เข้าสู่ระบบكان الأمير فيليكس يجول في غرفته ذهابًا وإيابًا، وبين يديه كتاب مفتوح يراجع صفحاته بتركيز، يتمتم أحيانًا ويعيد بعض الأسطر كأنه يحاول تثبيتها في ذاكرته ، كان الهدوء يلف الجناح، حتى قاطعه طرق خافت على الباب.
استدار نحو الصوت، لكن قبل أن يأذن بالدخول، انفتح الباب بالفعل ، ظهر بيرون واقفًا عند العتبة، وعلى شفتيه ابتسامة واسعة، ثم فرد ذراعيه مرحبًا كأنه لم ير أخاه منذ أعوام. ضحك فيليكس فورًا، وألقى الكتاب جانبًا، ثم اندفع نحوه احتضنه بقوة، بينما راح بيرون يربت على شعره بحنان. قال بيرون بصوت دافئ: —ما أخبار أخي الصغير؟ ابتعد فيليكس قليلًا، ولا تزال ابتسامته مشرقة:—أنا بخير... بخير تمامًا. لفّ بيرون ذراعه حول كتفيه، وأخذه يتمشى معه داخل الجناح. كان فيليكس يسير ويداه متشابكتان أمامه، يميل برأسه قليلًا كما اعتاد حين يشعر بالراحة ، أخذ بيرون يسأله عن تدريباته، وعن أساتذته، وعن تقدمه في قدراته السحرية . لكن ما إن توقفا متقابلين، حتى خفتت ابتسامة فيليكس. قال بصوت منخفض:—أشعر أنني ضعيف يا أخي... خفض رأسه، وأكمل بصعوبة: —الجميع يجيد التعويذات... باستثنائي. تعاويذي لا تزال هزيلة جدًا. لا أدري كيف سأحكم مملكة وأنا على هذه الحال. اقترب بيرون منه، ووضع يديه على كتفيه، ثم انحنى قليلًا حتى التقت عيناه بعينيه . قال بهدوء:—مسألة الضعف والقوة... سنعود إليها لاحقًا ، لكن أخبرني أولًا، من قال لك إن الحكم يحتاج إلى قوة سحرية؟ رفع فيليكس رأسه بتردد :—جميع الملوك يمارسون أقوى التعويذات... أما أنا... هزّ بيرون رأسه مبتسمًا:— فيليكس، قبل أن ينفجر السحر في هذا العالم... ألم تكن هناك ممالك؟ ألم يكن هناك حكّام؟ تمتم فيليكس:ـ بلى... اعتدل بيرون وقال:— إذًا افهم شيئًا واحدًا — قديمًا كان أو حديثًا — القوة لها أشكال كثيرة، وأعظمها العقل. أشار بإصبعه إلى رأس فيليكس :—الحكم لا تُديره القرى الخارقة ، ولا هذه الاستعراضات السحرية... بل يسيّره العقل، والبصيرة، والقدرة على قراءة الناس قبل أن ينطقوا. بدأ التوتر يذوب من ملامح فيليكس، وكأن الكلمات أعادت إليه بعض الثقة ، لكن فجأة... توقف بيرون في منتصف حديثه. شعور خفي مرّ عبره — ذلك الإحساس الذي لا يخطئه محارب اعتاد ميادين الخطر ، ضاقت عيناه قليلًا. قال فيليكس:—" أجل، وأنا—رفع بيرون إصبعه مطالبًا بالصمت خطوةٌ واحدة فقط نحو الباب.. .ثم اندفع بيرون فجأة وفتحه بقوة. سقط جسدٌ إلى الداخل كانت " الملكة كارين" ارتطمت بالأرض مبهوتة، وقد اختلّ توازنها بعدما كانت تسترق السمع. عقد بيرون ذراعيه ببطء، ونظر إليها من علٍ، وعيناه تلمعان بابتسامةٍ لا تحمل دفئًا هذه المرة ، قال بنبرة هادئة، حادة وساخرة في آنٍ واحد:— ما الذي حدث يا مولاتي؟ لو ذكرتِ فقط أنكِ ترغبين في مشاركتنا الحديث... اتسعت عينا فيليكس بصدمة :— الملكة كارين؟! أما كارين فحاولت النهوض سريعًا، تجمع ما تبقى من هيبتها، ثم و ببرودٍ مصطنع:— كنتُ أمرّ فحسب... وسمعت صوتكما مرتفعًا. ابتسم بيرون ابتسامةً خفيفة؛ تلك التي لا يمكن الجزم إن كانت مجاملة أم تهديدًا اقترب خطوةً واحدة :— غريب... لأن حديثنا لم يكن مرتفعًا. ساد الصمت لثوانٍ ، ثم مال قليلًا وأضاف بصوتٍ أخفض: — في المرة القادمة، يا مولاتي... اطرقي الباب، وسوف نفتحه لكِ بكل سرور ، فأنتِ الملكة. تصلبت كارين، لكن كبرياءها منعها من الرد ، اكتفت بنظرةٍ باردة، ثم استدارت وغادرت دون كلمة ، ظل فيليكس ينظر إلى الباب بدهشة، أما بيرون... فكانت عيناه تتبعانها، وابتسامته الخفية توحي بأنه لم ينزعج قط ، بل ربما... كان مسرورًا أن هناك من بدأ يراقبه. استدار بعدها إلى فيليكس وقال بهدوء:— أظن أن أخاك لديه ما يشغله الآن... هل تأذن لي أيها الملك؟ ضحك فيليكس، وضمّ يديه خلف ظهره متصنعًا الوقار. — هممم... دعني أفكر ، بما أنني ملكك، فأنا آمرك أن نقضي وقتًا أطول معًا. أطرق بيرون رأسه قليلًا، مصطنعًا التفكير :— لكنني مشغول، جلالتك. عقد فيليكس ذراعيه وقال بجديةٍ ساخرة:— أتعصي أوامر الملك؟ وضع بيرون يده على صدره متظاهرًا بالصدمة:— أنا؟ أعصي؟ ضمّ يديه معًا وخفض رأسه قائلًا:— حاشاي. ضحك فيليكس، ثم أشار له نحو الباب:— إذنك معك. ابتسم بيرون، وربّت على كتف فيليكس برفق قبل أن يخرج ** وقف الجندي بانتصابٍ تام، ثم خفّض رأسه وضرب قدمه بالأرض ضربةً واحدة، تحيةً عسكرية صافية:— مرحبًا أيتها اللواء أديلين. كانت أديلين تجول بعينين حادتين على امتداد الحدود؛ نظراتها تمسح الأفق كما لو أنها تحاول انتزاع الأسرار المختبئة خلفه الرياح الباردة كانت تعبث بأطراف عباءتها العسكرية، لكنها لم تتحرك قيد أنملة. التفتت إليه أخيرًا :— كيف يجري تأمين الحدود؟ أجاب فورًا، وصوته مشدود بالانضباط:— يسير وفق الأوامر، يا لواء . الدوريات منتشرة، ونقاط المراقبة في حالة تأهب. لم ترد ظلت تحدّق في البعيد، حيث تمتد الأراضي الرمادية خارج نطاق المملكة ، كان هناك شيءٌ في السكون يثير الريبة... هدوءٌ يشبه ذلك الذي يسبق العاصفة. بدون نطاق طاقتها، لم تعد الحدود حصنًا حقيقيًا، بل مجرد خطوطٍ وهمية يمكن اختراقها ، والأسوأ من ذلك أن جسدها، الذي اعتاد حمل القوة بلا تردد، بدأ يخونها؛ الألم الخفي في عضلاتها، والثقل الذي يستقر في صدرها مع كل نفس... كلها تذكيرات قاسية بأن المعركة الأخيرة لم تنتهِ داخلها بعد. قبضت على كفّها دون وعي ، ليس الآن... ليس وقت الضعف. استدارت أخيرًا، وانطلقت في طريقها بخطواتٍ قوية تضرب ، الأرض بثبات، كأنها تتحدّى جسدها قبل أن تتحدى العدو لكن القلق ظل يسير معها. ** جلست ريموندا على السرير، تسحب الوسادة خلف ظهرها وتثبتها بعناية حتى تستند إليها براحة ، زفرت ببطء، وكأنها أخيرًا وجدت لحظة هدوء وسط صخب الأيام الماضية. رفعت الكتاب الثقيل إلى حجرها "تاريخ فلموريا" — كان العنوان منقوشًا بحروف داكنة، وقد بهتت أطراف الغلاف من فرط ما تناقلته الأيدي عبر السنين ، مرّرت أصابعها على سطحه بخشوعٍ غريب، كما لو أنها تلامس قطعة من الزمن نفسه. فتحت الصفحة الأولى ، انبعثت رائحة الورق العتيق، مزيجٌ من الغبار والذكريات، رائحة الكتب التي عاشت أكثر مما ينبغي. بدأت تقرأ... "هنا تبدأ حكاية المملكة التي وُلدت من الدم، وارتفعت على أكتاف من ضحّوا بأعمارهم لتبقى." توقفت عيناها عند السطر، وشعرت بقشعريرة خفيفة تسري في ذراعيها قلبت الصفحة ببطء. الرسومات القديمة تملأ الهوامش: ملوك بتيجان ثقيلة، فرسان تحيط بهم هالات من الضوء، ودوائر طاقة منقوشة بدقة تجعلها تبدو حيّة، كأنها قد تشتعل إن طالها اللمس. همست لنفسها:— يا ترى... كم من الحقيقة يخبئ هذا الكتاب؟ استقرّت أكثر على الوسادة، وضمّت الغطاء إلى ساقيها دون أن تنتبه، بينما انغمست عيناها بين السطور. لم تكن تقرأ تاريخًا فحسب... كانت تفتح بابًا لعالمٍ لم تفهم بعد أنها أصبحت جزءًا منه وبدات تقرا الاسرار الدفينة.. منذ قرون عديدة، كان العالم مسرحًا لوجود كائنات هائلة تُعرف باسم "التايتانور" لم تكن هذه المخلوقات تشبه البشر إلا في شكلها الخارجي، أما قوتها وسرعتها ومتانة أجسادها فكانت تفوق الوصف: أقصرهم لم يقل طوله عن مترين، وأطولهم تجاوز الأربعة أمتار، قادرين على التحليق في السماء كالعواصف، ونفث النيران بأنفاس حارقة، وأجسادهم الصلبة تحمل قوة عشرات الرجال. لكن سر هيبتهم لم يكمن في أجسادهم وحدها، بل في ملكهم. قبل أن يتولّى زمام الأمور، كان التايتانور مجرد وحوش همجية، يركضون وراء طعامهم، وكان البشر طعامهم الأثير ، إلا أنه بمجرد أن أصبح الملك قادرًا على التحكم بعقولهم وإصدار الأوامر، تحوّلوا من فوضى عشوائية إلى جيش منظم ومدمر، قادر على تأسيس إمبراطورية تايتا ، بفضل هذا التحكم، استُغلت قوتهم في فرض هيمنة شاملة، وحتى أُنشئت مراعي بشرية لتربية البشر كطعام، محققين بذلك السيطرة الكاملة على الأرض والمخلوقات. وسط هذا الظلام واليأس، نهض سيباستيان الأول، ملك فلموريا، ليقود المقاومة ، لم يكن سيفه وحده سلاحه، بل حكمته وعبقريته. في خضم محاولاته لإنقاذ شعبه، اكتشف كتاب نيڤاريم، ذلك الكيان الغامض الذي اختزن فيه القدماء أسرار القوى العظيمة. لم يكن مجرد أداة، بل شيئا يحمل إرثًا من القوة والمعرفة، ينتظر من يملك العزيمة القوية ليستخلص قوته لم يكن مجرد صفحات؛ بل كان عقدًا مقدسًا بين البشر وقوة غامضة، تمنح مستخدميه قدرات خارقة تقارب قوة التايتانور نفسها: قوى تمنح القدرة للطيران، وقوة عضلية ، وللسرعة... وغيرها الكثير. لكن، كما لكل قوة عظيمة ثمن، كان على مستخدم القوى دفع شيء لا يُستهان به: سنوات من عمره. لم يكن كل البشر قادرين على تحمّل هذا العبء ، وحدهم أولئك المولودون بقدرة فطرية على التحمل فقط أولئك ذوو الأعمار الطويلة والقدرة الفطرية على تحمل تلك القوى ، مثل قبيلتي الكاليمور والدرانوس ومع مرور الأعوام، بدأت مقاومة البشر تُثمر أخيرًا. ورغم أن قوتهم كانت ضئيلة أمام جبروت التايتانور، إلا أن إرادتهم وصبرهم صنعا مملكة جديدة تحمل راية البشر: فلموريا. ومنذ ذلك الحين، غدت هذه المملكة مهدًا للبشرية ورمزًا للمقاومة، ومسرحًا لظهور القوى التي ستغيّر مصير العالم إلى الأبد ومع توالي العصور، تعاظم استخدام قدرات نيڤاريم، حتى وصل الحكم إلى عهد سيباستيان الرابع ، هناك وقع الاكتشاف الذي غيّر الموازين: نطاق الطاقة. كانت هذه القدرة الأعظم والأخطر على الإطلاق؛ إذ تمنح مستخدمها القدرة على إنشاء نطاق مغلق لا يقبل أي طاقة سحرية سوى طاقته الخاصة. وكل من يتجاوز هذا النطاق يصبح مجردًا من القوة... بلا حول ولا قوة، مجرد فريسة تنتظر الضربة الأخيرة. وبفضل هذه القدرة، صار إسقاط التايتانور ممكنًا، إذ وقعوا في الفخاخ واحدًا تلو الآخر، مجردين من قوتهم، يُذبحون كما يُذبح الحيوان الأعزل. لكن، وكما لكل قوة عظيمة ثمن، فإن نطاق الطاقة كان يستنزف صاحبه حتى الموت. لم يكن بوسع أي إنسان عادي تحمّله، فظهر تصنيف جديد بين المحاربين: • فرسان الدرجة الأولى: قادرون على فتح نطاق بحجم مملكة كاملة لمدد زمنية معقولة. • فرسان الدرجة الثانية: نطاقاتهم لا تتجاوز نصف المملكة. • وتدرجت الدرجات حتى وصلت إلى الدرجة العاشرة، حيث لا يتعدى نطاق صاحبها سوى أربعة أمتار فقط. بهذه القوة، استطاع سيباستيان الرابع تحرير نحو 80% من الممالك التي كانت خاضعة لإمبراطورية تايتا، وبدا النصر قاب قوسين أو أدنى، والمقاومة بلغت ذروتها. غير أن لعنة البشر تكمن في قلوبهم. بعد أن ذاقوا طعم القوة، بدأوا بابتكار قوى جائرة، خارجة عن سيطرة كتاب نيڤاريم. لم تعد القوى وسيلة للدفاع عن الحرية، بل أداة للبطش والتحكم والتسلط على الضعفاء. ومع انتهاء عهد سيباستيان الرابع، غدا العالم يغلي بفوضى استخدام السحر. ثم جاء سيباستيان الخامس، فوضع حدًا لهذا الطيش. أصدر قوانين صارمة، عُرفت لاحقًا بـ قواعد نيڤاريم: • أي قوة سرحيه غير مدرجة في الكتاب تُعتبر محرمة. • من يبتكرها أو يستخدمها، يدفع حياته قربانًا، إذ تتحول طاقته إلى وقود يلتهمه حتى الفناء. مدّ سلطته أبعد، ففرض نطاقًا واسعًا على كل الممالك التي خضعت لحكمه، وأجبر من رفض على اعتباره عدوًا. وهكذا غدت كل الممالك تحت راية واحدة: إمبراطورية فلموريا الجديدة. لكن هذا القرار، الذي أراد به فرض النظام، حمل وجهًا آخر مظلمًا؛ إذ إن نطاقاته حجبت طاقة الناس ومنعتهم من استخدام قوتهم الخاصة. وعندما عادت الـتايتانور للهجوم مجددًا، لم يجد البشر وسيلة للمقاومة سوى عضلاتهم العارية. عندها، لم يعد أمام الممالك خيار سوى الاعتماد الكامل على حماية فلموريا، فصارت الإمبراطورية مصدر النجاة والهيمنة في آنٍ واحد. ظل الوضع على هذا الحال... حتى اعتلى العرش سيباستيان السادس ، وحين صعد إلى العرش، تحوّلت فلموريا إلى جحيم مقنّع ، كان حاكمًا ظالمًا لا يعرف رأفة ولا رحمة، همه الوحيد بسط سلطانه على جميع الشعوب والحكام ، لم يكتف بفرض نطاقاته القاهرة، بل مدّ سلطته إلى التجارة، فدخل في صفقات مع إمبراطورية تايتا، صاحبة الذهب الوفير. لكن صفقاته لم تكن مجرد تبادل للبضائع؛ بل كانت أكثر قسوة. فقد كان يبادل البشر بالذهب... رجالًا ونساءً وأطفالًا، يتحوّلون إلى سلعة على طاولة الملك. بهذا الاحتكار الوحشي، صارت فلموريا تُعرف بين الناس باسم "الإمبراطورية الذهبية". بل قيل إن قصوره غصّت بالذهب حتى في أواني الطعام والمواعين، لا لشيء سوى لإظهار تفوقه وكأنّه يقول للعالم: أنتم جياع، وأنا أطهو بالذهب. ولضمان استمرارية حكمه، لم يتورع عن إصدار قوانين حسب هواه، لا لخدمة الشعوب، بل لتقوية سلطته. صار البشر مجبرين على تقديم سنوات من أعمارهم لا للحماية فقط، بل للعيش ذاته. كل نفس تُباع، وكل عمر يُقايَض، حتى لم يعد للإنسان قيمة إلا بما يقدمه للإمبراطورية. انتشرت المجاعات في أرجاء العالم، وامتلأت الطرقات بالجرائم، إذ لم يعد هناك عدل ولا رحمة. ومع ذلك، من قلب هذا الجحيم بدأت بذور التمرد تنمو ، ظهرت تكتلات بشرية سرية، صغيرة في البداية، في القرى النائية والجبال البعيدة، تحمل فكرة واحدة: لا بد من كسر قيود فلموريا الذهبية... مهما كان الثمن. قلبت الصفحة التالية... ثم التي بعدها توقفت فارغة. عبست، وقلبت أخرى بسرعة أكبر فارغة أيضًا ، اتسعت عيناها، ومالت بجسدها إلى الأمام كأنها لم تصدق ما ترى. راحت تقلب الأوراق واحدة تلو الأخرى، لكن المشهد لم يتغير؛ نصف الصفحات ممزق من الأطراف، والآخر بلا حبر، بلا كلمة، بلا أثر. همست بصوت خافت:— يا إلهي... مررت أصابعها على الورق كأنها تتأكد أن الكلمات لم تختفِ للتو. ضغطت على الصفحة، قلبتها نحو الضوء، لعل الحبر خفيّ أو مشفّر... لكن لا شيء. مجرد بياض صامت ، ارتفع خفقان قلبها قليلًا ، أُخفيت الحقيقة؟ أم لم تُكتب أصلًا؟أغلقت الكتاب ببطء، لكن نظرتها بقيت معلقة عليه. ثم تمتمت بحسمٍ خافت:— عليّ أن أعود إلى المكتبة... ربما أجد التكملة هناك. أنزلت قدميها إلى الأرض، ونهضت وهي تضم الكتاب إلى صدرها، وكأنها تخشى أن يختفي هو الآخر إن تركته لحظة واحدة..كأنّ التساؤلات انهالت عليه دفعةً واحدة: كيف يعرف هذا الوحش بشأن نطاق الطاقة؟ كيف يعرف المسافة المطلوبة؟ وإن كان لهذه الكائنات ملكٌ يقودها... فهي بطبيعتها بدائية، لا عقل بشريًا لها كي تتطور أو تنتظم ، لقد أُبيدت الأنواع المتقدمة منها سلفًا لوضع حدٍّ لها... لكن من يدري؟إن كانت هذه الكائنات قد تطورت إلى هذه الدرجة... فربما هذا أبسط ما لديها.شدّ كاسبر على أسنانه، ثم ركل الوحش في بطنه فتراجع للخلف. رفع كاسبر كفّه عاليًا، لكن الوحش — وبسرعة خاطفة — أمسك بمعصمه قبل أن يستوعب ما يحدث ، ابتسم له ابتسامة واسعة، ثم لوى معصمه وكسره.صرخ كاسبر متأوهًا: —يا إلهي... سحقًا!نظر إلى الوحش بغضب، ثم ركله بقوة ليندفع بعيدًا. أمسك بيده المصابة، عضّ على أسنانه، ولفّها بعنف حتى أعاد العظم إلى موضعه، يتنفس بسرعة من شدّة الألم. أغمض عينيه، وقف بثبات، أرجع إحدى قدميه للخلف، وأحكم قبضته على السيف... ثم اندفع.اصطدم السيفان، ودخلا في مبارزةٍ ساخنة؛ كلٌّ منهما يقاتل بكل ما لديه ، توقفا أخيرًا، يتنفسان بصعوبة، وصدر كاسبر يعلو ويهبط بعنف.علّق الوحش سيفه على كتفه، وابتسم بخبث قائلًا:—أتعرف أنني ألهو معك منذ ساعات
وقف كاسبر على صهوة حصانه في مقدمة الجيش ، إلى جانبه ألكسندر وأوغست، وفي الجهة الأخرى ليوبولد وخلفهم الجيش متراصٌّ في صفوف ممتدة.تقدّم كاسبر خطوة، ثم استدار بحصانه ليواجه الجنود، بينما بقي الثلاثة في ثباتهم قال بصوت جهوري، ممسكًا بلجام حصانه:—اسمعوا أيها الجيش...ساد الصمت.تابع :—تذكّروا جيدًا أننا ندخل أقوى وأرعب أرض... أرض تايتا. مقبرة البشرية.شدّ على اللجام :—لكن تذكّروا... لا شيء أقوى من كاليمور وجيشها ، رفع صوته أكثر:—اثبتوا! ترابطوا. ! وإياكم والتردد!ثم صرخ:—إما النصر... أو النصر!»ارتجّ الميدان بصوت الجنود:—تحيا كاليمور! يحيا الجيش الكاليموري! بينما كانت الهتافات تتصاعد، ظل أوغست يمسح الأفق بنظرة حادة، يقيّم الأرض والاتجاهات بصمترفع كاسبر يده عاليًا وأشار: —الوحدة الأولى إلى الشرق!تحرّك جيش ليوبولد ، الوحدة الثانية إلى الغرب...!اندفع جيش ألكسندر ، الوحدة الثالثة إلى الشمال! تحرّك جيش أوغست ثم قال اخيرا: —الوحدة الأخيرة... خلفي.استدار بحصانه وانطلق، فتبعته القوات، وغبار الرمال يرتفع تحت حوافر الخيل توقّف أوغست لحظة نظر إلى كاسبر وهو يبتعد مع جيشه...ثم استدار بصمت، وأكمل طر
تراجعت كارينا خطوة صغيرة إلى الخلف، وكأن كلمة "وفاق" لم تكن بريئة كما بدت لها تسارعت أنفاسها أكثر، وعيناها ما زالتا معلّقتين به بحذر ، قالت بصوت منخفض متردد: —و... ما معنى هذا الوفاق؟ابتسم بيرون ابتسامة خفيفة، وأدار رأسه قليلًا كأنه يختار كلماته بعناية:—معناه بسيط جدًا... اقترب خطوة واحدة فقط دون أن يلمسها، لكن المسافة بينهما صارت خانقة: —أن نتوقف عن لعب دور الأعداء.سكت لحظة، ثم تابع بنبرة أخف، شبه ساخرة:—أنا لا أحب أن أكون عدوًا لأحد... خصوصًا لمن يحمل أسرارًا خطيرة كهذه.ارتجفت أصابعها قليلًا ،قالت بسرعة:—أنا لا أفهم ما تقصده ، اسرار ماذا؟رفع حاجبه، ثم أشار بخفة إلى المكان الذي كان فيه الكاتب قبل قليل، اغمضت عينيها بحسرة على حالها ، خفض صوته:—دعيني أكون أوضح...اقترب نصف خطوة أخرى، فشدّت جسدها تلقائيًا :—أنا لم أركِ... ولم أرَ شيئًا لا الكاتب... ولا هذا المشهد المثير للاهتمام.ثم أضاف بسخرية خفيفة:—وأنتِ ..من الآن فصاعدًا... ابنة بارة بعمها حسناً؟؟ ثم...أليس العم أبًا؟ارتجفت شفتاها: —ولِمَ تظن انني سوف أفعل ما تريد؟ابتسم بيرون بهدوء غريب:—لأنكِ ذكية ، ثم أمال رأسه قليلًا: —وا
اتكأ إيلادور على الكرسي :-أنا أسمع... تفضّلي يا آنسة... ....ريموندا؟ ، نظرت إليه بامتعاض، وتمتمت بصوت خافت:—هل يدّعي أنه لا يتذكر اسمي جيدًا؟؟؟قال إيلادور:—معذرة؟ ، رفعت ريموندا رأسها بسرعة، وقالت وهي تتدارك بابتسامة قصيرة:—لا، لم أقل شيئًا. عمومًا... لديّ مخزون أسئلة لدرجة أنني لا أعرف بأيّها أبدأ!سكت لحظات، ثم قال:—اسألي أي شيء. أنا أسمع.رفعت سبابتها قائلة :—وستجيب عليها كلها، أليس كذلك؟نظر إليها ورد بهدوء: —سأجيب على ما أعرف.ضيّقت عينيها قائلة : —أنت تعرفها كلها . ما أعنيه... أنك لن تتفادى الإجابة.فرد ببرود:—بل سأتفادى ما لا يناسبني. لذا اسألي... دون شروط ، تلفّتت بتذمر، فتنهد قائلا :—ألن تسألي؟التفتت إليه ثم قالت : آه... نعم. في الحقيقة... كيف تُضيئون الأماكن هنا؟ عقد حاجبيه تساؤلاً: كيف؟ لا أفهم قصدك.قالت على استحياء:—نحن نستخدم الشموع لإضاءة الحجرات و... هزّ رأسه وقد فهم: —آه... تسألين عن تلك القوة التي تُنير بلا فتيل!!؟؟سكت لحظة، ثم قال: —نسميها كهرباء ، وأشار إلى الجدار:—هي نورٌ يسري في أسلاك خفية، كما يسري الماء في القنوات لا زيت لها، ولا نار... ومع ذلك تملأ المكان
عمَّ الصمت والهدوء ، قال الإمبراطور دون أن يلتفت: "تفضّل"اقترب إيلادور رفع الإمبراطور كأس العصير وارتشف منه، بينما كان إيلادور يتأمّله بصمت تقدّم بخطوات ثقيلة تهزّ الأرض حتى وقف أمام الإمبراطور مباشرة، ينظر إليه بحدّةٍ اعتادها الجميع منه؛ وجهٌ متجهّم لا يعرف اللين.رفع الإمبراطور رأسه ، تبادلا النظرات وضع الإمبراطور كأسه على الطاولة وأشار بكفّه إلى إيلادور أن يجلس نظر إليه لحظة، ثم جلس على الكرسي المقابل، وظلّ ينظر بثبات دون أن ينبس بكلمة.ابتسم الإمبراطور ابتسامة خفيفة، وخفض رأسه قليلًا وقال:—اسكب لنفسك كأسًا... لعلّنا سنقول الكثير.نظر إيلادور إلى القنينة الزجاجية، ثم إلى الكأس الفارغ أمامه، ورفع رأسه متكئًا وقال:—ألستَ من استضافني؟ اسكب لي أنت.توقف الإمبراطور والكأس بين يديه، ثم ابتسم بسخرية خفيفة وضعه جانبًا واتكأ على كرسيّه قائلًا:—أظنّ أن والدك علّمك أشياء كثيرة يا إيلادور... لكنه لم يعلّمك الخوف.ظلّ إيلادور صامتًا تابع الإمبراطور:—وهذا طبيعي... لا يمكنه أن يعلّمك شيئًا هو شخصيًا لا يعترف به ، والدك كان محاربًا قويًا... وصديقًا جيدًا لي.»عقد إيلادور حاجبيه أكثر حتى بدا وجهه
جلست ريموندا على طرف السرير، حيث كان إيلادور يغطّ في نومٍ مضطرب، يتعرّق بغزارة ولأول مرة... تراه عن قربٍ إلى هذه الدرجة. كان شعره الأسود الفحمي يصل إلى نهاية عنقه وتلك الظلال الداكنة تحت عينيه الحادتين ، كانت تدل على الإجهاد الذي يعيشه وتلك التجاعيد بين حاجبيه ، تلك التي طُبعت على وجهه من كثرة ما كان يقطّبهما ، أثر شاربٍ خفيف بالكاد يُرى ،عظام فكه البارزة ووجهه... المليء بالخدوش ،قديمة... وجديدة آثار معارك لا تُحصى.وهناك ندبةٌ قديمة تبدأ من مدمع عينه اليسرى، تمتد مائلةً عبر وجهه حتى تصل إلى نهاية أنفه في الجهة اليمنى وضعت كفّها برفق على جبينه كان جسده يشتعل كالنار من شدّة الحمى.تمتمت بقلق: —يا إلهي... ماذا عليّ أن أفعل؟ نظرت إلى الباب... ثم إليه ، فخاطبت نفسها بخفوت: —لقد رفض قطعًا أن أخبر أحدًا...سكتت لحظة تفكّر بحيرة ثم قالت: —على الأقل... يجب أن أُخفّف هذه الحرارة ، وقفت لتستعد لتخرج لكنه تحرّك قليلًا فتوقّفت، راقبته مال برأسه قليلًا... لكنه ظل نائمًا تنفّست بعمق، ثم خرجت من الجناح بعد دقائق، عادت تحمل وعاءً ممتلئًا بالماء، ومعه قطع قماش.جلست قرب رأسه ،بلّلت القماش ، عصرته فو







