ANMELDENم يكن إغلاق الدفتر نهاية للفكرة، بل كان أشبه بإيقاف صوت مرتفع بينما المصدر الحقيقي ما زال يعمل في الخلفية. ليلى أدركت ذلك فورًا، ليس من خلال حدث واضح، بل من خلال إحساس مستمر لم ينقطع، إحساس خافت لكنه ثابت، كأن هناك شيئًا لم يعد بحاجة إلى الظهور الكامل لكي يُثبت وجوده. الغرفة بدت كما هي، المراية تعكس كل شيء بدقة، الأرض ثابتة، الهواء طبيعي، لكن هذا “الطبيعي” نفسه كان يحمل توترًا خفيًا، كأن الواقع يحاول أن يبدو متماسكًا أكثر مما يجب.
ليلى لم تتحرك في البداية. كانت تقف في نفس مكانها، عي"أنا… جديد."قالها بهدوء، لكن صوته لم يكن عاديًا.كان فيه شيء… قديم.أقدم من المكان نفسه.ليلى لم ترد فورًا.وقفت مكانها، عيناها ثابتتان عليه، كأنها تحاول تفكيك كل كلمة قالها، كل نبرة، كل اهتزاز خفيف في صوته."جديد؟"سألت أخيرًا، بصوت منخفض."ولا راجع؟"ابتسم.ابتسامة صغيرة… لكنها لم تكن مطمئنة."الفرق بينهم… مش كبير زي ما انتي فاكرة."سكتت.والهواء من حولهم… بدأ يتغير.الجدران التي كانت ثابتة، بدأت ترتعش بشكل خفيف، كأنها تستجيب لوجوده.ليلى لاحظت ذلك فورًا."إنت السبب."قالتها بنبرة حاسمة."من ساعة ما ظهرت… اللعبة بدأت تتغير."رفع رأسه قليلًا، وكأن كلامها أثار اهتمامه."اللعبة…؟"كررها، ثم ضحك ضحكة قصيرة."إنتي لسه فاكرة إن ده مجرد لعبة؟"صمت.ثقل.الكلمة علّقت في الهواء.ليلى شدّت قبضتها."يبقى إيه؟"اقترب خطوة.خطوة واحدة فقط… لكن المسافة بينهم اختفت تقريبًا."ده… مكان."قالها ببطء."مكان بيتكوّن… من اللي بيدخله."عينا ليلى ضاقت."يعني إحنا اللي بنبنيه؟""إحنا… واللي قبلنا."العبارة دي خلت قلبها يدق أسرع."قبلنا؟"هز رأسه."ناس كتير دخلت هنا… ومخرجتش."سكت لحظة، ثم أضاف:"بس سابت أ
الشيء الذي لا يجب أن يعرف اسمك لم تنم الأم. لم يكن خوفًا عاديًا… ولا قلقًا مؤقتًا. كان إحساسًا ثابتًا، ثقيلًا، كأنه جالس فوق صدرها… لا يتحرك. منذ ما حدث في المدرسة، وكل شيء تغيّر. ليلى لم تتكلم في الطريق. لم تسأل. لم تنظر حتى من الشباك. فقط… كانت جالسة. هادئة. بشكل مرعب. — الهدوء لم يكن راحة. كان انتظارًا. — عندما دخلوا البيت، لم تخلع ليلى حذاءها. لم تذهب لغرفتها. وقفت في منتصف الصالة. ثابتة. — “ليلى…” قالتها الأم بحذر. — لم ترد. — لكن رأسها مال ببطء. كأنها تسمع شيئًا. — “هو هنا.” قالتها فجأة. — الدم في عروق الأم برد. — “مين؟” — لم تنظر لها. — “مش لازم تشوفيه عشان تعرفي.” — الصمت امتلأ. — الأم شعرت به ليس كصوت و لا كصورة و لكن كـ وجود. — في البيت. — “إحنا مش لوحدنا.” — خطوة للخلف. ثم خطوة تانية. — “ليلى… بس كفاية… إحنا ننام، وبكرة—” — “بكرة إيه؟” قاطعتها. — نظرت لها. — العينين… مش ثابتين. كأن في طبقتين. واحدة فوق التانية. — “هو مش بيستنى.” — فجأة… خبط على الباب قو
عندما لا يعود هناك فرق بين الداخل… والخارجلم تستطع الأم أن تتحرك.جسدها كان على الأرض… لكن عقلها لم يعد في نفس المكان.الصورة لم تختفِ.لم تكن مجرد رؤية عابرة… بل شيء انغرس داخلها.شيء فتح بابًا… ولم يغلقه.—كانت ترى.لكن ليس بعينيها.—ممر طويل… بلا نهاية واضحة.جدرانه ليست ثابتة، تتحرك ببطء، كأنها تتنفس.أصوات خافتة تتردد… ليست كلمات، لكنها تحمل معنى.ومع كل خطوة داخل هذا الممر… كان هناك إحساس واحد يزداد:أنها مُراقَبة.—“شايفة؟”الصوت جاء… من كل الاتجاهات.—“ده المكان اللي إنتي رفضتي تصدقيه.”—حاولت أن تتكلم… لكن لم يكن لها فم.حاولت أن تتحرك… لكن لم يكن لها جسد.—فقط… وعي.—وفجأة——توقفت.—لأنها شعرت بشيء… خلفها.—ببطء… استدارت.—وكان هناك.—ليس شكلًا واضحًا…ليس إنسانًا…ليس حتى ظلًا كاملًا…—بل حضور.—أطول مما يجب.أقرب مما يجب.وأقوى… بشكل لا يُحتمل.—ثم——تحرك.—خطوة واحدة فقط.—لكنها كانت كافية.—لأن كل شيء اهتز.—وكل الأصوات سكتت.—ثم——فتح… ما يشبه العين.——صرخت.——وعادت.—جسدها ارتفع فجأة من الأرض.شهقت بعنف، كأنها كانت غارقة وخرجت للهواء.العرق
لم تتحرك الأم لعدة ثوانٍ بعد أن جلست ليلى على الأرض وبدأت اللعب.المشهد أمامها كان عاديًا… إلى حد الإهانة.طفلة صغيرة، تمسك دمية، تحرّكها يمينًا ويسارًا، وتصدر أصواتًا خفيفة كأنها تحكي لها قصة. الضوء يدخل من الشباك، يلمس أطراف الأثاث، ويصنع ظلالًا هادئة على الأرض. لا شيء—ظاهريًا—يستدعي الخوف.لكن المشكلة لم تعد في ما تراه.المشكلة… في ما تعرفه.تقدّمت خطوة ببطء، وكأنها تختبر الأرض تحت قدميها. كانت تشعر بثقل في صدرها، كأن الهواء نفسه أصبح أكثر كثافة. عيناها لم تتركا ليلى، لا لثانية. كانت تراقب كل تفصيلة: حركة الأصابع، انحناءة الرأس، توقيت الابتسامة.“ليلى…”قالتها بصوت منخفض، حذر.لم ترفع ليلى رأسها.“نعم يا ماما؟”النبرة طبيعية. هادئة. مطمئنة.وهذا… كان أسوأ ما في الأمر.تقدّمت الأم خطوة أخرى، حتى أصبحت قريبة بما يكفي لترى عينيها بوضوح. عندها فقط رفعت ليلى رأسها، ببطء محسوب، كأنها كانت تنتظر اللحظة المناسبة.تلاقت أعينهما.لجزء من الثانية—جزء صغير جدًا—لم ترَ الأم نفسها في عيني ابنتها.لم يكن هناك انعكاس.كأن العينين… عمق فارغ.ثم عاد كل شيء لطبيعته.رمشت ليلى. ابتسمت.“في حاجة؟”تراج
حين يصبح الكذب هو الأمانلم تنم الأم تلك الليلة.لم يكن الأمر مجرد أرق عابر، بل حالة يقظة قسرية، كأن جسدها يرفض الدخول في النوم خوفًا مما قد يحدث أثناءه. كانت مستلقية، عيناها مفتوحتان في الظلام، تتابع تفاصيل السقف كأنها تحاول تثبيتها في مكانها، كأنها تخشى أن تتحرك.لكن المشكلة لم تكن في الغرفة.المشكلة… كانت داخل رأسها.كلما أغلقت عينيها لثوانٍ، كانت ترى نفس المشهد:يد تخرج ببطء من شق مظلم، ليست يدًا كاملة، بل شيء يتكوّن… يتشكل… وكأنه يتعلم كيف يكون يدًا.ثم صوت—ليس مسموعًا، بل محسوسًا—ينادي باسمها من الداخل، من مكان لا يمكن الوصول إليه.فتحت عينيها فجأة، شهقت بصوت خافت، وجلست على السرير. قلبها يدق بسرعة غير طبيعية، ويدها تتحرك على صدرها كأنها تحاول تثبيت نفسها داخل جسدها.“ده مش حقيقي…”قالتها بصوت منخفض، لكن نبرتها كانت مهزوزة، كأنها لا تقنع حتى نفسها.نظرت ناحية باب الغرفة.كان مغلقًا. ثابتًا. طبيعيًا.لكن إحساسًا ثقيلًا استقر في صدرها…إحساس واضح أن هناك شيئًا خلف الباب.ليس صوتًا.ليس حركة.بل وجود.وجود ينتظر.—وقفت ببطء. قدماها لامستا الأرض الباردة، لكنها لم تشعر بالبرودة. جسد
لم تكن الأم تصرخ هذه المرة.الصوت… اختفى.كأن الألم نفسه امتصه شيء داخلها، أو كأن عقلها قرر أن الصراخ لم يعد له معنى.كانت جالسة على الأرض، ظهرها ملتصق بالحائط، وذراعها ممدودة بزاوية خاطئة قليلًا… زاوية لا تحتاج خبرة طبية لتفهم أنها ليست سليمة.أنفاسها قصيرة.متقطعة.وعيناها… لا تتركان ليلى.ليلى لم تتحرك.واقفة أمامها… بنفس الثبات.لكن هذا الثبات لم يعد مجرد “غريب”.كان تهديدًا.الصمت بينهما لم يكن فراغًا…بل مساحة مشحونة، أي حركة فيها قد تفجّر كل شيء."ليلى…" خرجت الكلمة أخيرًا من فم الأم، بصعوبة، كأنها تمر عبر حافة حادة."أنا… مش هعملك حاجة…"لا رد.لكن…رمشة واحدة.بطيئة.غير متزامنة مع الموقف."سيبيني أقوم بس…" أكملت، وهي تحاول تسحب جسدها قليلًا على الأرض، متجاهلة الألم الذي صرخ داخل ذراعها."نهدى… ونفهم…""تفهمي إيه؟"الصوت جاء هادئًا.بهدوء غير مريح.ليلى لم تتحرك… لكن صوتها خرج وكأنها أقرب."إن بنتك… مش بنتك؟"تجمدت الأم."ولا إنك كنتي شايفة… ومش راضية تصدقي؟"بدأت الأم تهز رأسها ببطء."لا… لا… أنا شايفة بنتي… إنتي بنتي…"ابتسمت ليلى.لكن هذه المرة… الابتسامة كانت صغيرة.محسوب
لم تستغرق ليلى وقتًا طويلًا في التفكير؛ كانت تشعر أن الوقوف على الأعتاب هو الموت بحد ذاته. الصوت الذي خرج من خلف الباب كان واضحًا كأنه يخرج من حنجرتها هي، صدى مألوف لدرجة مرعبة، لكن رغم ذلك، لم تتراجع خطوة واحدة. كانت هناك لحظة صمت قصيرة بين نبضتين متلاحقتين، لحظة قررت فيها بقلب ميت أن التردد لن يفي
لم تختفِ تلك الصورة البشوشة فوراً من مخيلة ليلى؛ الخطوط التي بدأت تتكون على الحائط في الشقة الموازية، شكل الباب الجديد الذي كان يبرز من العدم.. كل ذلك ظل محفوراً في ذهنها كوشم بارد، حتى وهي تتحرك الآن خارج ذلك القبو اللعين. لم تنتظر لترى اكتمال المشهد، ولم تحاول لمسه؛ كان هناك إحساس داخلي، هادئ لكنه
احست ليلي بأرجلها تسمرت وكأنها اسمنت أو أن الأرضية النظيفة بشكل مبالغ فيه قد تحولت إلى صمغ يشدها نحو الأسفل. كان الظل يقترب من فتحة الباب الموارب ببطء يثير الجنون، ومع كل حركة خفيفة، كان الهواء في الشقة "الدافئة" يزداد برودة، برودة لا تشبه شتاء الخارج، بل برودة تنبع من الداخل، من أعماق الذكريات التي
كانت الخطوة التي اتخذتها ليلى ناحية المطبخ محسوبة بدقة؛ لم تكن بطيئة زيادة عن اللزوم لتظهر ضعفها، ولا سريعة بشكل متهور قد يوقعها في فخ مجهول. لكن الصمت الذي خيّم على الشقة بعد ذلك الصوت الوحيد كان مقلقاً أكثر من الضجيج نفسه. وقفت عند مدخل المطبخ، واستندت بكتفها على الإطار الخشبي وهي تتفحص المكان بعي







