LOGIN
إلى من يفتح هذه الصفحات... إلى الغريب الذي يمسك بهذه الأوراق بين يديه، أو يطالع هذه السطور تحت ضوء خافت في منتصف الليل...
قبل أن تبدأ القراءة، وقبل أن تغوص في تفاصيل هذه السطور وتسمح لحروفها أن تتسلل إلى رأسك، لدي تحذير واحد فقط؛ تحذير صريح لا يحتمل التأويل، ولا ينبغي أن تتجاوزه كأنه مجرد تمهيد بلاغي أو مقدمة أسلوبية تُكتب لزيادة التشويق: لا تدخل هذه الرواية وأنت تظن أنك ستخرج منها كما دخلت.
إن الكلمات التي ستطالعها ليست مجرد حبر يُسكب على أوراق، ولا هي مجرد نسج لخيال عابر يُراد منه تزجية الوقت. أنت على وشك العبور فوق جسر خشبي متهالك يربط بين نهارك الآمن، وبين عالم سحيق يتشكل من الظلال والندوب والذكريات المظلمة. عالم لا يرحم الفضوليين، ولا يمنح ملاذًا آمنًا للذين يعتقدون أنهم في معزل عن المأساة لمجرد أنهم يجلسون في طرف الغرفة الدافئ.
هذه ليست حكاية قاتل وضحية بالمفهوم التقليدي السطحي الذي اعتادت الأدبيات الرخيصة أن تقدمه لك. ليست قصّة جريمة عادية تبحث فيها بخطوات مرتبة عن المذنب لتدينه وتستريح، أو تفتش فيها عن البريء لترفع عنه المظلمة وتذهب إلى نومك هادئ البال. لو كنت تبحث عن صراع مريح بين الأبيض والأسود، بين الشر المطلق والخير النقي، فأغلق هذا الكتاب فورًا. عد إلى حياتك الساكنة، واكتفِ بما تعرفه عن العالم من حولك.
هنا، في الحكايات المنسوجة من الألم الحقيقي، لا توجد خطوط فاصلة واضحة. ستجد أسئلة شائكة بلا إجابات سهلة، وقرارات حادة وقاسية ستجعلك تتردد مرارًا بين مفهوم الصواب والخطأ. ستجد نفسك واقفًا في مساحة رمادية خانقة؛ مساحة لا يمكنك فيها اتخاذ موقف مريح دون أن تشعر أنك تضحي بجزء من إنسانيتك، أو تساوم على جزء من منطقك.
قد تغضب من شخصية حتى يغلي الدم في عروقك، وتتمنى لها العقاب العاجل، ثم تطوي الصفحة لترتطم بحقيقة دافنة تجعلك تفهمها، تفهم لماذا تصرفت بهذه القساوة، وكيف أصبحت تلك الندوب عميقة إلى هذا الحد. قد تكره شخصًا من كل قلبك، وتراه مجسدًا للشر والخيانة، ثم تكتشف مع الوقت أن خلف هذا القناع البارد قصة لم تكن تعرف عنها شيئًا؛ قصة تم تهشيم أركانها حجرًا بحجر حتى لم يبقَ من صاحبها سوى أطلال إنسان.
وقد تجد نفسك، في لحظة خالية من الادعاء، تتساءل في سِرّك بكل خوف وذهول: هل الإنسان يُحكم عليه بما فعله فقط؟ أم بما اضطر أن يصبح عليه تحت وطأة الظروف والآلام التي لم يخترها؟
هل تتحدد قيمة المدى الإنساني باللحظة الأخيرة التي يسقط فيها الخنجر، أم بالسنوات الطويلة التي قضاها صاحب الخنجر وهو ينزف في الصمت حتى تشوه عقله ووجدانه؟ هل نحن نتاج أفعالنا المباشرة، أم نحن الضحايا المؤجلون للقرارات التي اتُخذت في حقنا ونحن أطفال لا نملك خيارًا ولا صوتًا؟
لكنني سأحذرك من شيء آخر، شيء أكثر رعبًا وأعمق أثرًا...
أنت لا تقرأ فقط عن ضحية استدعت قاتلها بملء إرادتها... بل إنك، مع كل صفحة تقلبها، ومع كل نفس تأخذه وأنت تتوغل في عمق هذا النص، ستقترب أكثر فأكثر من لحظة فارقة قد تجد فيها نفسك تستدعي "قاتلك" أنت أيضًا...
ليس قاتلًا يرتدي قناعًا يحجب وجهه، ولا قاتلًا يحمل سلاحًا يلوّح به في عتمة الليل، بل قاتلًا أكثر دقة وشراسة؛ قاتلًا يخرج من أعمق نقطة في داخلك. يخرج من أفكارك المخبأة التي طالما تحاشيت النظر إليها، من أسئلتك المعلقة التي تركتها بلا إجابات لأنك تخشى تبعاتها، ومن مخاوفك العتيقة التي ظننت أنك دفنتها تحت طبقات من الشواغل اليومية والأعذار الواهية.
لأن بعض القصص لا تقتل أجسادنا بالتأكيد... الأجساد تموت مرة واحدة وتنتهي الرحلة. لكن هناك قصصًا تملك القدرة على شيء أكثر قسوة؛ إنها تهدم الجدران والأسوار العالية التي بنيناها بعناية وحرص حول قلوبنا لحمايتها من الانكسار. تجبرنا على الوقوف أمام المرآة دون مساحيق، ودون أغطية، ودون حيل نفسية نختبئ خلفها.
لذلك فكر جيدًا، وتريّث طويلاً قبل أن تكمل القراءة...
فمن هذه اللحظة بالذات، أنت لا تفتح مجرد رواية لتقضية الوقت... أنت تطأ بدمك وأفكارك عالم ليام وميلا؛ ذلك العالم المظلم الذي اختفت منه الحدود الفاصلة بين الألم والانتقام، بين رغبة الموت وصرخة الحياة، وبين القاتل الملطخ بالدماء والشخص الذي يحتاج بشدة إلى من يمد له يد الإنقاذ من القاع.
والآن، وبعد أن أصبحت الصورة واضحة أمامك، اسأل نفسك بصدق شديد...
هل أنت مستعد حقًا لأن تستدعي قاتلك الخفي... وتعرف ما الذي سيبقى منك بعد أن تقابله وجهًا لوجه؟ وهل أنت مستعد أيضًا لمعرفة ماذا يحدث حين يبلغ الضياع حدًا تجعل فيه الضحية تشير إلى قلبها بنفسها... وتستدعي القاتل ليجهز على البقية؟
"لا يبدأ سقوط الإنسان عندما يتلقى الضربة الأولى...بل عندما يصدق أن لا أحد سيأتي إذا صرخ."— لياملم تنم ميلا تلك الليلة.ولم أنم أنا أيضًا.لكن الفرق...أنها كانت تهرب من ذكرياتها.أما أنا...فكنت أحاول أن أفهمها.خرجت من الغرفة مع أول خيط من ضوء الصباح.كانت جالسة في المكان نفسه.الدفتر أمامها.وفنجان القهوة الذي أعدته الليلة الماضية ما زال كما هو.باردًا.لم ترفع رأسها عندما سمعت خطواتي.قالت بصوت خافت:— "اليوم لن أقرأ كثيرًا."جلست أمامها.— "لماذا؟"مررت أصابعها على غلاف الدفتر.— "لأن الصفحات التالية..."توقفت.— "لا أحب حتى أن ألمسها."لم أقل شيئًا.دفعت الدفتر نحوي.— "اقرأ أنت."أخذته ببطء.كانت أول مرة تسلمني الدفتر دون أن تفتحه بنفسها.عرفت أن الكلمات أصبحت أثقل من قدرتها على حملها.فتحت الصفحة.كان الخط مختلفًا.مرتبكًا.غير منتظم.وكأن اليد التي كتبته لم تكن ثابتة.بدأت أقرأ."بعد لقائي بإيفان...""اختفى مرة أخرى.""ولم يحاول الاتصال بي.""ولم أر أحدًا من رجاله.""حتى بدأت أقنع نفسي أن الأمر انتهى."توقفت.ابتسمت بسخرية.قلت:— "دائمًا يفعلون ذلك."رفعت ميلا رأسها.— "ما
"هناك أشخاص يطرقون باب حياتك...وهناك أشخاص يقتلعون الباب من مكانه ثم يسألونك لماذا أصبحت تخاف من الأصوات"— لياماستيقظت قبل شروق الشمس.هذه عادتي.القتلة لا ينامون جيدًا.ليس بسبب تأنيب الضمير.ذلك الشعور يموت مبكرًا إذا بقيت طويلًا في هذه المهنة.بل لأنك تتعلم أن النوم الطويل قد يكون آخر شيء تفعله.خرجت من الغرفة.كانت رائحة القهوة تملأ المكان.رفعت حاجبي.— "استيقظتِ مبكرًا"كانت ميلا تقف أمام الموقد.أجابت دون أن تلتفت.— "لم أنم أصلًا"اقتربت.وضعت كوبين على الطاولة.دفعت أحدهما نحوي.— "قهوة سوداء"نظرت إليها.— "كيف عرفتِ أنني أشربها هكذا؟"ابتسمت لأول مرة منذ أيام.— "وجهك يقول إن السكر لا يناسبك"جلست.ارتشفت رشفة صغيرة.— "وجهك يبالغ"ضحكت بخفة.ضحكة قصيرة...لكنها كانت حقيقية.الغريب...أنني لم أعد أستغرب عندما أسمعها تضحك.وهذا أمر سيئ.كلما اعتدت وجود شخص...أصبح فقدانه أسهل في كسر شيء داخلك.ولهذا كنت أتجنب الاعتياد.دائمًا......قالت وهي تقلب صفحات الدفتر:— "اليوم سأخبرك بما حدث بعد ذلك"أشرت إلى الدفتر.— "الجزء الذي قلتِ إنه غيّر كل شيء؟"هزت رأسها.— "نعم"ثم أضاف
"الهروب لا يعني دائمًا أنك ضعيف...أحيانًا تهرب لأنك تعرف أن المعركة غير عادلةلكن يأتي يوم تدرك فيه أن استمرار الهروب سيجعلك تخسر نفسك" — ليامفتحت ميلا الدفتر.لكنها لم تبدأ بالقراءة مباشرة.بقيت تنظر إلى العنوان المكتوب أعلى الصفحة."اليوم الذي قررت فيه ألا أهرب بعد الآن"قلت:— "يبدو أن هذا اليوم كان مختلفًا"ابتسمت ابتسامة خفيفة.— "كان كذلك"— "هل لأنك أصبحت أقوى؟"نظرت إليّ.— "لا"استغربت.— "إذن؟"أغلقت الدفتر للحظة.— "لأنني تعبت"سكتُّ.ثم قلت:— "أحيانًا التعب يجعل الإنسان يتوقف عن الخوف"هزت رأسها.— "بالضبط"...بدأت القراءة."استيقظت في ذلك الصباح وأنا أشعر أن شيئًا تغير""لم أكن شجاعة...""ولم أكن أعرف ماذا سأفعل...""لكنني كنت متأكدة من شيء واحد""أنني لا أريد أن أعيش وأنا أنظر خلفي كل دقيقة"توقفت.نظرت إليها.— "ماذا فعلتِ؟"قالت:— "ذهبت إلى الشرطة"ساد الصمت.رفعت حاجبي.— "بعد كل هذا الوقت؟"هزت رأسها.— "كنت أحتاج أن أحاول"قلت:— "حتى لو كنتِ تعرفين أنهم قد لا يفعلون شيئًا"— "نعم"— "لماذا؟"نظرت إلى الدفتر.— "لأنني
"هناك رجال يظنون أن الرفض مجرد تأخير للموافقة...وهؤلاء أخطر من الذين يهددونك منذ البداية" — ليامأغلقت الدفتر.لم أتحدث.ولم تتحدث ميلا.بقيت الكلمة الأخيرة تدور في رأسي."ولم يكن معتادًا أن يرفضه أحد"نظرت إليها.— "ماذا فعل بعد أن رفضتِ؟"أخذت نفسًا طويلًا.ثم قالت:— "لا شيء..."رفعت حاجبي.— "لا شيء؟"ابتسمت بمرارة.— "في ذلك اليوم"...فتحت الدفتر من جديد."في صباح اليوم التالي، أقنعت نفسي أن الموضوع انتهى...""قلت لنفسي إنه سيشعر بالإحراج، وسينسى الأمر كما ينسى الناس أي موقف عابر""كنت مخطئة..."توقفت عن القراءة.قلت:— "لأنه عاد"هزت رأسها.— "بل لأنه لم يرحل أصلًا"ساد الصمت.قالت:— "عندما وصلت إلى المقهى..."توقفت.— "كانت السيارة السوداء هناك"قلت:— "السيارة نفسها"— "نعم"— "والرجلان؟"— "واقفان في المكان نفسه"وضعت الدفتر على الطاولة.— "لاحظتِ الأمر أخيرًا"ابتسمت.— "بدأت ألاحظ... لكنني لم أفهم"قلت:— "لأنك لم تكوني تعرفين كيف تبدو الحماية الخاصة"استغربت.— "عرفتها أنت مباشرة"ابتسمت ابتسامة خفيفة.— "هذه لي
"الناس يعتقدون أن النجاة تعني أن تخرج من المكان الخطأ...لكنهم ينسون أن المكان قد يخرج معك" — لياماستيقظت قبل شروق الشمس.عادةً لا أنام أكثر من أربع ساعات.ليست عادة صحية...لكنها مناسبة لشخص يعمل في مهنة قد يموت فيها إن نام بعمق.جلست على طرف السرير.نظرت إلى المسدس فوق الطاولة.ابتسمت.الغريب...أنه للمرة الأولى منذ سنوات، لم يكن أول شيء أفكر فيه بعد الاستيقاظ.بل كان سؤالًا آخر.هل نامت ميلا جيدًا؟تنهدت.قلت لنفسي:"ممتاز يا ليام... بدأت تقلق على الشخص الذي كان من المفترض أن تقتله"غسلت وجهي.ثم اتجهت إلى المطبخ.فتحت الثلاجة.أغلقتها.فتحتها مرة ثانية.أغلقتها مرة أخرى.قلت بصوت منخفض:— "واضح أنني أعيش وحدي منذ فترة طويلة"لا يوجد إلا أشياء لا تصلح لأن تُسمى طعامًا.بيض.خبز.قهوة.وزجاجة ماء.وهذا يكفي بالنسبة لي.لكن...يوجد ضيفة في المنزل.وقفت أفكر.ثم هززت رأسي.— "لن تموت إن أكلت بيضًا"بدأت أحضر الفطور.بعد دقائق...سمعت صوت خطوات خفيفة في الممر.لم ألتفت.عرفت أنها هي.قالت بصوت ما زال يحمل أثر النوم:— "صباح الخير"و
"الإنسان يستطيع أن يخفي جرحًا في جسده لسنوات... لكن جرحًا واحدًا في ذاكرته قد يغير طريقة نظره للعالم كله" — ليامفي صباح اليوم التالي...استيقظت قبل أن يرن المنبه.وهذا نادر.عادةً أنا من يقرر متى يبدأ يومي.لكن هذه المرة...كان هناك شيء آخر سبقني.فضول.الكلمة لم تعجبني.الفضول يجعل الإنسان يتدخل في أشياء لا تخصه.وأنا قضيت حياتي أتجنب ذلك.لكن ميلا...كانت استثناءً لم أطلبه.خرجت من غرفتي.وجدتها جالسة في المطبخ.أمامها كوب قهوة.نظرت إليّ.— "صباح الخير"توقفت.لم أتوقعها.— "صباح الخير؟"ابتسمت.— "نعم"— "أنتِ تقولينها وكأننا نعيش حياة طبيعية"نظرت إلى الكوب.— "أحاول"— "لماذا؟"رفعت عينيها.— "لأنني تعبت من أن تكون كل أيامي غير طبيعية"لم أجب.جلست.كان الدفتر بجانبي.نظرت إليه.ثم إليها.— "سنكمل؟"هزت رأسها.— "إذا كنت تريد"فتحت الصفحة التالية."لم أكره الميتم في البداية"قرأت الجملة بصوت منخفض.نظرت إليها.— "لم تكرهيه؟"هزت رأسها.— "لا"— "لماذا؟"ابتسمت بحزن.— "لأن الطفل لا يعرف دائمًا أن المكان سيئ"— "ماذا







