LOGIN– "أتريدين أن تعيشي؟... وبأيّ ثمن؟
لوّح بإصبعه السبابة، ضامًّا بقيّة أصابعه في الهواء. تومض من إصبعه بريقٌ غريب، وكأن شرارةً من سحرٍ خفيّ قد انطلقت نحوها ثم فجأة، وكأنّما أُلقِيَت عليها تعويذة، شهقت ريموندا شهقة عالية، وفتحت عينيها فجأة. بدأ دمها النازف يعود إلى جسدها، كأنما يُعرض المشهد من نهايته إلى بدايته، كفيديو معكوس ، نظرت إليه مذهولة، ما زالت مستلقية على الأرض، لكن وجهها يشعّ بالحياة. غير أنّها بقيت عاجزة عن الحركة، وألم الطعنة لا يزال ينهش صدرها. ابتسم لها بهدوء وقال:– "لا يمكنك الحراك بحرية ... لم أعالجك بعد ، كل ما فعلته أنني ألقيت تعويذة تُبقيك على قيد الحياة... فقط حتى تتمكني من عقد الاتفاق." ثم تنهد، وتلفّت جانبًا كمن يراقب شيئًا لا يُرى: – "سيظل الألم معكِ... سيبقى ملازمًا لكِ... حتى تفهمي لِمَ تحتاجين إلى هذا العقد." أدخل يديه في جيوب سترته ببطء، ووقف ينظر إليها وهي ممددة على الأرض :– "بعقد العمر... سأُنقذ حياتك. جلست ببطء نصف جلسه ، تتنفس بثقل، تضع يدها فوق موضع الجرح الملتئم، لا تزال تشعر بحرارته وكأن الطعنة حدثت لتوّها. رفعت بصرها إليه، وصوتها بالكاد يُسمع:– "عقد ماذا؟" تنهد، فخرج من فمه بخار أبيض بفعل البرودة المحيطة، ثم قال وهو يتلفّت نحوها:– "جسدك لن يسعفك كثيرًا... لذا سأختصر: هل ترغبين في أن تعيشي فترة أطول قليلاً؟ لن أقول 'طويلة'... فقط أطول قليلاً." ثم أشار بحاجبيه إلى موضع طعنتها، قائلاً: – "هذا الجرح... لستَ بحاجةٍ إلى أن تعرف يدَ من غرست النصل، بل العقل الذي كان من وراء تلك الطعنة. ثم نظر إلى الرغيف المتناثر في الثلج، وعيناه تُحدقان بشيء أعمق من مجرد كسرة خبز. – ""لا أرى في الفاعل سارقًا، بل شيئًا ،اعمق!؟ سكتت قليلًا، وأخذت تفكر وهي تعرف انه ، اي كان ذلك العقد ، فهي حتى لا تملك خيار عداه، ثم هزّت رأسها بالإيجاب، "موافقة." في تلك اللحظة، لمع ضوء غريب في عينه القرمزية، كأنه شرارة من الجحيم قد اشتعلت فيها تطابقت معه وميض قلادتها مدّ ذراعه أمامها، وحرّك أصابعه بحركة دقيقة، فتكورت دائرة أمامه بوابة سحرية، تومض وتتلوى كالزجاج المذاب. وفي غمضة عين، انفتحت البوابة وابتلعتهما معًا... واختفى كل شيء خلف دوّامة من الثلج والدخان.. *** فتحت عينيها ببطء، وقد تلاشى ألم الجسد لكن بقيت رهبة المكان تسيطر عليها. ، وجدت نفسها جالسة على كرسي طويل، تتوسط قاعة مكتبة ضخمة، لا تشبه أي شيء رأته من قبل. كانت تتساءل: "هل هذا حلم؟"، إذ كل ما حولها بدا كأنه خارج حدود الواقع. كانت المكتبة ذات هندسة غير مؤلفة، كأنها لا تنتمي لأي مدرسة معمارية مألوفة، بل تنتمي إلى عالم خاص... عالم صنع من الخيال وحده. جدرانها لم تكن من الحجر أو الخشب، بل من زجاجٍ شفاف أملس كأنها صيغت من كتلة واحدة صلبة، دون فواصل ولا أطراف. الضوء ينساب من خلال السقف العالي، الذي تصدره فتحتان عجيبتان، كلاهما على شكل وردة ضخمة، وكأن الزجاج انطوى والتف ليشكلهما بتناسق دقيق. كانت إحدى الوردتين متجهة نحو الشرق، تستقبل شمس الشروق وتصب دفأها داخل المكتبة في ساعات الصباح الأولى، بينما الأخرى متجهة غربًا، تتلقف وهج الغروب وتمنحه ألوانًا ذهبية ناعمة. أما ليلًا، فالقمر لا يكتفي بأن يمر عابرًا، بل كان ضوءه يخترق السقف الزجاجي، فيُشعل الأرضية الزجاجية بأطياف زرقاء باردة كأنها مياه ساكنة تنبض بنورٍ حي. هذا المكان بدا لها كأنه ولد من مفترق بين العصور... عراقة الازدهار الإسلامي، وحداثة التكنولوجيا الشفافة، وسحر الأساطير القديمة. وبينما كانت عيناها تتنقل بين الرفوف العالية، والكتب التي تطفو أحيانًا في الهواء لتعود إلى مواضعها بهدوء، تساءلت همسًا: "أين أنا؟... ثمّ اتسعت عيناها دهشة، واقتربت بخطى سريعة و بحماس طفولي. ، مدّت يدها لتتناول أحد الكتب الذي شد انتباهها بغلافه الغريب والمحفور بنقوش تلمع بخفة تحت ضوء القمر، لكن... قبل أن تلامسه بأطراف أصابعها، طار الكتاب فجأة في الهواء كما لو كان حيًّا، فتراجعت إلى الوراء وقد ارتسم على ملامحها مزيجٌ من الخوف والدهشة.. استدارت بسرعة لتفهم ما حدث، وهنا رأته كان يجلس على كرسي فخم أمام مدفأة هادئة تتراقص فيها ألسنة اللهب بلونٍ أزرق خافت. بشرته شاحبة، وشعره أسود كسواد الفحم او اشد ، يرتدي معطفًا طويلًا داكنًا، ويمسك بالكتاب الذي كاد أن يكون بين يديها. عيونه لم تكن عادية... بل بدا كأن فيها بريقًا يتوهج من الداخل. قلب صفحة بهدوء دون أن ينظر إليها، ثم قال بصوت عميق، ثابت النبرة:— "لا تمسّي شيئًا. اقتربت منه بخطوات خفيفة تتردد بين الفضول والارتباك، وقالت بصوت منخفض:— "معذرة... لكن، أين أنا؟" لكنه لم يُجب ، ظل يقلّب صفحات الكتاب ببطء كأنها وحدها غير مرئية في عالمه يا لم يرفع رأسه حتى ليراها، كأن وجودها لا يعني شيئًا. تأملت صمته قليلاً، ثم تمتمت محاولة تبرير غرابة الموقف لنفسها:— "ربما... أنا في حلم. لا شيء هنا يبدو عادياً. كل شيء... غريب، وساحر." استدارت ببطء تتأمل المكان ، سارت تتجوّل بين رفوف الكتب، ثم نظرت إلى الأرضية... فاتسعت عيناها بدهشة. كانت الأرضية من زجاج شفاف، مصقولة لدرجة أنها تعكس السماء وكأنها مرآة سماوية. كل خطوة كانت كأنها تمشي فوق عالم آخر... مزيج نادر بين الرقي والفن، وكأن المكتبة كلها تسبح في خيال معماري لا يُصدق. همست بدهشة:— "يا إلهي... كل شيء رائع في هذا المكان." ثم استدارت لتوجه كلامها إليه، لكنها شهقت حين وجدته فجأة يقف أمامها تمامًا، دون أن تسمع له حركة أو خطوات ، تراجعت خطوة إلى الوراء لا إراديًا. مدّ يده بهدوء، ووضع إصبعيه السبابة والوسطى على جبينها ، وفي لحظة... انفتحت ذاكرتها كنافذة عاصفة. رأت كل شيء. الطعنة ، الدم ، الخبز المتناثر ، صوت رين في عقلها توسلاتها ألا تموت ، الثلج الذي غطاها ، الكلمة التي همس بها... والعقد. شهقت شهقة قصيرة، واهتز جسدها بضعف، ثم فتحت عينيها باتساع، تتنفس كمن خرج من الغرق أغلقت فمها ببطء، ثم سقطت على الأرض بركبتيها، كأن وزن الحقيقة أكبر من أن تحتمله. كانت نظراتها شاردة، تتأرجح بين الذهول والإنكار. تمتمت بصوت مرتجف، وعدسة عينيها تهتز من الذهول: — "لـ... لم يكن كابوساً..." رفعت رأسها إليه، ببطء شديد، كأنها تتحسس الواقع في ملامحه ، كان ينظر إليها ببرود، ملامحه خالية من أي تعبير، كتمثال لا يتغير. سألت بصوت أقرب للهمس، تشدّ قبضتيها إلى صدرها: — "وأنا الآن... لست في حلم؟" لكن لا إجابة ، فقط ذلك الصمت الساحق ، ارتجفت، ثم همست كأنها ترجّي:— "يا إلهي... لكن..." قاطعها حين جلس أمامها بهدوء، وأردف بصوت منخفض لكنه واضح، كمن يُلقي حُكمًا لا نقاش فيه: — "دعيني أختصر عليكِ المشقة." ساد صمت لوهلة، ثم قال بنبرة ثابتة: — "أنا إيلادور، ملك مملكة فلموريا. وأنتِ الآن... في عالم نِڤاريم." توسعت عيناها، لكن لم تقاطعه ، أكمل بنبرة أثقل: — "وقد أُبرم بيننا الآن، عقد نيڤاريم... لكي تجدي انتقامك." كأن الكلمات صبّت جليدًا على قلبها ، ظلت تنظر إليه، تحاول أن تُمسك بتلابيب الواقع الجديد... لكن نِڤاريم لا يُعطي أحدًا فرصة للفهم قبل أن يُغرقه هي: "أتذكر جيدًا... أني أبرمت معك، حقًا أبرمت... لكن لا أعرف طبيعة العقد." نظر إليها للحظة، ثم وقف وعاد إلى كرسيه أمام المدفئة، فتح الكتاب وأكمل قراءته ، نهضت وهي تنظر إليه ثم قالت بانفعال:— "ألن تقول شيئًا؟!" قال دون أن يرفع بصره:— "ارتاحي الآن، سنتحدث لاحقًا..." فتحت فمها لتعترض، لكنه لم يمنحها الفرصة... نقر بأصبعيه ، فإذا بها تجد نفسها تعود إلى الخلف، كأن قوة غير مرئية تدفعها، حتى أصبحت خارج المكتبة... ثم أُغلق الباب في وجهها فتحت فمها بصدمة كبيرة: — "مـ... ما هذا؟!؟!" "ومجدّدًا، خامرها الشعور بأن ذاكرتها قد محيت، كأنها لا تذكر شيئًا على الإطلاق. سمعت صوتًا خلفها، تلفّتت، فإذا بها تجد خادماتٍ لا يُحصى لهنّ عدد، مصطفّاتٍ على جانبي الممر الزجاجي، يتوسطه بساطٌ أحمر قاتم، يلمع وكأنه من الذهب، وعلى الجدران صور ضخمة تزين المكان. همست لنفسها:— "جمال هذا المكان يفقدني صوابي... يكاد يجعلني أصدق أنني في حلم! المكان ليس طبيعيًا، كأنه... جِنان!" ثم انتبهت إلى نفسها فجأة، عندما سمعت إحداهن تقول:— "جلالتك!" أشارت إلى نفسها، متفاجئة:— "هل تقصدينني بقولك 'جلالتك'؟!" ابتسمت الخادمة وانحنت بلطف:— "نعم، جلالتك." قالت ريموندا وقد غلبتها الدهشة : — "ماذا؟! أأصبحتُ ملكة؟! هه، بالتأكيد أنا أحلم... هذا مستحيل!" وهنا، ابتعدت الخادمات فجأة، ليفسحن المجال لامرأة ذات ملامح قوية، يعلوها الوقار. كانت تسير بخطى هادئة، وخلفها رداء طويل يلامس الأرض، وعلى رأسها تاج، ووجهها يوحي بأنها في الستينات، لكن بتجاعيد منتظمة تزيدها هيبة. وصلت المرأة إلى باب المكتبة، فُتح لها الباب دون أن تنظر إلى ريموندا، وكأنها لا تراها. تجاهلتها تمامًا، ثم دخلت المكتبة. نظرت ريموندا إليها بدهشة حتى أُغلق الباب، وهمست: — "هل هي... أمه؟! على الأرجح؟!" ثم قطع شرودها صوت الخادمة تقول: — "الطريق من هنا، جلالتك." قالت ريموندا لنفسها:— "فلأستمتع بهذا الحلم قبل فوات الأوان..." ومضت مع الخادمات ، كان القصر يضيء بثريات ضخمة كأنها أعداء للظلام. كل خطوة تُضاء فوقها ثريا، والجدران تتلألأ بالنور. كانت تراقب المكان بنظرات دهشة وانبهار. كان تصميم القصر كله باللونين الأحمر القاتم، والأسود،وكأن اللونين شعاران رسميان له. حتى وصلت إلى غرفتها، التي كانت بحجم عشرة من كوخها — إذا جاز الوصف. وفيها كل شيء لم تحلم به يومًا ، ركضت وكأنها طفلة صغيرة، وأول ما لفت انتباهها مرآة مزخرفة تخطف الأنفاس : — "يا إلهي... مرآة غير مكسورة!" ثم ركضت، حملت مشطًا، ومرّرته على شعرها. كان المشط مزخرفًا، كأنّه قطعة فنية. صارت تدور في الغرفة بحماس: — "يا إلهي، هذا المكان... غير طبيعي! ثم انتبهت إلى أن تلك الثريّات لا تضيء بالشموع، بل بشيء آخر... شيء لم تستطع تحديده. قالت بتعجّب وهي تنظر للأعلى: — "ماذا يستعملون لإضاءة المكان؟!" وفي تلك اللحظة، جاءت خادمتان تحملان فستانًا بتصميم جميل وبسيط، كان لطيفًا وخفيفًا، يناسب النوم. انحنتا معًا وقالتا بصوت واحد:— "هذا فستان جلالتك." اقتربت منه وهي تلمسه بأناملها المرتجفة، وقالت بدهشة:— "هذا... لي؟" ثم رفعت عينيها مدهوشة، وقالت في نفسها: — "فستان لي... أنا؟!" وبعد دقائق من الذهول والارتباك، لبست الفستان. لكن... أثناء ارتدائها له، رأت ما لم يكن في الحسبان... وهنا، صرخت صرخة ملأت أرجاء القصر، حتى اهتزت جدرانه بصوتها.....عمّ السكون أرجاء الجناح ، كان إيلادور ينظر إلى والدته في هدوء، ينتظر أن تفصح عما في حنجرتها، بينما الملكة تزفر بعمق لتجمع الكلمات المناسبة لتعبر عما تريده. اعتدلت في جلستها، اتكأت بأريحية، ثم قالت:— اسمع يا إيلادور... أنا أعلم يقيناً أن تواجد رجل وامرأة معاً وبينهما عقد زواج وهما يقضيان الوقت معاً، يجعل عدم الوقوع في حب بعضهما شيئاً شبه مستحيل.هنا زفر إيلادور وأشاح بوجهه جانباً، بينما تابعت الملكة حديثها:— لكنك تعرف يقيناً أن تلك ريموندا هي عقد فقط، والزواج بينكما ما هو إلا عقد، فكيف لك أن تسمح للمشاعر أن تتملكك؟رفع إيلادور عينيه الحادتين نحو والدته، ثم قاطع حديثها: — جلالتك... فانقطع صوتها ، أخذ إيلادور نفساً عميقاً، ثم استرسل قائلاً:— تحليلاتك كلها في غير مكانها أنا...سكت قليلاً وكأنه يزن كلامه، ثم تابع:— أنا لا أملك أي مشاعر تجاه ريموندا.ردت الملكة ونبرتها ترتفع مع كل كلمة:— ليس لديك مشاعر؟! ماذا تسمي خروجك وتنزهك معها؟!بقي إيلادور يناظرها في سكون دون مقاطعة، ثم قال:— جلالتك، عقود نيفاريم مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمشاعر الإنسانية، ومدى تمسك الفرد وعزيمته تلك الفتاة في الآونة
اعتدل بيرون جالسًا، ثم نزل عن السرير واستدار نحو والده وقال:إذا....، ربما الإخوة عادوا؟ ، ساذهب لاستقبالهم ، ثم انحنى، مرر يده بلطف على شعر والده، وقبّله أعلى جبينه:—تحسّن بسرعة، حسنا؟ظلّ الإمبراطور ينظر إليه صامتًا اعتدل بيرون واقفًا، ثم زفر مطولًا وقال:—هل أطبّق عليك تعويذة سبات ، فهزّ الإمبراطور رأسه نافيًا تابع بيرون: —يجب أن تذهب إلى المجلس لاحقًا، صحيح؟ فالحملة انتهت.عقد الإمبراطور حاجبيه وهو ينظر إلى الفراغ، ثم قال بصوت واهن: —بهذه السرعة؟ ابتسم بيرون: —هذا متوقع من جيشنا العظيم . ثم أضاف:-تعرف أنه لا يجب لأحد أن يراك هكذا.تنهد الإمبراطور، ثم رفع كفه في الهواء، فتجمع فيها شعاع من ضوء ، ضيّق بيرون عينيه وهو يتابع بصمت ما يفعله والده غرس الإمبراطور الشعاع في صدره، اغمض عينيه الما وأخذ يتعرق، ثم أبعد يده أخيرًا وهو يتنفس بسرعة.ظلّ بيرون يراقب في صمت، بينما صدر الإمبراطور يعلو ويهبط ثم اعتدل الإمبراطور جالسًا في السرير بكامل طاقته، وكأنه لم يكن محتضرًا قبل لحظات.تأمله ابنه في صمت، قبل أن يقول : —بهذه الطريقة سوف تهلك نفسك ، إنك تحمل جسدك فوق استطاعته ، رفع الإمبراطور كفه،
"لقد دفعتُ لوالدك لقاء هذا..." اتسعت عينا ريموندا، وتراجع النور منهما فجأة، كأن روحها مُحيت في لحظة.وضعت كفيها على فمها، تحاول كتم شهقة الخذلان..... في داخلها، شيءٌ تكسّر بصوتٍ لم يسمعه أحد... لكنها سمعته جيدًا:— سيد ويليم؟ قالت بتوتر :—ما الأمر؟ أليست السيدة ميرندا هنا؟ابتسم...ولم تكن ابتسامته كابتسامات النهار ، كانت مختلفةقال بنبرة هادئة... لكنها تزحف بالخطر:— لا عليكِ يا ريموندا...تجمّدت الكلمات على شفتيها خطوة إلى الخلف... ثم أخرى.وهو يقترب... خطوته الواثقة تقطع الهواء، وعيناه لا تشبهان أي نظرة رأتها من قبل.أغمضت عينيها بقوة، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها...الذكريات عادت دفعة واحدة صوتٌ آخر، همسٌ عند أذنها:—الم تعد تلك القلادة تعجبك ؟فتحت عينيها ببطء ، إيلادور كان أمامها ، تراجع خطوة إلى الخلف، وضم يديه خلف ظهره ، رمشت عدة مرات، والتفتت جانبًا، وشيئًا فشيئًا امتلأت عيناها بالدموع...وما هي إلا لحظات حتى انفجرت باكية ، قطّب إيلادور حاجبيه متعجبًا، واقترب منها رافعًا كفه:— ريموندا...لكنها سحبت ذراعها سريعًا قبل أن يلمسها، والتفتت جانبًا تبكي ، توقف مكانه، ينظر إليها بدهشة خ
كأنّ التساؤلات انهالت عليه دفعةً واحدة: كيف يعرف هذا الوحش بشأن نطاق الطاقة؟ كيف يعرف المسافة المطلوبة؟ وإن كان لهذه الكائنات ملكٌ يقودها... فهي بطبيعتها بدائية، لا عقل بشريًا لها كي تتطور أو تنتظم ، لقد أُبيدت الأنواع المتقدمة منها سلفًا لوضع حدٍّ لها... لكن من يدري؟إن كانت هذه الكائنات قد تطورت إلى هذه الدرجة... فربما هذا أبسط ما لديها.شدّ كاسبر على أسنانه، ثم ركل الوحش في بطنه فتراجع للخلف. رفع كاسبر كفّه عاليًا، لكن الوحش — وبسرعة خاطفة — أمسك بمعصمه قبل أن يستوعب ما يحدث ، ابتسم له ابتسامة واسعة، ثم لوى معصمه وكسره.صرخ كاسبر متأوهًا: —يا إلهي... سحقًا!نظر إلى الوحش بغضب، ثم ركله بقوة ليندفع بعيدًا. أمسك بيده المصابة، عضّ على أسنانه، ولفّها بعنف حتى أعاد العظم إلى موضعه، يتنفس بسرعة من شدّة الألم. أغمض عينيه، وقف بثبات، أرجع إحدى قدميه للخلف، وأحكم قبضته على السيف... ثم اندفع.اصطدم السيفان، ودخلا في مبارزةٍ ساخنة؛ كلٌّ منهما يقاتل بكل ما لديه ، توقفا أخيرًا، يتنفسان بصعوبة، وصدر كاسبر يعلو ويهبط بعنف.علّق الوحش سيفه على كتفه، وابتسم بخبث قائلًا:—أتعرف أنني ألهو معك منذ ساعات
وقف كاسبر على صهوة حصانه في مقدمة الجيش ، إلى جانبه ألكسندر وأوغست، وفي الجهة الأخرى ليوبولد وخلفهم الجيش متراصٌّ في صفوف ممتدة.تقدّم كاسبر خطوة، ثم استدار بحصانه ليواجه الجنود، بينما بقي الثلاثة في ثباتهم قال بصوت جهوري، ممسكًا بلجام حصانه:—اسمعوا أيها الجيش...ساد الصمت.تابع :—تذكّروا جيدًا أننا ندخل أقوى وأرعب أرض... أرض تايتا. مقبرة البشرية.شدّ على اللجام :—لكن تذكّروا... لا شيء أقوى من كاليمور وجيشها ، رفع صوته أكثر:—اثبتوا! ترابطوا. ! وإياكم والتردد!ثم صرخ:—إما النصر... أو النصر!»ارتجّ الميدان بصوت الجنود:—تحيا كاليمور! يحيا الجيش الكاليموري! بينما كانت الهتافات تتصاعد، ظل أوغست يمسح الأفق بنظرة حادة، يقيّم الأرض والاتجاهات بصمترفع كاسبر يده عاليًا وأشار: —الوحدة الأولى إلى الشرق!تحرّك جيش ليوبولد ، الوحدة الثانية إلى الغرب...!اندفع جيش ألكسندر ، الوحدة الثالثة إلى الشمال! تحرّك جيش أوغست ثم قال اخيرا: —الوحدة الأخيرة... خلفي.استدار بحصانه وانطلق، فتبعته القوات، وغبار الرمال يرتفع تحت حوافر الخيل توقّف أوغست لحظة نظر إلى كاسبر وهو يبتعد مع جيشه...ثم استدار بصمت، وأكمل طر
تراجعت كارينا خطوة صغيرة إلى الخلف، وكأن كلمة "وفاق" لم تكن بريئة كما بدت لها تسارعت أنفاسها أكثر، وعيناها ما زالتا معلّقتين به بحذر ، قالت بصوت منخفض متردد: —و... ما معنى هذا الوفاق؟ابتسم بيرون ابتسامة خفيفة، وأدار رأسه قليلًا كأنه يختار كلماته بعناية:—معناه بسيط جدًا... اقترب خطوة واحدة فقط دون أن يلمسها، لكن المسافة بينهما صارت خانقة: —أن نتوقف عن لعب دور الأعداء.سكت لحظة، ثم تابع بنبرة أخف، شبه ساخرة:—أنا لا أحب أن أكون عدوًا لأحد... خصوصًا لمن يحمل أسرارًا خطيرة كهذه.ارتجفت أصابعها قليلًا ،قالت بسرعة:—أنا لا أفهم ما تقصده ، اسرار ماذا؟رفع حاجبه، ثم أشار بخفة إلى المكان الذي كان فيه الكاتب قبل قليل، اغمضت عينيها بحسرة على حالها ، خفض صوته:—دعيني أكون أوضح...اقترب نصف خطوة أخرى، فشدّت جسدها تلقائيًا :—أنا لم أركِ... ولم أرَ شيئًا لا الكاتب... ولا هذا المشهد المثير للاهتمام.ثم أضاف بسخرية خفيفة:—وأنتِ ..من الآن فصاعدًا... ابنة بارة بعمها حسناً؟؟ ثم...أليس العم أبًا؟ارتجفت شفتاها: —ولِمَ تظن انني سوف أفعل ما تريد؟ابتسم بيرون بهدوء غريب:—لأنكِ ذكية ، ثم أمال رأسه قليلًا: —وا