تسجيل الدخولطوال الطريق إلى القصر، بقيت إيفون صامتة.
كانت ذراعا ماكسيل تحيطان بها أثناء انتقالهما عبر السحر، لكن عقلها كان في مكان آخر تمامًا. نيكولاس. اسمه. صوته. عيناه الزرقاوان. تلك الخصلة الفضية. وكلماته الأخيرة. "لا تثقي بكل رجل تلتقينه، وهذا يشملني أيضًا." لماذا قال ذلك؟ إذا كان شخصًا سيئًا، فلماذا حذرها من النبتة؟ وإذا كان شخصًا صالحًا، فلماذا طلب منها ألا تثق به؟ عضت شفتيها بخفة. كانت المرة الأولى التي تلتقي فيها شخصًا خارج دائرة عائلتها. أول شخص تحدث إليها دون أن يعرف كيف يتعامل مع ابنة تلك العائلة المخيفة. أول شخص حملها دون أن يرتجف. وأول شخص نظر إليها وكأنها فتاة عادية. هبطا أخيرًا أمام القصر. كان القصر العملاق يضيء تحت أشعة الغروب، بينما وقف الحراس في صفوف طويلة عند المدخل. ما إن رأتها الخادمات حتى أسرعن نحوها. "الأميرة إيفون!" "أين كنتِ؟!" "لقد كنا نبحث عنك في كل مكان!" اختبأت إيفون خلف ماكسيل مباشرة. تنهد الأخير. "اهدأن. لقد وجدتها." اقتربت إحدى الخادمات وهي تمسك كتفي إيفون. "جلالتك، لقد أقلقتنا كثيرًا." خفضت إيفون رأسها قليلًا. "آسفة." نظر ماكسيل إلى الصندوق السحري في يدها ثم قال: "احتفظي به جيدًا." أومأت برأسها. "أجل." كان يعلم أن النبتة مهمة، لكنه لم يعلم أن أهم شيء عاد معها من الغابة لم يكن الصندوق. بل ذكرى ذلك الشاب. دخلت القصر ببطء. كان والدها لا يزال في اجتماع مع النبلاء، أما والدتها فلم تكن في الجناح الشرقي. تنفست الصعداء. إذا علم والدها أنها التقت رجلًا غريبًا، فقد يرسل جيشًا كاملًا للبحث عنه. شعرت بقشعريرة. لا. لا ينبغي أن يعرف أحد. توقفت فجأة. هل كانت تحاول حمايته؟ اتسعت عيناها. لقد التقته قبل أقل من ساعة فقط. كيف بدأت تقلق عليه؟ صعدت الدرج الطويل حتى وصلت إلى غرفتها. ما إن أغلقت الباب حتى ألقت نفسها فوق السرير. حدقت في السقف. ثم رفعت يدها ببطء. اليد نفسها التي قبّلها نيكولاس. شعرت بحرارة خفيفة في وجنتيها. "مستحيل..." أخفت وجهها داخل الوسادة. "إنه مجرد رجل." لكن عقلها رفض التعاون معها. كلما أغلقت عينيها، رأت وجهه. كلما حاولت التفكير في شيء آخر، سمعت صوته. نهضت من السرير بعصبية. "توقفي عن التفكير!" سارت داخل الغرفة ذهابًا وإيابًا. لكن بعد دقائق قليلة، وجدت نفسها تجلس أمام النافذة. كانت الشمس تغرب ببطء. وعشرة أيام. فقط عشرة أيام. خفضت رأسها. "هل سأذهب؟" إذا اكتشف والدها الأمر فسيحبسها حقا. إذا عرف إخوتها فقد يقتلون نيكولاس. لكن... ماذا لو لم تذهب؟ هل ستراه مرة أخرى؟ هل كان جادًا أصلًا؟ ربما لن يأتي. وربما قال ذلك فقط لأنه كان فقط يمزح. وضعت رأسها فوق ركبتيها. لأول مرة منذ سنوات شعرت بأنها تريد أن يمر الوقت بسرعة. سمعت طرقًا على الباب. "ادخلي." دخلت أوريليا بسرعة. "إيفووون!" ارتمت عليها مباشرة. "لماذا لم تأتي يا فتاة!" رمشت إيفون. "أوريليا؟" وضعت الفتاة يديها على خصرها. "بحثت عنك في كل مكان!" ثم ضيقت عينيها. "لماذا وجهك أحمر؟" ارتبكت إيفون. "أ، أحمر؟" اقتربت أوريليا أكثر. "ماذا حدث؟" "لا شيء." "أنت تكذبين." "لا أكذب." جلست أوريليا فوق السرير. "إيفون." صمتت إيفون. "إيفووون." تنهدت. كانت أوريليا أفضل صديقاتها، ومن المستحيل إخفاء شيء عنها طويلًا. جلست بجانبها. " اسمعيني ، سأخبرك بما حصل بعد عشرة أيام في قصرك و ليس هنا ، حسنا ؟" " لماذا بعد 10 ايام ؟" ضيقت اوريليا عينيها عليها. " حسنا...هذا.." وضعت أوريليا يديها على كتفيها و الابتسامة تشق شفتيها : "دعيني أخمن ، لقد وقعتِ في الحب!!" "ماذا؟!" "بالتأكيد." احمر وجه إيفون بالكامل. "لم أفعل!" ابتسمت أوريليا بانتصار. "انتهى أمرك." "لم ينتهِ أمري!" "لكن لماذا بعد عشرة أيام؟" تجمدت إيفون ثم ضربتها بخفة على كتفها و قالت. :" قلت اصبري يا فتاة !" ضحكت الفتاتين بخفة ثم تحدثا عن أشياء عشوائية. لكن شيء واحد كان يشغل بال إيفون. هل ستذهب؟ وقفت ثم سارت نحو النافذة. كان الظلام قد بدأ يغطي السماء. اقتربت أوريليا منها. "أتسائل إن إكتشف العم ماكسيمس ما حصل ، و لكن بحقك ألن تخبريني ، أرجووك ؟" رمشت بعينها عدة مرات . ضحكت إيفون بسخرية و قالت :" أنا لست والدك كي تنطلي علي هذه الحيلة " " همنف ، يالك من خائنة " أغمضت إيفون عينيها. ثم همست: " إن إكتشف أنني أرى رجلا سيرسلني إلى مكان الجدة و ان يسمح لي بالخروج مرة أخرى " " هو خائف عليك من الرجال الآخرين يا عزيزتي " " أنا أعلم لكنه.. يبالغ " لم تقل أوريليا شيئًا هذه المرة. لأنها فهمت معضلة صديقتها ، ليس أنها لا تعاني الشيء نفسه ..ااه يالهما من فتاتين مسكينتين. بعد مغادرة صديقتها، استعدت إيفون للنوم. لكن النوم لم يأتِ. كانت تتقلب فوق السرير. يمينًا. يسارًا. تغمض عينيها ثم تفتحهما مجددًا. كل شيء يعيدها إليه. تذكرت كيف حملها. كيف قال "يا أميرتي". كيف نظر إليها وكيف اختفى. جلست أخيرًا فوق السرير. نظرت إلى القمر خارج النافذة. "نيكولاس..." كان غريبًا. لقد عرفت اسمه اليوم فقط. لكنها شعرت وكأنها تعرفه منذ زمن. في مكان آخر من القصر، كان ماكسيل يقف في شرفته. كان ينظر إلى الغابة البعيدة. ظهرت خلفه شخصية طويلة. "هل وجدت شيئًا؟" هز ماكسيل رأسه. "لا." "الرجل؟" "اختفى." صمت قليلًا. ثم قال: "لكنني لا أظن أن لقاءه بإيفون كان صدفة." اقترب الرجل الآخر. "هل سيشكل خطرًا؟" نظر ماكسيل نحو القمر. ثم تذكر نظرة ذلك الشاب. كانت نظرة رجل رأى فريسة تستحق صبره و تملكه. تنهد. "آمل ألا يكون كذلك." وفي مكان بعيد. فوق إحدى التلال. وقف نيكولاس ينظر إلى القصر المضيء. كان الهواء البارد يحرك شعره الأسود. أخرج من جيبه مشبك زهرة صغيرة سقط من شعر إيفون عندما حملها. تأملها طويلًا. ثم ابتسم ابتسامة خفيفة. "عشرة أيام." رفع عينيه نحو القصر. كان يعلم أنها تفكر فيه الآن. وكان يعلم أيضًا أنها ستحاول إقناع نفسها بعدم المجيء. لكنها ستأتي. لأنه رأى ذلك في عينيها. أغلق يده حول الزهرة. "حتى ذلك الحين، يا صغيرتي." ثم اختفى وسط الظلام.أكمل نيكولاس سيره دون أن يستعجل.كانت سلسلة الجبال الشمالية بعيدة حتى عن العاصمة، لذلك لم يستخدم البوابات المحلية. أراد أن يرى العالم الخامس بعينيه قبل أن يصل إلى وجهته.بعد مغادرة المدينة، بدأت الطرق الحجرية الواسعة تضيق تدريجيًا، وحلت محلها سهول خضراء امتدت إلى ما لا نهاية.كانت القرى تنتشر على جانبي الطريق، يفصل بينها عدد من الحقول الواسعة.لم تكن حقولًا عادية.بل مزارع للأعشاب الروحية.وقف عشرات المزارعين يعملون داخلها، بينما كان عدد من التلاميذ يسقون النباتات بمياه ممزوجة بطاقة روحية خفيفة.ألقى نيكولاس نظرة سريعة عليهم.حتى الأطفال هنا...كانوا يمتلكون أساسًا متينًا في الزراعة.تابع سيره.ومع مرور الساعات، بدأت كثافة الطاقة الروحية تزداد شيئًا فشيئًا.أغلق عينيه للحظة."أعلى من العالم السابع."قالها بصوت منخفض.لم يكن الفارق شاسعًا، لكنه كان واضحًا بالنسبة لشخص في مستواه.فتح عينيه من جديد.على قمة تل قريب، كانت مجموعة من الشبان تتبادل الضربات بالسيوف.وقف شيخ مسن يراقبهم بعصا خشبية في يده.كلما أخطأ أحدهم...ضرب الأرض بعصاه."أعد الحركة."أعاد الشاب الضربة."خطأ."كررها مرة أخر
كان نيكولاس يسير بين الأشجار بخطوات ثابتة، حتى ابتعد عن البحيرة بما يكفي ليتأكد أن إيفون لم تعد قادرة على رؤيته.توقف.أخرج من خاتمه المكاني كرة بلورية صغيرة، ثم ضغط عليها بإصبعيه.لم تمض سوى ثوانٍ حتى ظهر داخلها وجه رجل في منتصف العمر."سيدي."قال نيكولاس بهدوء:"أحتاج إلى جميع المعلومات المتعلقة بالعالم الخامس."أومأ الرجل."عن أي جانب تحديدًا؟""كل ما يرتبط بالعشائر القديمة التي اختفت قبل ثمانية أعوام، والسجلات التي مُنع تداولها."ساد الصمت لثوانٍ.ثم قال الرجل:"سيكون الأمر صعبًا.""أعلم.""الكثير من تلك الملفات أُتلف بأمر مباشر من الإمبراطورة ليا بعد انتهاء الحرب."تغيرت نظرة نيكولاس قليلًا."أُتلفت؟""هذا ما يعرفه الجميع."أغلق نيكولاس عينيه للحظة."أرسل إلي كل ما بقي.""كما تأمر."انطفأت الكرة البلورية.أعادها إلى خاتمه، ثم رفع رأسه نحو السماء.إذا كانت تلك السجلات قد أُزيلت بأمر من ليا...فإما أنها كانت تخفي شيئًا.أو أنها كانت تحمي أحدًا.وفي الحالتين...لن يجد الجواب داخل العالم السابع....في الوقت نفسه...داخل القصر الإمبراطوري.كانت ليا تقف أمام نافذة مكتبها، تنظر إلى الس
ولأول مرة منذ سنوات... طفا ذلك الشعور المقزز إلى أعماق قلبه. ظل نيكولاس ينظر إلى الغلاف الأسود للحظات. ثم أعاد الكتاب ببطء إلى المنضدة. لكن... قبل أن تلامس يده الغلاف... اهتزت القاعة. توقفت جميع الكتب عن الحركة في اللحظة نفسها. ساد صمت غريب. رفع نيكولاس رأسه. بدأ الضوء الأزرق الذي يحيط بالكتب يخفت واحدًا تلو الآخر، حتى غرقت القاعة في ظلام خافت. ثم... دوى صوت أجوف في أرجاء المكان. "تحذير." "تم فتح سجل محظور." انعقد حاجباه. قبل أن يتمكن من الاستفسار، ارتفعت عشرات الدوائر السحرية حول المنضدة. بدأ الهواء يثقل. ثم خرج من بين الدوائر خيط أسود رفيع. لم يكن دخانًا... ولا طاقة. بل بدا وكأنه شق صغير في الفراغ نفسه. اتسعت عينا نيكولاس. بدأ الخيط الأسود يلتف حول الكتاب، قبل أن تتشكل منه صورة رجل يرتدي عباءة قديمة. لم تكن سوى هيئة ضبابية. ملامحه مطموسة. لكن عينيه... كانتا حمراوين بشكل مخيف. نظر إليه الطيف بصمت طويل. ثم قال: "بعد ثمانية أعوام..." "عاد شخص يبحث عن تلك العشيرة." لم يتحرك نيكولاس. "من أنت؟" لم يجب الطيف. بل رفع يده ببطء. وفجأة... ظهرت فوق القاعة خر
ساد الصمت.ثبت نيكولاس نظره على المفتاح الأسود للحظات، ثم أغلق أصابعه حوله."ما زلت تبالغ."ابتسم كايل بسخرية."وأنت ما زلت تستخف بهذه المكتبة."استدار، وأشار إليه أن يتبعه."تعال."...كلما تعمقا في أروقة المكتبة، ازداد السكون ثقلاً.لم تكن الرفوف تحمل كتبًا فحسب...بل صناديق حجرية، ولفائف جلدية، وبلورات حُبست داخلها ذكريات تعود إلى آلاف السنين.كانت بعض الكتب ترتجف فوق أماكنها، وكأنها كائنات حية تتنفس.وأخرى كانت مقيدة بسلاسل سوداء نُقشت عليها آلاف الأختام.قال كايل دون أن يلتفت إليه:"لا تنظر طويلًا إلى الكتب ذات الأغلفة البيضاء."رفع نيكولاس حاجبه."ولماذا؟""لأنها تنظر إليك أيضًا."لم يعلّق.لكن عينيه التقطتا كتابًا أبيض ضخمًا، كانت صفحاته تنقلب وحدها، قبل أن تتوقف فجأة...على صفحة خالية.وكأنها تنتظره.أشاح بصره عنه، وأكمل سيره.بعد دقائق...توقف كايل أمام باب حجري دائري، تتوسطه ساعة رملية سوداء.أدخل المفتاح في القفل.لم يتحرك الباب.بل سالت قطرة دم من إصبعه دون أن يشعر.ابتلع الباب الدم، ثم بدأت الرموز المنقوشة عليه تتوهج.اهتزت الجدران ببطء.وانفتح الباب.خرج من الداخل هواء ب
في مكانٍ لا تبلغه أشعة الشمس... كانت النيران البنفسجية تتراقص فوق المشاعل المعلقة على الجدران الحجرية. ساد الصمت في القاعة الواسعة. ولم يكن يُسمع سوى وقع خطوات رجل يقترب ببطء. ما إن بلغ منتصف القاعة... حتى انحنى على ركبة واحدة. كانت ثيابه ممزقة، وآثار الحروق السوداء تغطي ذراعه. أخفض رأسه. "أعتذر يا سيدتي..." ساد الصمت. على العرش الأسود في نهاية القاعة... جلست امرأة، تستند بخدها إلى ظاهر يدها. كان شعرها الفضي الطويل ينسدل حتى الأرض، بينما أخفت القناع الأبيض نصف ملامحها. لم تجبه. ولم تبدُ غاضبة. قال الرجل بصوت متردد: "تدخل أمير الظلام... ولم أتمكن من إتمام المهمة." لم يصدر عنها أي رد. بقيت تحدق أمامها، وكأن كلمات الرجل لم تصل إليها أصلًا. ثم... قالت بهدوء: "هل رأيته؟" ارتجف الرجل. "من... سيدتي؟" رفعت رأسها ببطء. وعلى الرغم من أن نصف وجهها كان مخفيًا... إلا أن ابتسامتها الخافتة كانت كافية لتبعث القشعريرة في الأجساد. "نيكولاس." ساد الصمت. ثم أجاب بسرعة: "نعم." "وقد حمى الفتاة بنفسه." أغمضت المرأة عينيها. وارتسمت على شفتيها ا
اختفى ذلك البريق الخطر من عيني ماكسيل، ثم تنحنح بخفة.نظر إلى نيكولاس وقال بهدوء:"بالمناسبة..."رفع نيكولاس رأسه."وصلتني رسالة قبل قليل."توقف لحظة."ليوس سمع بما حدث لإيفون."ساد الصمت.أكمل ماكسيل:"وهو في طريقه إلى القصر."اتسعت عينا إيفون."...أخي؟"أومأ ماكسيل."وسيصل قريبًا."ابتسم نيكولاس ابتسامة صغيرة، ثم قال بهدوء:"إذن من الأفضل أن يطمئن عليكِ قبل أن يهدم نصف القصر."تنهدت ليا وهي تستدير نحو الباب."سنترككما قليلًا."التفتت إلى إيفون."لا ترهقي نفسك."أومأت إيفون بطاعة.غادر الجميع الغرفة تباعًا.أغلقت أوريليا الباب برفق خلفها.ولأول مرة...لم يبق في الغرفة سوى إيفون ونيكولاس.ساد هدوء لطيف.كانت إيفون ما تزال متشبثة به، وكأنها تخشى أن يختفي إن ابتعدت خطوة واحدة.ابتسم نيكولاس بخفة."إيفون."لم تجبه.بل هزت رأسها نافية.وكأنها تقول إنها لن تتركه.تنهد باستسلام.ثم انحنى قليلًا، وحملها بين ذراعيه.شهقت بدهشة."نيكولاس!"اتجه بها نحو المقعد العريض القريب من النافذة، حيث كانت أشعة الشمس الدافئة تتسلل عبر الستائر.جلس أولًا.ثم أجلسها برفق إلى جواره.ولم يقترب أكثر.ترك بينهما







