Share

154

last update publish date: 2026-09-21 10:53:17

[ خلف نافذة المخبز]

عاد لوكا إلى الفندق في وقت متأخر من الليل.

كان الصمت يحيط به منذ أن خرج من الحفلة، لكن أفكاره كانت أكثر ضجيجًا من أي وقت مضى.

دخل غرفته، خلع معطفه ووضعه جانبًا، ثم اتجه مباشرة إلى الحمام.

وقف تحت الماء الدافئ طويلًا.

كان يحاول أن يهدئ رأسه.

لكن كلما أغمض عينيه، ظهر أمامه وجه أيان.

ثم وجه سولي.

ثم السؤال الذي ظل يطارده:

كيف عاشت خمس سنوات كاملة وهي تخفي عنه ابنه؟

أغلق صنبور الماء.

مسح وجهه، وخرج وارتدى ملابس بسيطة.

حاول أن ينام.

جلس على حافة السرير.

ثم استلقى.

لكن بعد دقائق قليلة فتح عينيه مجددًا.

لم يستطع.

كان الشوق إليها أقوى من قدرته على البقاء بعيدًا.

نهض.

ارتدى معطفه.

التقط مفاتيحه.

وفي اللحظة التي خرج فيها من الغرفة، اتخذ قرارًا واضحًا:

لن يدخل المخبز.

لن يواجهها.

لن يطلب منها شيئًا.

سيكتفي برؤيتها.

فقط ليتأكد أنها بخير.

---

وصل إلى الحي الذي أخبره مارك عنه.

كانت الشوارع شبه خالية.

مصابيح صغيرة تضيء الأرصفة، والهواء البارد يمر بين الأبنية القديمة.

أوقف لوكا السيارة على مسافة من المخبز.

ترجل منها.

ثم سار ببطء.

كان المخبز مغلقًا من الخارج.

لكن الضوء بقي مضاءً في الداخل.

وقف لوكا على الجانب الآخر من الشارع.

نظر من خلال الواجهة الزجاجية.

كانت سولي هناك.

وحدها.

بعد أن ذهب أيان مع جدتها، بقيت لترتب المكان.

كانت ترتدي مئزرًا بسيطًا، وشعرها الأسود مربوطًا إلى الخلف بطريقة عملية.

كانت تضع قطع المعجنات في صوانٍ جديدة، ثم تعود إلى الطاولة لتجهز بعض الحلويات لليوم التالي.

بدت هادئة.

مطمئنة.

وكأنها تنتمي إلى ذلك المكان منذ سنوات طويلة.

بقي لوكا يراقبها.

لم يقترب.

لم يرفع يده إلى الباب.

فقط وقف بعيدًا.

كل حركة منها كانت تعيد إليه ذكريات قديمة.

طريقة انحنائها فوق الطاولة.

ابتسامتها الصغيرة عندما تنجح في ترتيب شيء.

حتى طريقتها في رفع شعرها عن وجهها عندما يزعجها.

همس:

— ما زلتِ كما أنتِ...

ثم ابتسم بحزن.

لكن هذه المرة لاحظ شيئًا آخر.

سولي بدت مختلفة أيضًا.

لم يكن في وجهها ذلك التوتر الذي عرفه في السنوات الأخيرة.

كانت أهدأ.

وكان هناك شيء في ملامحها يشبه السلام.

راقبها وهي ترفع صينية صغيرة وتضعها خلف الزجاج.

ثم توقفت فجأة.

وضعت يدها على الطاولة وأخذت نفسًا عميقًا.

بقي لوكا يراقبها بقلق.

ثم ظهرت على وجهها ابتسامة صغيرة عندما نظرت إلى صورة معلقة بالقرب من صندوق الحساب.

لم يستطع رؤية الصورة من مكانه.

لكنه خمن أنها ربما صورة أيان.

خفض عينيه لحظة.

كانت تلك الابتسامة تخص ابنها.

طفلهما.

وشعر بشيء دافئ ومؤلم في الوقت نفسه.

ثم رفع عينيه إليها من جديد.

كانت سولي قد بدأت تطفئ الأنوار واحدة تلو الأخرى.

انخفض الضوء داخل المخبز.

وبقي مصباح صغير فوق الطاولة.

اقتربت من الباب، وأغلقته بالمفتاح.

ثم رفعت رأسها.

لثانية واحدة فقط...

نظرَت إلى الشارع.

تجمد لوكا.

تراجعت خطواته غريزيًا إلى الخلف، واختبأ خلف زاوية أحد المباني.

لم يعرف لماذا فعل ذلك.

ربما لأنها لم تكن مستعدة لرؤيته.

وبالفعل...

بعد لحظات، أغلقت سولي الستارة.

اختفت خلفها.

ظل لوكا واقفًا مكانه.

ثم أخرج هاتفه.

فتح الشاشة.

ظل ينظر إلى اسمها طويلًا.

كان يستطيع أن يتصل.

كان يستطيع أن يطرق الباب.

لكنه لم يفعل.

أعاد الهاتف إلى جيبه.

— سأعود...

قالها لنفسه.

ثم نظر إلى المخبز مرة أخيرة.

— لكن عندما تكونين مستعدة.

استدار وغادر.

ومع ابتعاده عن المكان، كانت هناك نافذة صغيرة في الطابق العلوي من المبنى المقابل أضيئت.

لم يرَها لوكا.

ولم يعرف أن سولي كانت تقف خلفها.

كانت قد رأت شخصًا يقف بعيدًا عن المخبز.

لم تعرف من هو في البداية.

لكن الطريقة التي وقف بها...

وطوله...

وشكله من الخلف...

جعلت قلبها يخفق بقوة.

وضعت يدها على صدرها.

ثم همست:

— لوكا؟

لكن عندما أعادت النظر...

كان قد اختفى.

وبقيت واقفة أمام النافذة.

لا تعرف إن كانت قد رأته فعلًا...

أم أن قلبها كان يخشى أن يكون هو.

وفي مكان آخر من الشارع، كان لوكا يقود سيارته ببطء.

لأول مرة منذ خمس سنوات...

شعر أن سولي لم تعد مجرد ذكرى.

لقد أصبحت قريبة جدًا.

وكان ابنه أيضًا على بعد خطوات منه.

لكن السؤال الأصعب لم يعد:

كيف يجد سولي؟

بل:

كيف يدخل حياتها من جديد دون أن يهدم السلام الذي بنته طوال خمس سنوات؟

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين أحببتكِ متأخرًا    .

    🥹❤️‍🩹 يا أصدقائي، بدي آخد رأيكم بشغلة مهمة! بعد الأحداث الأخيرة، وخصوصًا بعد ما اكتشفنا إن الحياة السعيدة اللي عاشها لوكا مع سولي وأيان كانت مجرد حلم، صرت أفكر بمسار الرواية ونهايتها. بصراحة، كنت مخططة من البداية إن قصتهم تكون سعيدة، وإن أيان يعيش قصة حب خاصة فيه مع ثيا، لكنني قررت أغيّر المسار وأجعل الأحداث أكثر حزنًا وتأثيرًا. والآن بدي أعرف رأيكم أنتم! 🥺 أي مسار بتحبوا نكمل فيه الرواية؟ 💔 الخيار الأول: نكمل بالنهاية الحزينة، ونعيش مع لوكا تبعات خسارته لسولي وأيان، ونكتشف كيف رح يكمل حياته بعد كل هالسنين. ❤️‍🩹 الخيار الثاني: نغيّر مسار الرواية، ونرجع لفكرة المستقبل السعيد اللي كنت مخططة إله، ونمنح الشخصيات فرصة تعيش الحب والحياة اللي حلمت فيها. 💌 شاركوني رأيكم بالتعليقات، واحكولي ليش اخترتوا هالمسار. رأيكم مهم بالنسبة إلي، وبحب أعرف كيف أثّرت فيكم الأحداث الأخيرة! [اتمنى سماع ارائكم كي أشعر أنه هناك حقاً من يقرأ روايتي وليس كأني اكتبها دون أن يقرئها أحد ،أردت فقط أخبركم أنها من الرويات القريبة إلي قلبي لذالك أحببت أن انقشها معكم، وشكراً لكل من سايعطين رئيه.]❤️‍?

  • حين أحببتكِ متأخرًا    199

    [عشر سنوات من دونكما] فتح لوكا عينيه ببطء. ظلّ مستلقيًا في مكانه، يحدق في السقف بصمت، بينما كان ضوء الصباح يتسلل من بين الستائر ويرسم خطوطًا باهتة فوق الجدران. احتاج إلى بضع ثوانٍ حتى يستوعب أين هو. ثم أدار رأسه نحو الجانب الآخر من السرير. كان فارغًا. لم تكن هناك سولي. لا شعرها الأسود المنسدل فوق الوسادة، ولا ملامحها الهادئة التي اعتاد أن يتأملها في أحلامه، ولا ابتسامتها الصغيرة التي كانت تظهر كلما ناداها باسمها. مدّ يده نحو المكان الذي تخيلها نائمة فيه. لم تلامس أصابعه سوى الملاءة الباردة. توقفت يده في الهواء للحظة، ثم أنزلها ببطء. عاد الصمت. ذلك الصمت الذي عرفه جيدًا، حتى صار جزءًا من حياته. أغمض عينيه مجددًا، محاولًا الاحتفاظ ببقايا الحلم قبل أن تتلاشى تمامًا. قبل لحظات، كانت سولي بين ذراعيه. كان الخاتم يلمع في إصبعها، وكانت تضحك وهي تتهمه بأنه رجل مزعج لا يعرف كيف يتوقف عن مفاجأتها. كانت قد وافقت على الزواج منه مرة أخرى. كانا قد تحدثا عن منزلهما الجديد، وعن مخبزها، وعن الغرفة التي أراد تخصيصها لأيان، وعن الصباحات العادية التي تمنّيا أن يعيشاها معًا. وكان أيان هنا

  • حين أحببتكِ متأخرًا    198

    [ ليلةٌ تشبه الوعد] استمر لوكا وسولي في السير بين أحواض التوليب لبعض الوقت. كانت أصابعهما متشابكة، والخاتم الجديد يلمع في إصبع سولي كلما مرّا تحت أحد الفوانيس الصغيرة. وبين حين وآخر، كانت ترفع يدها أمام عينيها لتتأمله من جديد، وكأنها لا تزال تحاول استيعاب أن الرجل الذي راكع أمامها منذ دقائق هو نفسه لوكا فيتالي الذي ارتبطت به يومًا بقرار لم يكن لها فيه رأي. لاحظ لوكا حركتها للمرة الثالثة، فابتسم. — أعتقد أنكِ نظرتِ إلى الخاتم مرات أكثر مما نظرتِ إليّ منذ وافقتِ. رفعت سولي رأسها بسرعة. — هذا غير صحيح! — حقًا؟ — نعم. خفض عينيه إلى يدها. — إذًا، هل تسمحين لي بأن أصدقكِ؟ أخفت سولي يدها خلف ظهرها، وقد احمر وجهها. — أنت مزعج! ضحك لوكا، ثم اقترب منها قليلًا. — ومع ذلك، وافقتِ على الزواج مني مرة أخرى. — لا تجعلني أغيّر رأيي. رفع يديه مستسلمًا، لكن ابتسامته لم تختفِ. — لن أفعل. لقد احتجت إلى شجاعة كبيرة كي أطلب منكِ ذلك، ولا أنوي المخاطرة بكل شيء بسبب مزحة. توقفت سولي عن الابتسام للحظة، ونظرت إليه بتمعّن. كان يمزح معها، نعم، لكنها لاحظت أن صوته يحمل صدقًا عميقًا حين يتحدث عن

  • حين أحببتكِ متأخرًا    197

    [ هذه المرة... لأن قلبي اختاركِ] كانت الشمس تميل نحو الغروب عندما دخلت سيارات عائلة فيتالي إلى ساحة القصر. بعد يوم طويل في المحكمة، بدا الجميع وكأنهم يحملون فوق أكتافهم تعب شهر كامل، لا مجرد ساعات قليلة. ورغم أن الحكم قد صدر، وأن مورفون لم يعد حرًّا كما كان، فإن ما مرّت به العائلة لم يكن أمرًا يمكن نسيانه ببساطة. لكن وسط ذلك التعب، كان هناك شعور جديد يتسلل إلى القلوب. شعور بأنهم يستطيعون أخيرًا أخذ نفس عميق دون انتظار تهديد آخر. ما إن توقفت سيارة لوكا حتى فُتح الباب الرئيسي للقصر، وظهرت جدة سولي عند المدخل. كانت تقف قرب الدرج، ترتدي ثوبًا أنيقًا وشالًا خفيفًا على كتفيها، وملامحها تحمل قلقًا لم تستطع إخفاءه منذ الصباح. وعندما رأت سولي تنزل من السيارة ممسكة بيد أيان، تغير وجهها فورًا. — سولي! تقدمت بسرعة نحوهم. تركت سولي يد لوكا للحظة، وأسرعت إلى جدتها، ثم ارتمت بين ذراعيها. — جدتي... احتضنتها المرأة بقوة، وراحت تربت على ظهرها. — الحمد لله أنكِ عدتِ يا ابنتي. أغمضت سولي عينيها، واستندت إلى كتفها للحظات. لم تكن بحاجة إلى أن تسألها جدتها عما حدث داخل المحكمة؛ فق

  • حين أحببتكِ متأخرًا    196

    [ الحكم الأخير: العدالة من أجل أيان] بعد مرور شهر مرّ شهر كامل منذ اليوم الذي أُخرج فيه مورفون من قصر فيتالي تحت حراسة السلطات. شهرٌ لم يكن عاديًا بالنسبة إلى أيٍّ منهم. ففي الخارج، تحولت القضية إلى واحدة من أكبر القضايا التي شهدتها إيطاليا في السنوات الأخيرة. انتشرت الأخبار في الصحف والقنوات التلفزيونية، وتناقلت وسائل الإعلام تفاصيل اختطاف طفل من داخل قصر عائلة فيتالي، والتقارير الطبية المزورة، والمستشفى الخاص الذي استُخدم لإخفاء مخطط غير قانوني، إضافةً إلى التحقيقات التي كشفت عن صلات محتملة بين مورفون وشبكات إجرامية. ولم تتوقف المفاجآت عند ذلك. فمع استمرار التحقيق، ظهرت وثائق قديمة وشهادات جديدة أعادت فتح ملف وفاة إيدريان ميرافيل وزوجته. بدأت الأدلة تشير إلى أن رفض إيدريان استخدام شركته في عمليات غير قانونية كان أحد الأسباب التي دفعت مورفون إلى الانتقام منه، وأن القضية التي ظن الجميع أنها أُغلقت منذ سنوات لم تكن سوى سرٍّ دُفن تحت النفوذ والخوف. لكن هذه المرة، لم يكن مورفون قادرًا على إغلاق الملف كما فعل سابقًا. كان خلف القضبان، ينتظر المحاكمة. وكانت الأدلة تُعرض تباعًا أمام

  • حين أحببتكِ متأخرًا    195

    [من أجل أيان... سأسقط إمبراطورية كاملة] كان الليل قد انتصف تقريبًا، ومع ذلك لم يكن أحد في القصر مستعدًا للنوم. بعد عودة أيان، تحولت الغرفة إلى مكان يعجّ بالحركة الهادئة. كان الطبيب يطمئن إلى حالته بين حين وآخر، وأحضرت الخادمة له ملابس نظيفة وبطانية ناعمة، بينما بقيت سولي إلى جانبه، لا ترفع عينيها عنه إلا لتتأكد من أن صدره الصغير ما زال يرتفع وينخفض بانتظام. أما لوكا، فكان يقف قرب النافذة صامتًا. لم يستطع أن ينسى المشهد الذي رآه في المستشفى. ابنه الصغير، الذي كان يركض في الصباح حاملًا رسوماته ويطلب منه أن يلعب معه، مستلقيًا بلا حراك على سرير بارد، بينما كان غرباء يستعدون لارتكاب أمر لا يُغتفر بحقه. كلما تذكر ذلك، اشتدّ فكّه وانقبضت يداه. لكنه لم يسمح لغضبه بأن يطغى على اللحظة الوحيدة التي كان ينتظرها منذ ساعات طويلة. أن يستيقظ أيان، وينظر إليه بعينيه الصغيرتين، ويناديه مرة أخرى: أبي. --- تحرك أيان تحت البطانية، ثم فتح عينيه ببطء. كانت عيناه لا تزالان مثقلتين، وملامحه الصغيرة تحمل آثار التعب. كان أول ما رآه وجه أمه. كانت سولي جالسة قربه، تمسك يده بين كفّيها، وما إن لاحظت أ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status