ANMELDEN"أهلًا ابنتي غيثة! صباح الخير!" استقبلت سعاد غيثة بهذه التحية فور دخولها، لكن غيث لم تستطع منع نفسها من إلقاء نظرة سريعة إلى الساعة المعلقة على الحائط.
كانت تشير إلى الثانية بعد الظهر، وهو توقيت يجعل عبارة "صباح الخير" تبدو وكأنها مزحة ساخرة أكثر من كونها تحية حقيقية. ومع ذلك، ابتسمت وهي تقترب من سعاد، ثم انحنت وقبلتها قبل أن تجيب: "صباح الخير، خالة سعاد كيف حالك؟ أتمنى أن تكوني بخير، لقد اشتقت إليك كثيرًا، أين اختفيتِ عنا؟" ابتسمت سعاد بمكر وربتت على كتفها وهي تجيبها: "بل أنتِ من اختفى عنا أيتها المشاكسة! أخبريني، كيف تسير الدراسة؟" "الحمد لله." أجابت غيثة باختصار، وكأنها لا تريد فتح هذا الموضوع أكثر من اللازم، لكن ملاك لم تسمح لها بالمرور بهذه السهولة، فتدخلت فورًا بنبرة مليئة بالتشكيك: "دراسة؟! أي دراسة هذه؟" التفتت غيثة إلى والدتها بنظرة جانبية باردة، بينما تابعت ملاك حديثها بسخرية واضحة: "تدرسين نصف يوم فقط وفي المساء! أيعقل أن تستيقظي في الواحدة ظهرًا ثم تتظاهرين بالذهاب إلى الدراسة؟ ها! مستحيل، هذا الفعل جريمة بحق النوم!" رفعت غيثة كتفيها بلا مبالاة، ثم أجابت ببرود وكأنها تقدم تفسيرًا منطقيًا للغاية: "في الثامنة صباحًا لا توجد سوى مواد أكرهها." سألتها ملاك وهي تضيق عينيها: "مثل ماذا؟" أجابتها غيثة بامتعاض واضح: "الفيزياء والرياضيات... وأساتذتهما لا يُطاقون!" شهقت ملاك ونظرت حولها بسرعة قبل أن تقول محذرةً: "اخرسي! لئلا يسمعك أحد!" لكن غيثة لم تهتم بتحذيرها، بل انتقلت مباشرة إلى الموضوع الذي كانت تريد الوصول إليه منذ البداية، اعتدلت في جلستها، ونظرت إلى والدتها بجدية مفاجئة قبل أن تقول: "أمي، يجب أن تذهبي معي." تلاشت الابتسامة عن وجه ملاك وحل محلها القلق، فسألتها بحذر: "إلى أين؟" أجابتها غيثة ببساطة: "إلى المدرسة." ازدادت حيرة ملاك، وسألتها: "لماذا؟" قالت غيثة: "طلب مني المشرف العام إحضار ولي أمري." ساد صمت ثقيل لثانيتين، وكأن الجملة احتاجت إلى تلك اللحظات القصيرة حتى تستقر في رأس ملاك، ثم وضعت كوبها على الطاولة ببطء شديد، وتمتمت بحزن: "يا مصيبتي..." أسرعت غيثة إلى محاولة تخفيف الأجواء وهي تقول: "لا تبدئي يا ملاك!" لكن ملاك لم تبدُ مستعدة لتحمل أي مفاجأة جديدة، فأشارت نحو الخارج وقالت بحزم: "خذي أباكِ." هزت غيثة رأسها فورًا وقالت: "لا." نظرت إليها ملاك باستغراب وسألتها: "لماذا؟" أجابتها غيثة بابتسامة صغيرة: "لأنكِ أمي." ضحكت ملاك بسخرية، ثم قالت وهي تهز رأسها: "هذه المرة الأولى التي تستخدمين فيها كلمة "ماما" لصالحك!" تنهدت غيثة بيأس مصطنع، ثم قالت: "لن يذهب." رفعت ملاك حاجبها وسألت بانزعاج: "لماذا يجب أن أذهب أنا إذن؟!" مالت غيثة نحوها قليلًا وأجابتها بثقة: "لأنكِ الوحيدة التي تستطيعين التحدث معهم دون تحويل الأمر إلى محكمة عسكرية." حدقت ملاك في ابنتها بغضب مكبوت، ثم انفجرت في وجهها وهي تذكرها بما فعلته سابقًا: "لقد تسببتِ لي بفضيحة أخرى! ملف غياباتك يُعدل كل يوم بسبب استهتارك، وفي المرة الماضية اضطررت إلى توقيع تعهد رسمي نيابة عنكِ، والآن تريدين مني العودة إليهم بوجه آخر؟" ظهرت ابتسامة صغيرة منتصرة على شفتي غيثة، وكأنها حصلت للتو على الإجابة التي كانت تنتظرها، فسألتها ببراءة مصطنعة: "إذن ستذهبين؟" صرخت ملاك فورًا: "غيثة!" انفجرت الفتاة بالضحك وهي ترفع يديها باستسلام، ثم قالت بمرح: "ماذا تريدين مني أن أفعل؟ هل أذهب لإحضار شخص من الشارع وأقول له إنه أبي؟" اتسعت عينا ملاك من الذعر، وقالت بسرعة: "إياكِ أن تفكري في ذلك!" لكن غيثة لم تتراجع، بل تابعت ببرود متعمد: "لماذا كل هذا القلق؟ الإدارة لا تعرفك جيدًا على الإطلاق، وإذا أحضرت غريبًا من الزقاق فسيصدقونه أكثر مني! سأعطيه ثمن علبة سجائر، فيوقع الورقة ويعود إلى حياته، وتنتهي المشكلة." وضعت ملاك يدها على رأسها، وقد بدأ صداع حقيقي يضغط على رأسها، بينما لم تتمالك سعاد نفسها وانخرطت في ضحك هستيري حتى كادت تختنق بالشاي، وهي تقول بين ضحكاتها: "ابنتك لا تمنحك فرصة واحدة للراحة!" التفتت ملاك إليها وصاحت: "لا تشجعيها!" ثم عادت إلى غيثة وأشارت إليها بحزم، وقالت: "اذهبي أولًا وارتدي ملابسك، الجو بارد، وأنا..." توقفت لحظة، ثم زفرت باستسلام وأضافت: "أنا من سيذهب معك لإصلاح هذه الفوضى ومعرفة أي كارثة سببتها هذه المرة." رفعت غيثة حاجبًا، وظهرت على شفتيها ابتسامة بريئة لا تبشر بأي خير، قبل أن تقول: "حاضر يا ماما." ثم اختفت بسرعة في اتجاه المطبخ. كانت غيثة تملك موهبة غريبة في تحويل أي وجبة، مهما كانت مكوناتها، إلى وليمة كاملة. فتحت الثلاجة وأخرجت كل ما وجدته أمامها، ثم بدأت تجمع بين الفطور والغداء دون أي اعتبار لتناسق النكهات؛ خبز، وجبن، وبعض البقايا مجهولة الهوية، وكوب من الشاي، وشيء آخر لم تستطع حتى أن تتذكر لماذا وضعته في طبقها، فجلست أمام كل ذلك وأكلت حتى شبعت. بعد أن انتهت، اتجهت إلى الحمام وأخذت حمامًا سريعًا ومنشطًا، ثم خرجت وهي تشعر بانتعاش تام، وعندما وصلت إلى غرفة المعيشة، وجدت والدها يتناول غداءه بهدوء، فألقت عليه نظرة سريعة قبل أن تتسارع خطواتها دون إرادة منها. لم يقل الرجل شيئًا، لكن نظرته وحدها كانت كفيلة بجعلها تتسمر في مكانها. كان قليل الكلام، إلا أنه صاحب نظرة ثاقبة لا يفوته معها شيء، وكانت عيناه الآن مثبتتين عليها بطريقة جعلتها تشعر بأنه يحاول اكتشاف ما تخفيه قبل أن تنطق هي بكلمة واحدة. حدق فيها مطولًا، فشعرت غيثة بأنه يعلم أن هناك شيئًا غير طبيعي. لذلك تفادت عينيه بسرعة، ودخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها بهدوء، ثم اتجهت مباشرة إلى خزانة ملابسها. أخرجت الملابس التي اعتادت ارتداءها عندما تخرج بعيدًا عن أعين والدها الرقيبة، لم يكن يمنحها الحرية التي ترغب فيها فيما يتعلق بمظهرها، وكان يصر على أن ترتدي ملابس محتشمة وغطاء للرأس عندما تغادر المنزل، ولذلك كانت تعرف جيدًا أن عليها أن تبدو أمامه كما يريد، حتى لو كانت خطتها الحقيقية مختلفة تمامًا. تنهدت وهي تجمع أغراضها وتمتمت: "يا له من صداع..." ارتدت ملابسها، ثم وضعت غطاء الرأس وأمسكت بحقيبتها وغادرت الغرفة، مرت بجانب والديها وقالت ببساطة: "أمي... أنا ذاهبة إلى الصالون." أومأت ملاك برأسها دون اهتمام كبير، بينما ظل الأب صامتًا يحدق فيها. كانت نظراته ثقيلة وحادة ومليئة بالشك، وكأنه ينتظر منها خطأ آخر حتى يمسك بالخيط الذي سيقوده إلى الحقيقة. لم تنتظر غيثة أكثر من ذلك، فأسرعت بالنزول إلى صالون التجميل الواقع في الطابق الأرضي، والذي كانت تقابل الشارع مباشرة وما إن دخلت حتى استقبلها الموظفون بابتسامات خافتة، لكنها لم تتوقف للحديث مع أحد، بل توجهت مباشرة إلى إحدى الغرف الجانبية وأغلقت الباب خلفها. هناك بدأت خطتها الحقيقية. أخرجت الملابس التي جلبتها معها من المنزل، وغيرت ملابسها بسرعة، ثم ارتدت فستانًا أنيقًا باللون العنابي، ووضعت قبعة صغيرة على رأسها تاركة شعرها الذهبي ينسدل على كتفيها وارتدت معطفًا أسود قصيرًا، ثم وضعت ملابسها العادية داخل الدرج العلوي وأغلقته بإحكام، قبل أن تلتقط حقيبة يد سوداء وتخرج من الغرفة وهي تبدو كشخص مختلف تمامًا. توجهت فورًا إلى قسم مستحضرات التجميل، والتقطت زجاجة من طلاء الأظافر وأخذت تقلبها بين أصابعها بإعجاب، ثم سألت إحدى العاملات: "هل هذه الصبغات جديدة؟ هل أحضرتموها للتو؟" نظرت العاملة إلى العبوة، ثم إلى غيثة، وقالت: "أه هذه هي التي تبحثين عنها؟" أومأت غيثة بحماس: "نعم." ضحكت العاملة، ثم أخبرتها: "أوه، لقد أحضرتها والدتك اليوم"، وقبل أن تسألها غيثة، انحنت نحوها وهمست وكأنها تكشف سرًا خطيرًا: "لكنها أقسمت لنا جميعًا أنه إذا وجدت أي واحدة منا تستخدمها، فستخنقنا بيديها!" تجمدت غيثة للحظة، ثم نظرت إلى العبوة، وبعدها إلى الباب، قبل أن تسألها بجدية: "أقالت ذلك حرفيًا؟" أجابتها العاملة دون تردد: "حرفيًا." ظهرت ابتسامة ماكرة على وجه غيثة، وقالت وهي تضع العبوة أمامها: "إذن علينا الإسراع." ضحكت العاملة، وبدأت غيثة بسرعة في وضع المكياج وطلاء أظافرها، ثم رتبت مظهرها وأضافت بعض اللمسات الأخيرة وبعد دقائق قليلة، جلست أمام المرآة تستمتع بالنظر إلى نفسها؛ لم يكن السبب أنها تعتقد أنها مثالية، بل لأنها أحبت الشعور الذي تمنحه إياها المرآة، ذلك الشعور بأنها تستطيع أن تكون الشخص الذي تريده هي، ولو لبضع دقائق، بعيدًا عن الأوامر والانتقادات والتدقيق المستمر. أمالت رأسها نحو اليمين وابتسمت، ثم غيرت زاوية وجهها نحو اليسار وجربت ابتسامة أخرى. "لا..." تأملت انعكاسها لحظة، ثم جربت ابتسامة مختلفة وقالت بإعجاب: "هذه أفضل." لكن لحظتها لم تدم طويلًا. فجأة، فُتح باب الصالون على مصراعيه، ودخلت ملاك وهي تحمل صندوقًا من المجلات الجديدة. توقفت في مكانها فورًا، وانتقلت عيناها من ابنتها إلى المرآة، ثم إلى المكياج المبعثر أمامها، قبل أن تعودا ببطء إلى غيثة. ساد صمت مطبق. لم تتحرك غيثة، ولم تتحرك ملاك، وكأن الاثنتين كانتا تنتظران أن تتكلم الأخرى أولًا، وأخيرًا، رفعت غيثة حاجبها بحذر وسألت بصوت خافت: "أمي؟" عضت ملاك على شفتها بقوة حتى لا تصرخ أمام العاملات، ثم وضعت صندوق المجلات جانبًا، وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تتقدم نحو ابنتها ببطء وحذر. كانت تحاول بكل قوتها أن تسيطر على غضبها، ثم قالت أخيرًا بصوت هادئ بشكل مخيف: "غيثة..." ابتلعت غضبها، واقتربت أكثر قبل أن تقول: "تعالي معي." نظرت غيثة إليها باستغراب، ثم حاولت التظاهر بالبراءة وهي تسأل: "لماذا؟" أجابتها ملاك وهي تشير نحو الغرفة: "إلى الغرفة." رفعت غيثة يديها قليلًا وقالت بسرعة: "لكنني لم أفعل شيئًا." حدقت بها ملاك للحظات، ثم قالت بنبرة حاسمة أنهت أي احتمال للنقاش: "قلت لكِ تعالي هنا." عرفت غيثة من نبرة أمها أن النقاش قد انتهى، وقبل أن تتمكن حتى من التفكير في رد مناسب، أمسكت ملاك بذراعها وسحبتها إلى داخل الغرفة، ثم أغلقت الباب خلفهما. وفي الخارج، تبادلت العاملات النظرات بصمت، قبل أن تتمتم إحداهن وهي تنظر إلى الباب المغلق: "الله يستر."صعدت غيثة الدرج ببطء، وكأن كل خطوة تثقل قدميها أكثر من سابقتها. لم تلتفت إلى أصوات الضحكات القادمة من الصالون، ولم تحاول حتى أن تبدو طبيعية أمام أفراد العائلة الذين كانوا لا يزالون منشغلين بالحفل.كانت كلماتها لعهد تتردد في رأسها، وصورته وهو يغادر الحديقة تلاحقها رغم محاولتها التخلص منها. لم تشعر بالانتصار الذي تخيلته حين واجهته، ولم يمنحها ابتعاده الراحة التي كانت تنتظرها.وصلت إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها بهدوء، ثم أسندت ظهرها إليه للحظات. بقيت واقفة في مكانها، تحدق في الفراغ، قبل أن تخور قواها وتتجه نحو السرير.لم تبدل ملابسها، ولم تهتم بإضاءة الغرفة. ارتمت فوق الفراش، وسحبت الغطاء إلى جسدها، ثم دفنت وجهها في الوسادة.انفجرت بالبكاء.كانت تحاول كتم صوتها حتى لا يسمعها أحد، لكن شهقاتها كانت تتصاعد رغمًا عنها. لم تكن تعرف إن كانت تبكي بسبب ما فعله عهد بها، أم بسبب عجزها عن نسيان ما حدث، أم بسبب ذلك الاضطراب الذي تركته مواجهته في صدرها.أغمضت عينيها بقوة، وتمتمت بصوت متهدج: "أريد فقط أن ينتهي كل هذا..."لكن الذكريات لم ترحمها.ظلت تبكي حتى غلبها التعب، واستسلمت للنوم وهي لا تزال
كانت أجواء الحفل قد بدأت تزداد حيوية مع توافد أفراد العائلة، وتعالت الأحاديث والضحكات في أرجاء الصالون الكبير، بينما انشغل الجميع بتبادل التهاني والاطمئنان على غيثة بعد عودتها إلى القصر.لكن وسط كل ذلك، كان هناك شخص واحد لم يستطع الانشغال بأي شيء آخر.عهد.وقف بالقرب من والدته، يحمل كأسًا لم يذق منه سوى رشفة واحدة، بينما كانت عيناه تتنقلان باستمرار نحو غيثة، التي كانت تجلس مع باقي أفراد العائلة.كان يراقبها بلهفة طفل ينتظر من شخص يحبه أن يلتفت إليه، ولو للحظة واحدة. لم يكن يريد أكثر من نظرة، نظرة واحدة فقط تخبره بأنها لاحظت وجوده، أو أنها على الأقل مستعدة للاعتراف بأنه يقف في المكان نفسه معها.لكن هيهات!كانت غيثة شاردة تمامًا، وكأن الحفل يدور في عالم بعيد عنها، فكلما تحدث إليها أحد، اكتفت بهزة رأس أو إيماءة صغيرة، وأحيانًا كانت ترسم ابتسامة باهتة على شفتيها قبل أن تعود إلى شرودها. لم تبحث عنه بعينيها، ولم تحاول الاقتراب منه، بل بدا واضحًا أنها تتعمد ألا تلتقي نظراتهما.أما عهد، فكان يزداد توترًا مع مرور الدقائق. رفع كأسه إلى فمه، ثم أنزله دون أن يشرب، قبل أن يتمتم بضيق: "هل من الص
لم تكن غيثة تتوقع أن يتحول الاستعداد للحفل إلى معركة حقيقية تخوضها أمام المرآة، لكن وعد، التي اقتحمت غرفتها قبل ساعة برفقة خبيرة تجميل تحمل حقيبة ضخمة، قررت منذ اللحظة الأولى أن تتولى زمام الأمور بنفسها، رافضةً أي اعتراض من زوجة أخيها."توقفي عن العبوس يا غيثة، وكأننا ذاهبتان إلى جنازة لا إلى حفل!" قالت وعد وهي تجلس خلفها، تراقب خبيرة التجميل وهي تضع اللمسات الأخيرة على مكياجها. "أريدك أن تبتسمي قليلًا. أنت جميلة، لكنك تتصرفين وكأن الجمال عقوبة فُرضت عليك."توقفت أصابع غيثة فوق طرف الفستان الذي كانت تستعد لارتدائه، ثم رفعت رأسها، وأومأت ببطء.بعد قليل، انتهت خبيرة التجميل من وضع اللمسات الأخيرة، فنهضت غيثة لتقف أمام المرآة بكامل هيئتها.كان فستانها الأبيض أنيقًا، مكشوف الكتفين، ينساب برقة حول قوامها ويبرز جمالها الهادئ دون مبالغة. أما شعرها، فقد تركته منسدلًا في تموجات ناعمة حول وجهها، بينما اكتفى مكياجها بإبراز عينيها وملامحها الرقيقة. بدت كأنها خرجت من لوحة فنية، تجمع بين البراءة والجاذبية في آن واحد.وقفت وعد خلفها، ثم أطلقت صفير إعجاب قصيرًا. "حسنًا، لقد سحبت كلامي. أنتِ لا تحتا
ثم اقتربت منه وهمست بمكر: "وقلب يخفق لفتاة معينة."توقفت يد عهد التي كانت تمتد نحو قميصه، ورفع عينيه إليها ببطء، محذرًا: "أمي..."ابتسمت مروى ببراءة زائفة، ثم رفعت كفيها قائلة: "ماذا؟ لم أقل شيئًا!"نظر إليها عهد نظرة طويلة قبل أن يرد: "بل قلتِ الكثير بنظرة واحدة."ضحكت مروى، ثم جلست على طرف الأريكة القريبة من النافذة، وكأنها جاءت إلى غرفته خصيصًا لقضاء سهرة طويلة من الثرثرة، قبل أن تسأله بنبرة عابرة: "على ذكر الفتيات، هل أخبرتك أن غيثة عادت إلى القصر؟"لم يتغير وجه عهد كثيرًا، لكنه التفت إليها بسرعة لم تفُتها، وأجاب باقتضاب: "أعرف."اتسعت ابتسامتها فورًا، وقالت بفضول: "تعرف؟ ومن أخبرك؟"أخرج عهد قميصًا من الخزانة، ثم رد ببرود متعمد: "أمي، أنا في القصر. ليس من الصعب أن أعرف أن شخصًا عاد إليه."أومأت مروى بتفهم مصطنع، ثم قالت وهي تحاول كتم ضحكتها: "بالطبع، بالطبع. وأنا أيضًا حين كنت في عمرك، كنت أعرف أخبار الجميع بمجرد دخولي المنزل، خصوصًا أخبار الشخص الذي لا يهمني إطلاقًا."قطب عهد حاجبيه، ثم سألها بامتعاض: "هل جئتِ لتتحدثي معي أم لتلقي محاضرة في علم النفس؟"أجابته مروى بلا تردد: "بل
ما إن أعلنت مروى الخبر حتى التفتت نحو غيثة، التي كانت بجانبها، ثم أمسكت بيدها بحنان، وكأنها تخشى أن تفلت منها وتختفي مجددًا.قالت بابتسامة دافئة: "تعالي يا غيثة، أريد أن أريكِ شيئًا."نظرت غيثة إليها باستغراب خفيف، لكنها لم تعترض، بل تبعتها عبر الممر الطويل الذي ازدانت جدرانه بلوحات فنية أنيقة، فيما تدلت من السقف ثريات كريستالية ألقت أضواؤها الدافئة على الأرضية الرخامية.توقفت مروى أمام باب أبيض كبير يقع إلى جوار باب آخر أكثر اتساعًا، باب غرفة عهد، ثم أدارت المقبض وفتحته، مشيرة إلى غيثة بالدخول.كانت الغرفة واسعة وهادئة، يغلب عليها اللون العاجي مع لمسات من الوردي الباهت والذهبي. احتل سرير كبير بغطاء حريري فاتح منتصف الجدار الرئيسي، وأحاطت به طاولتان صغيرتان تعلوهما مصابيح أنيقة. وفي الزاوية المقابلة، امتدت نافذة طويلة خلف ستائر شفافة تطل على الحديقة الداخلية للقصر، بينما وُضعت أمامها أريكة ناعمة تتوسطها طاولة زجاجية صغيرة.أما الخزانة، فكانت تمتد على أحد الجدران بأبوابها المزخرفة، وبجوارها مرآة طويلة تحيط بها إضاءة هادئة. وعلى الطاولة القريبة من السرير، استقرت مزهرية تضم ورودًا بيض
كانت سيارة عهد، السيارة التي لم ترها منذ مغادرته المغرب.اتسعت عينا مروى، ثم ظهرت على وجهها ابتسامة عريضة لم تستطع إخفاءها. وضعت يدها على صدرها، وكأنها تحاول احتواء فرحتها المفاجئة، قبل أن تلتفت نحو ملاك وتعلن بحماس: "لقد عاد!"نظرت ملاك إليها باستغراب وسألتها: "من عاد؟"أشارت مروى إلى السيارة، وعيناها تلمعان بفرحة واضحة، ثم أجابت: "عهد! هذه سيارته، لا يمكن أن أخطئها. لقد عاد إلى القصر!"تجمدت ملاك للحظة، ثم انتقلت عيناها إلى السيارة قبل أن تعودا إلى مروى.أما غيثة، التي كانت تقف بالقرب منهما، فقد سمعت الاسم بوضوح.عهد.لم يتغير شيء في ملامحها في البداية، لكنها شعرت بانقباض في صدرها، كأن الاسم فتح بابًا كانت تحاول إبقاءه مغلقًا. انخفضت عيناها إلى الأرض، وشبكت أصابعها أمامها دون أن تقول كلمة.لاحظت ملاك تغيرها، فاقتربت منها فورًا وسألتها بقلق: "غيثة؟"رفعت غيثة رأسها، وحاولت أن تبدو طبيعية وهي تجيب: "أنا بخير يا أمي."لكن مروى كانت لا تزال غارقة في فرحتها بعودة ابنها، ولم تنتبه إلى الاضطراب الذي ظهر في وجه غيثة إلا بعد لحظات. التفتت إليها، ثم خففت ابتسامتها قليلًا وقالت بنبرة حنونة: