ログインأومأ سيف.
"ليكن." أخرج شهاب هاتفه واتصل برزان. بعد عدة رنات، جاءه صوتها الهادئ. "مرحبًا يا شهاب." ابتسم وقال: "مساء الخير يا رزان." "مساء النور." "يسرني دعوتك إلى عشاء عمل غدًا لمناقشة مشروعك." تسارعت نبضات قلب رزان فور سماعها كلمة مناقشة. لم تستطع أن تعرف من نبرة صوته إن كان الخبر سارًا أم لا. سألته بهدوء حاولت أن تخفي خلفه توترها: "هل هناك قرار؟" ضحك شهاب بخفة. "ستعرفين كل شيء عندما نلتقي." ثم أرسل إليها عنوان المطعم وموعد اللقاء. أنهت المكالمة، وظلت تحدق في شاشة هاتفها لثوانٍ. همست لنفسها: "يبدو أن لحظة الحقيقة قد حانت" في مساء اليوم التالي... وقفت رزان أمام مرآتها. اختارت فستانًا أنيقًا بلون كحلي هادئ، ونسقت معه حقيبة صغيرة وحذاءً بكعب متوسط، واكتفت بتسريحة انيقة ومكياج خفيف. كانت تؤمن أن الانطباع الأول لا تصنعه الكلمات وحدها، بل الاهتمام بالتفاصيل أيضًا. ألقت نظرة أخيرة على نفسها، ثم حملت حقيبتها وغادرت وصلت إلى المطعم قبل الموعد بدقائق. أوقفت رزان سيارتها أمام المطعم، وما إن نزلت منها حتى توقفت سيارة سوداء فاخرة بجوارها. لم تحتج إلى النظر طويلًا لتعرف صاحبها. خرج سيف من السيارة بهدوء، وأغلق الباب خلفه قبل أن يتجه نحوها بخطوات ثابتة. كان كعادته... هادئًا أكثر مما ينبغي، يحمل ذلك الحضور الذي يجعل من حوله ينتبهون إليه دون أن يحاول جذب الأنظار. التقت عيناه بعينيها. لثوانٍ، لم يقل أيٌّ منهما شيئًا، وكأن كل واحد منهما كان يحاول قراءة الآخر. اقترب سيف قليلًا، وقال بصوته الهادئ: "مساء الخير، آنسة رزان." ابتسمت رزان ابتسامة صغيرة، وهي تحاول ألا تُظهر فضولها تجاه هذا الرجل الذي يصعب فهمه: "مساء الخير، سيد سيف." اكتفى سيف بابتسامة خفيفة لم تكشف شيئًا، ثم أشار نحو مدخل المطعم: "أظن أنهم بانتظارنا." سارت رزان إلى جانبه، محافظة على هدوئها، لكنها لم تستطع تجاهل ذلك الشعور بأن سيف لم يكن شخصًا عاديًا... فهناك شيء في طريقته، في صمته، وحتى في نظراته، يجعلها ترغب في معرفة المزيد عنه. دخلا المطعم معًا، وقادهما الموظف إلى القاعة الخاصة المحجوزة مسبقًا. وبعد دقائق، وصل شهاب وفادي، فتبادل الجميع التحية وجلسوا حول الطاولة. مر العشاء في أجواء هادئة، تبادلوا خلالها أطراف الحديث بعيدًا عن العمل. وبعد أن انتهوا من تناول الطعام، طلب شهاب القهوة، بينما طلبت رزان كوبًا من الشاي. أدركت أن الحديث الجاد قد حان. وضع شهاب فنجانه على الطاولة، ثم ابتسم وهو ينظر إليها. "حسنًا يا رزان..." "برأيك، ماذا سيكون قرارنا؟" ابتسمت رزان ابتسامة هادئة، وقالت بثقة: "بصراحة... لا أعلم." ثم أضافت: "لكنني سأحترم قراركم، مهما كانت النتيجة." تبادل الثلاثة النظرات فيما بينهم. ثم قال شهاب بابتسامة واضحة: "إذن... أعتقد أن الوقت قد حان." توقف للحظة قبل أن يكمل: "مبروك يا رزان." اتسعت عيناها. "لقد وافقنا على التعاون معك." شعرت أن قلبها يخفق بقوة. وللحظة، لم تستطع أن تنطق بكلمة. كانت هذه اللحظة التي حلمت بها منذ أشهر طويلة. لكن سيف قطع الصمت بهدوئه المعتاد. "على أن يكون التعاون وفق مجموعة من الشروط." استعادت رزان هدوءها سريعًا، ثم قالت بثقة: "أنا أستمع." قال سيف: "أولًا، ستُجرى جميع اختبارات الجودة والثبات والسلامة الخاصة بمنتجاتك داخل مختبرات شركة رأفت، ولن يُطرح أي منتج في الأسواق قبل اجتياز جميع الاختبارات بنجاح." ثم تابع: "ثانيًا، سنوقع اتفاقية لحماية الملكية الفكرية، تضمن الحفاظ على سرية تركيباتك، كما تضمن في الوقت نفسه سرية جميع البيانات والنتائج التي تتم داخل مختبراتنا." أومأت رزان موافقة. فأكمل: "ثالثًا، سيخصص فريق من قسم الأبحاث لمتابعة المشروع معك خطوة بخطوة، وإذا استدعت أي تركيبة تعديلًا علميًا لتحسين جودتها، فسيكون ذلك بالتنسيق الكامل معك." ثم نظر إليها مباشرة وقال: "وأخيرًا..." "إذا أثبتت الاختبارات أن أي منتج لا يحقق معايير الجودة التي تعتمدها شركتنا، فسيعاد تطويره وإخضاعه للاختبارات مرة أخرى، ولن يُسمح بطرحه مهما كانت تكلفته أو الوقت الذي استغرقه تطويره." ساد الصمت للحظات. ثم ابتسمت رزان بثقة وقالت: "هذه ليست شروطًا تعيقني..." "بل هي الضمان الحقيقي لنجاح المشروع." نظرت إلى سيف مباشرة وأضافت: "وأوافق عليها جميعًا." ابتسم شهاب وهو يضرب الطاولة بخفة. "كنت أعلم أنك ستقولين ذلك." أما سيف، فاكتفى بابتسامة صغيرة لم تدم سوى لحظة. ثم قال: "إذن... مرحبًا بكِ شريكةً لنا في هذه المرحلة من مشروعك، ونتمنى أن يكون هذا التعاون بداية نجاح طويل للطرفين." ابتسمت رزان، وشعرت أن حلمها الذي بدأ بفكرة صغيرة على ورقة... قد بدأ يتحول أخيرًا إلى واقع. بعد انتهاء الاجتماع، اتفقت رزان مع سيف وشهاب على تحديد موعد في صباح اليوم التالي لتوقيع عقد التعاون الرسمي بين الطرفين، ومناقشة جميع بنوده بالتفصيل. وقد أوكل سيف مهمة إعداد العقد إلى المستشار القانوني للشركة، الأستاذ خالد، ليضمن أن تحفظ بنوده حقوق الطرفين وتوضح التزاماتهما منذ بداية التعاون. بعدها نهض الجميع من أماكنهم. صافحت رزان كلًا من فادي وشهاب، ثم صافحت سيف قائلة بابتسامة هادئة: "أشكركم على ثقتكم. سأبذل كل ما بوسعي حتى لا أخيب ظنكم." أجابها سيف بنبرة هادئة: "نحن أيضًا نتطلع إلى تعاون ناجح." تراجعت رزان بخطوات هادئة، ثم غادرت المطعم. وفي اللحظة التي وصلت فيها إلى الباب، التفتت دون أن تعرف السبب، لتجد سيف ينظر نحوها للحظة قبل أن يعيد انتباهه إلى الحديث مع شهاب. لم تكن النظرة طويلة، لكنها بقيت عالقة في ذهنها أكثر مما توقعت. ابتسمت بخفة وهي تهز رأسها، محاولة طرد ذلك الشعور الغريب، ثم تابعت طريقها.في الجهة الأخرى من المدينة... كان مازن يجلس في مكتبه الفخم. دخل عليه أحد مساعديه ووضع أمامه تقريرًا ماليًا. قال الرجل: "يبدو أن شركة رأفت تجاوزت الأزمة." أغلق مازن الملف بهدوء. ثم ابتسم ابتسامة خفيفة. "كنت أعلم أن عبد الرحمن سيتدخل." سأله مساعده باستغراب: "ألا يزعجك ذلك؟" هز مازن رأسه نافيًا. "في عالم الأعمال..." "كل إنسان يبحث عن مصلحة شركته." ثم نهض من مكانه متجهًا نحو النافذة. "لقد قدمت عرضًا، وهو رفضه." "وانتهى الأمر." توقف للحظة، ثم أردف بصوت منخفض: "لكن يبدو أن عبد الرحمن ما زال يؤمن بأن الصداقة أهم من المال." ولم يعلّق بعدها بكلمة. مرت الأعوام... وتوسعت شركة رأفت أكثر من أي وقت مضى. واستعادت مكانتها في السوق. وفي مساء أحد الأيام... كان حسن رأفت وعبد الرحمن الكيلاني يجلسان في حديقة المنزل، يحتسيان القهوة كالعادة. قال حسن وهو يبتسم: "أتعلم؟" "كلما نظرت إلى هذه الشركة..." "أتذكر اليوم الذي أنقذتني فيه." ضحك عبد الرحمن. "أما زلت تتذكر؟" نظر إليه حسن باستغراب. "وهل ينسى الإنسان من وقف معه حين أدار الجميع ظهورهم له؟" ساد بينهما صمت مريح. ثم قال حسن:
الرئيس التنفيذي للشركة آنذاك. رفع نظره ببطء نحو المجتمعين. ثم قال بثبات: "شركة رأفت لم تسقط طوال ثلاثين عامًا... ولن تسقط اليوم." ساد الصمت مجددًا. لكن الجميع كان يدرك أن الكلمات وحدها لم تعد تكفي في اليوم التالي... وصلت إلى مقر الشركة سيارة سوداء فاخرة. ترجل منها رجل في الأربعينيات من عمره، يرتدي بدلة أنيقة، تعلو وجهه ابتسامة يصعب تفسيرها. كان ذلك... مازن مازن. أحد أبرز رجال الأعمال في البلاد، وصاحب مجموعة استثمارية ضخمة توسعت بسرعة لافتة خلال السنوات الأخيرة. استقبله حسن رأفت بنفسه، ثم اصطحبه إلى مكتبه. جلس الاثنان متقابلين. وما إن قُدمت القهوة، حتى بادر مازن بالكلام. "سمعت بما تمر به شركتكم." أجابه حسن بهدوء. "أخبار السوق تنتشر بسرعة." ابتسم مازن ابتسامة خفيفة. "وأنا لا أحب أن أرى شركة بهذا الحجم تنهار." تعلق نظر حسن به. "هل لديك اقتراح؟" أخرج مازن ملفًا جلديًا من حقيبته، ووضعه أمامه. "لدي عرض." فتح حسن الملف. وما إن قرأ أولى الصفحات... حتى انعقد حاجباه. رفع بصره ببطء. "واحد وخمسون بالمئة من أسهم الشركة؟" أجاب مازن بكل هدوء
توقفت عن الكلام للحظة. ثم قالت بسعادة لم تستطع إخفاءها: "حقًا؟" "نعم." "سأكون جاهزة خلال ساعة." ابتسم سيف. "سأمر لاصطحابك." لم تستطع سارة إخفاء فرحتها. وقفت أمام خزانة ملابسها وقتًا طويلًا، تبحث عن فستان يجمع بين الأناقة والبساطة. كانت تعلم أن الانطباع الأول لا يتكرر. اختارت فستانًا بلون أزرق هادئ، ونسقت معه حقيبة صغيرة وحذاءً بكعب منخفض، ثم اكتفت بحلي بسيطة ومكياج ناعم. وقفت أمام المرآة، وأخذت نفسًا عميقًا. كانت تشعر أن هذه الزيارة... قد تكون بداية فصل جديد في حياتها. وصل سيف في الموعد تمامًا. فتح لها باب السيارة، ثم انطلقا نحو منزل آل رأفت. طوال الطريق، كان الحديث بينهما هادئًا. قالت سارة وهي تنظر من نافذة السيارة: "هل جدك صارم كما يقول الجميع؟" ابتسم سيف بخفة. "صارم عندما يتعلق الأمر بالمبادئ." ثم أردف: "لكنه عادل." هزت رأسها وهي تحاول طمأنة نفسها بعد دقائق... دخلت السيارة إلى بوابة القصر. كان المنزل يعكس تاريخًا طويلًا من العراقة. ساعدها سيف على النزول، ثم دخلا معًا. استقبلهما كبير الخدم بابتسامة احترام. "أهلًا بكما." قادهما إلى الصالون الرئيسي. ولم
لم تتمالك سارة نفسها. ابتسمت ابتسامة واسعة، وقالت بصوت امتزجت فيه السعادة بالتأثر: "هذا أسعد خبر سمعته منذ زمن." أمسكت يده بكلتا يديها، وأضافت: "وأنا موافقة... بكل قلبي. ابتسم سيف ابتسامة هادئة، للمرة الأولى منذ خروجه من منزل جده. كان يظن... أن الطريق أصبح واضحًا أمامه. لكن... لم يكن يعلم أن القدر... كان يخبئ له طريقًا آخر تمامًا. في الجهة المقابلة.. كانت أجواء منزل الكيلاني مختلفة تمامًا. الابتسامات لم تغادر الوجوه منذ أن أخبرت رزان عائلتها بنجاح أولى خطوات مشروعها، وتوقيع عقد التعاون مع شركة رأفت. قال والدها وهو يرفع كوب الشاي مبتسمًا: "كنت أعلم أن إصرارك سيقودك إلى هذا اليوم." وأضافت والدتها بفخر: "هذه مجرد البداية يا رزان... وأنا واثقة أن القادم أجمل." ابتسمت رزان بخجل. "ما زال أمامي طريق طويل." قاطعها لؤي ضاحكًا: "يكفي تواضعًا... بعد سنوات سأقول للناس إنني شقيق صاحبة أشهر علامة تجارية للعناية بالبشرة." ضحك الجميع. ثم نهض لؤي فجأة وقال بحماس: "بما أن اليوم مناسبة سعيدة... ما رأيكم أن نخرج جميعًا؟" ابتسم والده وهو يهز رأسه. "اعذرن
تنهد الجد بهدوء، ثم قال: "لأنني أعرفك أكثر مما تعرف نفسك." انعقد حاجبا سيف. فأكمل الجد: "منذ وفاة والدك... وأنت لم تعش لنفسك يومًا واحدًا." خفض سيف بصره دون أن يجيب. أما الجد، فتابع بصوت امتزج فيه الحنان بالفخر "كنت لا تزال شابًا عندما حملت مسؤولية الشركة، وتحملت أعباء لم تكن سهلة حتى على رجال أكبر منك سنًا. لم أطلب منك يومًا أن تتراجع، لأنني كنت أعلم أنك قادر على حمل الأمانة." توقف لثوانٍ، ثم أكمل: "لكنني رأيتك، عامًا بعد عام، تؤجل حياتك الشخصية في سبيل العمل." رفع سيف عينيه إليه. "وهل الزواج قرار يُفرض يا جدي؟" ابتسم الجد ابتسامة خفيفة. "لا... لكنه أيضًا قرار لا ينبغي أن تؤجله إلى ما لا نهاية." أخذ سيف نفسًا عميقًا. "أنا لا أرفض الزواج، لكنني أرفض أن تحدد لي الوصية متى أتزوج." هز الجد رأسه بتفهم. "لم أحدد لك موعدًا." رفع سيف الملف. "لكنها تشترطه حتى تصبح الشركة باسمي." أجاب الجد بثبات: "صحيح." ساد الصمت بينهما للحظات. ثم قال سيف: "وهل يهمك من ستكون المرأة التي سأتزوجها؟" تأمله الجد طويلًا قبل أن يجيب: "حين يحين الوقت... سنتحدث في ذ
في الطابق العلوي... كان الهدوء يخيّم على مكتب سيف، بينما كان منشغلًا بمراجعة بعض الملفات الموضوعة أمامه. قطع تركيزه طرقٌ خفيف على الباب. "تفضل." انفتح الباب، ودخل رجل وقور يحمل في ملامحه هيبة السنين. وما إن رآه سيف حتى نهض من مقعده فورًا. "جدي... لم تخبرني أنك ستأتي اليوم." ابتسم الجد وهو يصافحه. "وهل يجب أن أخبرك في كل مرة أنني سأزورك؟" ضحك سيف بخفة، ثم اقترب ليساعده على الجلوس. بعد أن استقر الجد في مكانه، أخذ يتأمل المكتب من حوله، قبل أن يسأل: "كيف تسير أمور الشركة؟ جلس سيف في مقعده وأجاب بثقة: "كل شيء يسير وفق الخطة الموضوعة. المشاريع الحالية تحقق نتائج جيدة، ونسب الأرباح في ارتفاع، كما بدأنا التعاون مع عدد من المشاريع الجديدة الواعدة." أومأ الجد برضا. "هذا ما كنت أريد سماعه." ساد صمت قصير بينهما. لكن ملامح الجد تغيرت قليلًا، وكأن هناك أمرًا آخر يشغل تفكيره. رفع نظره إلى حفيده وقال: "في طريقي إلى هنا... التقيت بفتاة من عائلة الكيلاني." توقفت يد سيف عن تقليب الملفات. رفع رأسه ببطء، وقد ظهر الاستغراب على ملامحه. أما الجد، فاكتفى بابتسامة غامضة وهو يقول: "يبدو أ







