ログインكان المطر قد ازداد غزارة عندما خرجت هبة من القاعة.
أغلقت الباب خلفها بهدوء، ثم أسندت ظهرها إليه لثوانٍ، وكأنها تحاول أن تستعيد أنفاسها بعد تلك الأمسية التي لم تسر كما حلمت بها. أغمضت عينيها. ترددت في أذنيها كلمات والدة رائد... ثم كلمات تلك المرأة الغريبة التي التقتها داخل دورة المياه. فتحت عينيها ببطء، وسارت نحو المصعد. لم تشعر كيف وصلت إلى بهو الفندق. كل ما كانت تريده هو أن تبتعد قليلًا عن ذلك المكان. دفعت الباب الزجاجي وخرجت إلى المدخل الرئيسي. كان الهواء البارد يلفح وجهها، بينما كانت قطرات المطر تتساقط بخفة، كأن السماء لم تحسم بعد إن كانت ستكتفي بهذا القدر أم ستفرغ ما بقي في غيومها. اقترب منها موظف الفندق بابتسامة مهنية. ــ سيدتي... هل أرغبتم في طلب سيارة أجرة؟ التفتت إليه، ثم نظرت إلى الطريق الممتد أمام الفندق. كان هادئًا، تحيط به الأشجار من الجانبين، وينتهي بعيدًا عند الشارع الرئيسي حيث تمر السيارات وسيارات الأجرة باستمرار. ابتسمت له بلطف. ــ شكرًا... سأتمشى قليلًا فقط. انحنى الموظف باحترام. ــ كما تشائين سيدتي. نزلت درجات المدخل ببطء. وفي اللحظة التي وطئت فيها قدماها الرصيف، اشتد المطر فجأة. رفعت رأسها نحو السماء، ثم أطلقت زفرة خفيفة. ــ يبدو أنني تأخرت... كان بإمكانها العودة إلى الفندق وطلب سيارة. لكنها لم ترغب في ذلك. كانت تحتاج إلى دقائق تمشي فيها وحدها... بعيدًا عن الجميع. شدت معطفها حول جسدها، وبدأت تسير بخطوات هادئة. في الطابق العلوي... وقف رائد أمام النافذة، يراقب قطرات المطر وهي تنساب فوق الزجاج. كانت القاعة قد خلت إلا من والديه. أما هبة... فلم تعد هناك. نظر إلى هاتفه، ثم ضغط على اسمها. رن الهاتف مرة... مرتين... ثلاثًا... لكنها لم تجب. ابتسم ابتسامة صغيرة. ــ لا بد أنها ما زالت منزعجة. قالها لنفسه أكثر مما قالها لوالديه. اقترب منه والده. ــ دعها تهدأ الليلة. غدًا سيكون كل شيء أفضل. تنهد رائد. ــ أتمنى ذلك. لم يكن يعلم... أن الغد سيحمل له شيئًا لم يكن مستعدًا له. في الجهة الأخرى... كانت سيارة سمير بدات في تشق الطريق بهدوء. انعكست أضواء الشوارع فوق الزجاج المبتل، بينما كانت ماسحات الزجاج تعمل دون توقف. جلست أروى إلى جواره، تراقب المطر بابتسامة. ــ هل تعلم؟ أشعر أن هذه الليلة ستكون ذكرى جميلة. نظر إليها مبتسمًا. ــ ولماذا؟ ــ لأنها أول مرة أحتفل فيها بخبر يخص مستقبلي. ثم أضافت بخجل: ــ ومع الشخص الذي أحبه. ابتسم لها. ابتسامة بدت صادقة إلى درجة أن أحدًا لم يكن ليشك فيها. ــ وستأتي أيام أجمل. إن شاء الله. ساد الصمت بينهما. لم يكن صمتًا ثقيلًا. بل صمت شخصين يحلمان بالمستقبل نفسه. اهتز هاتف سمير داخل جيبه. أخرج الهاتف سريعًا. قرأ الرسالة. لم تتجاوز كلمة واحدة. تم. اختفت الابتسامة عن وجهه للحظة. ثم أعاد الهاتف إلى جيبه وكأن شيئًا لم يحدث. لم تنتبه أروى لذلك. كانت منشغلة بمراقبة المطر. قال سمير بهدوء وهو ينعطف عند مفترق الطرق: ــ تذكرت شيئًا مهمًا. التفتت إليه. ــ ماذا؟ ــ هناك ملف يجب أن أضعه في أحد فروع الشركة. لن يأخذ الأمر أكثر من دقائق. ثم أوصلك إلى المنزل. ابتسمت. ــ لا بأس. لدينا الوقت. أومأ برأسه. ثم أكمل طريقه. كانت هبة قد قطعت نصف الطريق المؤدي إلى الشارع الرئيسي. بدأ المطر يزداد غزارة. توقفت تحت شجرة كبيرة تحتمي بأغصانها قليلًا. أخرجت هاتفها. ظهرت صورة رائد على الشاشة. وضعت إصبعها فوق اسمه. ترددت... ثم أغلقت الهاتف. همست لنفسها: ــ ليس الآن... إذا تحدثت معه الآن... فسأبكي. أعادت الهاتف إلى حقيبتها. ثم تابعت سيرها. لم تنتبه إلى الأضواء البعيدة التي بدأت تقترب شيئًا فشيئًا. أدار سمير المقود نحو الطريق المؤدي إلى الشارع الرئيسي. كان الطريق شبه خالٍ. المطر يحجب الرؤية. والهدوء يلف المكان. أما أروى... فكانت تضحك وهي تحكي له عن أول راتب ستتقاضاه، وعن الهدية التي ستشتريها لعمها. استمع إليها وهو يومئ برأسه بين الحين والآخر. لكن عقله... لم يكن معها. كانت عيناه تبحثان في ظلام الطريق... وفي الجهة المقابلة... خرجت هبة من ظل الشجرة، واستأنفت سيرها نحو الشارع الرئيسي. كانت المسافة التي تفصلها عنه لا تتجاوز بضع عشرات من الأمتار. ورغم المطر... ورغم الظلام... كانت تظن... أن أسوأ ما يمكن أن يحدث لها تلك الليلة... هو أن تعود إلى منزلها بقلبٍ مثقل بالحزن. ولم تكن تعلم... أن القدر... كان ينتظرها على بعد خطوات.ــ أتمنى فقط أن تصلني في أقرب وقت. نظر إليها. ــ لماذا؟ ــ لأن حقيبتي تحتوي على أشياء مهمة. ثم قالت: ــ بطاقتي البنكية، وأوراقي الشخصية، وبعض الأغراض التي أحتاج إليها يوميًا. أومأ رائد إيماءة بسيطة. ــ سأهتم بالأمر. ــ شكرًا لك. صمتت أروى. كان من المفترض أن تغادر لكن شيئًا بداخلها لم يسمح لها بذلك. ظلت واقفة للحظات، ثم استدارت نحو الباب. وضعت يدها على المقبض. توقفت. ترددت طويلًا. ثم أغمضت عينيها للحظة، وكأنها تجمع شجاعتها. التفتت إليه. ــ سيد رائد؟ رفع رأسه. ــ ماذا؟ ترددت أروى. ــ أريد أن أسألك سؤالًا. ظل ينظر إليها دون أن يجيب. قالت بهدوء ــ هل فعلت شيئًا خاطئًا في تلك الليلة؟ توقفت يد رائد فوق الورقة. رفع عينيه إليها ببطء. ــ ماذا تقصدين؟ ــ منذ أن عدنا من الفندق وأنت تتصرف معي بطريقة مختلفة. صمتت لحظة. ثم تابعت: ــ وفي تلك الليلة... تركتني دون أن تخبرني أنك ستغادر. خفضت عينيها للحظة. ــ إذا كنت قد أخطأت في شيء، فأنا أريد فقط أن أعرف. لم يجب. ساد الصمت بينهما. وكان الصمت هذه المرة أثقل من أي إجابة. رفع را
استيقظت أروى في وقت متأخر من النهار. لم يكن صوت المنبه هو ما أخرجها من نومها هذه المرة، بل ألم حاد تسلل إلى قدميها مع أول محاولة للحركة. فتحت عينيها ببطء، وبقيت للحظات تحدق في سقف الغرفة دون أن تتذكر أين هي. ثم حاولت تحريك ساقيها. تأوهت بخفة. ــ آه... جلست على حافة الأريكة، ومدت يديها نحو قدميها. كانتا متورمتين بشكل واضح، وعلى مؤخرة كعبيها ظهرت جروح حمراء خلّفها الحذاء الذي اضطرت إلى المشي به لساعات طويلة. حدقت فيهما بدهشة. ثم تمتمت: ــ يا إلهي... مررت أصابعها حول أحد الجروح بحذر، فتراجعت يدها سريعًا من شدة الألم. وبدأت ذكريات الليلة الماضية تعود إليها تدريجيًا. الحفل... رائد... انتظارها الطويل. اتصالاتها التي لم يجب عنها. ثم خروجها من الفندق وعودتها سيرًا على الأقدام حتى اقترب الفجر. تنفست ببطء. لم تكن تملك حتى الطاقة الكافية لتغضب. كل ما كانت تشعر به هو الإرهاق. نهضت بصعوبة واتجهت إلى الحمام. أخذت حمامًا طويلًا، ثم اعتنت بجروح قدميها قدر استطاعتها، وارتدت ملابس مريحة. تناولت شيئًا خفيفًا، لكنها لم تستطع البقاء مستيقظة طويلًا. عادت إل
وقفت أروى في الممر للحظات. كانت تحاول استيعاب ما حدث. ثم أخرجت هاتفها مرة أخرى. اتصلت برائد. لا جواب. تنفست ببطء. ــ حسنًا... قالتها لنفسها. ــ سأعود وحدي. لكن عندما تذكرت حقيبتها... توقفت. حقيبتها الكبيرة وأغراضها الشخصية ما زالت في غرفة تبديل الملابس. اتجهت إليها بسرعة. لكنها وجدت الباب مغلقًا. توقفت أمامه، ثم التفتت إلى إحدى الموظفات القريبات. ــ عذرًا، أريد أخذ أشيائي من الداخل. ابتسمت الموظفة باعتذار. ــ بالطبع، لكن الغرفة مغلقة حاليًا. ــ هل يمكنكِ فتحها؟ هزت رأسها. ــ للأسف، لا أستطيع. ــ لماذا؟ ــ هذه الغرفة تحت مسؤولية السيد رائد، ولا يمكنني فتحها دون إذنه. نظرت أروى إليها بعدم تصديق. ــ لكنه غادر. ــ أعلم. ثم أضافت بلطف: ــ لكن التعليمات واضحة. تنهدت أروى. ــ حسنًا... شكرًا. ابتعدت. وقفت للحظات في الممر، تنظر إلى هاتفها. اتصلت برائد مرة أخرى. رن الهاتف... ثم انقطع. هذه المرة لم تحاول الاتصال. شعرت بشيء من الغضب. ــ لماذا يجب أن أتحمل كل هذا؟ وضعت الهاتف في حقيبتها الصغيرة. ثم نظرت إلى الساعة. كان الليل قد تقدم كثيرًا. لم يعد بإمكانها
لم تكن أروى تعرف كم مرّ من الوقت منذ ابتعد رائد عنها. في البداية، لم تهتم كثيرًا. كانت تجلس بهدوء إلى إحدى الطاولات الجانبية، تراقب الحاضرين من حولها، وتحاول أن تبدو منشغلة بأي شيء حتى لا تشعر بأنها غريبة عن المكان. كانت الموسيقى تنساب في أرجاء القاعة بهدوء، بينما تتعالى بين الحين والآخر ضحكات خافتة وأحاديث عن صفقات ومشاريع واستثمارات. أما أروى... فلم تكن تفهم معظم ما يدور حولها. رفعت عينيها نحو الجهة التي ذهب إليها رائد. كان يقف هناك ويتحدث مع رجل لم تعرفه. تنفست ببطء، ثم أسندت ظهرها إلى المقعد. "سأنتظره فقط." كان ذلك كل ما تفكر فيه. فهي لم تأتِ إلى هنا بإرادتها أصلًا. ولم تكن تعرف أحدًا سوى رائد. لذلك لم يكن أمامها سوى أن تنتظر عودته. --- في الجهة الأخرى من القاعة، كان رائد يقف أمام الرجل الذي أشارت إليه سماء. قال الرجل بابتسامة: ــ يبدو أنك مهتم بمشروع النقل والخدمات اللوجستية. أجابه رائد: ــ سمعت عن المشروع، لكنني أريد أن أعرف تفاصيله منك مباشرة. ابتسم الرجل. ــ هذا يسعدني. ما زلت أعمل على بعض التفاصيل، لكن لدي خطة للتوسع خلال الفترة الق
بعد أن غادر رائد غرفة القياس، بقيت أروى لبعض الوقت تتنقل بين الفساتين المعلقة أمامها.هذه المرة لم تكن تبحث عن فستان يثير إعجاب أحد...كانت تبحث فقط عن شيء تشعر فيه بالراحة.توقفت أمام مجموعة من الفساتين، ثم سحبت أحدها.كان بلون أزرق سماوي هادئ، طويلًا وأنيقًا، بتصميم محتشم لا يكشف كتفيها، وفي الوقت نفسه ينسدل على جسدها بطريقة أنيقة تبرز قوامها المتناسق دون مبالغة.نظرت إليه للحظات.ــ هذا أفضل.دخلت غرفة القياس من جديد.وبعد دقائق، وقفت أمام المرآة.تأملت نفسها بصمت.كان الفستان مختلفًا تمامًا عن الفستانين السابقين.لم تشعر بالحرج.ولم تضطر إلى التفكير في كيفية إخفاء ذراعها.ابتسمت ابتسامة صغيرة.ــ نعم... هذا مناسب.التقطت حقيبتها الصغيرة، ثم خرجت من الغرفة.كان رائد ينتظر في الخارج.رفع رأسه عندما سمع الباب.وقعت عيناه عليها...وتوقفتا للحظة.لم تكن دهشته كبيرة، لكنها كانت واضحة بما يكفي لمن يراقبه جيدًا.كانت أروى مختلفة عن الصورة التي اعتاد رؤيتها بها في الشركة.بدا الفستان مناسبًا لها بصورة جعلته يصمت لثوانٍ.لكن رائد سرعان ما استعاد ملامحه المعتادة.ــ انتهيتِ؟أومأت أروى.ــ ن
أسندت رأسها إلى الخلف.كانت تنوي أن تغفو لبضع دقائق فقط...لكن التعب كان أقوى منها.أغمضت عينيها.وبعد لحظات، غطَّ النوم ملامحها.مرّت ساعة...ثم ساعة أخرى.حتى استيقظت فجأة على رنين هاتفها.انتفضت أروى من مكانها، وفتحت عينيها بفزع.التفتت حولها للحظات قبل أن تدرك أنها نامت على الأريكة.مدت يدها بسرعة نحو الهاتف.كان الرقم غريبًا.غير مسجل في جهات اتصالها.ترددت للحظة، ثم أجابت:ــ ألو؟ساد صمت قصير.ثم جاءها صوت مألوف:ــ جهزي نفسكِ.تجمدت أروى في مكانها.عرفت الصوت فورًا.ــ أستاذ رائد؟ــ لديكِ نصف ساعة.رفعت حاجبيها باستغراب.ــ نصف ساعة لماذا؟جاءها صوته بلهجة حاسمة:ــ سنلتقي أمام فندق ستانلي.ــ فندق ستانلي؟ــ نعم.ثم أضاف:ــ ارتدي ملابس جميلة. الحفلة راقية.ازداد ارتباك أروى.ــ حفلة؟ أي حفلة؟صمت لحظة، ثم قال:ــ ستعرفين عندما تصلين.ــ لكن...قاطعها:ــ أسرعي، فهذا هو الشرط الثاني.ثم أُغلق الخط.بقيت أروى ممسكة بالهاتف، تحدق في الشاشة وكأنها تنتظر أن يعود رائد ويتصل من جديد ليشرح لها ما يحدث.ــ ما الذي يخطط له هذا الرجل؟لم تجد جوابًا.وضعت الهاتف جانبًا، ثم نهضت بسرعة.