مشاركة

اديلين

مؤلف: FARAHA HALAwLAw
last update تاريخ النشر: 2026-08-22 04:08:41

كانا يسيران بخطى محسوبة، يتقدم الملك إيلادور بخطوات مهيبة، تكاد الأرض تهتز تحت وقع قدميه. لم يكن ذلك من نسج الخيال، بل من هيبته التي تحمل عبق السنين ووقع السيوف. ملك فلموريا، وأقوى محاربيها، لا يحتاج إلى تاج ليُعرف، فكل خطوة منه تُعلن من يكون.

إلى جواره كان يسير الدوق أدريان، بخطى ثابتة ونظرات حادة، بينما كانت تسير خلفهما بخطوة واحدة فقط، فارسة لا تشبه سائر الفارسات: أديلين.

صمتها كان كالسيف، وبزّتها العسكرية المطرزة بالنجوم والنياشين تحكي عن معارك لا تُحصى، وانتصارات لم تُنس. وجهها جامد كأنها لم تتعلم الابتسام يومًا، وعيناها تُحصيان التفاصيل كآلة لا تعرف الخطأ. إنها أديلين... إحدى أقوى فرسان نيڤاريم.

قال إيلادور بصوته العميق دون أن يلتفت، كأنه يتحدث للهواء:— "ثمة من دخل نطاقنا من جهة الحدود."

أجابته أديلين بثبات دون أن تُبطئ خطاها:— "نعم، جلالتك. وفق تقارير الحراسة، فإن أقرب مملكة من الجهة الشرقية هي "فاليسيا" . لكن... لا أرجّح أن يتجرؤوا. أقوى فرسانهم لا يتجاوزون الدرجة الرابعة. لن يغامروا بالدخول."

قال إيلادور، وهو لا يزال يتقدّم بخطى لا تعرف التردّد:

— "إذاً لا شك... إنهم ....هم. لا غيرهم....

نظر إليه الدوق أدريان دون أن ينبس بكلمة، واكتفى بمراقبة الأوضاع بصمت، بينما واصل الوفد مسيرتهم وصلا إلى القصر الإمبراطوري في كاليمور، حيث كان الإمبراطور نيروفان جالسًا خلف طاولة طويلة، تتجلى في هيئته الهيبة والاتزان.

إلى يمينه جلس بيرون، ولي العهد، وقد بدا متراخيًا لا يعبأ بالبروتوكولات، واضعًا قدميه على الطاولة، يتصرف وكأن المجلس غرفة جلوس عادية.

تقدم الملك إيلادور بوقار، وانحنى قليلاً قائلاً:

— "تحية طيبة ، أيها الإمبراطور نيروفان."

هزّ الإمبراطور رأسه بابتسامة خفيفة دون أن يتحدث.

ثم نظر إيلادور بنفاد صبر إلى الأمير بيرون، وقال باقتضاب:— "أهلًا، أيها الأمير بيرون."

لكن بيرون لم يرد ظلّ يعبث بسيفه، متجاهلًا التحية، وكأنه لا يرى من أمامه.

جلس إيلادور على الكرسي المقابل للإمبراطور، ولحق به الدوق أدريان، بينما ظلت الفارسة أديلين واقفةً خلف ملكها مباشرة، شامخة كظلّه الصلب.

قال الإمبراطور بنبرة رسمية:— "تفضل، أيها الملك."

بدأ الحديث بين الطرفين، يدور حول العلاقات السياسية والتجارية والمخاوف الأمنية، حتى أخبر إيلادور الإمبراطور عن رصد تسلل في نطاقهم الطاقي.

ردّ الإمبراطور بهدوء:— "ليس لدينا علم بأي تحرك من جهتنا. ربما مملكة فاليسيا تصرفت من تلقاء نفسها."

وفيما كان الحديث يدور، قاطعهم صوت ساخر قال من طرف الطاولة:— "أهو هذيان خوف ، يا إيلادور؟"

ضيّق إيلادور عينيه وقال ببرود:— "عذرًا؟"

ابتسم بيرون، وعدّل جلسته، ثم ناول سيفه الطويل إلى أحد الحراس خلفه وقال:— "الخوف من فقدان السيطرة... يولد الهلاوس لا بد أنك تفكر: بما أن كاليمور هي الأقوى، فلا بد أنها تخطط لغزوكم في أي وقت... وهكذا تبدأ تهذي."

حدّق إيلادور فيه بعينين مشتعلتين، وقال من بين أسنانه وهو يغلي من الغضب : —"ماذا تعني؟"

تابع بيرون بابتسامة مستفزة:— "أن تشعر باختراق في نطاق الطاقة، وتدّعي أنه دليل... هذا ما يُسمى هلوسة الخائف، يا... محارب."

قبضت أديلين يدها بقوة خلف الملك، لكن تعابيرها بقيت كما هي، كأن شيئًا لم يُقل.

تنهد بيرون، ثم أنزل قدميه عن الطاولة، ونهض.

أخذ سيفه الضخم، وعلّقه على ظهره، ثم قال دون أن يلتفت:— "استأذن، أيها الإمبراطور."

وغادر القاعة.....

وبعد نهاية الاجتماع خرج الملك إيلادور من قاعة الاجتماع، وخلفه الدوق أدريان، والفارسة أديلين، وعدد من الحرس ، كانوا يسيرون في الممر الملكي بخطوات ثابتة، حين فاجأهم نصل سيف حاد اندفع أمام الملك مباشرة، وكاد أن يقطع عنقه، لولا سرعة بديهته التي جعلته يتراجع خطوة إلى الخلف، دون أن يفقد توازنه.

في اللحظة ذاتها، رفعت أديلين يدها نحو سيفها، مستعدة للرد، لكن صوتًا مألوفًا أوقف الجميع.

بيرون، الأمير وولي العهد، كان واقفًا أمامهم، قابضًا على سيفه الضخم، يرفعه بتحذير وقال بهدوء ساخر:

— "حسبكم... لا تتسرعوا."

قضب إيلادور حاجبيه وقال بحدّة:— "هل أستطيع أن أفهم ما معنى هذا؟"

تقدم بيرون بخطوات واثقة، ثم وضع سيفه على الأرض واستند بذقنه على قبضته، وقال بابتسامة باردة:

— "أظنك تدري جيدًا أن ما حدث ليس هجومًا."

ثم اعتدل واقفًا، ووضع سيفه على كتفه وأضاف:

— "أنا أعرف تمامًا ما أنت عليه، كمحارب... يا إيلادور."

لم يرد الملك، بل اكتفى بالنظر إليه بعينين ضيقتين، وملامح مشدودة.

تابع بيرون وهو يهمس بمكر:— "أنت من فرسان الدرجة الأولى، صحيح... لكن الحكم، يا عزيزي، للعقل قبل العضلات."

أكمل بنبرة ساخرة مستفزة:— "أمثالك يصلحون كسيوف، لا كتيجان ، لما لا تصبح أحد فرسان كاليمور؟... أليس هذا أفضل من أن ينتهي بك المطاف كـ... لا شيء؟"

وفجأة، باغته إيلادور، فقبض على ثوبه من عند الأكمام، وجرّه بعنف حتى لصقه بالجدار، فانفلت سيف الأمير من يده وسقط أرضًا بضربة معدنية حادة. ظل إيلادور ممسكًا بكمّه بقوة تكاد تمزّق القماش، وعيناه تقدحان شررًا، ثم قال من بين أسنانه، وصوته يتقطّر غضبًا:

— "ماذا قلت؟!

وفي اللحظة عينها، كانت أديلين قد استلّت سيفها، ترفعه بثبات في مواجهة الأمير بيرون، عيناها تتقدان بصرامة، فيما اصطفّ حرسه خلفه، أياديهم على مقابض السيوف، متأهّبين لمجابهة بدا أنّها وشيكة لا مفرّ منها.

غير أنّ الدوق أدريان تقدّم بخطوات سريعة، صوته الجهوري يقطع التوتر كالسيف: — "توقفوا جميعًا! أهذا ما صار إليه مجلس النبلاء؟ نزاعٌ أحمق يتحوّل إلى حمّام دم؟"

رفع يده بين الصفّين المتحفزين، كمن يحاول إخماد النيران قبل أن تلتهم المكان، فيما كان صوته يزداد صرامة:— "لا أحد يخطو خطوة أخرى!

وبعد لحظات ثقيلة من التوتر، تبادلت فيها النظرات الحادّة بين إيلادور والأمير بيرون، مدّ الأخير يده فجأة بحركة غير متوقعة، فرفع خصلة الشعر التي انسدلت على وجه إيلادور إثر اندفاعه، وأعادها خلف أذنه بخفّة.

انفجر ضاحكًا بصوتٍ عالٍ، ثم قال بنبرة ساخرة:

— "لماذا انت غاضب هكذا ؟

رفع إيلادور حاجبيه مستفَزًا من كلمات بيرون، لكن الأمير لم يتراجع، بل أمعن في الاستفزاز وهو يحدّق في عينيه مباشرة، قائلاً بنبرة ساخرة:— "عيناك... الغاضبتان ، انهما ساحرتان."

لم يحتمل إيلادور، فدفعه بعنف في تلك اللحظة، حتى ارتطم بيرون بالجدار ، غير أنّ الأمير، بدل أن يغضب، انفجر ضاحكًا ضحكة عالية مستفزة، وكأنّ الأمر كلعبة في يده.

تأهّب الحرس على الفور، رافعين سيوفهم، لكن  بيرون رفع كفّه آمرًا بالتوقف ، ثم اعتدل في وقفته ببطء، عدّل من بدلته بأناقة، ووقف شامخًا، يضم يديه أمامه برقيٍّ متعمد، والابتسامة الساخرة لا تفارق شفتيه

تجمّد المكان في صمت ثقيل، وتبادل إيلادور وبيرون النظرات المشتعلة بالغضب، حتى كاد الشرر يتطاير بينهما.

ثم، وبحركة بطيئة متعمدة، انحنى بيرون قليلًا ومدّ كفّه في إشارة ساخرة، كأنه يمنحه الإذن بالرحيل.

تصلّب فكّ إيلادور وهو يحدّق فيه لوهلة، قبل أن يستدير بخطوات سريعة وقوية، تضجّ بالغضب. تبعه الدوق أدريان.

بينما كانت أديلين تمر بمحاذاته، همس بيرون بصوت منخفض لكنها حادة:— "العرض قائم لكِ أيضًا... أتباع المهزوم، في النهاية... مهزومون."

ثم عاد يبتسم بابتسامة غامضة،  واردف قائلا: —"  اختاري المنتصرين."

تصلّبت أناملها على مقبض سيفها، لكن نظرتها اكتفت بحدّة صامتة قبل أن تمضي، تلحق بإيلادور وبقية الحرس، حتى اختفوا في نهاية الممر.

أما بيرون، فاكتفى بابتسامة جانبية، واستدار ليكمل طريقه، سيفه يتأرجح على كتفه، وصدى مشيته يتردد في الفراغ خلفه....

*******

في جناحها الفخم، حيث يتدلى الستار المخملي وتُشعل الشموع بعناية على الجدران المرصعة، جلست الملكة العُليا، والدة الملك إيلادور، على عرش يليق بهيبتها.

ملامحها الحادة لا تعرف الابتسام، وعيناها الثاقبتان تقيّمان كل من يقف أمامها.

إلى جانبها، وقفت السيدة فيونا شامخة، ترفع رأسها بتعالٍ يليق بمكانتها.

دُفِع باب القاعة بهدوء، وظهرت ريموندا متوترة، تشبك بين أصابعها وتكاد لا تجرؤ على النظر أمامها.

— "لقد... طلبتِني، جلالتك..." قالتها بصوت خافت، ثم انحنت بخجل.

ظلت الملكة العُليا تحدق بها لثوانٍ طويلة، قبل أن تقول بنبرة باردة:— "من أعطاكِ الحق في مغادرة غرفتك؟"

رفعت ريموندا رأسها قليلاً، متلعثمة:

— "لقد... شعرتُ ببعض الضيق، و..."

لكن الملكة قاطعتها بصوت حاد:— "أنتِ لا تجيدين التصرف كملكة، فلماذا تخرجين لتستعرضي فلاحتك أمام الجميع؟"

خجلت ريموندا أكثر، وعادت تخفض رأسها، تشبك أصابعها ببعضها كمن يبحث عن ملجأ داخلي.

تابعت الملكة بنبرة صارمة:— "هل تظنين أن الجري في أرجاء الحديقة يليق بسلوك ملكي؟"

لم ترد ريموندا ، ظلت ساكنة، كتلميذة مذنبة أمام معلمتها ، أشاحت الملكة العُليا وجهها بازدراء، ثم قالت بنبرة تقطع الهواء:— "اذهبي ، وإياكِ أن تبرحي غرفتك مجددًا... مفهوم؟"

أومأت ريموندا برأسها بسرعة، وتمتمت "نعم، جلالتك"، ثم استدارت وغادرت بخطوات مضطربة.

وصلت إلى غرفتها، وانطرحت على السرير كما اعتادت، باكية من شدة الضيق ، جلست تمسح دموعها وهي تهمس لنفسها بحنق: — "لماذا لا يمكنني أن أتصرف على طبيعتي؟ سئمت التظاهر، سئمت التصنع... أريد فقط العودة إلى قريتي. لا أستطيع أن أكون شيئًا لست عليه!"

حدقت بنظرات غائمة إلى الفراغ، ثم خفضت رأسها وهمست بألم:— "لماذا يُعد كوني من عامة الشعب ذنبًا؟ لم اختر نشأتي، ولم أرتكب جريمة... فلماذا يُذمني الجميع على فلاحتي؟"

رفعت كفّيها وحجبت بهما وجهها، وراحت تبكي بصمتٍ مجروح ، لكن ما لبث أن قطع ذلك البكاء صوت الخادمة وهي تدخل بهدوء وتقول باحترام:— "جلالتك... الملك يستدعيك."

تجمدت ريموندا للحظة، توقفت دموعها، واكتفت بالاستماع دون أن ترد ، ثم تابعت البكاء بصوت مكتوم:

— "حتى البكاء لا أستطيع أن أفعله بسلام...

دخلت بهدوء، خافضة الرأس، تمشي بخطوات ثقيلة، فيما هو جالس على كرسيه الوثير، منكبًّا على الكتابة  بتركيز لا يُكسر

رفع رأسه حين لمحها، ثم أعاد نظره إلى كتابه دون اكتراث، وقال ببرود دون أن ينظر إليها:— "تعالي."

اقتربت ووقفت أمامه، تضم يديها بخضوع، ونظراتها منكسرة نحو الأرض ، نظر إليها مجددًا وسأل ببرود ساخر:— "هل من الضروري أن تزيني وجهك بالدموع في كل مرة؟"

رفعت رأسها بحدة، وانفجر صوتها مغلفًا بالغضب:

— "لأنكم تجبرونني على ذلك كل يوم! لم أختر أن أكون ملكتكم... فلماذا أعاقَب على ما لم أختره؟

وصوتها بدأ يرتجف بالبكاء:— "أريد أن أعود إلى قريتي... إلى رين، إلى البستان، أحتفل مع النساء وأحادث "آنا"... أما هنا، فحتى الخروج من الغرفة محرّم عليّ!"

تأملها ببرود لثوانٍ، ثم قال:— "ليس هذا ما استدعيتك لأجله... اجلسي."

أوه، بالطبع، لأنك دائمًا مزعج!، تمتمت في داخلها، ثم جلست بصمت ، أغلق الكتاب بهدوء، وضعه جانبًا، ثم أغمض عينيه للحظة ، ما لبث أن فتحهما لتومض عيناه القرمزيتان، ومد يده نحوها مطلقًا ومضة خافتة ، تأوهت قليلًا من الألم، وضغطت على موضع الجرح.

قال بهدوء:— "جرحك يتأخر في التعافي لأنك منشغلة بأمور تافهة... كالبكاء طوال الوقت."

ردّت بانزعاج:— "أنتم السبب! أنتم من تصرخون عليّ دائمًا دون سبب واضح!"

رفع حاجبًا وقال بنبرة ساخرة:— "تتحدثين وكأنه  كان يتم  معاملتك كأميرة."

اتسعت عيناها من الصدمة، لكنه تابع:

— "كُفّي عن الوهم... أخرجي ، لقد انتهينا."

وعاد إلى كتابه ، لكنها ضاقت ذرعًا، مدت يدها بعصبية وقذفت كتابه جانبًا صارخة: — "لا أريد هذه الاتفاقية! توقفوا عن التباهي بها! ألغِها... أرجِعني إلى قريتي!"

نهض بغضب مكتوم، وصاح:— "كفى تضييعًا لوقتي! هناك عقد، ولا يمكنكِ إلغاءه متى شئتِ! أنتِ مجبرة على إتمامه... رغبتِ أم لا."

أضاف من بين أسنانه:— "والآن... اغربي عن وجهي.

لم تستطع منع دموعها من الانهيار مجددًا ، استدارت وخرجت مسرعة، تصطدم خطواتها بالأرض.

وعند الباب، صادفت أديلين، التي كانت واقفة في هدوء تام، يداها مشبوكتان خلف ظهرها، ووجهها خالٍ من أي تعبير.

مرّت ريموندا من جانبها بسرعة، بينما أديلين بقيت واقفةً كما هي... لم ترفّ لها عين..

دخلت أديلين أولًا، يتبعها أدريان بخطى متزنة ، كان إيلادور لا يزال جالسًا خلف مكتبه، لكن ما إن رآهما حتى  نظر إليهما إيلادور دون أن يتحدث.

أغلق الكتاب الذي كان بين يديه ببطء، ووضعه جانبًا، ثم شبك يديه أمامه، ينتظر بصمت أن يتكلما.

تنهد أدريان بعمق : – "كاليمور..."

توقف لحظة، كأنه يعيد ترتيب الجملة في ذهنه.

– "لا يمكننا الاستمرار معهم على هذا النحو."

رفع إيلادور حاجبيه قليلاً، دون أن ينبس بكلمة، إشارة منه إلى أن يكمل ، أدريان تقدم خطوة، صوته بات أكثر حذرًا:– "أعني... توازن القوى تغير ، نحن لا نملك نفس اليد العليا كما كنا نظن ، يجب أن نكون واقعيين."

ظل إيلادور صامتًا، نظراته لا تزال تحمل هيبة الملوك، لكن شيئًا ما في عينيه بدا متحفزًا.

أدريان أطرق برأسه قليلًا، ثم رفعه قائلاً:– "ربما... علينا أن نفكر في اتفاقية تنهد "الحماية التامة " 

في تلك اللحظة، انعقد حاجبا إيلادور، ونظر إليه نظرة جامدة، نبرته كانت باردة كالجليد: – "تريد مني أن أُسلم فلموريا لهم طواعية؟"

أدريان رفع يديه قليلاً مدافعًا: – "لا، لا، جلالتك. ليس تسليمًا ، بل حماية... حماية مؤقتة ، انظر للوضع: نيروفان لا يزال يحترم معاهدات السلام، او على الاقل يتظاهر بذلك ..لكن... بيرون؟"

ذكر اسم "بيرون" وحده كان كافيًا ليشدّ إيلادور انتباهه.

أدريان تابع:– "قد يكون هو الوريث... سمعت أنّه الأقرب إلى الإمبراطور بين إخوته السبعة، ومن يقف خلف الكواليس مُمسكًا بزمام الأمور ، نيروفان يكبر، ووقته يوشك أن ينفد، وما نخشاه... قد يتحقق في أي لحظة.

أشاح إيلادور وجهه قليلًا نحو أديلين، التي وقفت كالرمح، صامتة لا تعلّق، كعادتها في الاجتماعات الحساسة.

أدريان خفض صوته:– "صحيح، لدينا أنت... وأديلين، فرسان من الدرجة الأولى ، لكن، هل هذا يكفي أمام جيش التايتانور؟"

صوته انخفض أكثر:– "كاليمور لم تروضهم فقط... بل جعلتهم خُدّامًا لها ، جنودًا. آلة لا ترحم."

زفر إيلادور بقوة، مسح وجهه بيده، ونظر أمامه بشرود: —" لا أنكر الواقع... لكن الأمر لا يُحل بالخضوع. نحن بحاجة إلى الوقت... الوقت فقط، لنجمّع الأعمار اللازمة لفتح البوابة الزمنية المناسبة. نحن بحاجة لعدد أعمار أكبر..."

ضحك أدريان ضحكة قصيرة مريرة: – "وهل هذا ليس استسلامًا بشكل آخر؟ انتظار الوقت... وانتظار المعجزة، بينما العدو يحشد ويُراكم قوته؟

التفت إليه إيلادور، حاجباه معقودان.

ليتابع  أدريان بنبرة جادة: — "أعلم... أنك حاليًا تحفظ كتاب نيڤاريم وتدير فلموريا إلى حين ظهور الحاكم المفقود ، وأعلم أنك تبقى القائد العسكري الأعلى فيها. لكن... كاليمور لا ترى الأمور بهذه الطريقة."

سادت لحظة صمت مشحونة، ثم أضاف أدريان بنبرة أخيرة: – "كل ما أطلبه هو صرف نظرهم عنّا مؤقتًا، بأي طريقة... حتى نستطيع فتح البوابة ، فقط الوقت، جلالتك... فقط الوقت..

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   قلادة

    كأنّ التساؤلات انهالت عليه دفعةً واحدة: كيف يعرف هذا الوحش بشأن نطاق الطاقة؟ كيف يعرف المسافة المطلوبة؟ وإن كان لهذه الكائنات ملكٌ يقودها... فهي بطبيعتها بدائية، لا عقل بشريًا لها كي تتطور أو تنتظم ، لقد أُبيدت الأنواع المتقدمة منها سلفًا لوضع حدٍّ لها... لكن من يدري؟إن كانت هذه الكائنات قد تطورت إلى هذه الدرجة... فربما هذا أبسط ما لديها.شدّ كاسبر على أسنانه، ثم ركل الوحش في بطنه فتراجع للخلف. رفع كاسبر كفّه عاليًا، لكن الوحش — وبسرعة خاطفة — أمسك بمعصمه قبل أن يستوعب ما يحدث ، ابتسم له ابتسامة واسعة، ثم لوى معصمه وكسره.صرخ كاسبر متأوهًا: —يا إلهي... سحقًا!نظر إلى الوحش بغضب، ثم ركله بقوة ليندفع بعيدًا. أمسك بيده المصابة، عضّ على أسنانه، ولفّها بعنف حتى أعاد العظم إلى موضعه، يتنفس بسرعة من شدّة الألم. أغمض عينيه، وقف بثبات، أرجع إحدى قدميه للخلف، وأحكم قبضته على السيف... ثم اندفع.اصطدم السيفان، ودخلا في مبارزةٍ ساخنة؛ كلٌّ منهما يقاتل بكل ما لديه ، توقفا أخيرًا، يتنفسان بصعوبة، وصدر كاسبر يعلو ويهبط بعنف.علّق الوحش سيفه على كتفه، وابتسم بخبث قائلًا:—أتعرف أنني ألهو معك منذ ساعات

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   من المتحكم

    وقف كاسبر على صهوة حصانه في مقدمة الجيش ، إلى جانبه ألكسندر وأوغست، وفي الجهة الأخرى ليوبولد وخلفهم الجيش متراصٌّ في صفوف ممتدة.تقدّم كاسبر خطوة، ثم استدار بحصانه ليواجه الجنود، بينما بقي الثلاثة في ثباتهم قال بصوت جهوري، ممسكًا بلجام حصانه:—اسمعوا أيها الجيش...ساد الصمت.تابع :—تذكّروا جيدًا أننا ندخل أقوى وأرعب أرض... أرض تايتا. مقبرة البشرية.شدّ على اللجام :—لكن تذكّروا... لا شيء أقوى من كاليمور وجيشها ، رفع صوته أكثر:—اثبتوا! ترابطوا. ! وإياكم والتردد!ثم صرخ:—إما النصر... أو النصر!»ارتجّ الميدان بصوت الجنود:—تحيا كاليمور! يحيا الجيش الكاليموري! بينما كانت الهتافات تتصاعد، ظل أوغست يمسح الأفق بنظرة حادة، يقيّم الأرض والاتجاهات بصمترفع كاسبر يده عاليًا وأشار: —الوحدة الأولى إلى الشرق!تحرّك جيش ليوبولد ، الوحدة الثانية إلى الغرب...!اندفع جيش ألكسندر ، الوحدة الثالثة إلى الشمال! تحرّك جيش أوغست ثم قال اخيرا: —الوحدة الأخيرة... خلفي.استدار بحصانه وانطلق، فتبعته القوات، وغبار الرمال يرتفع تحت حوافر الخيل توقّف أوغست لحظة نظر إلى كاسبر وهو يبتعد مع جيشه...ثم استدار بصمت، وأكمل طر

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   الموت او الاذلال

    تراجعت كارينا خطوة صغيرة إلى الخلف، وكأن كلمة "وفاق" لم تكن بريئة كما بدت لها تسارعت أنفاسها أكثر، وعيناها ما زالتا معلّقتين به بحذر ، قالت بصوت منخفض متردد: —و... ما معنى هذا الوفاق؟ابتسم بيرون ابتسامة خفيفة، وأدار رأسه قليلًا كأنه يختار كلماته بعناية:—معناه بسيط جدًا... اقترب خطوة واحدة فقط دون أن يلمسها، لكن المسافة بينهما صارت خانقة: —أن نتوقف عن لعب دور الأعداء.سكت لحظة، ثم تابع بنبرة أخف، شبه ساخرة:—أنا لا أحب أن أكون عدوًا لأحد... خصوصًا لمن يحمل أسرارًا خطيرة كهذه.ارتجفت أصابعها قليلًا ،قالت بسرعة:—أنا لا أفهم ما تقصده ، اسرار ماذا؟رفع حاجبه، ثم أشار بخفة إلى المكان الذي كان فيه الكاتب قبل قليل، اغمضت عينيها بحسرة على حالها ، خفض صوته:—دعيني أكون أوضح...اقترب نصف خطوة أخرى، فشدّت جسدها تلقائيًا :—أنا لم أركِ... ولم أرَ شيئًا لا الكاتب... ولا هذا المشهد المثير للاهتمام.ثم أضاف بسخرية خفيفة:—وأنتِ ..من الآن فصاعدًا... ابنة بارة بعمها حسناً؟؟ ثم...أليس العم أبًا؟ارتجفت شفتاها: —ولِمَ تظن انني سوف أفعل ما تريد؟ابتسم بيرون بهدوء غريب:—لأنكِ ذكية ، ثم أمال رأسه قليلًا: —وا

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   ان نكون على وفاق

    اتكأ إيلادور على الكرسي :-أنا أسمع... تفضّلي يا آنسة... ....ريموندا؟ ، نظرت إليه بامتعاض، وتمتمت بصوت خافت:—هل يدّعي أنه لا يتذكر اسمي جيدًا؟؟؟قال إيلادور:—معذرة؟ ، رفعت ريموندا رأسها بسرعة، وقالت وهي تتدارك بابتسامة قصيرة:—لا، لم أقل شيئًا. عمومًا... لديّ مخزون أسئلة لدرجة أنني لا أعرف بأيّها أبدأ!سكت لحظات، ثم قال:—اسألي أي شيء. أنا أسمع.رفعت سبابتها قائلة :—وستجيب عليها كلها، أليس كذلك؟نظر إليها ورد بهدوء: —سأجيب على ما أعرف.ضيّقت عينيها قائلة : —أنت تعرفها كلها . ما أعنيه... أنك لن تتفادى الإجابة.فرد ببرود:—بل سأتفادى ما لا يناسبني. لذا اسألي... دون شروط ، تلفّتت بتذمر، فتنهد قائلا :—ألن تسألي؟التفتت إليه ثم قالت : آه... نعم. في الحقيقة... كيف تُضيئون الأماكن هنا؟ عقد حاجبيه تساؤلاً: كيف؟ لا أفهم قصدك.قالت على استحياء:—نحن نستخدم الشموع لإضاءة الحجرات و... هزّ رأسه وقد فهم: —آه... تسألين عن تلك القوة التي تُنير بلا فتيل!!؟؟سكت لحظة، ثم قال: —نسميها كهرباء ، وأشار إلى الجدار:—هي نورٌ يسري في أسلاك خفية، كما يسري الماء في القنوات لا زيت لها، ولا نار... ومع ذلك تملأ المكان

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   لا اعرف الخوف

    عمَّ الصمت والهدوء ، قال الإمبراطور دون أن يلتفت: "تفضّل"اقترب إيلادور رفع الإمبراطور كأس العصير وارتشف منه، بينما كان إيلادور يتأمّله بصمت تقدّم بخطوات ثقيلة تهزّ الأرض حتى وقف أمام الإمبراطور مباشرة، ينظر إليه بحدّةٍ اعتادها الجميع منه؛ وجهٌ متجهّم لا يعرف اللين.رفع الإمبراطور رأسه ، تبادلا النظرات وضع الإمبراطور كأسه على الطاولة وأشار بكفّه إلى إيلادور أن يجلس نظر إليه لحظة، ثم جلس على الكرسي المقابل، وظلّ ينظر بثبات دون أن ينبس بكلمة.ابتسم الإمبراطور ابتسامة خفيفة، وخفض رأسه قليلًا وقال:—اسكب لنفسك كأسًا... لعلّنا سنقول الكثير.نظر إيلادور إلى القنينة الزجاجية، ثم إلى الكأس الفارغ أمامه، ورفع رأسه متكئًا وقال:—ألستَ من استضافني؟ اسكب لي أنت.توقف الإمبراطور والكأس بين يديه، ثم ابتسم بسخرية خفيفة وضعه جانبًا واتكأ على كرسيّه قائلًا:—أظنّ أن والدك علّمك أشياء كثيرة يا إيلادور... لكنه لم يعلّمك الخوف.ظلّ إيلادور صامتًا تابع الإمبراطور:—وهذا طبيعي... لا يمكنه أن يعلّمك شيئًا هو شخصيًا لا يعترف به ، والدك كان محاربًا قويًا... وصديقًا جيدًا لي.»عقد إيلادور حاجبيه أكثر حتى بدا وجهه

  • نيڤاريم( مملكة فاموريا)   مفاجآت

    جلست ريموندا على طرف السرير، حيث كان إيلادور يغطّ في نومٍ مضطرب، يتعرّق بغزارة ولأول مرة... تراه عن قربٍ إلى هذه الدرجة. كان شعره الأسود الفحمي يصل إلى نهاية عنقه وتلك الظلال الداكنة تحت عينيه الحادتين ، كانت تدل على الإجهاد الذي يعيشه وتلك التجاعيد بين حاجبيه ، تلك التي طُبعت على وجهه من كثرة ما كان يقطّبهما ، أثر شاربٍ خفيف بالكاد يُرى ،عظام فكه البارزة ووجهه... المليء بالخدوش ،قديمة... وجديدة آثار معارك لا تُحصى.وهناك ندبةٌ قديمة تبدأ من مدمع عينه اليسرى، تمتد مائلةً عبر وجهه حتى تصل إلى نهاية أنفه في الجهة اليمنى وضعت كفّها برفق على جبينه كان جسده يشتعل كالنار من شدّة الحمى.تمتمت بقلق: —يا إلهي... ماذا عليّ أن أفعل؟ نظرت إلى الباب... ثم إليه ، فخاطبت نفسها بخفوت: —لقد رفض قطعًا أن أخبر أحدًا...سكتت لحظة تفكّر بحيرة ثم قالت: —على الأقل... يجب أن أُخفّف هذه الحرارة ، وقفت لتستعد لتخرج لكنه تحرّك قليلًا فتوقّفت، راقبته مال برأسه قليلًا... لكنه ظل نائمًا تنفّست بعمق، ثم خرجت من الجناح بعد دقائق، عادت تحمل وعاءً ممتلئًا بالماء، ومعه قطع قماش.جلست قرب رأسه ،بلّلت القماش ، عصرته فو

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status