتصف الذراع، تتسع من الأعلى وتضيق عند النهاية بخفة ساحرة.

أحبّت ريموندا مظهره على الفور، لكن ما إن همّت بارتدائه حتى تذكّرت الختم على معصمها. عبست قليلًا ثم أسرعت إلى صندوق الإكسسوارات، واختارت قفازين متوسطَي الطول، يغطيان المعصم تمامًا. كانا بسيطين، يضمان مفصل اليد، ويتسعان قليلًا عند النهاية بطريقة أنيقة.

وما إن انتهت من تجهيز نفسها، حتى خرجت باتجاه  حديقة  القصر، تحمل مظلّة صغيرة مزخرفة تقيها الشمس، وترفرف بخطواتها كنسمة خفيفة تبحث عن هدوء... بين الزهور

ابتسمت ريموندا لنفسها وهي تتأمّل انعكاسها في زجاج الممر:— "أبدو كالأميرات..."

ثم سرعان ما استدركت، وعدّلت نبرتها بارتباك خفيف:

— "أعني... هذا الفستان جيد."

استدارت نحو الخادمة وأضافت بنبرة أكثر تحفظًا:

— "يمكنكِ الانصراف الآن."

انحنت الخادمة بانضباط، ثم انسحبت بهدوء، تاركة ريموندا وحدها في الممر، تشعر للمرة الأولى بشيء من الانسجام... ولو كان لحظيًّا

وصلت ريموندا إلى الحديقة التي كانت في أجمل حالاتها، إذ كانت تنتصف القصر، تحيط بها الجدران من أربع جهات، مما يجعلها تفتح على كل شيء. امتلأت بالورود حتى إنها تكاد تعقم البصر من جمالها، وكانت تتوسطها نافورة محاطة ببركة ماء يدور فيها البجع، وتغرد الطيور فوقها.

ابتسمت ريموندا قائلة يا لجمال هذا المنظر."

اقتربت بخطوات وجلسَت عند أطراف البركة تراقب هذا الجمال. هناك، كان نيرو يلعب مع بونو، وما إن رآها حتى صاحت له :— "نيرو!"

جاء مبتسمًا:— "مرحبًا، أراكِ هنا."

ريموندا:— "نعم، في الحقيقة شعرت بالملل."

ثم عقدت ذراعيها وقالت ساخرة: — "ويبدو أن لمس الكتب يُعد جريمة لدى البعض."

نظر إليها نيرو بعينين بريئتين:— "من تقصدين؟"

أشارت بكفها بلا مبالاة:— "لا تكترث."

ضحك نيرو وجلس إلى جانبها، وقال بنبرة لطيفة:

— "لا تقلقي، يمكنك أن تخبريني، أو تسأليني عن أي شيء يشغل بالك ، لست صغيرًا إلى تلك الدرجة،"

ثم أخرج لسانه وغمز بعين واحدة بطريقة ظريفة.

ضحكت ريموندا، وهي تغطي  بكفها  على فمها  ثم أردفت قائلة: — "حسنًا، أيها الصغير... كنت فقط أريد قراءة بعض الكتب من مكتبة القصر، لكن بدا وكأن هذا جريمة."

نظر إليها بتعجب وقال:— "لماذا تريدين قراءتها أساسا؟ إنها ليست  كتب يمكن لاحد قراءتها ."

ضحكت وقالت ممازحة:— "لماذا؟ هل هي كتب تنمية بشرية؟"

ابتسم لها وقال:— "إنها كتب تعويذات."

ردت  بصدمة:— "ماذا؟!"

هزّ رأسه مبتسمًا: — "نعم، إنها من مؤلفات الملك الأول حتى يومنا هذا ، كل ملك يكتب مؤلفاته، ولذا لا يُسمح لغير الملوك أو المحاربين المختصين بقراءتها.

هذه المكتبة بالذات لا يُسمح لأحد سواهم بدخولها. وحتى إن دخلتِ، فلن تُجيدي قراءتها."

ريموندا وضعت يدها على ذقنها:

— "حقًا؟ لم أكن أعلم."

ثم وضعت يدها في خاصرتها، بينما أمسكت الأخرى بالمظلة، وقالت:— "يبدو أنك تعرف الكثير."

ابتسم نيرو:— "أكيد! لكن... سؤال، أي نوع من الكتب كنتِ تبحثين عنه؟"

تنهدت:— "كنت أبحث عن كتب روائية، لكن يبدو أنني لن أحصل عليها."

خفضت رأسها بيأس. نيرو رفع رأسه كأنه يفكر، ثم أشار بإصبعه السبابة وقال بحماس: — "توجد مكتبة في البلدة فيها أنواع كثيرة من الكتب!"

رفعت رأسها بسعادة:— "حقًا؟ أين هي؟"

هو:— "في البلدة."

فخَفَضَت رأسها مجددًا بيأس:

— "لكن يُمنع عليّ مغادرة القصر."

وضع كفه كأنه يحبس سرًا وقال:

— "يمكننا أن نخرج دون علم أحد... لمغامرة صغيرة."

قالت بحماس:— "حقًا؟ حقًا؟!"

وضع إصبعه على فمه:— "هششش، يجب ألا يسمعنا أحد!

ابتسمت ريموندا وهمست:— "حسنًا..."

ثم نظرت إلى نيرو بدهشة ممزوجة بالحماسة وقالت:

— "لكن... كيف سنخرج دون أن يلاحظ أحد؟"

أشار نيرو بحاجبيه نحو الجهة الغربية من الحديقة وهمس:— "يوجد ممر خلفي، خلف تلك النباتات هناك. يؤدي إلى الإسطبل، ومنه يمكننا التسلل خارج الأسوار فعلتُها من قبل."

ضحكت ريموندا بخفة وهي تغطي فمها كأنها تخبئ سرًا:— "يا لك من متمرد صغير!"

قهقه نيرو وقال بمكر:— "ويا لكِ من ملكة تحب الكتب!"

ثم قفز واقفًا وأضاف وهو يغمز بخفة: — "ما رأيك أن نذهب غدًا؟"

رفعت ريموندا حاجبيها بدهشة، لكن قلبها كان يخفق بشعورٍ غريب، بشيء من الحماسة لم تعرفه منذ زمن. تمتمت وهي تحدّق في النافورة:— "لم أعد أحتمل القيود... ربما هذه مغامرة تستحق المجازفة."

في تلك اللحظة، لمحت من طرف عينها الملك ومع حاشية صغيرة . التفتت قليلاً فرأت الملك يسير في الممر  القصر  وخلفه امرأة ترتدي بدلة ضباط مهيبة. على كتفيها أوسمة لامعة، وصدّرها مُرصّع بالمداليات والنجوم. كان وجهها جامدًا كأنها لم تعرف الابتسام قط، تمشي خلفه بخطى ثابتة لا تعرف سوى الصرامة.

عقدت ريموندا حاجبيها وهمست:

— "من تكون تلك؟"

نظر نيرو إلى حيث تشير وقال وهو يمضغ السؤال:

— "عن مَن تتحدثين؟ ها؟

ثم انتبه نيرو فجأة إلى من تقصد، فابتسم وقال بحماس:— "آه! أنتِ تتساءلين عن إديلين!"

أمالت ريموندا رأسها باستغراب وسألت:

— "إديلين؟ من تكون؟"

ضحك نيرو ونزل عن حافة البركة ثم استدار إليها بعينين لامعتين:— "إنها أقوى محاربة في مستوى الممالك، من فرسان الدرجة الأولى!"

رفعت حاجبيها بتعجب:— "فرسان الدرجة الأولى؟!"

وضع نيرو يديه في خاصرته وهزّ رأسه ساخرًا: — "يا إلهي... أنتِ لا تملكين أي معلومات، أيتها الملكة!"

ضحكت ريموندا بخفة، تغطي فمها بأناقة:

— "ليس كثيرًا، أعترف."

قال نيرو بشغف وهو يشرح: — "فرسان الدرجة الأولى هم من يستطيعون فتح نطاقات طاقة عالية جدًا... وهم الوحيدون القادرون على مجابهة التايتانور."

عقدت ريموندا حاجبيها وقالت وهي تهز رأسها:

— "هممم... ما زلت لا أفهم تمامًا، لكن ما فهمته أنها محاربة قوية جدًا."

رمش نيرو باندهاش، ثم انفجر ضاحكًا: — "أنتِ مضحكة فعلًا، يا جلالة الملكة! ألا تستطيعين استيعاب شيء بهذه البساطة؟!"

ابتسمت ووضعت يدها في خاصرتها وقالت بنبرة ماكرة:

— "هل تسخر مني؟ حسنًا، سأنتقم منك حالًا!"

ثم أمسكت بطرف مظلتها، واقتربت منه وهي تقول:

— "سأدغدغك حتى تبكي!"

صرخ نيرو وهو يركض مبتعدًا:

— "لااااا! لن أسمح لكِ!"

وانطلقت ريموندا خلفه، تلاحقه وهي تضحك، بينما يدوران حول البركة في الحديقة كطفلين يلهوان تحت السماء المفتوحة.

لكن... في تلك اللحظة، وقعت عين الملكة العُليا عليهما، وقد وقفت في ممر مرتفع تشرف منه على الحديقة. نظرت إليهما دون أن تحرّك ساكنًا، ملامحها كتمثال من رخام، تقرأ المشهد دون أن تنطق بحرف****

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   قلادة

    كأنّ التساؤلات انهالت عليه دفعةً واحدة: كيف يعرف هذا الوحش بشأن نطاق الطاقة؟ كيف يعرف المسافة المطلوبة؟ وإن كان لهذه الكائنات ملكٌ يقودها... فهي بطبيعتها بدائية، لا عقل بشريًا لها كي تتطور أو تنتظم ، لقد أُبيدت الأنواع المتقدمة منها سلفًا لوضع حدٍّ لها... لكن من يدري؟إن كانت هذه الكائنات قد تطورت إلى هذه الدرجة... فربما هذا أبسط ما لديها.شدّ كاسبر على أسنانه، ثم ركل الوحش في بطنه فتراجع للخلف. رفع كاسبر كفّه عاليًا، لكن الوحش — وبسرعة خاطفة — أمسك بمعصمه قبل أن يستوعب ما يحدث ، ابتسم له ابتسامة واسعة، ثم لوى معصمه وكسره.صرخ كاسبر متأوهًا: —يا إلهي... سحقًا!نظر إلى الوحش بغضب، ثم ركله بقوة ليندفع بعيدًا. أمسك بيده المصابة، عضّ على أسنانه، ولفّها بعنف حتى أعاد العظم إلى موضعه، يتنفس بسرعة من شدّة الألم. أغمض عينيه، وقف بثبات، أرجع إحدى قدميه للخلف، وأحكم قبضته على السيف... ثم اندفع.اصطدم السيفان، ودخلا في مبارزةٍ ساخنة؛ كلٌّ منهما يقاتل بكل ما لديه ، توقفا أخيرًا، يتنفسان بصعوبة، وصدر كاسبر يعلو ويهبط بعنف.علّق الوحش سيفه على كتفه، وابتسم بخبث قائلًا:—أتعرف أنني ألهو معك منذ ساعات

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   من المتحكم

    وقف كاسبر على صهوة حصانه في مقدمة الجيش ، إلى جانبه ألكسندر وأوغست، وفي الجهة الأخرى ليوبولد وخلفهم الجيش متراصٌّ في صفوف ممتدة.تقدّم كاسبر خطوة، ثم استدار بحصانه ليواجه الجنود، بينما بقي الثلاثة في ثباتهم قال بصوت جهوري، ممسكًا بلجام حصانه:—اسمعوا أيها الجيش...ساد الصمت.تابع :—تذكّروا جيدًا أننا ندخل أقوى وأرعب أرض... أرض تايتا. مقبرة البشرية.شدّ على اللجام :—لكن تذكّروا... لا شيء أقوى من كاليمور وجيشها ، رفع صوته أكثر:—اثبتوا! ترابطوا. ! وإياكم والتردد!ثم صرخ:—إما النصر... أو النصر!»ارتجّ الميدان بصوت الجنود:—تحيا كاليمور! يحيا الجيش الكاليموري! بينما كانت الهتافات تتصاعد، ظل أوغست يمسح الأفق بنظرة حادة، يقيّم الأرض والاتجاهات بصمترفع كاسبر يده عاليًا وأشار: —الوحدة الأولى إلى الشرق!تحرّك جيش ليوبولد ، الوحدة الثانية إلى الغرب...!اندفع جيش ألكسندر ، الوحدة الثالثة إلى الشمال! تحرّك جيش أوغست ثم قال اخيرا: —الوحدة الأخيرة... خلفي.استدار بحصانه وانطلق، فتبعته القوات، وغبار الرمال يرتفع تحت حوافر الخيل توقّف أوغست لحظة نظر إلى كاسبر وهو يبتعد مع جيشه...ثم استدار بصمت، وأكمل طر

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   الموت او الاذلال

    تراجعت كارينا خطوة صغيرة إلى الخلف، وكأن كلمة "وفاق" لم تكن بريئة كما بدت لها تسارعت أنفاسها أكثر، وعيناها ما زالتا معلّقتين به بحذر ، قالت بصوت منخفض متردد: —و... ما معنى هذا الوفاق؟ابتسم بيرون ابتسامة خفيفة، وأدار رأسه قليلًا كأنه يختار كلماته بعناية:—معناه بسيط جدًا... اقترب خطوة واحدة فقط دون أن يلمسها، لكن المسافة بينهما صارت خانقة: —أن نتوقف عن لعب دور الأعداء.سكت لحظة، ثم تابع بنبرة أخف، شبه ساخرة:—أنا لا أحب أن أكون عدوًا لأحد... خصوصًا لمن يحمل أسرارًا خطيرة كهذه.ارتجفت أصابعها قليلًا ،قالت بسرعة:—أنا لا أفهم ما تقصده ، اسرار ماذا؟رفع حاجبه، ثم أشار بخفة إلى المكان الذي كان فيه الكاتب قبل قليل، اغمضت عينيها بحسرة على حالها ، خفض صوته:—دعيني أكون أوضح...اقترب نصف خطوة أخرى، فشدّت جسدها تلقائيًا :—أنا لم أركِ... ولم أرَ شيئًا لا الكاتب... ولا هذا المشهد المثير للاهتمام.ثم أضاف بسخرية خفيفة:—وأنتِ ..من الآن فصاعدًا... ابنة بارة بعمها حسناً؟؟ ثم...أليس العم أبًا؟ارتجفت شفتاها: —ولِمَ تظن انني سوف أفعل ما تريد؟ابتسم بيرون بهدوء غريب:—لأنكِ ذكية ، ثم أمال رأسه قليلًا: —وا

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   ان نكون على وفاق

    اتكأ إيلادور على الكرسي :-أنا أسمع... تفضّلي يا آنسة... ....ريموندا؟ ، نظرت إليه بامتعاض، وتمتمت بصوت خافت:—هل يدّعي أنه لا يتذكر اسمي جيدًا؟؟؟قال إيلادور:—معذرة؟ ، رفعت ريموندا رأسها بسرعة، وقالت وهي تتدارك بابتسامة قصيرة:—لا، لم أقل شيئًا. عمومًا... لديّ مخزون أسئلة لدرجة أنني لا أعرف بأيّها أبدأ!سكت لحظات، ثم قال:—اسألي أي شيء. أنا أسمع.رفعت سبابتها قائلة :—وستجيب عليها كلها، أليس كذلك؟نظر إليها ورد بهدوء: —سأجيب على ما أعرف.ضيّقت عينيها قائلة : —أنت تعرفها كلها . ما أعنيه... أنك لن تتفادى الإجابة.فرد ببرود:—بل سأتفادى ما لا يناسبني. لذا اسألي... دون شروط ، تلفّتت بتذمر، فتنهد قائلا :—ألن تسألي؟التفتت إليه ثم قالت : آه... نعم. في الحقيقة... كيف تُضيئون الأماكن هنا؟ عقد حاجبيه تساؤلاً: كيف؟ لا أفهم قصدك.قالت على استحياء:—نحن نستخدم الشموع لإضاءة الحجرات و... هزّ رأسه وقد فهم: —آه... تسألين عن تلك القوة التي تُنير بلا فتيل!!؟؟سكت لحظة، ثم قال: —نسميها كهرباء ، وأشار إلى الجدار:—هي نورٌ يسري في أسلاك خفية، كما يسري الماء في القنوات لا زيت لها، ولا نار... ومع ذلك تملأ المكان

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   لا اعرف الخوف

    عمَّ الصمت والهدوء ، قال الإمبراطور دون أن يلتفت: "تفضّل"اقترب إيلادور رفع الإمبراطور كأس العصير وارتشف منه، بينما كان إيلادور يتأمّله بصمت تقدّم بخطوات ثقيلة تهزّ الأرض حتى وقف أمام الإمبراطور مباشرة، ينظر إليه بحدّةٍ اعتادها الجميع منه؛ وجهٌ متجهّم لا يعرف اللين.رفع الإمبراطور رأسه ، تبادلا النظرات وضع الإمبراطور كأسه على الطاولة وأشار بكفّه إلى إيلادور أن يجلس نظر إليه لحظة، ثم جلس على الكرسي المقابل، وظلّ ينظر بثبات دون أن ينبس بكلمة.ابتسم الإمبراطور ابتسامة خفيفة، وخفض رأسه قليلًا وقال:—اسكب لنفسك كأسًا... لعلّنا سنقول الكثير.نظر إيلادور إلى القنينة الزجاجية، ثم إلى الكأس الفارغ أمامه، ورفع رأسه متكئًا وقال:—ألستَ من استضافني؟ اسكب لي أنت.توقف الإمبراطور والكأس بين يديه، ثم ابتسم بسخرية خفيفة وضعه جانبًا واتكأ على كرسيّه قائلًا:—أظنّ أن والدك علّمك أشياء كثيرة يا إيلادور... لكنه لم يعلّمك الخوف.ظلّ إيلادور صامتًا تابع الإمبراطور:—وهذا طبيعي... لا يمكنه أن يعلّمك شيئًا هو شخصيًا لا يعترف به ، والدك كان محاربًا قويًا... وصديقًا جيدًا لي.»عقد إيلادور حاجبيه أكثر حتى بدا وجهه

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   مفاجآت

    جلست ريموندا على طرف السرير، حيث كان إيلادور يغطّ في نومٍ مضطرب، يتعرّق بغزارة ولأول مرة... تراه عن قربٍ إلى هذه الدرجة. كان شعره الأسود الفحمي يصل إلى نهاية عنقه وتلك الظلال الداكنة تحت عينيه الحادتين ، كانت تدل على الإجهاد الذي يعيشه وتلك التجاعيد بين حاجبيه ، تلك التي طُبعت على وجهه من كثرة ما كان يقطّبهما ، أثر شاربٍ خفيف بالكاد يُرى ،عظام فكه البارزة ووجهه... المليء بالخدوش ،قديمة... وجديدة آثار معارك لا تُحصى.وهناك ندبةٌ قديمة تبدأ من مدمع عينه اليسرى، تمتد مائلةً عبر وجهه حتى تصل إلى نهاية أنفه في الجهة اليمنى وضعت كفّها برفق على جبينه كان جسده يشتعل كالنار من شدّة الحمى.تمتمت بقلق: —يا إلهي... ماذا عليّ أن أفعل؟ نظرت إلى الباب... ثم إليه ، فخاطبت نفسها بخفوت: —لقد رفض قطعًا أن أخبر أحدًا...سكتت لحظة تفكّر بحيرة ثم قالت: —على الأقل... يجب أن أُخفّف هذه الحرارة ، وقفت لتستعد لتخرج لكنه تحرّك قليلًا فتوقّفت، راقبته مال برأسه قليلًا... لكنه ظل نائمًا تنفّست بعمق، ثم خرجت من الجناح بعد دقائق، عادت تحمل وعاءً ممتلئًا بالماء، ومعه قطع قماش.جلست قرب رأسه ،بلّلت القماش ، عصرته فو

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status