Home / التشويق / الإثارة / رماد السطوة / الفصل (24) : صراع الجبابرة في قمة الجليد

Share

الفصل (24) : صراع الجبابرة في قمة الجليد

last update publish date: 2026-08-23 07:03:38

انقشعت سحب دخان الثيرميت المتوهجة لتكشف عن فضاء القاعة البانورامية الكبرى في قمة منصة «العرين الأبيض»، حيث امتزجت الفخامة السيبيرية الوحشية ببرودة الترسانات العسكرية. كانت الجدران مكسوة بأخشاب الصنوبر المعتق وجلود الدببة القطبية، تتوسطها مدفأة حجرية ضخمة تشتعل فيها ألسنة لهب زرقاء باهتة لا تقوى على طرد الصقيع المتسلل عبر النوافذ الزجاجية الممتدة من الأرض إلى السقف، والتي كانت تطل على بحر متجمد تتلاطم أمواجه الهائجة تحت عواصف الثلج.

في صدر القاعة، خلف مكتب خرساني عريض مغطى بخرائط ملاحية وشاشات رقمية مشفرة، وقف نيكولاي كوزلوف بكامل هيبته الطاغية. كان رجلاً ضخم الجثة في منتصف الخمسينيات، بقوام يشبه صخرة غرانيتية وكتفين عريضين يكسوهما معطف ثقيل من فرو الذئاب الرمادية، تتدلى من تحته بزة قتالية مدرعة بصفائح الكربون. كان وجهه العريض محفوراً بخطوط قاسية وندوب معارك غابرة، وشعره الفضي القصير يشتعل تحت ضوء شاشات المراقبة الحمراء. لم يكن في عينيه الرماديتين أثر للذعر أو المفاجأة؛ بل جمود مفترس لرجل خاض حروب البقاء في أصعب بقاع الأرض وأشدها دموية.

إلى جواره، انتصب اثنان من كبار حراسه الملقبين بـ "أشباح التايغا"، مقاتلان عملاقان يرتديان خوذات تكتيكية مغلقة ودروعاً ثقيلة مقاومة للقذائف، مجهزين ببنادق آلية قصيرة وسيوف قتالية مسننة.

"طارق..." نطق نيكولاي الاسم بصوت جهوري خشن يشبه احتكاك صفائح الحديد، بينما وضع كأساً فضياً ثقيلاً فوق المكتب دون أن يرمش. "سمعت الكثير عن جرأة والدك الراحل، لكنني لم أكن أظن أن دمه سينجب وحشاً يملك الحماقة الكافية ليقتحم عريني في قلب هذا الجليد."

تقدم طارق بخطوات بطيئة، واثقة، تتردد أصداؤها فوق الأرضية الخشبية المبللة برذاذ الثلج المتسرب من الباب المحطم. كان يحمل بندقيته بيمينه، وخنجره القتالي بيساره، بينما انسدلت سترته التكتيكية الملطخة بالبارود لتكشف عن عضلات جسده المتوثبة كفهد يستعد للانقضاض: "الحماقة هي أن تظن أن هذا الجليد سيحميك من دفع ثمن خيانتك القديمة وسفنك التي أرسلتها لتخنق مدينتي يا نيكولاي... لقد قطعت مئات الأميال البحرية لأسمع عظام كارتيل الفولاذ تتكسر تحت أقدامي."

التفتت عينا نيكولاي نحو إلينا، التي تقدمت بمحاذاة طارق بخفة قاتلة، وسلاحها موجه نحو الحراس بينما تحركت أصابع يدها الأخرى لتفحص منصة التحكم بالمنصة عن بُعد: "وإلينا فالدير... الأفعى التي باعت مجلس العائلات لتضع يدها في يد عدوها القديم. كنتِ ستبدين أكثر فتنة لو بقيتِ في قصور الجنوب بدلاً من أن تموتي متجمدة في هذا المنفى."

ابتسمت إلينا ابتسامة باردة مفعمة بالسخرية القاتلة، ولمعت عيناها الزمرديتان في الظلام: "القصور نصنعها حيثما نشاء يا نيكولاي... أما أنت فلن تملك بعد الليلة حتى قبراً في هذا البحر."

في جزء من الثانية، انطلقت الشرارة.

ضغط نيكولاي زراً مخفياً تحت سطح مكتبه، لتنطلق من السقف شبكة من القنابل الوميضية والغازية الخانقة، بينما اندفع الحارسان العملاقان كقطارين هادرين فاتحين نيران أسلحتهما الآلية في مسح ناري شامل شق القاعة إلى جحيم من الرصاص المتطاير وشظايا الخشب والزجاج.

تحركت إلينا بسرعة البرق؛ انزلقت بجسدها الرشيق تحت وابل الرصاص نحو الجانب الأيسر، ملقية بقنبلة كهرومغناطيسية مصغرة عطّلت نظام الرؤية التكتيكية في خوذة الحارس الأول، ثم قفزت بمرونة بهلوانية لتغرس خنجرها الفولاذي الدقيق في المفصل غير المحمي بين رقبته وكتفه، متبعة الضربة برصاصتين صامتتين من مسدسها اخترقتا صمام التنفس في قناعه لتسقطه صريعاً يختنق في دمائه.

في ذات اللحظة، كان طارق يواجه الحارس الثاني الذي اندفع نحوه مشهراً سيفاً قتالياً ثقيلاً. تفادى طارق الضربة القاطعة بميلان خاطف بجسده، وأمسك بمعصم الحارس الفولاذي ليلويه بقوة خارقة حطمت المفصل، ثم انتزع السيف من يده وغرسه بحركة ارتدادية وحشية في صدر الحارس ليمزق درعه الخارجي ويثبته في العمود الخرساني خلفه.

استغل نيكولاي كوزلوف تلك الثواني القليلة، وسحب من خلف المكتب مدفعاً رشاشاً ثقيلاً قصير الماسورة، وبدأ في إطلاق وابل من الرصاص الخارق للدروع نحو طارق، مجبراً إياه على الاحتماء خلف تمثال حجري ضخم تهشم نصفه تحت وطأة الضربات.

"أنا بنيت هذا الكارتيل بالحديد والنار يا ابن الجنوب!" صرخ نيكولاي وهو يتقدم بخطوات عملاقة، ورصاصه يمزق كل زاوية، "ولن يستولي عليه فتى يبحث عن ثأر عائلي تافه!"

انسلت إلينا من الظل محاولة الالتفاف حوله، لكن نيكولاي رصد حركتها ووجه فوهة سلاحه نحوها بسرعة مباغتة، كاد يفرغ فيها مخزنه الناري، إلا أن طارق خرج من خلف الركام كصاعقة لا تعرف الخوف؛ ألقى بجسده الفارع فوق نيكولاي في اصطدام وحشي عنيف أطاح بالاثنين معاً فوق الطاولة الخرسانية، لتتحطم الشاشات ويتطاير السلاحان في الهواء.

بدأ صراع الجبابرة بالأيدي المجردة والسكاكين؛ التحم طارق ونيكولاي في معركة دموية شرسة تكسرت فيها الأضلاع وسالت الدماء فوق الجليد المتراكم. كان نيكولاي يملك قوة جسدية مرعبة وخبرة عقود من القتال العسكري، فوجه لكمة ساحقة إلى وجه طارق شقت حاجبه وأسال الدم على عينيه، متبعاً إياها بمحاولة لكسر عنقه بذراعه الضخمة.

لكن طارق، المدفوع بحقد تراكم لسنوات وإرادة صلبة لا تنكسر، ثنى ركبته ووجه ضربة قاتلة إلى أسفل قفص نيكولاي الصدري، أفقدته توازنه لبرهة كانت كافية ليتحرر من قبضته. استل طارق خنجره القتالي وغرسه في فخذ نيكولاي الأيمن بحركة خاطفة شلت حركته، ثم هوى برأسه في نطحة عنيفة على جبين أمير الحرب جعلت الدماء تنفجر من أنفه وفمه.

ترنح نيكولاي وسقط على ركبتيه أمام الواجهة الزجاجية الكبرى المطلة على الهاوية، يلهث رعباً وألماً، محاولاً الزحف نحو مسدسه الملقى على بعد أمتار.

تقدم طارق بخطوات ثقيلة، يمسح الدم عن وجنته بظهر يده المغلفة بالجلد الأسود، وعيناه تشتعلان ببرود سادي لا يرحم. وطأ بقدمه العسكرية فوق يد نيكولاي الممتدة، ساحقاً أصابعه تحت وزنه الفولاذي حتى تصاعد صوت تكسر العظام في سكون القاعة.

في تلك الأثناء، جلست إلينا خلف لوحة التحكم الرئيسية بعد تجاوز أنظمة الحماية التشفيرية، ورفعت صوتها الرخيم المنتصر: "نظام التدمير الذاتي تم تعطيله بالكامل... والمفاتيح الرقمية لجميع مصافي النفط، ومخازن السلاح، وسجلات أسطول بحر الشمال أصبحت تحت سيطرتنا المطلقة يا طارق."

انحنى طارق نحو نيكولاي، ورفع وجهه المغطى بالدماء من ياقة معطفه الفروي، مقرباً فوهة مسدسه الباردة من بين عينيه الرماديتين الجاحظتين: "إمبراطوريتك انتهت يا نيكولاي... وأسطولك الذي هددت به مياهي صار أسطولنا."

بصق نيكولاي دماً، ونظر إلى طارق بابتسامة متقطعة يائسة: "أنتما تعتقدان أنكما انتصرتما... لكن البحر الشمالي لا يغفر... والذين يقفون خلفي في العواصم الكبرى سيحرقونكم..."

"دعهم يحاولون،" قال طارق بنبرة جليدية قاطعة، "فنحن لا نعيش إلا وسط الحرائق."

دوت طلقة واحدة حاسمة هزت أرجاء القاعة البانورامية، ليتهاوى جسد نيكولاي كوزلوف بلا حراك، وتتدفق دماؤه القانية فوق الجليد الأزرق الممتد تحت قدميه، معلنة سقوط كارتيل الفولاذ واندثار آخر ملوك الشمال.

ساد صمت مهيب في قمة «العرين الأبيض»، تلاشت معه أصوات المعركة في الطوابق السفلية بعد استسلام ما تبقى من المرتزقة لرجال عمران.

التفت طارق نحو إلينا، التي تركت لوحة التحكم وتقدمت نحوه ببطء. وقفت أمامه، وتأملت جروحه النازفة بملامح امتزج فيها التأثر بالافتتان المطلق؛ رفعت كفها الرقيق ووضعتها برفق فوق خده الملطخ بالدم، ماسحة آثار المعركة بأطراف أصابعها الدافئة.

أحاط طارق خصرها بذراعيه القويتين، وجذبها إليه بقوة ساحقة ألغت كل المسافات، ليتعانقا في صمت ملحمي فوق قمة العالم المتجمد؛ كانت أنفاسهما تتصاعد كأعمدة بخار دافئة في صقيع القاعة المهشمة، وعيناها الزمرديتان تعكسان وميض الشفق القطبي الذي بدأ ينساب بألوانه الخضراء والبنفسجية الساحرة عبر الواجهة الزجاجية الكبرى.

"لقد ملكنا الشمال والجنوب يا طارق..." همست إلينا بصوت يفيض بالسحر والسطوة، وشفتاها تلامسان عنقه.

نظر طارق نحو الأفق اللانهائي الممتد عبر المحيط الهادئ تحت أضواء الشفق، وقال بصوت عميق ومزلزل يملأ الفضاء: "والعالم بأسره سينحني لرايتنا... فعهد رماد السطوة قد بدأ لتوه."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رماد السطوة   الفصل (58): خيوط المؤامرة الأخيرة

    عادت الغواصة «قاهر الظلمات» لتستقر في الحوض الجاف الصخري أسفل قصر «لو بيلفيدير» مع انبلاج خيوط فجر ندي غسل زرقة البحر الأبيض المتوسط برذاذ فضي نقي. انحسرت مياه البحر الهادرة عبر البوابات الفولاذية العازلة بصرير هيدروليكي مهيب، مخلّفة سحباً من الأبخرة البيضاء ورائحة الملح المركز، بينما اصطفت كتائب «حراس العهد» على الأرصفة الخرسانية ببنادقها المجهزة في انضباط فولاذي صارم. لم يكن النصر في هاوية سوندا السحيقة نهاية المطاف، بل كان استئصالاً لقلب الخطر البيولوجي قبل أن ينفث سمومه؛ غير أن الجسد المتفرع لحلف الأيتام كان لا يزال يمتلك أطرافاً تتحرك في عواصم الظل، تتغذى على حسابات سرية معقدة وشركات أمنية وهمية أُسست خصيصاً لتنفيذ الانتقام بعد سقوط الرؤوس السبعة لمجلس الأطياف.صعد طارق وإلينا عبر المصعد الصخري الصاعد نحو الجناح الإمبراطوري العلوي بخطوات هادئة تنضح بالجبروت واليقظة. كان طارق قد استبدل بزة الغوص بقميص أسود من القطن المعالج يلتصق بصدره العريض وساعديه المفتولين، بينما استقر خنجره الفولاذي الدمشقي في غمده الجلدي على خاصرته، وعيناه الصقريتان الداكنتان تفيضان ببرود مفترس يبحث عن

  • رماد السطوة   الفصل (57): هاوية سوندا المشتعلة

    انحدرت الغواصة الاستراتيجية للأعماق السحيقة «قاهر الظلمات» كحوت تيتانيومي أسود في أحشاء المحيط الهندي، مخترقة طبقات المياه المظلمة نحو قاع خندق "سوندا" على عمق أربعة آلاف ومائتي متر تحت سطح البحر. في هذا السديم المائي المعزول، حيث لا يجرؤ أدنى بصيص من ضوء الشمس على التسلل منذ الأزل، كان وزن المحيط يشكل ضغطاً هيدروستاتيكياً ساحقاً يهدد بسحق أعتى الدروع الفولاذية في رمشة عين، بينما تصاعدت من الشقوق التكتونية السفلية أعمدة دخان كبريتي ومياه مغلية تقذفها الفوهات البركانية الحرارية كجحيم مستعر في قاع الصقيع. لم تكن هذه البقعة مجرد هوة جيولوجية منسية في خرائط الملاحة الدولية؛ بل كانت المعقل الأكثر عزلة لمشروع «البرزخ الأسود»، حيث تم تشييد محطة الأبحاث «نيكسوس-سوندا» داخل تجويف بازلتي محمي بحقول ألغام مغناطيسية ومجسات رصد صوتي ترصد دبيب حركات القاع.في مقصورة القيادة المتقدمة للغواصة، خيم ضوء قرمزي شاحب امتزج بأزيز أجهزة تنقية الأكسجين ورنين نبضات السونار السلبي. وقف طارق كطود صخري لا تزعزعه أهوال الأعماق؛ ارتدى بزة غوص تكتيكية مصفحة بصفائح ألياف الكربون المعالجة بالتيتانيوم السائل لمق

  • رماد السطوة   الفصل (56): يقظة البرزخ المظلم

    مرت سبعة أشهر على ميلاد «آدم»، واستكانت مياه البحر الأبيض المتوسط تحت شمس ربيعية دافئة غمرت شرفات قصر «لو بيلفيدير» بضياء عسجدي وهاج. بدا القصر الإمبراطوري الرابض فوق الجرف الصخري الشامخ كقلعة أسطورية صلبة حفرتها يد القدر لتكون منارة السيادة للعالم الجديد؛ لم تعد البوارج الحربية الشبحية تجوب مياهه في حالة تأهب قتالي مستمر، بل اصطفت على مسافات محسوبة كحراس عملاقة تنفث وقار القوة المفرطة، بينما كانت حركة التجارة العالمية تجري في المضايق الدولية بنظام ساعاتي محكم يخضع بالكامل لشفرات وضوابط منظومة «رماد السطوة». خيل للعواصم الكبرى ولغرف التجارة أن الكوكب دخل أخيراً في عصر الاستقرار الأبدي بعد احتراق الرؤوس السبعة لمجلس الأطياف، لكن القمم الشاهقة التي تصنع الملوك تدرك دائماً أن أشد أنواع الخطر ضراوة ليس ذلك الذي يزمجر بالمدافع في وضح النهار، بل الذي يتخلق في صمت مطبق داخل الأرحام المظلمة للمؤسسات المندثرة.في الجناح الإمبراطوري العلوي، حيث تتداخل نسائم البحر الرطبة مع أريج زهر البرتقال وأشجار السرو المحيطة بالحدائق المعلقة، وقفت إلينا بجوار مهاد عاجي فاخر مرصع بالذهب وخشب الأبنوس، تت

  • رماد السطوة   الفصل (55): ميلاد العهد الجديد

    تهادت زرقة البحر الأبيض المتوسط في صبيحة خريفية دافئة، لتغسل أمواجها الهادئة قواعد الجرف الصخري الشامخ لقصر «لو بيلفيدير»، حيث استقرت أساطيل الحماية التابعة لقيادة «رماد السطوة» في تشكيلات بحرية مهيبة ترسم حدود العاصمة السرية للعالم الجديد. لم تعد الممرات المعلقة في القصر تشهد صخب بنادق الاقتحام أو رنين أجهزة الإنذار التكتيكية؛ بل ساد المكان هدوء ملكي فاره، تتخلله حركة دبلوماسية استثنائية لم تشهد لها القارة مثيلاً منذ قرون. في المرفأ الخاص المنحوت في الصخر، اصطفت مروحيات الوفود الرسمية وسفن الدبلوماسيين القادمين من عواصم آسيا، وأوروبا، والأمريكتين، بعد أن خضع كل وفد لإجراءات تفتيش بيومترية دقيقة أشرف عليها قادة «حراس العهد»، ليجتمعوا تحت سقف واحد للتوقيع على المعاهدة الشاملة التي خطتها أيدي المنتصرين بعد سحق آخر أطياف مجلس الظل في جنيف.في الجناح الإمبراطوري الشرقي، كانت أشعة الشمس الذهبية تتسلل عبر الستائر الحريرية العاجية، لتلقي بظلالها الوارفة على أرضية خشب الساج المعتق والمفروشات المخملية الفاخرة. وقفت إلينا أمام الواجهة الزجاجية الكبرى المطلة على البحر؛ ارتدت فستاناً أسطوري

  • رماد السطوة   الفصل (54): فجر النظام الأبدي

    تنفس فجر جنيف البارد دخاناً أسود كثيفاً تصاعد من أنقاض قصر «لو بريزيدينسيال»، ليشهد العالم السري واحدة من أعنف الهزات في تاريخه الحديث؛ هزة لم تسجلها مقاييس الزلازل الجيولوجية، بل رصدتها خوادم غرف العمليات المغلقة في واشنطن، وبكين، ولندن، وموسكو. في غضون أسبوعين فقط، تهاوت الرؤوس السبعة التي حكمت الكوكب من وراء أقنعة الظل لأكثر من نصف قرن؛ سقط دراكوف في الكاربات، وميداس في كومو، وكروغر في بحر البلطيق، ويانوس في محافل جنيف، ورافاييل في أودية الأندلس، وشتاينر في صقيع بيرنغ، وصولاً إلى اللورد سيباستيان مورغان—«أوريون»—الذي احترق عرشه الأخير في وضح الفجر. تجمدت أسواق المال المشبوهة، وانسحبت خلايا المرتزقة من بؤر النزاع الإقليمية كفئران مذعورة أدركت أن جحورها باتت مكشوفة، بينما خيم وجوم مرعب على أجهزة الاستخبارات الدولية؛ لم يعد هناك مجلس أطياف يدير دفة النزاعات، بل صار هناك سيدان مطلقان لا شريك لهما في السيادة على هذا الكوكب: طارق وإلينا.حطت الطائرة الشبحية النفاثة «الصقر الأسود» فوق المهبط الصخري السري المعلق في خاصرة جرف قصر «لو بيلفيدير». تلاشت عواصف الثلوج وأمطار الشمال الباردة

  • رماد السطوة   الفصل (53): عرش أوريون في جنيف

    هطلت أمطار جنيف الخريفية كشلالات باردة من الرصاص المذاب، تغسل أرصفة ضاحية "كولوني" الأرستقراطية وتلف قصورها الرخامية بغلالة رمادية كثيفة من الضباب الرطب العالق فوق مياه بحيرة "ليمان". كانت شوارع المدينة الدبلوماسية غارقة في هدوء مخادع، إلا أن قصر «لو بريزيدينسيال» الشاهق، الرابض على تلة حرجية معزولة تشرف على صفحة الماء والضفاف المقابلة للحدود الفرنسية، كان يعيش استنفاراً غير مرئي للعين المجردة. لم تكن هناك مدرعات تجوب الحديقة أو جنود بزيهم الرسمي؛ بل انتشر حول الأسوار الحجرية العتيقة خمسون عنصراً من نخبة "الحرس الأسود"، مدججين بأسلحة كهرومغناطيسية ونظارات رؤية بيومترية متصلة بغرف التوجيه المركزية، بينما جابت أسراب من الطائرات المسيرة فائقة الصغر فضاء القصر، تحميه من أي تسلل بري أو جوي. هنا، في هذا الحصن المنيف الذي توارثته عائلات الظل لأكثر من قرن، جلس رأس الأفعى الأخير: "الإمبراطور أوريون"، البارون الأكبر والمهندس الحقيقي لمجلس الأطياف؛ الرجل الذي نسج خيوط المؤامرة، ومول كارتيلات الشمال، ووجّه حروب القارات الخمس دون أن تُلتقط له صورة واحدة في سجلات العالم العلني.في قبو صخري مه

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status