เข้าสู่ระบบأغلق الشرطي الباب خلف أروى بهدوء.
رفعت عينيها تتأمل الغرفة الصغيرة. جدران بيضاء باهتة... طاولة خشبية تتوسط المكان... كرسيان متقابلان... ومصباح يرسل ضوءًا باردًا جعل المكان يبدو أكثر كآبة. جلست بصمت. وضعت كفيها فوق ركبتيها. كانت أصابعها ترتجف بخفة، لكنها حاولت إخفاء ذلك. فتح الضابط الملف الذي أمامه. ثم نظر إليها بنبرة هادئة. ــ أعرف أن ما مررتِ به ليس سهلًا... لكننا نحتاج إلى معرفة ما حدث. ظلت تحدق في الطاولة. دون أن تنطق. تناول الضابط قلمًا. ثم قال بلطف. ــ خذي وقتك... لسنا هنا لإيذائك. ساد الصمت. لم يكن يسمع سوى صوت المطر الذي ما زال يضرب نوافذ المبنى. رفع الضابط رأسه مرة أخرى. ــ أخبريني... ماذا حدث قبل الحادث؟ أغلقت أروى عينيها ببطء. وفي تلك اللحظة... لم تعد تسمع صوت الضابط. عادت إلى ساعات قليلة مضت. رأت نفسها تقف أمام المرآة، تبتسم وهي ترتدي الفستان الذي أهداه لها سمير. تذكرت فرحتها وهي تخبر عمها أنها ستخرج للاحتفال. وتذكرت المكالمة التي أجرتها مع سمير في الصباح. "يجب أن نلتقي اليوم." "لكن لدي عمل..." "لن يأخذ الأمر وقتًا... أرجوك، أريد أن أخبرك بشيء بنفسي." شعرت بوخزة في قلبها. لو أنني انتظرت يومًا واحدًا فقط... لو لم أصر على لقائه... لكان بقي في عمله... ولما خرجنا في ذلك الوقت... ولما مررنا من ذلك الطريق... ارتجفت أناملها. ثم ظهرت أمامها صورة هبة... ملقاة على الإسفلت تحت المطر. وعيناها المغمضتان. والدماء التي كانت تغطي الطريق. خفضت رأسها أكثر. لقد ماتت... امرأة كانت تملك أحلامًا مثل أحلامي. ربما كانت تنتظر العودة إلى منزلها. ربما كان هناك من ينتظرها. لكنها لن تعود أبدًا. شعرت بأن أنفاسها أصبحت ثقيلة. ثم تسللت إلى ذهنها صورة أخرى. سمير... وجهه الشاحب. وصوته وهو يقول: "ستنتهي حياتي..." "لن أعود إلى عملي..." "سأخلف كل وعد قطعته لك." أغمضت عينيها بقوة. لا... يكفي أن حياة واحدة انتهت. لا أريد أن تنتهي حياة أخرى بسببي. رفع الضابط نظره إليها. ثم كرر سؤاله للمرة الثالثة. ــ آنسة أروى... من كان يقود السيارة؟ فتحت عينيها ببطء. بدت نظرتها شاردة... كأنها لم تعد ترى الغرفة. ولا الضابط. ولا الملف الذي أمامها. كانت ترى طريقًا مبللًا بالمطر... وامرأة سقطت أمامها... وحلمًا تحطم في لحظة. أخذت نفسًا عميقًا. ثم قالت بصوت خافت. ــ أنا... انتظر الضابط أن تكمل. فقالت، دون أن يتغير تعبير وجهها: ــ أنا من كنت أقود السيارة. ساد الصمت داخل الغرفة. نظر الضابط إلى الملف. ثم عاد ينظر إليها. ــ هل أنتِ متأكدة مما تقولينه؟ لم تتردد هذه المرة. ــ نعم. كتب الضابط كلماتها ببطء. ثم رفع رأسه. ــ هل فقدتِ السيطرة على السيارة بسبب الأمطار؟ أطرقت برأسها. ــ نعم. ــ وهل كان السيد سمير يجلس إلى جانبك؟ أجابت بهدوء. ــ نعم. دون أن تشعر... كانت تغلق بنفسها آخر باب يمكن أن يقود إلى الحقيقة. أغلق الضابط الملف. ثم وقف من مكانه. ــ سنحتاج إلى أخذ توقيعك على أقوالك. نظر إليها. كانت ساكنة تمامًا. كأنها تركت روحها على ذلك الطريق، ولم يبق هنا سوى جسد يجيب عن الأسئلة. وقعت أروى على المحضر بيد مرتجفة. ثم أعادت القلم إلى مكانه. وقف الضابط عند الباب. وقبل أن يخرج... التفت إليها وقال: ــ يمكنك الانصراف إلى الخارج حتى ننهي بقية الإجراءات. أومأت برأسها بصمت. ثم نهضت. خرجت من الغرفة بخطوات بطيئة. في الممر... وقفت للحظة. رفعت رأسها نحو السقف. وأغمضت عينيها. لم تشعر بالراحة... ولم تشعر بأنها فعلت الصواب. لكنها أقنعت نفسها... أنها على الأقل... أنقذت حياة شخص آخر من أن تتحطم. وبينما كانت تتابع سيرها بصمت... كان في الغرفة المجاورة رجل آخر يستعد للإدلاء بأقواله... دون أن يعلم أحد... أن الحقيقة قد دُفنت قبل لحظات، بكلمتين فقط... "أنا كنت أقود."أشياء لا يعرفها الآخرون لم تكن الأيام التالية سهلة على أروى. رغم أنها استطاعت الحصول على المال الذي تحتاجه لعلاج نوال، إلا أن الاتفاق الذي وقعته مع رائد ظل حاضرًا في ذهنها. خمسة أوامر. لم تكن تعرف ما هي. ولا متى سيطلب منها تنفيذها. كل ما تعرفه أنها وافقت لأنها لم تكن تملك خيارًا آخر. ومع ذلك... كلما تذكرت أن نوال حصلت على ما تحتاجه، شعرت بشيء من الراحة. كان ذلك أهم شيء بالنسبة إليها. --- في صباح اليوم التالي، ذهبت أروى إلى المستشفى. أنهت الإجراءات المطلوبة، وسددت المبلغ الذي كان عليها دفعه. وقفت أمام موظفة الحسابات، تراجع الإيصال بين يديها. ــ هل هذا كل شيء؟ ــ نعم، هذا المبلغ يغطي الدفعة المطلوبة حاليًا. أغمضت أروى عينيها للحظة. شعرت براحة كبيرة. أخيرًا... لم تعد تفكر في كيفية تدبير المال. على الأقل في الوقت الحالي. أخذت الإيصال. وشكرت الموظفة. ثم توجهت إلى غرفة نوال. كانت نوال مستلقية على سريرها. ابتسمت عندما رأتها. ــ أروى! اقتربت منها وجلست بجانبها. ــ كيف تشعرين اليوم؟ ــ أفضل. ثم نظرت إليها بحنان. ــ وأنتِ؟ ابتسمت أروى. ــ أنا بخير. لم تخبرها ع
أما رائد... فبقي في مكتبه. كان يعلم أن الخطأ لا يستحق خمسة أشهر. كان يعلم أن خسارة الشركة محدودة. وكان يعلم أيضًا... أن أروى لم تتعمد ما حدث. لكن هذا لم يكن ما يريده. هو لم يكن يعاقبها على التقرير. كان يعاقبها على شيء آخر. على هبة. على السنوات الثلاث التي عاشها وهو يحمل ألم فقدها. وعلى السنتين اللتين خرجت أروى قبلهما من السجن. نظر إلى الملف أمامه. ثم قال ببرود: ــ سنتان لم تقضيهما هناك... وأنا سأجعلك تدفعين ثمنهما هنا. لكنه عندما تذكر وجهها وهي تقول: "أرجوك..." ساد الصمت في المكتب. لثوانٍ قليلة... شعر بوخزة من الذنب. لكنه تجاهلها. وأعاد فتح ملفه. لم يكن مستعدًا للتراجع. أما أروى... فلم تكن تعرف أن الخطأ الذي ارتكبته بسبب إرهاقها وضغط العمل لم يكن سوى بداية لأشهر ستصبح فيها حياتها أكثر صعوبةمرّت الأسابيع التالية ببطء.كانت أروى قد اعتادت على نصف راتبها.أو حاولت أن تعتاد عليه على الأقل.أصبحت تحسب كل درهم قبل أن تنفقه.تتخلى عن أشياء كانت تعتبرها بسيطة.وتبحث دائمًا عن الأرخص.لكنها لم تندم على شيء.فطالما استطاعت الاستمرار في عملها...وطالما بقيت قادرة على م
مرّت عدة أيام منذ ذلك الصباح...لكن أروى لم تستطع أن تنسى ما حدث في الممر.كلما رأت رائد من بعيد...كانت تتوتر دون إرادة منها.لم تكن تعرف سبب غضبه.ولم تكن تعرف لماذا اقترب منها بتلك الطريقة.لكن جسدها كان يتذكر.تتذكر يده وهي تمسك بذراعها.وتتذكر ظهرها عندما اصطدم بالحائط.وتتذكر نظراته الغاضبة.لذلك...كانت تتجنب النظر إليه قدر الإمكان.---في ذلك اليوم، كان العمل أكثر ضغطًا من المعتاد.تراكمت الملفات فوق مكتب أروى.ملف بعد آخر.وتقرير بعد آخر.كلما انتهت من مجموعة، وصلت أخرى.كانت ليان تساعدها قدر استطاعتها، لكن حجم العمل كان أكبر من المعتاد.ــ أروى، هل انتهيتِ من التقرير؟رفعت رأسها بسرعة.ــ تقريبًا.ــ الأستاذ خالد يحتاجه قبل الظهر.ــ سأحاول إنهاءه الآن.عادت إلى الحاسوب.كانت عيناها تؤلمانها من كثرة التركيز.شربت القليل من الماء.ثم واصلت العمل.لم تنتبه إلى خطأ صغير في إحدى الأرقام.رقم واحد فقط...لكنه غيّر نتيجة الحساب النهائي.راجعته مرة.ثم أرسلته.وما إن ضغطت على زر الإرسال...حتى انتقلت إلى الملف التالي.كانت تظن أن كل شيء انتهى.لكنها لم تكن تعلم...أن ذلك الخطأ الصغ
أريد فقط تقريرًا كاملًا. ــ حاضر. أخذ المدير الملف وغادر. لم تمر ساعات كثيرة... حتى بدأ الأمر. كانت أروى منهمكة في عملها عندما جاءها الأستاذ خالد. وضع أمامها مجموعة من الملفات. قال: ــ أروى، أحتاج منك إنهاء هذه قبل نهاية الدوام. نظرت إلى الكمية. ثم رفعت رأسها. ــ كلها اليوم؟ ــ للأسف. هناك ضغط في القسم. أومأت. ــ حسنًا. ابتسم خالد. ــ أعتمد عليك. بدأت العمل. لم تسأل لماذا ازدادت المهام فجأة. فهي اعتادت أن تثبت نفسها. لكنها لم تكن تعلم... أن بعض تلك المهام لم تأتِ مصادفة. --- مرّت الأيام. وفي كل يوم... كانت أروى تحصل على عمل أكثر. ملفات إضافية. مراجعات. تقارير عاجلة. مهام كان يمكن توزيعها على أكثر من موظف. ومع ذلك... لم تشتكِ. كانت تعود إلى غرفتها في المساء متعبة. تخلع حذاءها. وتجلس على طرف السرير. ثم تنظر إلى يديها. أحيانًا كانت تشعر أنها لم تعد تملك طاقة حتى لتغيير ملابسها. لكنها كانت تتذكر نوال. فتنهض. تحضر شيئًا بسيطًا لتأكله. ثم تراجع حساباتها. تقتطع مصاريف الإيجار. مصاريف الطعام. المواصلات.
ثم أضافت بسرعة: ــ ربما أحتاج فقط إلى بعض القهوة. ابتسمت ليان. ــ هذه أول مرة أراكِ تدافعين عن القهوة. ضحكت أروى بخفة. لكن ضحكتها لم تكن طبيعية. كانت مجرد محاولة لإخفاء الارتباك. ــ سأعود إلى مكتبي. أومأت ليان. ــ حسنًا، لكن إذا شعرتِ بأي تعب أخبريني. ــ سأفعل. استدارت أروى... ومشت. لكن خطواتها كانت أبطأ من المعتاد. --- جلست أمام مكتبها. فتحت الحاسوب. ظهرت الملفات أمامها. حدقت في الشاشة. ثم وضعت أصابعها على لوحة المفاتيح. كتبت سطرًا. ثم توقفت. حاولت أن تركز. لكن عقلها عاد إليها من جديد. يد رائد وهي تقبض على ذراعها. دفعه لها. صوته. نظراته. والسؤال الذي لم تفهمه حتى الآن: "لماذا أنتِ هنا؟" رفعت يدها إلى كتفها مرة أخرى. همست: ــ ماذا كان يقصد؟ هل أخطأت في شيء؟ هل هناك مشكلة في عملي؟ لكنها لم تجد أي تفسير. كانت تتعامل معه مثل أي مدير. احترمته. أنجزت ما طُلب منها. لم تتجاوز حدودها. فلماذا يعاملها وكأنها ارتكبت في حقه جريمة؟ أخفضت عينيها. ثم حاولت طرد الأفكار من رأسها. فتحت أحد الملفات. وأجبرت نفسها عل
ارتجف صوت أروى. ــ أستاذ رائد... أنا... لا أفهم... بقي ينظر إليها. كأن كلماتها لم تصل إليه. كان صدره يعلو ويهبط بسرعة. وقبضتاه ما زالتا تضغطان على كتفيها. كل ما كان يراه أمامه... لم يكن أروى. بل وجه هبة. ضحكتها. وابتسامتها. وذلك اليوم... اليوم الذي انتهى فيه كل شيء. اشتدت قبضته دون أن يشعر. فشهقت أروى من الألم. وحاولت أن تتراجع... لكن الحائط كان خلفها. لم يكن أمامها أي مهرب. كانت المرة الأولى منذ خروجها من السجن... التي تشعر فيها بذلك العجز. نظرت إلى عينيه. لم ترَ فيهما الكراهية فقط... بل شيئًا آخر. وجعًا... كأن هذا الرجل يحمل جرحًا قديمًا لا يتوقف عن النزيف. لكنها... لم تعرف سببه. ولا لماذا كانت هي أمامه. --- في تلك اللحظة... وقعت عين رائد على وجهها. لم يرَ تحديًا. ولا شماتة. ولا ابتسامة مستفزة. رأى امرأة شاحبة. مرتبكة. ترفع رأسها بصعوبة بسبب فارق الطول بينهما. وعيناها... كانتا مليئتين بالخوف. خوف حقيقي. ساد صمت ثقيل. ثم... نظر إلى يديه. كانت أصابعه ما تزال تقبض على كتفيها بقوة. اتسعت عيناه قليلًا. وكأنه استيقظ فجأة من كابوس. تركها فورً







