เข้าสู่ระบบعادت سو-آه وجيني مسرعتين عبر شوارع المدينة المظلمة والموحشة، ولم تتبادلا سوى كلمات قليلة ومقتضبة طوال الطريق. كان التوتر يطارد أنفاسهما منذ خروجهما من بوابات المصنع، وكأن كل ظل عابر، أو وميض مصباح بعيد، قد يكون شخصاً مجهولاً يراقبهما ويرصد حركتهما في العتمة. وحين وصلتا أخيراً إلى دار رعاية الطالبات، لم تتجها إلى الغرفة المشتركة مباشرة؛ فالعيون هناك كثيرة، والهمسات لا ترحم. بل صعدتا بخطوات خفيفة ومترددة إلى آخر الممر القديم في الطابق العلوي، حيث توجد غرفة مهجورة كئيبة كانت تُستخدم سابقاً كمخزن للكتب القديمة والأثاث التالف. نادرًا ما كان يقترب من ذلك المكان أحد، ولهذا السبب بالذات اختارته سو-آه ليكون ملجأهما الأخير في هذه الليلة الإستراتيجية. أغلقت سو-آه الباب الخشبي بحذر شديد خلفهما، وساد في الحال صمت ثقيل ومطبق. كانت رائحة الورق القديم والغبار المتراكم تملأ أركان المكان، بينما تسللت من خلال النافذة الزجاجية الضيقة خيوط باهتة ومائلة من ضوء مصابيح الشارع الخارجية، لترسم ظلالاً غريبة على الجدران المقشرة. وقفت سو-آه وسط الغرفة، ممسكة بضلوعها، بينما كان قلبها لا يزال ينبض بعنف وتلاحق من
تجمدت جيني في مكانها تماماً فور أن استقر كف حارس الأمن الثقيل فوق كتفها النحيل، وشعرتْ بأن قلبها قد هبط إلى أعماق معدتها دفعة واحدة في صدمة مروعة. استمر هذا الشلل النفسي للحظة واحدة مريرة، قبل أن تجبر عضلات وجهها على الابتسام باصطناع، واستدارت نحو الرجل ببطء وثبات. كان الحارس يحدق في ملامحها بريبة وشك واضحة، وانتقلت نظراته الصارمة إلى لوحة الملاحظات الكرتونية التي تقبض عليها بيدين مرتعشتين، ثم إلى المنطقة المحظورة المحاطة بالأشرطة الصفراء خلفها، قبل أن يعود ليتفرس في وجهها مجدداً وهتف بنبرة جافة: "ماذا تفعلين هنا بالضبط أيتها الطالبة؟" ابتلعت جيني ريقها بصعوبة، وسرعان ما ارتسمت على وجهها ملامح دهشة بريئة ومتقنة، ورفعت لوحة الملاحظات بسرعة أمام عينيه قائلة بجرأة: "أنا؟! أعتذر جداً منك يا عم... أنا طالبة في كلية الإدارة الصناعية، وقد طلب منا مشرف المادة إعداد تقرير ميداني عاجل ومفصل عن مخاطر الآلات وعوامل السلامة المهنية في قطاع خطوط الإنتاج بعد حادثة الأسبوع الماضي الشهيرة." لوحتْ بالدفتر والأوراق المليئة بالجداول أمامه وتابعتْ باستعطاف: "كنتُ أصور الهيكل المعدني الخار
كان المقهى هادئاً على غير العادة في ذلك الوقت من النهار، يقع منزوياً في أحد الأزقة الجانبية الضيقة والبعيدة تماماً عن ضوضاء الحرم الجامعي وصخبه المزعج. كانت تنساب عبر نوافذه الزجاجية العتيقة رائحة ذكية ومحببة للقهوة المحمصة والمخبوزات الطازجة الدافئة. في الزاوية الأبعد والأكثر عزلة عن أعين الزبائن القلائل، جلستُ أمام طاولة خشبية صغيرة، بينما وضعت جيني صينية الطعام والمشروبات بيننا بحركة حازمة وقاطعة. نظرتْ إليّ بجدية صارمة ونبرة لا تقبل النقاش وقالت: "كلي. الآن." رفعتُ عينيّ الغائرتين نحوها بتعب شديد وهتفتُ بخفوت: "لستُ جائعة يا جيني، حلقي جاف تماماً." عقدت جيني ذراعيها فوق صدرها، وقطبت حاجبيها متمسكة بموقفها: "أنا لم أسألكِ إن كنتِ جائعة أم لا؛ عقلكِ يعمل في جحيم التفكير منذ أيام دون لحظة توقف واحدة، وإذا كنتِ تنوين حقاً حل هذه القضية المعقدة واستعادة كرامتكِ، فعليكِ أن تأكلي وتستعيدي قوتكِ أولاً." لأول مرة منذ وقوع تلك الحادثة المشؤومة، شعرتُ بغصة دافئة، وكادت ابتسامة صغيرة باهتة تظهر على وجهي الشاحب امتناناً لوجودها. أخذتُ قطعة صغيرة من المخبوزات على مضض وبدأتُ أمضغها
مرّت الأيام التالية على روحي كأنها كتلٌ ثقيلة، صلبة، وداكنة من الرصاص. لم تعد هناك صباحات واضحة الملامح تشجعني على النهوض، ولا ليالٍ حقيقية تمنحني الطمأنينة والنوم؛ كان وقتي يمر برتابة وبطءٍ مؤلم وقاتل فوق جسدٍ أنهكه التفكير المفرط والجلد الذاتي. عدتُ إلى غرفتي الضيقة في السكن الجامعي بعد انتهاء جلسة التحقيق القاسية وصدور قرار إيقافي المؤقت عن الدراسة. أغلقتُ الباب الخشبي خلف ظهري بوجه واجم، ووقفتُ متسمرة في منتصف الغرفة؛ بلا حراك، بلا أفكار واضحة، وبلا دموع تسعف كبريائي المنكسر. وضعتُ حقيبتي القماشية بإهمال على الأرض، ثم جلستُ على حافة سريري القديم. وظللتُ هناك، ساكنة كصنم من رخام، كأن روحي قد انتُزعت مني وبقيت معلقة في مكان آخر. مرّت الساعات ثقيلة، ثم تلاها يوم كامل، ثم يوم آخر. كانت زميلاتي في الغرفة المشتركة يدخلن ويخرجن، يتحدثن في شؤونهن، يضحكن بصوت مرتفع، ويدرسن للامتحانات القادمة؛ أما أنا... فبقيتُ متجمدة في البقعة نفسها تقريباً. الأطباق الفارغة تراكمت بكآبة قرب سريري، كتبي الجامعية بقيت مغلقة يعلوها الغبار، ودفاتر المحاضرات التي طالما قاتلتُ لتدوينها لم تُفتح أبداً. حتى ها
مرت الأيام التالية ببطءٍ مؤلم وخانق؛ ببطء شديد جعل الساعات القليلة تبدو في نظري أطول من المعتاد، والليالي المظلمة أكثر قسوة وبرودة مما أحتمل. كان هيتشول لا يزال يرقد في قسم العناية المركزة، معلقاً بين الحياة والموت، تحت رحمة الأجهزة الطبية التي تقرر مصيره. أما أنا... فكنتُ أزور المستشفى كل يوم تقريباً بمجرد أن تنتهي محاضراتي أو مناوبات عملي الجزئي القاسي. لم يكن ذلك لأن أحداً طلب مني الحضور، أو لأن عائلته تنتظرني، بل لأنني ببساطة لم أستطع الهرب من ذلك الشعور الرهيب بالذنب الذي كان يأكل أحشائي. في كل مرة كنتُ أقف فيها خلف الزجاج السميك المخصص للمراقبة، كنتُ أرى الجسد الشاحب نفسه؛ ممدداً بلا حراك، محاطاً بالأجهزة المعقدة والأسلاك المتشابكة، بينما كان صوت أجهزة مراقبة نبضات القلب الرتيب يقطع الصمت المطبق على فترات منتظمة ليذكرني بحجم الكارثة. وفي أحد الأيام، وبينما كنتُ أقوم بوقفتي المعتادة في الممر البارد إلى جانب جيهون الذي كان يرافقني بصمت، خرج الطبيب المشرف مع فريق التمريض لتبديل الضمادات لهيتشول. فُتح باب الغرفة الزجاجي للحظات قصيرة جداً، لكنها كانت كافية لتهز أركاني. وقع بصري تل
لم أستوعب ما حدث لي ولحياتي في تلك الدقائق المجنونة إلا عندما أُغلقت أبواب سيارة الإسعاف الحديدية بقوة وارتطام جاف خلفي. تلاشت أصوات المصنع الصاخبة وضجيج تروسه شيئاً فشيئاً مع ابتعاد السيارة وسرعتها الجنونية في الشوارع، لكن صورة واحدة مرعبة وثقيلة ظلت عالقة وعنيدة أمام عينيّ المفتوحتين بذهول؛ صورة الدم القاني المتدفق، التروس المعدنية الدوارة بلا رحمة، وجسد هيتشول الملقى بلا حراك كجثة هامدة قرب تلك الآلة القاتلة. وصلنا جميعاً إلى المستشفى وسط فوضى خانقة تصم الآذان؛ أصوات الأطباء المستنفرين، صرير عجلات الأسرّة المتحركة بسرعة في الممرات، نداءات الممرضين المتكررة عبر مكبرات الصوت، ووجوه أفراد مجموعتنا الدراسية الشاحبة التي ملأها الذعر والترقب. جلستُ وحدي في زاوية بعيدة، مظلمة ومنعزلة من صالة الانتظار الباردة. لم أجرؤ على رفع رأسي أو النظر في عيون أي بشر كنتُ أنظر فقط إلى يديّ المرتجفتين اللتين استقرتا فوق حجري. حدقتُ بذهول في تلك البقع الحمراء الداكنة التي لطخت أصابعي وجفت على أكمام ملابسي الجديدة. التنورة البنية الأنيقة التي اشتريتها برفقة جيني قبل أيام قليلة لتمنحني بعض الثقة، والحذا
"تايونغ.. أوه، لقد عدت أخيرًا يا حبيبي! الطعام جاهز ودافئ بانتظارك." توقفت سو-آه عن الحركة تماماً، وتسمّرت قدماها فوق الأرضية الخشبية المتآكلة. في تلك اللحظة الخاطفة، اختفت الابتسامة الشاحبة والنادرة من وجه جيهون فورًا، وكأن يدًا خفية غير مرئية قد انتزعتها من ملامحه بالقوة رغماً عنه. في ثانية واح
كان المساء قد ابتلع آخر خيوط الضوء الشاحبة منذ وقت طويل، تاركاً الحي القديم بأسره يغرق في عتمة حالكة كالحبر. وفي داخل الجدران، غرق المنزل في سكون ثقيل، خانق ومطبق، صمت لا يقطعه سوى ذلك الصوت الرتيب والمستفز لعقارب الساعة الجدارية المعلقة في الصالة؛ كانت تلتهم الدقائق والثواني ببطءٍ ممل ومقيت، يطر
في صباحٍ باكرٍ شديد البرودة، كانت ممرات دار الرعاية القديمة غارقة في صمتٍ ثقيل وموحش، لا يقطعه سوى صرير الأبواب الخشبية العتيقة تحت وطأة لفحات الرياح الخفيفة. فتحت المشرفة الباب الرئيسي للممر ببطء وهي تحمل في يدها باقة مفاتيحها المعدنية الثقيلة التي أصدرت رنيناً رتيباً، لكنها توقفت فجأة بجسد متصلب ع
كانت رائحة المكان غريبة، مزيجاً متناقضاً من علكة الفراولة الاصطناعية، وسائل صابون الأواني، ورائحة الدخان العتيق العالق في أركان الجدران الخشبية للبقالة. تعلمتُ بسرعة كيف أرتّب البضاعة، وأستخدم الآلة الحاسبة القديمة ذات الأزرار الصلبة، وكيف أتعامل مع الزبائن المارين بالحي. لم يكن الأمر صعباً في حد ذا