LOGINالفصل السابع عشر
نظرت جلنار إلى والدها طويلًا، وكأنها تحاول أن ترى الحقيقة خلف عينيه، ثم قالت بصوت متعب: — بل أنت أخبرني… ما الذي بينك وبين دهام حتى تخشاه هكذا؟ ارتبك هاشم للحظة، ثم حاول إخفاء ارتباكه: — أنا لا أخشى دهام، أنا فقط أريد حمايتك. ابتسمت جلنار بسخرية ممزوجة بالألم. — حقًا؟ إذًا لماذا لم تعارض زواجي من نمر وأنت تعرف حقيقته منذ البداية؟ صمت هاشم، ثم قال: — أنتِ من أحببته… ولم تكوني لتستمعي إليّ. رفعت جلنار عينيها إليه، وقد بدأت الدموع تتجمع فيهما. — كفى يا أبي… أرجوك. توقف هاشم عن الكلام. — لقد بعتني له من أجل أن تحمي نفسك. اتسعت عينا هاشم بصدمة. — لا… الأمر ليس كذلك. لكن جلنار لم تمنحه فرصة. — لماذا قتلت شريكك؟ ولماذا سمحت لدهام بابتزازك؟ هز هاشم رأسه بسرعة. — لا! أنا لم أقتله… الأمر ليس كما تظنين، صدقيني يا ابنتي. اقترب منها خطوة، وصوته يزداد اختناقًا: — والدك ليس قاتلًا، لكنني لا أملك دليلًا يثبت براءتي. ثم تابع بحزن: — وكل ما يقوله دهام كذب. لا تجعليه يدمر حياتنا بأكاذيبه… على الأقل أنتِ، صدقيني. نظرت إليه جلنار بعينين غارقتين في الحيرة. — أريد حقًا أن أصدقك… لكنني لا أستطيع. صمتت للحظات، ثم قالت: — كل شيء حولي كذب… وكل شخص لديه شيء يخفيه. لم أعد أعرف من يكذب عليّ، ومن يقول الحقيقة… ولا أعرف من عليّ أن أصدق. لم يجد هاشم ما يقوله. اقترب منها واحتضنها بقوة، وكأنه يحاول أن يحميها من كل الأسرار التي تحاصرها. — سأثبت لك أنني بريء… أعدك. أغمضت جلنار عينيها بين ذراعيه، لكن كلمات والدها لم تستطع أن تطفئ الشك الذي استقر في قلبها. ⸻ في المستشفى كانت هناء تقف بجانب سرير أركان وكأنها في مهمة لإنقاذ حياته للمرة الثانية. مرة ترفع الوسادة خلف ظهره، ومرة تسحب الغطاء حتى عنقه، ثم تعود لتقيس حرارته، وبعدها تمسك كوب الماء وتصر على أن يشرب. ثم بدأت تطعمه بنفسها. تنهد أركان بيأس: — أمي… أرجوك، أنا بخير. ثم إنني لست طفلًا! رمقته هناء بنظرة غاضبة. — اخرس أيها الأحمق! كدت تموت كله بسبب تلك المتعجرفة ذات الشعر الأشقر! توقف أركان عن الأكل ونظر إليها باستغراب. تابعت هناء بانفعال: — وما شأنك أنت إن اختُطفت أو حتى ماتت؟ هذا لا يهم! وليس من واجبك أن تعرض حياتك للخطر من أجلها! تنهد أركان، ثم قال للمرة التي لم يعد يعرف عددها: — لقد أخبرتك مرارًا أن ما حدث لي لا علاقة له بجلنار. ثم التفت إلى والده الذي كان يقف بالقرب منه: — أبي… أرجوك قل شيئًا. رفع أحمد حاجبه، ثم قال بهدوء: — لو كان الكلام يفيد مع والدتك، لما شاب شعري في ريعان شبابي. نظر أركان إلى والدته بيأس. تابع أحمد: — كل ما أستطيع فعله من أجلك هو أن آخذها بعيدًا عنك. شهقت هناء باعتراض: — ماذا؟ أنا لن أذهب إلى أي مكان! لن أترك ابني أبدًا! أمسك أحمد بكتفها وسحبها باتجاه الباب. — هيا، هيا… لا فائدة من بقائك هنا. لقد ذاق ذرعًا منك. قاومت هناء وهي تقول: — أنا أعرف مصلحته أكثر منك! — بالطبع… ولذلك كدتِ تخنقينه بالوسادة قبل قليل. — كنت أعدلها فقط! — أجل، بالطبع. حاول أحمد إخراجها بالقوة من الغرفة، وبمجرد أن فتح الباب، صادف دخول جلنار برفقة والدها. ما إن وقعت عينا هناء عليها حتى تبدلت ملامحها. — أنتِ! اندفعت نحو جلنار وهي تصرخ: — تعالي إلى هنا أيتها المتعجرفة! وكادت أن تمسك بها وتشد شعرها، لكن أحمد تدخل في اللحظة الأخيرة وأمسك بها وأبعدها عنها. — هناء! كفى! صرخت وهي تحاول الإفلات منه: — اتركني! هذه هي السبب! — هناء! — سأخبرها فقط برأيي! — رأيك يحتاج إلى جلسة طويلة مع طبيب نفسي. توقفت هناء للحظة، ثم رمقته بغضب. — أنت أيضًا ضدي! استطاع أحمد في النهاية إخراجها من المكان، وأجبرها على ركوب السيارة رغم اعتراضاتها المستمرة. أما جلنار، فبقيت واقفة للحظات في مكانها. رتبت شعرها وملابسها بهدوء، وكأن شيئًا لم يحدث. ثم أخذت نفسًا عميقًا، ودخلت إلى غرفة أركان بابتسامة هادئة. رفع أركان عينيه نحو الباب. وما إن وقعت عيناه عليها حتى اختفى من ذاكرته كل ما حدث قبل لحظات. ابتسم دون أن يشعر. وكأن وجودها وحده كان كافيًا ليجعله ينسى الألم. ⸻ في مكان آخر كان دهام يجلس أمام نار مشتعلة، تحدق عيناه في ألسنتها المتراقصة دون أن يراها حقًا. مد يده إلى جانب الحطب، وأخذ قطعة أخرى ألقاها في النار. اشتعلت النيران أكثر، بينما ظل هو غارقًا في أفكاره. اقترب أمجد بخطوات هادئة، ثم توقف أمامه. — سيدي… علينا أن نغادر صباحًا إلى مدينة أخرى. لقد رتبت كل شيء. لم يجبه دهام فورًا. ظل ينظر إلى النار للحظات، ثم رفع عينيه نحو أمجد. — أمجد… — نعم، سيدي؟ ساد صمت قصير. ثم قال دهام: — أريد أن أسألك شيئًا. تغيرت ملامح أمجد قليلًا. — تفضل. حدق دهام فيه بنظرة يصعب تفسيرها. — إلى أي مدى يصل ولاؤك لي؟ تجمد أمجد في مكانه. للحظة، بدا وكأن السؤال باغته تمامًا. لكنه سرعان ما استعاد هدوءه، وقال: — ماذا تقصد بسؤالك هذا؟ ظل دهام صامتًا، وعيناه مثبتتان عليه. ثم أضاف بهدوء: — أريد إجابة واضحة يا أمجد. ساد الصمت بينهما… ولم يعد يُسمع سوى صوت الحطب وهو يشتعل. يتبع…الفصل الثلاثونغادر الطبيب المستشفى في وقت متأخر من الليل، والملف الخاص بنمر بحوزته.منذ أن ظهرت نتيجة التحاليل، لم يستطع التخلص من ذلك الشعور المقلق الذي لازمه.كان هناك شيء غير طبيعي.شيء لم يجد له تفسيرًا.وضع الملف إلى جواره، ثم انطلق بسيارته.لم يقطع مسافة طويلة.وفجأة…حدث الاصطدام.فقد السيطرة على السيارة، وانحرفت عن الطريق قبل أن ترتطم بقوة.توقفت السيارة بعد لحظات، وبقي الطبيب في الداخل دون حراك.تجمع بعض المارة حولها، وسرعان ما وصلت سيارة الإسعاف.أُخرج الطبيب من السيارة ونُقل إلى المستشفى.أما الملف…فبقي داخل السيارة.⸻مرت الأيام التالية بهدوء ظاهري.وفي منزل جنى، الذي كان هدية أركان لها بمناسبة زواجها، كانت الاستعدادات الأخيرة تُجرى لإتمام زواجها من أياد.لم يكن حفلًا كبيرًا.مجرد مراسم مختصرة، بحضور عدد محدود من المقربين، وكأن الجميع أراد أن تمر الليلة بأقل قدر ممكن من الضجيج.لكن بالنسبة إلى جنى…كان هناك شيء واحد ينقصها.والدها.كانت تنظر بين الحين والآخر إلى المكان الخالي، وكأنها ما زالت تنتظر أن يتراجع عن قراره ويحضر.لكنه لم يفعل.ولم يكتفِ برفض الحضور بنفسه، بل رف
الفصل التاسع والعشرونلم تكن الرحلة إلى تركيا هادئة كما توقع الجميع.جلس أركان في المقعد الأمامي للسيارة، بينما جلست جلنار إلى جوار أمجد في الخلف.ومنذ مغادرتهم الفندق، لم يتحدث أحد تقريبًا.كانت جلنار تحدق من النافذة، لكن عقلها لم يكن مع الطريق.كانت تستعيد اللحظات الأخيرة التي جمعتها بأركان…غضبه منها.قلقه عليها.واعترافه، بطريقة لم تعتدها منه، بأنه كان خائفًا من أن يصيبها مكروه.ولأول مرة منذ وقت طويل، شعرت أن شيئًا ما يتغير داخلها.شيء لم تعد قادرة على تجاهله.رفعت عينيها نحوه من خلال المرآة.كان أركان ينظر إلى الطريق بصمت، ولم يلتفت إليها منذ أن غادروا الفندق.ابتسمت بخفة.ثم قالت:“أركان.”لم يجب.رفعت صوتها قليلًا:“أركان.”التفت إليها عبر المرآة.“ماذا؟”قالت وهي تحاول إخفاء ابتسامتها:“ما زلت غاضبًا؟”نظر إليها لثوانٍ، ثم أعاد عينيه إلى الطريق.“نعم.”رفعت حاجبها.“رغم كل ما حدث؟”أجاب دون تردد:“خصوصًا بعد كل ما حدث.”تدخل أمجد من المقعد الخلفي بهدوء:“أعتقد أن بإمكانكما تأجيل هذا النقاش حتى نصل.”نظر إليه أركان عبر المرآة.“وأعتقد أن بإمكانك الاهتمام بما حولك بدلًا مني.”أ
الفصل الثامن والعشرونبعد ساعات من المواجهة مع أياد، هدأت الأمور أخيرًا.كان أركان قد اتفق معه على العودة إلى جنى والزواج منها، مقابل أن يتحمل مسؤولية طفله، على أن يبقى أمر الطلاق لاحقًا سرًا بينهما.أما جنى، فلم تكن تعرف شيئًا عن هذا الاتفاق.كانت تظن أن أياد سيعود إليها لأنه اختارها واختار طفله، بينما الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.وبعد أن اطمأن أركان إلى أن أياد لن يهرب مجددًا، قرروا العودة إلى تركيا في اليوم التالي.في تلك الليلة، كانت جلنار تقف أمام نافذة الفندق، تنظر إلى أضواء المدينة بصمت.منذ وصولها إلى روسيا، لم تحصل على لحظة واحدة للتفكير.كل شيء حدث بسرعة…أياد.حمل جنى.مواجهة أركان له.والاتفاق الذي لم يكن سهلًا على أي منهم.ثم أمجد…وأسراره التي لم تستطع جلنار أن تتجاهلها.وأخيرًا أركان نفسه.ابتسمت دون أن تشعر.فبعد كل ما حدث، كان أكثر ما بقي في ذهنها هو اللحظة التي وقف فيها أركان أمام أياد، وأصر على أن يتحمل مسؤولية طفله.لم يكن مضطرًا للتدخل إلى ذلك الحد.لكنه فعل.ولسبب ما، جعلها ذلك تراه بطريقة مختلفة.جاء طرق خفيف على الباب.استدارت جلنار.كانت تعرف من الطارق.فتحت ال
الفصل السابع والعشرونتوقفت جلنار عن الحركة للحظات، وهي تنظر إلى أمجد بقلق.قال أمجد وهو يراقب الطريق من خلف زجاج المقهى:“الرجل غادر المبنى… لكنه لم يتجه إلى المكان الذي توقعناه.”ضيقت جلنار عينيها.“إلى أين ذهب؟”أجابها أمجد:“المطار.”تبادلت جلنار وأمجد نظرة سريعة.قالت جلنار بحزم:“إذن علينا التحرك.”نهض أمجد من مكانه، وأشار إلى رجاله بأن يتابعوا الرجل من بعيد دون أن يثيروا انتباهه.بعد وقت قصير، كانت جلنار تقف داخل المطار، تراقب رجلًا يحمل حقيبة صغيرة ويتلفت حوله بين الحين والآخر.لم تكن بحاجة إلى صورة كي تعرفه.لقد كان هو.أياد… شقيق كارمن.ذلك الرجل الذي يبحث عنه أركان منذ فترة.راقبته جلنار بصمت، ثم قالت لأمجد:“لا أريده أن يعرف أننا وصلنا إليه.”نظر إليها أمجد باستغراب.“ولماذا؟”“لأنني أريد أن أسمع منه أولًا.”توقف أمجد للحظة، ثم قال:“وإذا رفض الكلام؟”أجابته جلنار دون تردد:“سأجد طريقة أجعله يتكلم.”ابتسم أمجد بسخرية خفيفة.“أنت تخاطرين كثيرًا.”أجابته جلنار:“لقد اعتدت.”تحركت باتجاه أياد، بينما بقي أمجد على مسافة قريبة يراقب المكان.لكن قبل أن يخطو خطوة أخرى…لمح أمجد شخ
الفصل السادس والعشروناستيقظت جنى على ضوء الشمس المتسلل من بين ستائر الغرفة.مدّت يدها إلى الجانب الآخر من السرير، لكنها لم تجد جلنار.رفعت رأسها بسرعة، ثم جلست وهي تنظر حولها.— جلنار؟لم يجبها أحد.نهضت من السرير وخرجت من الغرفة، وأخذت تبحث في أرجاء الشقة، لكنها لم تجدها، كما لم تجد أركان.كانت الشقة هادئة وخالية تمامًا.تنهدت جنى بضيق، ثم عادت إلى الغرفه . قررت أن تستحم بماء دافئ يعيد النشاط إلى جسدها، وبعد أن انتهت، ارتدت ملابس مريحة وربطت شعرها، ثم توجهت إلى المطبخ.أعدت لنفسها إفطارًا صحيًا وشهيًا، وهي تحاول أن تقنع نفسها بأن عليها أن تبدأ بالاهتمام بطفلها القادم، وألا تسمح للخوف والارتباك بأن يسيطرا عليها.جلست إلى الطاولة، وأخذت هاتفها لتجد مكالمة فائتة من والدتها، وعدة مكالمات أخرى من كارمن.تجمدت ملامحها للحظة.ثم اتصلت بكارمن.لم تمضِ سوى ثوانٍ حتى أجابت الأخرى.— لماذا لم تجيبي على اتصالي؟أجابت جنى ببرود:— كنت نائمة، ماذا تريدين بعد ما فعلته بي أمام أركان؟تنهدت كارمن بضيق.— ليس هذا هو المهم الآن.— إذن ماذا؟— طلبت من أركان أن يتزوج بي مقابل أن أخبره بمكان أخي… لكنه ر
الفصل الخامس والعشروناقتربت جلنار حتى وقفت أمام كارمن مباشرة، بينما ظل أركان يراقبها بقلق، خشية أن تكون قد أساءت فهم مارأته .قالت جلنار بهدوء:— عندما رأيتكِ للمرة الأولى، لم أشعر بالارتياح تجاهكِ… كنت أعلم أن هناك شيئًا تدبرينه أنتِ وجنى.ثم التفتت إلى جنى وقالت:— هل تعلمين أن شقيق كارمن سافر إلى روسيا برفقة حبيبته السابقة؟اتسعت عينا جنى بدهشة، ونظرت إلى كارمن.— ماذا؟! كيف ذلك؟! قلتِ لي إنه ذهب في رحلة عمل!ابتسمت كارمن بسخرية وقالت:— وما شأني أنا بكِ؟ أنتِ من سلمتِ نفسكِ له بهذه السرعة.ساد الصمت للحظات.كانت كلمات كارمن كافية لإشعال غضب أركان.تقدم نحو جنى بغضب، وكاد أن يرفع يده عليها، لكن جلنار أسرعت بالوقوف أمامه وأمسكت بذراعه.— أركان، اهدأ أرجوك.حاول التقدم، لكنها استوقفته بحزم.— الأمور لا تُحل هكذا… دعني أنا أتولى الأمر.نظر إليها أركان للحظات، ثم تراجع.أما جنى فاختبأت خلف جلنار وهي ترتجف.التفتت جلنار إلى كارمن وقالت ببرود:— وأنتِ ارتدي شيئًا محتشمًا وغادري من هنا، لا مكان لكِ بيننا.»رمقتها كارمن بنظرة غاضبة، ثم استدارت وغادرت المكان دون أن تنطق بكلمة أخرى.ساد الص







