LOGINالفصل العاشر: الرجل الذي ربّاني
كانت ليان تحدق في سليم، لكنها لم تكن تراه. كانت ترى الماضي. وجه والدها. صوته. يده التي كانت تمسك بيدها عندما كانت طفلة. الليالي التي كان يجلس فيها بجوار سريرها حين تمرض. أول يوم ذهبت فيه إلى المدرسة. أول مرة عادت فيها إلى المنزل وهي تبكي. كل تلك الذكريات التي بنت عليها صورة واحدة ثابتة لرجل لم تشك يومًا في أنه والدها. والآن، في لحظة واحدة، أصبح كل شيء موضع سؤال. «الرجل الذي ربّى ليان طوال حياتها.» كانت كلمات رائد تتردد في رأس سليم. لكنه لم يكن قد أخبرها بها. ليس بعد. كان يخشى أن تكون الحقيقة أقسى من أن تتحملها. قالت ليان: «ماذا قال أبي قبل أن يغلق الخط؟» «قال إنه يثق بي.» «وأنت تعرف شيئًا آخر.» نظر إليها. «ماذا تقصدين؟» «وجهك.» «وجهي؟» «عندما قال أبي إنه يثق بك، تغير وجهك.» سكت. اقتربت منه. «ماذا تخفي عني؟» أخذ نفسًا طويلًا. «هناك شيء وجدته في الملف.» «ما هو؟» «اسم كمال.» «عمك؟» «نعم.» «وماذا عنه؟» أخرج الورقة من جيبه. ناولها لها. قرأت السطر. «إذا تزوج سليم من ليان، ستبدأ المرحلة الأخيرة.» رفعت عينيها. «ما معنى هذا؟» «لا أعرف.» «لكن رائد يعرف.» «على الأغلب.» «وكمال يعرف.» «ربما.» حدقت فيه. «أنت فعلتها مرة أخرى.» «ماذا؟» «قلت ربما.» ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهه رغم التوتر. «حسنًا. كمال يعرف.» «أفضل.» ثم أعادت الورقة. «وماذا عن أبي؟» «ماذا عنه؟» «أنت تعرف أنه حي.» «نعم.» «وهو يعرف أنك تعرف.» «نعم.» «إذن لماذا لم تخبرني من قبل؟» «لأنني كنت أريد أن أتأكد.» «تأكدت.» «نعم.» «إذن حان الوقت لأعرف كل شيء.» نظر إليها طويلًا. ثم قال: «سأخبرك بكل ما أعرفه.» --- جلسا في غرفة المعيشة. كانت نادية تقف بالقرب من النافذة، تراقبهما. قال سليم: «قبل زواجنا، وصلتني رسالة تقول إن والدي حي.» «ولماذا لم تقل لي؟» «لأنني لم أكن أملك دليلًا.» «ثم وجدت الدليل.» «نعم.» «وماذا حدث؟» «بدأت أبحث.» «عن أبيك؟» «عن الحقيقة.» «وماذا وجدت؟» تردد. «وجدت أن عائلتي لم تكن كما تخيلت.» «وأنا؟» «أنت أيضًا.» «ماذا تقصد؟» «وجدت أن والدك كان مرتبطًا بوالدي.» قالت: «هذا أعرفه.» «لكنني وجدت شيئًا آخر.» «ما هو؟» «والدك لم يكن مجرد شريك.» سكتت. «كان هو الشخص الذي يحتفظ بالملفات الأصلية.» «أي ملفات؟» «ملفات الشبكة كلها.» «شبكة الأموال؟» «نعم.» «هل كان مجرمًا؟» «لا أستطيع أن أحكم عليه.» «لكنك قلت إن الملفات كانت عنده.» «لأنه حاول استخدامها للخروج من الشبكة.» «وهل نجح؟» «لا أعرف.» قالت نادية: «نجح جزئيًا.» التفتت ليان إليها. «كيف؟» «أخفى الملفات.» «أين؟» «لم نعرف.» قال سليم: «إلى أن ظهرت أنتِ.» تجمدت. «أنا؟» «أعتقد أن الملفات مرتبطة بك.» «كيف؟» «المفتاح.» رفعت القلادة. «هذا؟» «نعم.» قالت نادية: «فارس لم يعطك المفتاح لحماية شيء.» «إذن لماذا؟» «لأنك أنتِ كنتِ المفتاح.» لم تفهم. «كيف؟» «لا أعرف.» --- وقفت ليان. «أريد أن أرى أبي.» قال سليم: «سنراه.» «متى؟» «عندما نعرف مكانه.» «هو اتصل بي.» «الاتصال كان مشفرًا.» «هل تستطيع تتبعه؟» «أحاول.» أخرج هاتفه. ضغط عدة أزرار. ظهرت أمامه خريطة. قال: «الإشارة كانت ضعيفة.» «لكن؟» «آخر نقطة ظهرت في القاهرة القديمة.» «أي مكان؟» «قرب مبنى مهجور.» «هل يمكن أن يكون هناك؟» «ربما.» نظرت إليه. «سأذهب.» «سنذهب.» «أنت متأكد؟» «قلت لك إنني لن أتركك.» ترددت. ثم قالت: «سليم.» «نعم؟» «أريد أن أسألك شيئًا.» «اسألي.» «عندما اعترفت لي أنك تحبني... هل كنت تعرف كل هذه الأشياء؟» صمت. «لم أكن أعرف كل شيء.» «لكن كنت تعرف أن زواجنا لم يكن صدفة.» «نعم.» «هل أحببتني رغم ذلك؟ أم لأنهم أرادوا منا أن نتزوج؟» اقترب منها. «في البداية كان الزواج قرارًا.» ثم رفع عينيه إليها. «لكن حبي لك لم يكن قرار أحد.» «كيف أعرف؟» أمسك يدها. «لأنني حاولت أن أقاومه.» ابتسمت بحزن. «وفشلت.» «فشل ذريع.» ضحكت للمرة الأولى منذ ساعات. ثم قالت: «وأنا أيضًا.» --- خرج الاثنان مع نادية. كانت المدينة قد بدأت تستعد لليل. وصلوا إلى المبنى المهجور. كان قديمًا، بابه نصف مكسور. قال سليم: «ابقَي خلفي.» «لن أبتعد.» «أعرف.» دخلوا. الغبار يغطي كل شيء. وفي نهاية الممر وجدوا بابًا خشبيًا. كان مفتوحًا. دخل سليم. لم يكن هناك أحد. فقط كرسي. وفوقه جهاز تسجيل. اقترب منه. ضغط زر التشغيل. جاء صوت فارس. «ليان... إذا وصلتِ إلى هنا، فهذا يعني أن سليم لم يتخلَّ عنك.» نظرت إلى سليم. تابع التسجيل: «كنت أعرف أنه سيأتي معك.» توقفت ليان عن التنفس. «ولهذا اخترته.» سأل سليم: «ماذا؟» لكن التسجيل استمر. «كنت أعرف أنني لن أستطيع حماية ابنتي إلى الأبد.» ثم صمت. «ولذلك احتجت إلى رجل لا يخاف من الحقيقة.» قالت ليان: «أبي اختارك.» رد سليم: «يبدو ذلك.» عاد صوت فارس: «سليم، إذا كنت تسمعني، فأنت تعرف الآن أن رائد حي.» سكت التسجيل لحظة. «لكنك لا تعرف أنه لم يكن عدوك.» نظر سليم إلى نادية. «ماذا؟» تابع فارس: «رائد حاول إنقاذنا.» تجمد سليم. «كمال هو الذي خاننا.» ثم انقطع التسجيل. --- قالت ليان: «إذن عمك هو العدو.» قالت نادية: «كان.» سألها سليم: «ماذا تقصدين؟» «كمال لم يكن وحده.» «من معه؟» «رجل أقوى منه.» «من؟» نظرت إلى ليان. «هذا هو الجزء الذي لا أعرف كيف أخبرك به.» قالت ليان: «أخبريني.» «الرجل الذي كان يمول الشبكة... كان يعيش باسم فارس منصور.» ساد الصمت. تراجعت ليان. «أبي؟» «ليس كما تظنين.» «قولي الحقيقة.» قالت نادية: «فارس لم يكن الرأس.» «إذن؟» «كان يعمل تحت شخص آخر.» «من؟» نادية لم تجب. قال سليم: «كمال؟» هزت رأسها. «لا.» ثم قالت: «رائد.» تجمد سليم. «والدي؟» «في البداية.» «ماذا يعني في البداية؟» «رائد كان يدير جزءًا من الشبكة.» «ثم؟» «اكتشف أنها أكبر مما تصور.» «ومن كان فوقه؟» نظرت إلى ليان. «الرجل الذي ربّاك.» لم تستطع ليان التنفس. «لا.» «ليان...» «لا.» «اسمعيني.» «لا أريد أن أسمع.» «يجب أن تعرفي.» «أبي هو أبي.» «فارس ليس والدك البيولوجي.» انكسرت الجملة في الهواء. لم تتحرك ليان. لم تبكِ. لم تصرخ. فقط نظرت إلى نادية كأنها تنتظر منها أن تضحك وتقول إنها كانت تمزح. لكن نادية لم تفعل. قالت ليان بصوت ضعيف: «ماذا قلتِ؟» «فارس ليس والدك الحقيقي.» أغلقت عينيها. كانت الذكريات تتهاوى. الاسم. الوجه. الصوت. كل شيء. قال سليم: «ليان...» رفعت يدها. «لا.» تراجع. «أحتاج إلى أن أكون وحدي.» «لن أتركك.» «سليم، أرجوك.» كانت أول مرة تطلب منه الابتعاد. وكان يعلم أنه يجب أن يحترم ذلك. ابتعد خطوة. لكن عينيه بقيتا عليها. --- خرجت ليان من المبنى. سارت دون أن تعرف إلى أين. كان الهواء باردًا. المدينة حولها تتحرك. لكنها لم تسمع شيئًا. جلست على مقعد حجري. وضعت يديها على وجهها. ثم بدأت تبكي. ليس بسبب رجل واحد. بل بسبب حياة كاملة. كل ذكرى أصبحت سؤالًا. هل كان أبي يعرف؟ هل كانت أمي تعرف؟ هل كان فارس يحبها فعلًا؟ هل كانت كل السنوات التي عاشتها معه كذبة؟ سمعت خطوات. لم ترفع رأسها. جلس سليم بجوارها. لم يلمسها. فقط جلس. بعد دقائق قالت: «قلت لك ابتعد.» «أعرف.» «لماذا عدت؟» «لأنني لم أستطع.» نظرت إليه. «هذا ليس وقت الحب.» «أنا لا أطلب منك شيئًا.» «أنا لا أعرف من أنا.» «أنتِ ليان.» «ومن أبي؟» «لا أعرف.» «وأمي؟» «سنجدها.» «وأنت؟» «أنا هنا.» بدأت تبكي من جديد. هذه المرة اقترب منها. لم تعترض. أسندت رأسها إلى صدره. وضع ذراعه حولها. قال: «ابكي.» «أنا خائفة.» «أعرف.» «كل شيء كان كذبة.» «ليس كل شيء.» رفعت رأسها. «ماذا تقصد؟» «ما بيننا ليس كذبة.» نظرت إلى عينيه. «هل أنت متأكد؟» «أكثر شيء أنا متأكد منه في حياتي.» أغلقت عينيها. «أنا أحبك.» «وأنا أحبك.» ثم بقي معها حتى هدأت. --- بعد ساعة، عادوا إلى الشقة. كانت نادية تنتظر. قالت: «هناك شيء يجب أن أريه لك.» وضعت أمام ليان ملفًا. «هذا ما يثبت كل شيء.» فتحت الملف. كانت هناك وثيقة قديمة. شهادة ميلاد. توقفت. اسم الأم: سلمى منصور. أما اسم الأب... كان فارغًا. قالت: «لماذا؟» «لأن اسم الأب لم يكن مسجلًا.» «ومن يعرف؟» «سلمى.» «وأبي؟» «يعرف.» «ورائد؟» «يعرف.» «وكمال؟» «يعرف.» رفعت ليان رأسها. «من أبي إذن؟» صمتت نادية. ثم قالت: «الرجل الوحيد الذي لا أريد أن يكون هو.» «من؟» قبل أن تجيب، رن هاتف سليم. نظر إلى الشاشة. رقم مجهول. أجاب. «نعم؟» جاء صوت رجل. هادئ. «سليم.» تغير وجهه. «من أنت؟» ضحكة قصيرة. «أبوك.» تجمد. وضعت ليان يدها على فمها. قال رائد: «لا تصدق كل ما قالته نادية.» «أين أنت؟» «قريب منك.» «أريد أن أراك.» «ستفعل.» «أين؟» «غدًا.» «أين؟» «في الفندق القديم.» ثم أضاف: «لكن لا تأتِ وحدك.» نظر سليم إلى ليان. «من تريد؟» قال رائد: «ليان.» ثم انقطع الاتصال. --- في صباح اليوم التالي، استيقظت ليان قبل الجميع. لم تستطع النوم. كانت تفكر في السؤال نفسه. من أبي الحقيقي؟ خرجت إلى الشرفة. وجدت سليم هناك. «لم تنم.» «وأنتِ أيضًا.» وقفت بجواره. «هل سنذهب؟» «نعم.» «حتى لو كان فخًا؟» «نعم.» «لماذا؟» «لأنني أريد أن أسمع الحقيقة من رائد.» «وأنا أريد أن أعرف من أنا.» نظر إليها. «أنتِ ليان.» «لكن ابنة من؟» «لا يهم.» «بالنسبة لي يهم.» «سنكتشف.» «وماذا لو كان شخصًا سيئًا؟» «هذا لا يغير شيئًا.» «ماذا لو كنت أنا سيئة؟» استدار إليها. «لا تقولي ذلك.» «لكنني لا أعرف.» أمسك وجهها بين يديه. «اسمعيني.» نظرت إليه. «أنتِ لستِ ماضي والدك، ولا أخطاء أمك، ولا أسرار عائلتك.» توقفت دموعها. «أنتِ أنتِ.» ثم قال: «وأنا أحبك أنتِ.» أغلقت عينيها. «لا تتركني.» «لن أفعل.» --- وصل الاثنان إلى الفندق القديم في الظهيرة. كان مهجورًا تقريبًا. صعدا إلى الطابق الأخير. كان الباب مفتوحًا. دخل سليم أولًا. وفي نهاية الغرفة وقف رجل. كان ظهره إليهما. ثم استدار. رائد الراوي. نظر إلى ابنه طويلًا. ثم قال: «كبرت يا سليم.» ظل سليم واقفًا. «وأنت لم تتغير.» ابتسم رائد. «السنوات لا ترحم أحدًا.» «أمي قالت إنك كنت تحاول حمايتي.» «صحيح.» «وفارس؟» «كان يحاول حماية ليان.» «من كمال؟» «من الجميع.» ثم نظر إلى ليان. «خصوصًا من الحقيقة.» تقدمت. «أريد أن أعرف من أبي.» نظر إليها. كان في عينيه حزن غريب. «كنت أتمنى ألا تعرفي أبدًا.» «لكنني عرفت.» «نعم.» «إذن قلها.» صمت. ثم قال: «فارس أحبك أكثر من أي رجل يمكن أن تحبيه.» «لكنه ليس أبي.» «لا.» «إذن من هو؟» نظر رائد إلى سليم. ثم عاد إليها. «والدك الحقيقي...» توقف. وفجأة انطفأت الأنوار. سمعوا صوت باب يغلق. ثم صوت رجل من مكبر صغير: «انتهى وقت الأسرار.» أضاءت شاشة في نهاية الغرفة. ظهرت عليها صورة سلمى. مقيدة في غرفة مجهولة. صرخت ليان: «أمي!» ثم ظهر رجل بجوارها. وجهه واضح. كمال الراوي. قال: «أردت أن ألتقي بكما.» صرخ سليم: «أين هي؟» ابتسم كمال. «حيث لن تصل إليها.» «إذا لمستها...» «لا تهددني يا ابن أخي.» ثم نظر إلى ليان. «لأنك ستأتين إليّ بنفسك.» قالت: «لماذا؟» اقترب وجهه من الكاميرا. «لأنني أملك الإجابة عن السؤال الذي تبحثين عنه.» توقفت. «أي سؤال؟» قال: «أنا أعرف من هو والدك الحقيقي.» ثم أضاف: «وأعرف لماذا اختارت أمك أن تخفيك عن أبيك طوال حياتك.» انطفأت الشاشة. نظر سليم إلى رائد. «أنت كنت تعرف.» لم يجب. «أنت تعرف من والدها.» ظل رائد صامتًا. اقتربت ليان منه. «قل لي.» نظر إليها. ثم قال بصوت منخفض: «نعم... أعرف.» «من؟» أغمض عينيه. وبعد لحظة قال: «والدك الحقيقي هو الرجل الذي ظننتِ طوال حياتك أنه عمّك.» تجمدت ليان. التفتت ببطء نحو سليم. كان وجهه شاحبًا. قال: «كمال؟» أومأ رائد. «كمال هو والد ليان الحقيقي.» ولم يكن أي منهما مستعدًا لما تعنيه تلك الحقيقة. لأنها لم تكن تعني فقط أن ليان اكتشفت أن الرجل الذي ربّاها ليس والدها. بل تعني أن الرجل الذي كان يلاحقهما منذ البداية... هو والدها البيولوجي. وأن سلمى لم تهرب من كمال لأنه كان عدوًا لعائلتها فقط. بل لأنها كانت تهرب بابنتها من أبيها نفسه.الفصل الثلاثون: الاسم المكتوب أسفل العقدكان البيت هادئًا على نحو مخيف.لم يكن هدوء البيوت التي ينام أهلها، بل هدوء الأماكن التي تخفي شيئًا وتنتظر أن يأتي من يكشفه.وقفت ليان عند البوابة، ويد سليم ممسكة بيدها.كانت تعرف أن وراء هذه الجدران إجابات كثيرة، لكنها لم تكن تعرف إن كانت مستعدة لسماعها.قال سليم بهدوء:«لو أردتِ أن نعود، سنعود.»نظرت إليه.«هل تريد العودة؟»«لا.»«إذن لا تسألني.»ابتسم.«كنت أعرف إجابتك.»«لماذا؟»«لأنك عندما تخافين، تصبحين أكثر شجاعة.»خفضت عينيها.«وأنت عندما تخاف، تصبح أكثر عنادًا.»«ربما.»«بل بالتأكيد.»فتحا الباب.دخلا.---كانت رائحة الخشب القديم والرطوبة تملأ المكان.أضواء قليلة كانت مضاءة في الممر.قال سليم:«إنها تعرف أننا هنا.»«نعم.»«لكنها لا تختبئ.»«لأنها تريدنا أن ندخل.»«وهذا أكثر ما يقلقني.»تقدما ببطء.وصل صوت امرأة من الطابق العلوي:«كنت أعلم أنك ستأتين يا ليان.»توقفت ليان.عرفت الصوت.جدتها.ليلى.صعدت الدرج، وسليم خلفها.عندما وصلا إلى الطابق الثاني، كانت امرأة مسنة تقف عند نهاية الممر.شعرها أبيض، لكنها كانت تقف باستقامة.لم تكن تبدو ام
الفصل التاسع والعشرون: السر الذي لا يملكه أحدلم تنم ليان تلك الليلة.كانت جملة إياد تتردد في رأسها بلا توقف:«السر الوحيد الذي يمكن أن يجعل زواجكما مستحيلًا.»جلست قرب النافذة، بينما كانت المدينة تستيقظ ببطء خلف الزجاج. لم تعد تعرف أي شيء على وجه اليقين.أمها حية.إياد حي.فارس اختفى.جدتها التي قيل إنها ماتت ما زالت حية.والرجل الذي ظنته والدها لم يكن والدها.أما سليم...فكان الشيء الوحيد الذي بقي ثابتًا وسط كل هذه الفوضى.أو هكذا كانت تتمنى.فتح باب الغرفة.كان سليم يقف هناك.«لم تنامي.»لم تنظر إليه.«وأنت؟»«لا.»جلس إلى جوارها.ظل صامتًا.ثم قالت:«هل تخاف؟»«نعم.»التفتت إليه.«من ماذا؟»«من أن يأتي اليوم الذي أضطر فيه إلى الاختيار بين الحقيقة وبينك.»«لن يحدث.»«كيف تعرفين؟»«لأنني لن أجعلك تختار.»نظر إليها طويلًا.«وأنا لن أجعلك تختارين.»ابتسمت.«إذن نحن متفقان.»«على شيء واحد.»«ما هو؟»«أننا لن نصدق أي شخص بسهولة.»أومأت.«حتى آباؤنا.»«خصوصًا آباؤنا.»ضحكت رغم توترها.ثم قالت:«سليم.»«نعم؟»«إذا اكتشفنا أن زواجنا غير ممكن...»توقف.«لا تكملي.»«لكن...»«لا أريد أن أسمع
الفصل الثامن والعشرون: الرجل الذي مات مرتينلم تصرخ ليان.لم تستطع.ظلّت واقفة في مكانها، وعيناها معلقتان بالرجل الذي خرج من الظلام، بينما كان عقلها يرفض الصورة التي تراها أمامه.وجهه لم يكن غريبًا.لقد رأته عشرات المرات.في الصور القديمة.في التسجيلات.في أحلام أمها.في الحكايات التي رواها سليم عن أب لم يعرفه قط.كان هو نفسه.الشعر الذي شاب قليلًا.الملامح الحادة.العينان اللتان تحملان شيئًا من عيني سليم.لكن الرجل كان أكبر سنًا مما كان في الصور.وأكثر تعبًا.وأكثر حزنًا.قال بصوت منخفض:«سليم.»ارتجفت شفتا سليم.لم يتحرك.كان يحدق فيه كما لو أن أمامه شبحًا.قال:«أبي؟»لم يجب الرجل.فقط نظر إليه.ثم قال:«كنت أتمنى ألا تعرفني بهذه الطريقة.»تقدم سليم خطوة.«أنت ميت.»«أعرف.»«رأيت شهادة وفاتك.»«كانت مزورة.»«دفنوك.»«لم أُدفن.»«رأيت القبر.»«كان هناك رجل آخر.»هز سليم رأسه.«لا.»اقترب أكثر.«لا يمكن.»قال إياد:«يمكن.»رفع سليم يده إلى وجهه، وكأنه يحاول أن يستوعب ما يحدث.أما ليان فكانت تنظر إلى سلمى.كانت أمها تبكي.قالت ليان:«كنتِ تعرفين.»رفعت سلمى عينيها.«نعم.»«كنت تعرفين
الفصل السابع والعشرون: الخزنة التي اختارت صاحبيهالم يكن الطريق إلى المنزل القديم طويلًا، لكنه بدا لليان أطول طريق قطعته في حياتها.جلست إلى جوار سليم في المقعد الأمامي، بينما كانت سلمى وآدم ونادين في السيارة الأخرى خلفهما.لم يتحدث أحد.كان المطر يضرب زجاج السيارة بقوة، والمساحات تتحرك ذهابًا وإيابًا، كأنها تحاول أن تمحو عن الطريق شيئًا لا يريد أن يختفي.وضعت ليان يدها على يد سليم.التفت إليها للحظة.«خائفة؟»ابتسمت ابتسامة صغيرة.«كنت سأقول لا.»«لكن؟»«لكنني تعلمت ألا أكذب عليك.»ابتسم.«إذن قولي الحقيقة.»«أنا خائفة جدًا.»ضغط على يدها.«وأنا أيضًا.»رفعت حاجبها.«أنت؟»«نعم.»«أنت لا تخاف.»«كنت أظن ذلك.»«ومتى اكتشفت العكس؟»نظر إليها.«منذ أن أصبحتِ تعنين لي شيئًا يمكن أن أخسره.»صمتت.ثم قالت:«لن تخسرني.»«وعد؟»«وعد.»عاد ينظر إلى الطريق.لكن ليان لم تستطع أن تمنع نفسها من التفكير في الكلمات التي قالتها أمها قبل دقائق.ليلى منصور.جدتها.المرأة التي قيل إنها ماتت قبل ولادتها.المرأة التي شاركت في تزوير شهادة ميلادها.والأخطر من ذلك...أنها ما زالت حية.قالت ليان:«سليم.»«نع
الفصل السادس والعشرون: المرأة التي حملت سرّ أميلم تستطع ليان أن تتحرك.كانت المرأة تقف في نهاية الدرج، تحت ضوء مصباح ضعيف يتدلى من السقف، وملامحها تحمل شيئًا مألوفًا بصورة أربكتها.لم تكن تشبه سلمى.لكن عينيها...عيناها كانتا تشبهان عيني ليان.قالت المرأة مرة أخرى:«أنا المرأة التي كان يجب أن تكون أمك.»تقدم سليم خطوة.«من أنتِ؟»نظرت إليه طويلًا.«أنت تشبه إياد.»تغير وجهه.«كنتِ تعرفين أبي؟»«أكثر مما تتخيل.»قالت ليان:«قلتِ إنك كان يجب أن تكوني أمي.»أومأت المرأة.«اسمي نادين.»«نادين ماذا؟»«نادين الراوي.»شهقت ليان.التفتت إلى سليم.«الراوي؟»قالت نادين:«نعم.»اقتربت ليان منها.«كيف تكونين أمي؟»«لست أمك بالدم.»«إذن ماذا تقصدين؟»تنهدت.«كنت الزوجة الأولى لإياد.»نظر سليم إليها.«زوجة أبي؟»«نعم.»«لكن أمي كانت سلمى.»«أعرف.»«إذن لماذا قلتِ إنك كان يجب أن تكوني أمي؟»خفضت رأسها.«لأن إياد كان يعتقد أنني سأربيك.»ساد الصمت.قال سليم:«ماذا حدث؟»«قبل ولادتك بأشهر، اكتشفت أنني لا أستطيع الإنجاب.»ثم نظرت إلى ليان.«وعندما حملت سلمى...»توقفت.«طلب مني إياد أن أحميها.»قالت ليا
الفصل الخامس والعشرون: الزواج الذي لم يكن يجب أن يحدثظل صوت آدم معلقًا في الغرفة حتى بعد أن توقف جهاز التسجيل.لم تتحرك ليان.كانت تحدق في الجهاز الصغير فوق الطاولة، وكأنها تنتظر أن يعود الصوت مرة أخرى ويصحح الجملة الأخيرة.لكن شيئًا لم يحدث.فقط الصمت.ثم صوت خطوات في الممر.استدار سليم.كان يونس يقف عند الباب.لم يكن يحمل سلاحًا هذه المرة.وهذا جعله أكثر خطورة.قال بهدوء:«الآن فهمتما.»رفعت ليان رأسها.«ماذا نفهم؟»نظر إليها.«أن زواجكما لم يكن يجب أن يحدث.»اقترب سليم منه.«تكلم.»«ليس هنا.»«بل هنا.»«سليم...»«كل حياتي كانت أكاذيب. أمي، أبي، عائلتي، طفولتي. والآن تقول إن زواجي من ليان كان خطأ؟ أريد أن أعرف لماذا.»ابتسم يونس.«لأنكما كنتما جزءًا من اتفاق قديم.»قالت ليان:«أي اتفاق؟»نظر إليها.«اتفاق بين والدتك وعائلتي.»«أمي لم تكن لتوافق على شيء يؤذيني.»«لم يكن الاتفاق يؤذيك.»«إذن ماذا كان؟»صمت.ثم قال:«كان الهدف أن تتزوجي رجلًا من عائلة الراوي.»تجمدت ليان.نظرت إلى سليم.«لكنني تزوجت سليم.»«وهنا المشكلة.»قال سليم:«ما المشكلة؟»أجاب يونس:«أنك لست الراوي الذي كان الا







