Share

الفصل السابع

Author: فتيحة
last update publish date: 2026-07-02 22:05:30

واصلت هبة سيرها تحت المطر بخطوات هادئة.

كانت قطرات الماء تتساقط فوق شعرها ومعطفها الأسود، بينما ازدادت برودة الهواء مع اقتراب الليل.

رفعت رأسها نحو السماء، ثم أطلقت زفرة طويلة.

لم تكن تشعر بالبرد بقدر ما كانت تشعر بثقل الكلمات التي سمعتها قبل دقائق.

رفض عائلة رائد...

ونظرات والدته...

وكلمات تلك المرأة التي التقتها داخل دورة المياه.

كل شيء اختلط داخل رأسها.

توقفت للحظة، ثم أخرجت هاتفها من حقيبتها.

ظهر اسم رائد على الشاشة.

ابتسمت ابتسامة حزينة.

همست لنفسها:

ــ لو تحدثت معك الآن... سأبكي.

أغلقت الهاتف قبل أن تضغط زر الاتصال.

ثم واصلت السير.

كانت تظن أن ابتعادها عنه لبعض الأيام سيمنحه فرصة لإصلاح الأمور مع عائلته.

لم تكن تعلم...

أنها لن تراه مرة أخرى.

داخل السيارة...

كانت أروى تضحك وهي تتحدث بحماس.

ــ أتصدق أنني كنت أخاف من مقابلة لجنة التوظيف؟

ابتسم سمير وهو يراقب الطريق.

ــ لكنك نجحت.

هزت رأسها بفخر طفولي.

ــ كنت أرتجف... حتى إنني نسيت أول سؤال طرحوه علي.

ضحك بخفة.

ــ ومع ذلك اختاروك.

ابتسمت وهي تنظر عبر النافذة.

ــ أشعر أن حياتي بدأت أخيرًا.

نظر إليها للحظة.

كانت تبتسم بعفوية.

وتحلم بعالم بسيط...

أعاد بصره إلى الطريق.

وفي أعماقه...

كان يعد الثواني.

بدأ المطر يشتد.

أصبحت ماسحات الزجاج تتحرك بسرعة أكبر، بينما انعكست أضواء الأعمدة فوق الإسفلت المبتل.

كان الطريق خاليًا تقريبًا.

لا سيارة أمامهم...

ولا أحد خلفهم.

وفي الطرف الآخر...

ظهرت هبة.

كانت تسير بمحاذاة الرصيف، ثم توقفت عندما رأت أن الشارع الرئيسي أصبح قريبًا.

نظرت يمينًا.

ثم يسارًا.

لم تر سوى أضواء سيارة بعيدة.

قدرت المسافة بأنها آمنة.

فخطت أول خطوة نحو الطريق.

شدد سمير قبضته على المقود.

اتسعت عيناه قليلًا.

ثم ضغط قدمه على دواسة الوقود.

ازدادت سرعة السيارة فجأة.

التفتت أروى إليه باستغراب.

سمير... ماذا يحدث

التفت إليها سريعًا، ثم أعاد نظره إلى الطريق.

المكابح..

ــ لا... لا تستجيب!

وفجأة...

ظهرت هبة أمام السيارة.

صرخت أروى بكل قوتها.

ــ انتبه!

أدار سمير المقود بعنف.

انحرفت السيارة بقوة.

ومن شدة الخوف...

مدت أروى يدها غريزيًا وأمسكت بالمقود.

في اللحظة نفسها...

دوى صوت ارتطام عنيف.

تجمد الزمن.

صوت الزجاج.

وصوت المكابح.

وصوت جسد ارتطم بقوة.

ثم...

الصمت.

لم يبق سوى صوت المطر.

اتسعت عينا أروى وهي تحدق عبر الزجاج الأمامي.

لم تستوعب ما حدث.

همست بصوت مرتجف:

ــ لا...

لا...

فتحت الباب بعنف.

وركضت نحو منتصف الطريق.

كانت هبة ممددة على الأرض بلا حراك.

على بعد أمتار قليلة...

ارتطم رأسها بالحاجز الإسمنتي الجانبي بعد قوة الاصطدام.

جثت أروى بجانبها.

وضعت يدها المرتجفة على كتفها.

ــ أرجوك...

اسمعيني...

أرجوك.

لكن هبة لم تتحرك.

بدأت دموع أروى تختلط بمياه المطر.

كانت تحاول إيقاظها...

دون أن تعرف ماذا تفعل.

وصل سمير بعد لحظات.

انحنى بجانبهما.

تفحص نبض هبة بسرعة.

ثم أخرج هاتفه بيد مرتجفة.

اتصل بالإسعاف.

ثم بالشرطة.

كان صوته يرتجف وهو يشرح مكان الحادث.

أنهى الاتصال.

وجلس على الأرض وهو يمرر يديه فوق وجهه.

كأن عقله توقف عن العمل.

مرت دقائق...

بدت كأنها ساعات.

حتى ظهرت أضواء سيارات الإسعاف في نهاية الطريق.

ترجل المسعفون بسرعة.

أبعدوا أروى برفق.

وبدأوا بمحاولة إنقاذ هبة.

وقفت أروى عاجزة.

كانت يداها مغطاتين بدمائها.

تنظر إليهما وكأنها لا تعرف لمن تعودان.

اقترب منها أحد المسعفين.

ــ هل أنتِ مصابة؟

هزت رأسها دون أن تنطق.

لم تكن تشعر بشيء.

لا بأطرافها...

ولا بقلبها.

وصل رجال الشرطة بعد دقائق.

بدأوا بإغلاق الطريق.

وتسجيل كل شيء.

تقدم أحد الضباط نحو سمير.

هل انت بخير

رفع سمير رأسه ببطء.

وقبل أن يجيب...

نظر إلى أروى.

كانت تحدق في سيارة الإسعاف التي ابتعدت وهي تحمل هبة.

بدت كأنها انفصلت عن العالم.

عاد الضابط يسأله:

ــ سيدي؟

أجاب سمير بصوت خافت:

أرجوكم...

اطمئنوا عليها أولًا.

نظر الضابط إلى حالته.

ثم أومأ برأسه.

ــ سترافقاننا إلى المستشفى أولًا.

وبعدها سنأخذ أقوالكما.

لم يعترض سمير.

أما أروى...

فلم تسمع شيئًا أصلًا.

كانت تنظر إلى الطريق الذي غادرته سيارة الإسعاف.

وقلبها يخبرها...

أن شيئًا ما...

قد انتهى إلى الأبد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 94

    ــ أتمنى فقط أن تصلني في أقرب وقت. نظر إليها. ــ لماذا؟ ــ لأن حقيبتي تحتوي على أشياء مهمة. ثم قالت: ــ بطاقتي البنكية، وأوراقي الشخصية، وبعض الأغراض التي أحتاج إليها يوميًا. أومأ رائد إيماءة بسيطة. ــ سأهتم بالأمر. ــ شكرًا لك. صمتت أروى. كان من المفترض أن تغادر لكن شيئًا بداخلها لم يسمح لها بذلك. ظلت واقفة للحظات، ثم استدارت نحو الباب. وضعت يدها على المقبض. توقفت. ترددت طويلًا. ثم أغمضت عينيها للحظة، وكأنها تجمع شجاعتها. التفتت إليه. ــ سيد رائد؟ رفع رأسه. ــ ماذا؟ ترددت أروى. ــ أريد أن أسألك سؤالًا. ظل ينظر إليها دون أن يجيب. قالت بهدوء ــ هل فعلت شيئًا خاطئًا في تلك الليلة؟ توقفت يد رائد فوق الورقة. رفع عينيه إليها ببطء. ــ ماذا تقصدين؟ ــ منذ أن عدنا من الفندق وأنت تتصرف معي بطريقة مختلفة. صمتت لحظة. ثم تابعت: ــ وفي تلك الليلة... تركتني دون أن تخبرني أنك ستغادر. خفضت عينيها للحظة. ــ إذا كنت قد أخطأت في شيء، فأنا أريد فقط أن أعرف. لم يجب. ساد الصمت بينهما. وكان الصمت هذه المرة أثقل من أي إجابة. رفع را

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 93

    استيقظت أروى في وقت متأخر من النهار. لم يكن صوت المنبه هو ما أخرجها من نومها هذه المرة، بل ألم حاد تسلل إلى قدميها مع أول محاولة للحركة. فتحت عينيها ببطء، وبقيت للحظات تحدق في سقف الغرفة دون أن تتذكر أين هي. ثم حاولت تحريك ساقيها. تأوهت بخفة. ــ آه... جلست على حافة الأريكة، ومدت يديها نحو قدميها. كانتا متورمتين بشكل واضح، وعلى مؤخرة كعبيها ظهرت جروح حمراء خلّفها الحذاء الذي اضطرت إلى المشي به لساعات طويلة. حدقت فيهما بدهشة. ثم تمتمت: ــ يا إلهي... مررت أصابعها حول أحد الجروح بحذر، فتراجعت يدها سريعًا من شدة الألم. وبدأت ذكريات الليلة الماضية تعود إليها تدريجيًا. الحفل... رائد... انتظارها الطويل. اتصالاتها التي لم يجب عنها. ثم خروجها من الفندق وعودتها سيرًا على الأقدام حتى اقترب الفجر. تنفست ببطء. لم تكن تملك حتى الطاقة الكافية لتغضب. كل ما كانت تشعر به هو الإرهاق. نهضت بصعوبة واتجهت إلى الحمام. أخذت حمامًا طويلًا، ثم اعتنت بجروح قدميها قدر استطاعتها، وارتدت ملابس مريحة. تناولت شيئًا خفيفًا، لكنها لم تستطع البقاء مستيقظة طويلًا. عادت إل

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 92

    وقفت أروى في الممر للحظات. كانت تحاول استيعاب ما حدث. ثم أخرجت هاتفها مرة أخرى. اتصلت برائد. لا جواب. تنفست ببطء. ــ حسنًا... قالتها لنفسها. ــ سأعود وحدي. لكن عندما تذكرت حقيبتها... توقفت. حقيبتها الكبيرة وأغراضها الشخصية ما زالت في غرفة تبديل الملابس. اتجهت إليها بسرعة. لكنها وجدت الباب مغلقًا. توقفت أمامه، ثم التفتت إلى إحدى الموظفات القريبات. ــ عذرًا، أريد أخذ أشيائي من الداخل. ابتسمت الموظفة باعتذار. ــ بالطبع، لكن الغرفة مغلقة حاليًا. ــ هل يمكنكِ فتحها؟ هزت رأسها. ــ للأسف، لا أستطيع. ــ لماذا؟ ــ هذه الغرفة تحت مسؤولية السيد رائد، ولا يمكنني فتحها دون إذنه. نظرت أروى إليها بعدم تصديق. ــ لكنه غادر. ــ أعلم. ثم أضافت بلطف: ــ لكن التعليمات واضحة. تنهدت أروى. ــ حسنًا... شكرًا. ابتعدت. وقفت للحظات في الممر، تنظر إلى هاتفها. اتصلت برائد مرة أخرى. رن الهاتف... ثم انقطع. هذه المرة لم تحاول الاتصال. شعرت بشيء من الغضب. ــ لماذا يجب أن أتحمل كل هذا؟ وضعت الهاتف في حقيبتها الصغيرة. ثم نظرت إلى الساعة. كان الليل قد تقدم كثيرًا. لم يعد بإمكانها

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 91

    لم تكن أروى تعرف كم مرّ من الوقت منذ ابتعد رائد عنها. في البداية، لم تهتم كثيرًا. كانت تجلس بهدوء إلى إحدى الطاولات الجانبية، تراقب الحاضرين من حولها، وتحاول أن تبدو منشغلة بأي شيء حتى لا تشعر بأنها غريبة عن المكان. كانت الموسيقى تنساب في أرجاء القاعة بهدوء، بينما تتعالى بين الحين والآخر ضحكات خافتة وأحاديث عن صفقات ومشاريع واستثمارات. أما أروى... فلم تكن تفهم معظم ما يدور حولها. رفعت عينيها نحو الجهة التي ذهب إليها رائد. كان يقف هناك ويتحدث مع رجل لم تعرفه. تنفست ببطء، ثم أسندت ظهرها إلى المقعد. "سأنتظره فقط." كان ذلك كل ما تفكر فيه. فهي لم تأتِ إلى هنا بإرادتها أصلًا. ولم تكن تعرف أحدًا سوى رائد. لذلك لم يكن أمامها سوى أن تنتظر عودته. --- في الجهة الأخرى من القاعة، كان رائد يقف أمام الرجل الذي أشارت إليه سماء. قال الرجل بابتسامة: ــ يبدو أنك مهتم بمشروع النقل والخدمات اللوجستية. أجابه رائد: ــ سمعت عن المشروع، لكنني أريد أن أعرف تفاصيله منك مباشرة. ابتسم الرجل. ــ هذا يسعدني. ما زلت أعمل على بعض التفاصيل، لكن لدي خطة للتوسع خلال الفترة الق

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 90

    بعد أن غادر رائد غرفة القياس، بقيت أروى لبعض الوقت تتنقل بين الفساتين المعلقة أمامها.هذه المرة لم تكن تبحث عن فستان يثير إعجاب أحد...كانت تبحث فقط عن شيء تشعر فيه بالراحة.توقفت أمام مجموعة من الفساتين، ثم سحبت أحدها.كان بلون أزرق سماوي هادئ، طويلًا وأنيقًا، بتصميم محتشم لا يكشف كتفيها، وفي الوقت نفسه ينسدل على جسدها بطريقة أنيقة تبرز قوامها المتناسق دون مبالغة.نظرت إليه للحظات.ــ هذا أفضل.دخلت غرفة القياس من جديد.وبعد دقائق، وقفت أمام المرآة.تأملت نفسها بصمت.كان الفستان مختلفًا تمامًا عن الفستانين السابقين.لم تشعر بالحرج.ولم تضطر إلى التفكير في كيفية إخفاء ذراعها.ابتسمت ابتسامة صغيرة.ــ نعم... هذا مناسب.التقطت حقيبتها الصغيرة، ثم خرجت من الغرفة.كان رائد ينتظر في الخارج.رفع رأسه عندما سمع الباب.وقعت عيناه عليها...وتوقفتا للحظة.لم تكن دهشته كبيرة، لكنها كانت واضحة بما يكفي لمن يراقبه جيدًا.كانت أروى مختلفة عن الصورة التي اعتاد رؤيتها بها في الشركة.بدا الفستان مناسبًا لها بصورة جعلته يصمت لثوانٍ.لكن رائد سرعان ما استعاد ملامحه المعتادة.ــ انتهيتِ؟أومأت أروى.ــ ن

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 89

    أسندت رأسها إلى الخلف.كانت تنوي أن تغفو لبضع دقائق فقط...لكن التعب كان أقوى منها.أغمضت عينيها.وبعد لحظات، غطَّ النوم ملامحها.مرّت ساعة...ثم ساعة أخرى.حتى استيقظت فجأة على رنين هاتفها.انتفضت أروى من مكانها، وفتحت عينيها بفزع.التفتت حولها للحظات قبل أن تدرك أنها نامت على الأريكة.مدت يدها بسرعة نحو الهاتف.كان الرقم غريبًا.غير مسجل في جهات اتصالها.ترددت للحظة، ثم أجابت:ــ ألو؟ساد صمت قصير.ثم جاءها صوت مألوف:ــ جهزي نفسكِ.تجمدت أروى في مكانها.عرفت الصوت فورًا.ــ أستاذ رائد؟ــ لديكِ نصف ساعة.رفعت حاجبيها باستغراب.ــ نصف ساعة لماذا؟جاءها صوته بلهجة حاسمة:ــ سنلتقي أمام فندق ستانلي.ــ فندق ستانلي؟ــ نعم.ثم أضاف:ــ ارتدي ملابس جميلة. الحفلة راقية.ازداد ارتباك أروى.ــ حفلة؟ أي حفلة؟صمت لحظة، ثم قال:ــ ستعرفين عندما تصلين.ــ لكن...قاطعها:ــ أسرعي، فهذا هو الشرط الثاني.ثم أُغلق الخط.بقيت أروى ممسكة بالهاتف، تحدق في الشاشة وكأنها تنتظر أن يعود رائد ويتصل من جديد ليشرح لها ما يحدث.ــ ما الذي يخطط له هذا الرجل؟لم تجد جوابًا.وضعت الهاتف جانبًا، ثم نهضت بسرعة.

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status