LOGIN
الفصل الأول: الزوجة التي لم يخترها
لم تكن ليان منصور تؤمن بأن بعض الأبواب حين تُفتح، لا يمكن إغلاقها مرة أخرى. كانت تؤمن بالأشياء البسيطة. أن الإنسان يولد، يكبر، يحب، يخسر، ثم يتعلم كيف يبدأ من جديد. كانت تؤمن أن البيت هو المكان الذي تعود إليه عندما تتعب، وأن الأب هو الشخص الذي تستطيع أن تسأله عن كل شيء دون أن تخشى حكمه، وأن الأم، حتى لو غابت، تظل موجودة في الصور والذكريات. لكنها اكتشفت في الثالثة والعشرين من عمرها أن كل هذه الأشياء التي بنت عليها حياتها لم تكن سوى طبقة رقيقة فوق أسرار أكبر منها. أسرار أخفاها والدها عنها طوال سنوات. وأسرار ستجبرها الآن على الزواج من رجل لم تكن تعرفه إلا من صفحات الجرائد. رجل أطلق عليه الناس اسمًا واحدًا: الرجل الذي لا يحب النساء. --- كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة ليلًا عندما جلست ليان أمام مكتب والدها للمرة الأخيرة. لم تدخل هذه الغرفة منذ وفاته إلا مرات قليلة. في كل مرة كانت تدخلها، تشعر أن شيئًا ما يضغط على صدرها. كان المكتب كما تركه. الكتب مرتبة. النظارة فوق الأوراق. القلم الأسود بجوار الهاتف القديم. حتى الكرسي الجلدي الذي كان يجلس عليه والدها ظل في مكانه، وكأنه ينتظر عودته. مدت ليان يدها ولمست ظهر الكرسي. همست: «وحشتني يا أبي.» لم يجبها أحد. بالطبع. كانت تعرف ذلك. لكنها قالتها على أي حال. ثلاثة أشهر. ثلاثة أشهر كاملة منذ رحل والدها. وثلاثة أشهر وهي تحاول أن تتصرف كأنها بخير. كانت قد أنهت مراسم العزاء، وأغلقت حساباته الشخصية، وتولت مؤقتًا بعض شؤون الشركة، وبدأت في ترتيب المنزل. الجميع أخبرها أنها قوية. لم تكن كذلك. كانت فقط لا تملك خيارًا آخر. رفعت نظرها إلى المكتب. منذ أيام، طلب منها المحامي أن تراجع بعض المستندات القديمة المتعلقة بميراث والدها. ولهذا جاءت الليلة. كان من المفترض أن تبحث عن أوراق الشركة فقط. لكن شيئًا صغيرًا جذب انتباهها. خلف مجموعة من الكتب القديمة، لاحظت طرف ظرف بني. سحبته. كان مغطى بطبقة رقيقة من الغبار. قلبته. لم يكن عليه سوى اسم واحد. ليان. توقفت. عرفت الخط فورًا. خط والدها. لماذا ترك لها رسالة ولم يخبرها عنها؟ جلست على الكرسي. ظلت تحدق في الظرف للحظات. ثم فتحته. سقطت منه صورة. انحنت والتقطتها. وفي اللحظة التي رأت فيها الصورة، شعرت بأن قلبها توقف. كان والدها يقف في حديقة منزل قديم. وبجواره امرأة. امرأة شابة ترتدي فستانًا أبيض. شعرها طويل. وجهها هادئ. ابتسامتها صغيرة. حدقت ليان فيها. ثم اقتربت بالصورة من عينيها. لم تكن بحاجة إلى وقت طويل لتعرفها. كانت أمها. «ماما...» خرجت الكلمة من فمها دون وعي. جلست على الأرض. لم تكن قد رأت أمها إلا في صور قليلة. كانت والدتها، حسب ما أخبرها والدها، قد توفيت قبل ولادتها بعام. حادث سيارة. هذه هي القصة التي عاشت عليها طوال حياتها. أمها ماتت. والدها بقي. ورباها وحده. لكن التاريخ المكتوب خلف الصورة كان واضحًا. 17 أكتوبر 2004. حدقت ليان في الرقم. ثم أعادت قراءة التاريخ. 2004. كان ذلك بعد ولادتها بعام تقريبًا. كيف؟ كيف يمكن لأمها الميتة أن تكون في صورة بعد وفاتها؟ قلبت الصورة مرة أخرى. لا شيء. فقط التاريخ. بدأت أنفاسها تتسارع. «مستحيل.» وضعت الصورة على المكتب. بحثت في الظرف. كانت هناك ورقة أخرى. فتحتها. كانت نسخة من عقد. بدأت تقرأ. في البداية لم تفهم. ثم ظهر اسمها. ليان منصور. وتحته مباشرة: سليم الراوي. تجمدت. عرفت الاسم. كل شخص في القاهرة يعرفه. سليم الراوي. رجل الأعمال الذي ظهر اسمه خلال السنوات الأخيرة في عشرات الصفقات الكبرى. مالك مجموعة الراوي للاستثمارات. شاب في أوائل الثلاثينيات. ثري. ناجح. غامض. وغير متزوج. كانت الصحافة تحاول منذ سنوات معرفة سبب عزوفه عن الزواج. وكلما ظهرت معه امرأة في مناسبة ما، كان الأمر لا يتجاوز دقائق. ثم تختفي. حتى انتشرت عنه عبارة أصبحت عنوانًا متكررًا: سليم الراوي... الرجل الذي لا يحب النساء. لم تكن ليان تهتم به. لماذا تهتم؟ هي لم تقابله أصلًا. لكن اسمه الآن موجود في ورقة تحمل اسمها هي. قرأت العقد مرة أخرى. عقد زواج. رفعت رأسها. «ماذا؟» ضحكت. كانت ضحكة قصيرة خرجت من شدة الصدمة. «لا.» قلبت الصفحة. هناك بند واضح: مدة الزواج: عام واحد. توقفت. عام واحد؟ لماذا؟ ومن كتب هذا؟ تحت العقد كان توقيع والدها. وتوقيع رجل آخر. سليم الراوي. وضعت ليان الورقة على المكتب. شعرت بأن رأسها يدور. كان والدها قد مات منذ ثلاثة أشهر. لماذا كان قد أعد عقد زواج لها؟ ولماذا مع سليم تحديدًا؟ وقبل أن تتمكن من التفكير، رن جرس الباب. انتفضت. نظرت إلى الساعة. الحادية عشرة وخمسون دقيقة. من يأتي في هذا الوقت؟ رن الجرس مرة ثانية. وقفت. مسحت دموعها بسرعة. أغلقت العقد داخل الظرف. ثم خرجت من المكتب. اقتربت من الباب. نظرت من العين السحرية. وتجمدت. رجل طويل يقف أمام الباب. يرتدي بدلة سوداء. يداه في جيبيه. وجهه هادئ. لكن عينيه... كانتا تعرفانها. فتحت الباب ببطء. رفع الرجل عينيه إليها. تلاقى نظرهما. ولثانية، شعرت ليان أنها تعرفه رغم أنها لم تره من قبل. قال: «ليان منصور؟» «نعم.» «أنا سليم الراوي.» تجمدت. نظرت إليه. ثم إلى الظرف في يدها. عاد بصرها إليه. «ماذا تريد؟» قال بهدوء: «أعتقد أن الوقت حان لتعرفي لماذا اختار والدك أن يخفي عنك الحقيقة.» --- لم تعرف ليان ماذا تقول. بقيت واقفة عند الباب. وسليم لم يتحرك. لم يكن يشبه الصورة التي رسمتها الصحف في ذهنها. كان أكثر هدوءًا. أكثر قوة. وكان في نظرته شيء لا تستطيع تفسيره. قالت: «كيف تعرف والدي؟» «كنت أعرفه منذ سنوات.» «ولماذا تأتي إلى منزلي في منتصف الليل؟» «لأنني كنت أعرف أنك ستجدين الظرف الليلة.» «كيف؟» «لأنني كنت أنتظر أن تجديها.» نظرت إلى الظرف. «هل تعرف ما بداخله؟» «نعم.» «إذن أخبرني.» «ليس عند الباب.» ترددت. ثم قالت: «لا أعتقد أنني أريد أن أدخلك.» لم يتغير وجهه. «من حقك.» «وأنت لن تجادلني؟» «لا.» «غريب.» «لماذا؟» «لأن الرجال عادة لا يحبون أن يُرفضوا.» نظر إليها للحظة. «أنا لست مهتمًا بأن أحب أو أُحب.» توقفت. كانت الجملة تشبه تمامًا ما قرأته عنه. قال: «لكن إذا لم تسمحي لي بالدخول، سأنتظر هنا حتى تتأكدي بنفسك من أن ما وجدته حقيقي.» شعرت بالضيق. ثم ابتعدت عن الباب. «ادخل.» دخل. لم ينظر حوله كثيرًا. وكأنه يعرف المنزل. وهذا جعلها أكثر توترًا. أغلقت الباب. ثم وقفت أمامه. «الآن تكلم.» نظر إليها. «وجدتِ العقد.» «نعم.» «وقرأتِ الشرط؟» «عام واحد.» «نعم.» «زواج لمدة عام.» «نعم.» قالتها بنبرة جعلتها تشعر بالغضب. «أنت هادئ جدًا.» «لأنني كنت أعرف أن هذا سيحدث.» «هل كنت تعرف أن والدك سيجبرني على الزواج منك؟» تغيرت ملامحه. «والدي؟» «أليس هذا عقدًا بينك وبين أبي؟» «والدك هو من طلب مني الزواج بك.» «لماذا؟» «لحمايتك.» ضحكت بسخرية. «من ماذا؟» «من الأشخاص الذين يريدون ما تركه والدك.» «أبي لم يكن يملك أعداء.» «كل شخص يملك أعداء، ليان.» «لا تعرفه.» «كنت أعرفه أكثر مما تعتقدين.» سكتت. ثم رفعت الصورة أمامه. «وهذه؟» نظر إليها. وللمرة الأولى تغير وجهه. أخذ الصورة. ظل ينظر إليها طويلًا. «أين وجدتها؟» «في الظرف.» «هل كانت هناك صور أخرى؟» «لا.» قلب الصورة. رأى التاريخ. ثم قال: «كنت أعرف أن هذه الصورة ستظهر يومًا.» «ماذا تعني؟» «أمك لم تمت.» سقطت الكلمات عليها كصفعة. حدقت فيه. «ماذا قلت؟» «قلت إن أمك لم تمت.» «هذا مستحيل.» «ليس مستحيلًا.» «أبي قال إنها ماتت.» «والدك كان يحاول حمايتك.» «من ماذا؟» «من الحقيقة.» «كلكم تقولون هذه الجملة!» ارتفع صوتها. «حمايتي؟ أبي أخفى عني أمي! والآن تظهر أنت بعقد زواج! هل هذه هي الحماية؟» لم يرد. اقتربت منه. «أين أمي؟» «لا أعرف.» «أنت تكذب.» «لا.» «أنت تعرف.» «أعرف أنها كانت حية بعد التاريخ الذي قيل لك إنها ماتت فيه.» «كيف؟» «لأنني رأيتها.» توقفت. «متى؟» «منذ سنوات.» «وأنت كنت تعرف أنني ابنتها؟» «نعم.» «منذ متى؟» صمت. ثم قال: «منذ سبع سنوات.» لم تستطع منع دموعها. «سبع سنوات...» جلست. «وأنت لم تخبرني؟» جلس أمامها، لكنه حافظ على مسافة. «لم أكن أستطيع.» «لماذا؟» «لأن الشخص الذي أخفاها كان يراقبك.» «من؟» «لا أعرف.» «أنت لا تعرف شيئًا.» «أعرف أن والدك مات وهو خائف.» رفعت رأسها. «ماذا؟» «لم تكن وفاته طبيعية.» «التقرير قال أزمة قلبية.» «التقرير لا يقول الحقيقة.» «كيف تعرف؟» «كنت معه قبل موته.» ساد الصمت. قالت: «لماذا لم تخبر الشرطة؟» «لأنني لم أملك دليلًا.» «والآن؟» «الآن أملك سببًا.» «ما هو؟» نظر إليها. «أنت.» شعرت بقشعريرة. «أنا؟» «منذ وفاة والدك، بدأت الرسائل تصل.» «إلى من؟» «إليّ.» «ماذا تقول؟» «أنهم يعرفون أنك أصبحت وحدك.» «من هم؟» «لا أعرف.» ثم أضاف: «ولهذا يجب أن تتزوجيني.» ضحكت بمرارة. «تتحدث وكأن الأمر طبيعي.» «ليس طبيعيًا.» «إذن لماذا؟» «لأن اسم الراوي سيحميك.» «أو سيقتلني.» لم يجب. وكان صمته إجابة مخيفة. --- بعد دقائق، وضع سليم ملفًا أمامها. «اقرئي.» فتحته. كان هناك مستند آخر. «ما هذا؟» «وصية والدك.» قرأت. كان هناك بند واضح: إذا رفضت ليان الزواج من سليم الراوي خلال سبعة أيام، تنتقل ملكية جزء كبير من أموال والدها وشركته إلى مؤسسة خيرية. «أبي فعل هذا؟» «نعم.» «لماذا؟» «لأنه لم يكن يريد أن تتركي بلا حماية.» «كان يستطيع أن يتركني المال.» «المال لن يحميك.» «وأنت ستفعل؟» «سأحاول.» رفعت عينيها. «ولماذا؟» «لأنني وعدته.» «فقط؟» «فقط.» لم تصدقه. كان هناك شيء آخر. شيء يخفيه. قالت: «أنت لا تريد الزواج بي.» «لا.» «إذن لماذا وافقت؟» «لأنني مدين لوالدك.» «بالمال؟» «بحياتي.» صمتت. «أنقذ حياتك؟» «نعم.» ثم وقف. «فكري.» «كم لدي من الوقت؟» «سبعة أيام.» «وأنت؟» «ماذا عني؟» «هل ستنتظر؟» «نعم.» «لماذا تبدو واثقًا أنني سأوافق؟» نظر إليها. «لأنك تريدين معرفة الحقيقة.» ثم اتجه إلى الباب. وقبل أن يخرج، التفت. «ليان.» «ماذا؟» «إذا قررتِ الزواج، سيكون لك غرفة مستقلة.» رفعت حاجبها. «ماذا؟» «لن ألمسك.» صمتت. قال: «هذا زواج لحمايتك، وليس امتلاكك.» ثم خرج. أغلقت الباب. استندت إليه. لم تكن تعرف لماذا بقي صوته في رأسها. لن ألمسك. كان بإمكانه أن يتحدث عن حقوق الزواج. عن العقد. عن أي شيء. لكنه اختار أن يطمئنها. ولسبب لم تفهمه... شعرت بالأمان. --- في صباح اليوم التالي، استيقظت ليان على رسالة مجهولة. فتحت هاتفها. هل أخبرك سليم عن والدته؟ جلست في السرير. رسالة ثانية: اسأليه لماذا اختفت أمه في نفس العام الذي اختفت فيه أمك. وثالثة: إذا تزوجته، ستعرفين الحقيقة... لكنك قد لا تعيشين حتى نهاية السنة. حدقت في الشاشة. ثم اتصلت بسليم. رد بعد رنين واحد. «صباح الخير.» «أنت تعرف من يرسل لي الرسائل.» صمت. «أليس كذلك؟» «أين أنت؟» «في منزلي.» «سآتي إليك.» «لا.» «لماذا؟» «لأنك مراقبة.» «وأنت أيضًا.» «ليان.» «سليم.» سكت. ثم قال: «سأرسل لك السيارة.» «لا أريد سيارة.» «إذن ماذا تريدين؟» «أريد الحقيقة.» «ستحصلين عليها.» «كلها.» «كلها.» --- بعد ساعة، كانت ليان تجلس أمامه في مكتبه. كان المكان واسعًا وهادئًا. وضعت هاتفها أمامه. قرأ الرسائل. ثم أغلق عينيه للحظة. «كنت أتمنى ألا تصل إليك.» «إذن تعرف.» «أعرف أنهم يبحثون عنك.» «ومن هم؟» «لا أستطيع أن أعطيك اسمًا دون دليل.» «أخبرني عن والدتك.» نظر إليها. «من قال لك عنها؟» «الرسالة.» ظل صامتًا. ثم فتح درجًا وأخرج صورة قديمة. كانت لامرأة جميلة. ليان شعرت بالصدمة. كانت المرأة تشبه أمها. لكنها لم تكن هي. قال سليم: «هذه أمي.» نظرت إليها. «ما اسمها؟» «نادية الراوي.» «وماذا حدث لها؟» «اختفت منذ عشرين عامًا.» «في نفس وقت اختفاء أمي؟» «تقريبًا.» «هل كانتا تعرفان بعضهما؟» «نعم.» «كيف؟» «كانتا صديقتين.» وضعت ليان يدها على فمها. «وأبي؟» «كان يعرف أمي.» «ووالدك؟» «كان يعرف أمك.» نظرت إليه. «إذن عائلتنا كلها كانت تعرف بعضها.» «نعم.» «وأنا الوحيدة التي لم تعرف شيئًا.» «كنتِ طفلة.» «والآن أنا زوجتك.» توقف. نظر إليها. «ليس بعد.» شعرت بالحرج. «كنت أقصد...» «أعرف ما قصدتِ.» ثم قال: «هل ستوافقين؟» نظرت إلى العقد. ثم إليه. «سأتزوجك.» لم يتحرك. «لكن بشروطي.» «قولي.» «لا تكذب عليّ.» «موافق.» «لن تمنعني من البحث عن أمي.» «موافق.» «لن تعاملني كزوجة حقيقية أمامي، إذا لم أكن مستعدة لذلك.» توقف لحظة. «موافق.» «وأريد أن أعرف كل شيء.» «هذا أصعب شرط.» «لكن؟» «سأحاول.» مد يده. «اتفقنا.» نظرت إلى يده. ثم وضعت يدها فيها. كانت يده دافئة. وشعرت بقوة غريبة في تلك المصافحة. شيء لم يكن له علاقة بالعقد. ولا بالميراث. ولا بالخوف. سحب سليم يده ببطء. وقال: «إذن سنتزوج غدًا.» نظرت إليه. «غدًا؟» «نعم.» «أنت سريع جدًا.» «لأن الوقت ليس في صالحنا.» --- في اليوم التالي، لم يكن هناك حفل. فقط عقد زواج. محاميان. شاهدان. واثنان لا يعرف أحدهما الآخر بما يكفي ليقرر أن يقضي معه عامًا كاملًا. وقعت ليان. ثم وقع سليم. أصبحا زوجين. لكن عندما خرجا من مكتب المأذون، لم ينظر سليم إليها كزوجة. قال فقط: «هل أنت بخير؟» «لا.» نظر إليها. «لكنني سأكون.» لم يقل شيئًا. ركبا السيارة. وفي الطريق، كانت ليان تنظر من النافذة. ثم قالت: «سليم.» «نعم؟» «هل تكره النساء فعلًا؟» صمت. ثم قال: «لا.» التفتت إليه. «إذن لماذا يقولون ذلك؟» «لأنني لا أثق بسهولة.» «وهل تثق بي؟» نظر إليها. «لا.» «ممتاز.» «لكنني أريد أن أثق بك.» توقفت. لم تعرف لماذا شعرت بهذه الجملة أكثر من اللازم. قالت: «وأنا لا أثق بك.» ابتسم. «هذا أفضل.» «لماذا؟» «لأن الثقة التي تأتي بسهولة لا تدوم.» ثم عاد ينظر أمامه. لكن ليان لاحظت شيئًا. كانت هناك ابتسامة صغيرة على شفتيه. ابتسامة لم ترها في الصور. ولم ترها في الصحف. ابتسامة جعلتها تنسى للحظة أن الرجل الذي بجوارها هو الرجل الذي يقول الجميع إنه لا يحب النساء. --- وصلت إلى منزله مساءً. كان القصر كبيرًا. هادئًا. لكن على عكس ما توقعت، لم تشعر بالرهبة. قادها سليم إلى الطابق الثاني. فتح باب غرفة واسعة. «هذه غرفتك.» نظرت إليها. «وغرفتك؟» أشار إلى الباب المقابل. «هناك.» «بعيد.» «هذا ما اتفقنا عليه.» ابتسمت. «أنت ملتزم فعلًا.» «أحاول.» وقبل أن يدخل غرفته، قال: «ليان.» «نعم؟» «إذا احتجتِ أي شيء، اتصلي بي.» «حتى لو كنت في الغرفة المقابلة؟» «حتى لو كنت بجوارك.» ثم دخل. أغلقت ليان باب غرفتها. جلست على السرير. فتحت هاتفها. وصلتها رسالة جديدة. لكن هذه المرة لم تكن من رقم مجهول. كانت صورة. صورتها هي. وهي تدخل منزل سليم. وتحت الصورة: الزواج بدأ. ثم وصلت رسالة ثانية: والآن سنبدأ نحن. شعرت بالخوف. وقبل أن تتمكن من الاتصال بسليم، سمعت طرقًا على الباب. فتحته. كان سليم واقفًا. «وصلتك رسالة؟» نظرت إليه. «كيف عرفت؟» «لأنني وصلتني الرسالة نفسها.» أراها هاتفه. كانت الصورة ذاتها. ثم قال: «من الآن، لا تفتحي الباب لأي شخص.» «وأنت؟» «أنا؟» نظرت إليه. «إذا طرقت بابي؟» صمت لحظة. ثم ابتسم. «سأنتظر حتى تسمحي لي بالدخول.» أغلقت ليان الهاتف. ولأول مرة منذ بدأت هذه الفوضى، شعرت أنها ليست وحدها. لكنها لم تكن تعرف أن هذا الرجل الذي دخل حياتها كزوج على الورق... سيصبح بعد وقت قصير الشخص الوحيد الذي ستخاف من فقدانه. ولم تكن تعرف أيضًا أن أكبر سر في زواجهما لم يكن متعلقًا بأمها فقط. بل متعلقًا بسليم نفسه. لأن الرجل الذي أقسم طوال حياته أنه لا يحب النساء... كان قد بدأ بالفعل يشعر بشيء تجاه زوجته الجديدة. شيء لم يكن مستعدًا للاعتراف به. حتى لنفسه.الفصل الثلاثون: الاسم المكتوب أسفل العقدكان البيت هادئًا على نحو مخيف.لم يكن هدوء البيوت التي ينام أهلها، بل هدوء الأماكن التي تخفي شيئًا وتنتظر أن يأتي من يكشفه.وقفت ليان عند البوابة، ويد سليم ممسكة بيدها.كانت تعرف أن وراء هذه الجدران إجابات كثيرة، لكنها لم تكن تعرف إن كانت مستعدة لسماعها.قال سليم بهدوء:«لو أردتِ أن نعود، سنعود.»نظرت إليه.«هل تريد العودة؟»«لا.»«إذن لا تسألني.»ابتسم.«كنت أعرف إجابتك.»«لماذا؟»«لأنك عندما تخافين، تصبحين أكثر شجاعة.»خفضت عينيها.«وأنت عندما تخاف، تصبح أكثر عنادًا.»«ربما.»«بل بالتأكيد.»فتحا الباب.دخلا.---كانت رائحة الخشب القديم والرطوبة تملأ المكان.أضواء قليلة كانت مضاءة في الممر.قال سليم:«إنها تعرف أننا هنا.»«نعم.»«لكنها لا تختبئ.»«لأنها تريدنا أن ندخل.»«وهذا أكثر ما يقلقني.»تقدما ببطء.وصل صوت امرأة من الطابق العلوي:«كنت أعلم أنك ستأتين يا ليان.»توقفت ليان.عرفت الصوت.جدتها.ليلى.صعدت الدرج، وسليم خلفها.عندما وصلا إلى الطابق الثاني، كانت امرأة مسنة تقف عند نهاية الممر.شعرها أبيض، لكنها كانت تقف باستقامة.لم تكن تبدو ام
الفصل التاسع والعشرون: السر الذي لا يملكه أحدلم تنم ليان تلك الليلة.كانت جملة إياد تتردد في رأسها بلا توقف:«السر الوحيد الذي يمكن أن يجعل زواجكما مستحيلًا.»جلست قرب النافذة، بينما كانت المدينة تستيقظ ببطء خلف الزجاج. لم تعد تعرف أي شيء على وجه اليقين.أمها حية.إياد حي.فارس اختفى.جدتها التي قيل إنها ماتت ما زالت حية.والرجل الذي ظنته والدها لم يكن والدها.أما سليم...فكان الشيء الوحيد الذي بقي ثابتًا وسط كل هذه الفوضى.أو هكذا كانت تتمنى.فتح باب الغرفة.كان سليم يقف هناك.«لم تنامي.»لم تنظر إليه.«وأنت؟»«لا.»جلس إلى جوارها.ظل صامتًا.ثم قالت:«هل تخاف؟»«نعم.»التفتت إليه.«من ماذا؟»«من أن يأتي اليوم الذي أضطر فيه إلى الاختيار بين الحقيقة وبينك.»«لن يحدث.»«كيف تعرفين؟»«لأنني لن أجعلك تختار.»نظر إليها طويلًا.«وأنا لن أجعلك تختارين.»ابتسمت.«إذن نحن متفقان.»«على شيء واحد.»«ما هو؟»«أننا لن نصدق أي شخص بسهولة.»أومأت.«حتى آباؤنا.»«خصوصًا آباؤنا.»ضحكت رغم توترها.ثم قالت:«سليم.»«نعم؟»«إذا اكتشفنا أن زواجنا غير ممكن...»توقف.«لا تكملي.»«لكن...»«لا أريد أن أسمع
الفصل الثامن والعشرون: الرجل الذي مات مرتينلم تصرخ ليان.لم تستطع.ظلّت واقفة في مكانها، وعيناها معلقتان بالرجل الذي خرج من الظلام، بينما كان عقلها يرفض الصورة التي تراها أمامه.وجهه لم يكن غريبًا.لقد رأته عشرات المرات.في الصور القديمة.في التسجيلات.في أحلام أمها.في الحكايات التي رواها سليم عن أب لم يعرفه قط.كان هو نفسه.الشعر الذي شاب قليلًا.الملامح الحادة.العينان اللتان تحملان شيئًا من عيني سليم.لكن الرجل كان أكبر سنًا مما كان في الصور.وأكثر تعبًا.وأكثر حزنًا.قال بصوت منخفض:«سليم.»ارتجفت شفتا سليم.لم يتحرك.كان يحدق فيه كما لو أن أمامه شبحًا.قال:«أبي؟»لم يجب الرجل.فقط نظر إليه.ثم قال:«كنت أتمنى ألا تعرفني بهذه الطريقة.»تقدم سليم خطوة.«أنت ميت.»«أعرف.»«رأيت شهادة وفاتك.»«كانت مزورة.»«دفنوك.»«لم أُدفن.»«رأيت القبر.»«كان هناك رجل آخر.»هز سليم رأسه.«لا.»اقترب أكثر.«لا يمكن.»قال إياد:«يمكن.»رفع سليم يده إلى وجهه، وكأنه يحاول أن يستوعب ما يحدث.أما ليان فكانت تنظر إلى سلمى.كانت أمها تبكي.قالت ليان:«كنتِ تعرفين.»رفعت سلمى عينيها.«نعم.»«كنت تعرفين
الفصل السابع والعشرون: الخزنة التي اختارت صاحبيهالم يكن الطريق إلى المنزل القديم طويلًا، لكنه بدا لليان أطول طريق قطعته في حياتها.جلست إلى جوار سليم في المقعد الأمامي، بينما كانت سلمى وآدم ونادين في السيارة الأخرى خلفهما.لم يتحدث أحد.كان المطر يضرب زجاج السيارة بقوة، والمساحات تتحرك ذهابًا وإيابًا، كأنها تحاول أن تمحو عن الطريق شيئًا لا يريد أن يختفي.وضعت ليان يدها على يد سليم.التفت إليها للحظة.«خائفة؟»ابتسمت ابتسامة صغيرة.«كنت سأقول لا.»«لكن؟»«لكنني تعلمت ألا أكذب عليك.»ابتسم.«إذن قولي الحقيقة.»«أنا خائفة جدًا.»ضغط على يدها.«وأنا أيضًا.»رفعت حاجبها.«أنت؟»«نعم.»«أنت لا تخاف.»«كنت أظن ذلك.»«ومتى اكتشفت العكس؟»نظر إليها.«منذ أن أصبحتِ تعنين لي شيئًا يمكن أن أخسره.»صمتت.ثم قالت:«لن تخسرني.»«وعد؟»«وعد.»عاد ينظر إلى الطريق.لكن ليان لم تستطع أن تمنع نفسها من التفكير في الكلمات التي قالتها أمها قبل دقائق.ليلى منصور.جدتها.المرأة التي قيل إنها ماتت قبل ولادتها.المرأة التي شاركت في تزوير شهادة ميلادها.والأخطر من ذلك...أنها ما زالت حية.قالت ليان:«سليم.»«نع
الفصل السادس والعشرون: المرأة التي حملت سرّ أميلم تستطع ليان أن تتحرك.كانت المرأة تقف في نهاية الدرج، تحت ضوء مصباح ضعيف يتدلى من السقف، وملامحها تحمل شيئًا مألوفًا بصورة أربكتها.لم تكن تشبه سلمى.لكن عينيها...عيناها كانتا تشبهان عيني ليان.قالت المرأة مرة أخرى:«أنا المرأة التي كان يجب أن تكون أمك.»تقدم سليم خطوة.«من أنتِ؟»نظرت إليه طويلًا.«أنت تشبه إياد.»تغير وجهه.«كنتِ تعرفين أبي؟»«أكثر مما تتخيل.»قالت ليان:«قلتِ إنك كان يجب أن تكوني أمي.»أومأت المرأة.«اسمي نادين.»«نادين ماذا؟»«نادين الراوي.»شهقت ليان.التفتت إلى سليم.«الراوي؟»قالت نادين:«نعم.»اقتربت ليان منها.«كيف تكونين أمي؟»«لست أمك بالدم.»«إذن ماذا تقصدين؟»تنهدت.«كنت الزوجة الأولى لإياد.»نظر سليم إليها.«زوجة أبي؟»«نعم.»«لكن أمي كانت سلمى.»«أعرف.»«إذن لماذا قلتِ إنك كان يجب أن تكوني أمي؟»خفضت رأسها.«لأن إياد كان يعتقد أنني سأربيك.»ساد الصمت.قال سليم:«ماذا حدث؟»«قبل ولادتك بأشهر، اكتشفت أنني لا أستطيع الإنجاب.»ثم نظرت إلى ليان.«وعندما حملت سلمى...»توقفت.«طلب مني إياد أن أحميها.»قالت ليا
الفصل الخامس والعشرون: الزواج الذي لم يكن يجب أن يحدثظل صوت آدم معلقًا في الغرفة حتى بعد أن توقف جهاز التسجيل.لم تتحرك ليان.كانت تحدق في الجهاز الصغير فوق الطاولة، وكأنها تنتظر أن يعود الصوت مرة أخرى ويصحح الجملة الأخيرة.لكن شيئًا لم يحدث.فقط الصمت.ثم صوت خطوات في الممر.استدار سليم.كان يونس يقف عند الباب.لم يكن يحمل سلاحًا هذه المرة.وهذا جعله أكثر خطورة.قال بهدوء:«الآن فهمتما.»رفعت ليان رأسها.«ماذا نفهم؟»نظر إليها.«أن زواجكما لم يكن يجب أن يحدث.»اقترب سليم منه.«تكلم.»«ليس هنا.»«بل هنا.»«سليم...»«كل حياتي كانت أكاذيب. أمي، أبي، عائلتي، طفولتي. والآن تقول إن زواجي من ليان كان خطأ؟ أريد أن أعرف لماذا.»ابتسم يونس.«لأنكما كنتما جزءًا من اتفاق قديم.»قالت ليان:«أي اتفاق؟»نظر إليها.«اتفاق بين والدتك وعائلتي.»«أمي لم تكن لتوافق على شيء يؤذيني.»«لم يكن الاتفاق يؤذيك.»«إذن ماذا كان؟»صمت.ثم قال:«كان الهدف أن تتزوجي رجلًا من عائلة الراوي.»تجمدت ليان.نظرت إلى سليم.«لكنني تزوجت سليم.»«وهنا المشكلة.»قال سليم:«ما المشكلة؟»أجاب يونس:«أنك لست الراوي الذي كان الا







