"دانية، كل وسائل الإعلام تتحدث عن أدهم الآن، والصحفيون سدّوا مدخل الفندق تمامًا. أتعبناكِ مجددًا."
الساعة العاشرة ليلًا.
جلست دانية يوسف أمام مكتبها، تمسك جبينها بتعب وهي تستمع لمكالمة حماتها دون أن تنطق بكلمة.
ثلاث سنوات من الزواج، وفضائح أدهم جمال وعشيقاته تنبت كالفطر بعد المطر، موجة تلو أخرى، لا نهاية لها.
وكلما سنحت لها فرصة لرؤيته، كان ذلك فقط لمساعدته في لملمة ما تسببه نزواته.
بقيت دانية يوسف صامتة، فواصلت يسرى العوضي بنبرة مثقلة بالهمّ:
"دانية، هذه المرة ليست مجرد سمعة الشركة وأسهمها… الأمر أن حورية أيمن عادت. هي مختلفة عن بقية النساء، ويجب أن تحافظي على زواجكِ من أدهم."
حورية أيمن… عادت؟
تقلّص حاجبا دانية يوسف بتعب شديد.
قالت برفق بعد صمت قصير: "أمي، فهمت… أنا قادمة الآن."
أغلقت الهاتف، وحدّقت في الشاشة طويلًا، قبل أن تنهض وتأخذ مفاتيح السيارة.
……
بعد نصف ساعة.
حين صعدت دانية يوسف من باب الفندق الخلفي، كان العم مالك وخديجة السباعي بانتظارها.
كانت خديجة السباعي تحمل حقيبة من إحدى الماركات الفاخرة، وتقدمت منها قائلة:
"سيدة دانية، الملابس جاهزة."
كانت نفس الملابس التي ترتديها حورية أيمن الليلة، لتأدية المسرحية الإعلامية المطلوبة.
أما العم مالك فطرق الباب:
"سيدي، وصلت السيدة."
"ادخلي."
أتت إجابة أدهم جمال الهادئة الواثقة.
فتح العم مالك الباب لها، فخرج أدهم جمال من الحمام مرتديًا بيجاما رمادية فضفاضة، وعضلات صدره وبطنه مرسومة بوضوح، يمسح شعره المبتل بمنشفة، يفيض كسلًا وجاذبية.
وعندما رأى دانية يوسف، لم يبدُ عليه أدنى قدر من الارتباك أو الذنب رغم أنّه بدا وكأنه ضُبط متلبسًا.
ثلاث سنوات… وقد اعتادا كل هذا.
انحنى والتقط سيجارة من على الطاولة، وضعها بين شفتيه وأشعلها.
نفث دخانًا خفيفًا، ثم قال لها ببرود عادي:
"جئتِ."
"نعم." أومأت دانية يوسف بلهجة رسمية: "سأذهب لأغيّر ملابسي أولًا."
أخذت الملابس من خديجة السباعي واتجهت نحو غرفة النوم.
وعند الباب، خرجت حورية أيمن وهي ترفع شعرها خلف أذنها.
توقفت دانية يوسف فورًا.
حورية أيمن… بالفعل عادت.
تجمدت حورية أيمن لحظة، ثم ابتسمت بسهولة وقالت:
"دانية وصلتِ."
ثم ربّتت على رأسها كما لو كانت تهدئ طفلة:
"تعبتِ يا دانية."
شدّت دانية يوسف قبضتها على الملابس، وقالت بصوت متماسك:
"لا داعي، أخت حورية."
لم تكن تعلمُ مسبقًا أن حورية أيمن كانت الحبَّ الأولَ لأدهم جمال، ولم تكن تعلمُ أنه كان لا يزال يحبّها في ذلك الحين.
ولولا جهلُها حينها، لما هزّت رأسها حين سأَلها الجدّ إن كانت تحبّ أدهم، ولما وضعته تلك الإجابة تحت ضغطٍ ليتزوّجها.
وحاضرها هذا… ما كان ليصير مهينًا إلى هذه الدرجة.
أما أدهم جمال، فكان دائمًا حاسمًا ودقيقًا، وقد أوصل مجموعة الصفوة إلى أوج ازدهارها.
حتى كبار القوم يهابونه.
لكن حياته الخاصة… مثقوبة بكل الفضائح.
لعله كان كارهًا لهذا الزواج، لذلك يعاقبها ويعاقب الجد بهذه الطريقة.
مرّت حورية أيمن من جانبها، فالتفتت دانية يوسف بلا وعي.
ناولها أدهم جمال سترة وقال بلطف:
"ارتديها، لا تصابي بالبرد."
ضحكت حورية أيمن بسعادة:
"أنت تهتم بي دائمًا، أدهم."
نظرت دانية يوسف إليهما طويلًا، وقلبها يغص بالشجن.
هو الذي أنقذها من النار سابقًا، هو الذي كان يعاملها بلطف… كيف أصبحا هكذا؟
دخلت الغرفة دون كلمة.
بدّلت فستانًا أبيض مطابقًا لفستان حورية أيمن، ولما عادت كانت الأخيرة قد غادرت، وكذلك العم مالك وخديجة السباعي.
لكن طرق الباب في الخارج كان كالرعد.
"الرئيس أدهم، سمعنا أنك ستتطلق، هل هذا صحيح؟"
"الرئيس أدهم، هل أنت الآن مع الآنسة حورية أيمن؟"
لو التقطت الصحافة دليلًا واحدًا على خيانته، لانهارت أسهم المجموعة.
نهض أدهم جمال بتكاسل، وفتح الباب ببرود.
"الرئيس أدهم، هل ستستمر السيدة دانية في منصبها بعد الطلاق؟ كم ستحصل عليه؟"
"هل ستحصل على أسهم؟"
عند باب غرفة النوم، ضحكت دانية يوسف بسخرية خفيفة.
الكل ينتظر طلاقها مسبقًا… كم هم متنبئون.
تماسكت، ومشت بخطى هادئة حتى وقفت خلف أدهم جمال.
ثم مررت ذراعها حول خصره، وأسندت ذقنها على كتفه، وقالت برقة:
"حبيبي، ماذا يحدث؟"
نظرة واحدة منها، ويده حول خصره، جعلت الجميع يصدم.
"السيدة دانية؟"
"ليست حورية أيمن… إنها السيدة دانية!"
بدأوا يلتقطون الصور بجنون، لكن كانت الوجوه مليئة بخيبة الأمل.
ظنوا أنهم قبضوا على فضيحة… فإذا هي زوجته الشرعية.
وهي لا تزال تحتضنه.
التفت أدهم جمال إلى الصحفيين ببرود:
"هل نحتاج لرد؟"
"عذرًا رئيس أدهم، سيدة دانية… أزعجناكما."
"نتمنى لكما ليلة سعيدة."
أغلق الباب.
فأبعدت دانية يوسف ذراعيها بسرعة وقالت ببرود:
"كنت فقط أتعامل مع الصحفيين."
تجاهلها، وذهب ليبدّل ثوبه.
ظهره العريض وخصره النحيف، بشرته البيضاء…
ارتبكت دانية يوسف واحمرّ وجهها، وقالت بخفوت:
"سأعود للشركة الآن."
نظر إليها، لكنها كانت قد فتحت الباب وغادرت.
وقف طويلًا يحدّق بالباب… ثم عاد لارتداء ملابسه.
*
أمسكت دانية يوسف المقود بإرهاق في طريق العودة، تشعر باختناق في صدرها.
أخبرها الطبيب قبل شهر بوجود تكتلًا بسيطًا في جسدها، وطلب منها تخفيف التوتر.
لم تكن لديها قبل الزواج.
نظرت إلى اتفاقية الطلاق على المقعد، وتنهدت بيأس.
أخذتها إلى الفندق… ثم أعادتها معها.
لثلاث سنوات وهي تتردد. أرادت الطلاق عشرات المرات، لكن كلما تذكرت أنه حملها من وسط النيران، فتتراجع.
كانت تخشى أنها إن قدمت الاتفاق… سيوافق فورًا، ولن يبقى لها سبيل للعودة.
لذلك ظلت الاتفاقية بجانبها طويلًا.
……
بعد انتهاء الفضيحة، عاد كل شيء كما هو.
كالعادة.
مرت دانية يوسف صباح ذلك اليوم بجوار قاعة اجتماع صغيرة.
"إعادة الحساب؟ رئيس أدهم، هذه سادس مرة!"
"زوجتك دانية يوسف محظوظة، جعلها زواج واحد تطير للعلاء، لا تحتاج حتى لإعداد المخططات، تكتفي بوضع توقيعها ليرضى الطرف الآخر!"
تحسدينها؟ من غيرها يملك تلك الحِيَل، ويعرف كيف يكسب القلوب، ويجيد التحمّل؟ رأيتِ فضيحة الليلة قبل الماضية؟ عادت لتغطية فضائحه أيضًا. إنها بحقّ امرأة تتسامح مع خيانة زوجها بلا حدود!"
ثم قال صوت شاب:
"سيد أدهم، سمعت أن دانية يوسف جاءت الفندق بينما كنتَ مع حورية أيمن… ألا تبالغ قليلًا؟ هل بكت؟"
استمع أدهم جمال لهم وهو يبتسم قائلًا:
"من أين سمعتم كل هذا؟ يبدو مثيرًا."
كان يتناول العشاء مع حورية أيمن في تلك الليلة، وسكب النادل العصير على ملابسهما، فصعدا لتبديلها فقط.
لكنه لم يكترث للشائعات… ولا لمشاعر دانية يوسف.
"سيد أدهم، أنت وهي لا تناسبان بعضكما، طلّقها ودع غيرها يحصل على فرصة."
كانت دانية يوسف تقف صامتة خارج الباب، تحدق فيه.
يتحدث عن خيانته وكأنه مجرد غريب.
المشروع الذي يعملون عليه هو مشروع حكومي، لا يسمح لها بالمشاركة فيه أبدًا.
حياته كلها مغلقة في وجهها بعد الزواج… أكثر مما كان قبل الزواج.
جلس إيهاب نبيل بكسل وقال:
"يا أدهم، لا تسمع لهم. تساعدك دانية في الشركة، وتهتم بك في البيت.
أنت تسهر وتعبث، وهي لا تعترض بل تغطي على فضائحك. أي امرأة تستطيع فعل ذلك؟
قبل مئتي عام، كانت ستُقام لها نصبًا تذكاريًا! مثل هذه الزوجة… وتفكر بالتخلي عنها؟"
اعترضت فتاة:
"مجرد غضّ الطرف، أنا أستطيع القيام بما هو أفضل لو طلّقتها! ومهري أكبر بكثير من مهر دانية يوسف!"
"رُقية عمرو، ليس دورك، ما زالت حورية أيمن موجودة."
أما أدهم جمال فابتسم:
"رُقية عمرو، دعي جدك يجهّز المهر."
ساد الضحك في الداخل… وهي بالخارج تتلقى الطعنات.
عادت دانية يوسف إلى مكتبها دون كلمة.
هي حقًا فتاة عادية.
أمها معلمة توفيت عندما كانت في الثامنة، وأبوها شرطي استُشهد أثناء مهمة، وجدها كان جنديًا بسيطًا، سائق لجد أدهم جمال.
لذلك عرفته منذ الطفولة.
وضعها الجد بعد الزواج في منصب نائبة الرئيس لمساعدته.
مساعدة… أو مراقبة.
ومع ذلك، لم تستطع أن تضبطه.
أخرجت اتفاقية الطلاق من الدرج، وحدقت بها طويلًا.
كان عليها أن تكفّ عن خداع نفسها…
كانت تعلم منذ زمن… أنها لن تحصل على قلب أدهم جمال.
فجأة… لم ترغب في الاستمرار.
لم تعد تريد أن تكون حجر عثرة في طريق سعادته.
وحين انتهى من الاجتماع، ذهبت إليه.
عند باب مكتبه، خرج أدهم جمال، ففوجئ برؤيتها قليلًا وقال:
"هل هناك شيء؟"
قالت: "هناك بعض الملفات تحتاج توقيعك."
عاد إلى مكتبه، والتقط القلم.
وقّع على الملفات، فمدّت نحوه نسختين من اتفاقية الطلاق وقالت بصوت ثابت:
"حين يناسبك الوقت… لنُنْهِ هذا الزواج."
تجمّد القلم في يده، وبقي ينظر إلى دانية يوسف دون حركة.