LOGINالفصل التاسع: أبي لم يمت
لم تتحرك ليان. كانت الكلمات الأخيرة لنادية معلقة في الهواء كأنها لم تجد طريقها بعد إلى عقلها. «والدك لم يمت.» والدها. الرجل الذي دفنته بيديها قبل ثلاثة أشهر. الرجل الذي عاشت عمرها كله تظن أنه كان مصدر أمانها الوحيد. الرجل الذي ترك لها المكتب، والكتب، وبعض الصور، وذكريات لا تنتهي. كيف يمكن أن يكون حيًا؟ نظرت إلى نادية. ثم إلى سليم. «قوليها مرة أخرى.» اقتربت نادية. «والدك حي.» هزت ليان رأسها بعنف. «لا.» «ليان...» «لا.» وضعت يدها على أذنها. «رأيته في المستشفى.» «كان هناك رجل آخر.» «حضرت جنازته.» «كان القبر فارغًا.» «دفنته.» «لم يكن جسده.» تراجعت ليان. شعرت أن الأرض تتحرك تحت قدميها. «أبي... حي؟» أومأت نادية. «نعم.» --- كان سليم يحدق في أمه. لم يكن أقل صدمة من ليان. «أنتِ حية.» ابتسمت نادية بحزن. «نعم.» «وأبي حي.» «نعم.» «وأنتِ تعرفين منذ سنوات.» «نعم.» «لماذا؟» لم تجب. رفع صوته: «لماذا تركتني أعيش كل هذه السنوات وأنا أعتقد أنك ميتة؟» قالت بهدوء: «لأنني لو عدت إليك، لم تكن لتعيش حتى اليوم.» «من كان سيقتلني؟» «والدك.» ساد الصمت. ثم قالت: «رائد لم يكن الرجل الذي كنت تظنه.» شد سليم قبضته. «كنتِ تعرفين أنه حي.» «كنت أعرف.» «وكان قريبًا مني؟» «أحيانًا.» «رآني؟» «مرات كثيرة.» ضحك سليم بسخرية. «إذن كنت أعيش وسط أكاذيب.» «كنت أحاول حمايتك.» «الجميع يقول ذلك.» نظر إلى ليان. «أمها تقول ذلك.» ثم عاد إلى نادية. «أنت تقولين ذلك.» ثم صمت. «وأبي يقول ماذا؟» قالت نادية: «يقول إن ما فعله كان ضروريًا.» --- جلست ليان. لم تعد قادرة على الوقوف. أخرجت من حقيبتها الرسالة القديمة. وضعتها أمام نادية. «أمي كتبت أنني كنت سبب اختفائها.» نظرت نادية إلى الرسالة. «سلمى لم تكن تعرف كيف تقول الحقيقة.» «إذن قوليها أنت.» «حسنًا.» جلست نادية أمامها. «والدك ووالد سليم كانا شريكين.» «في ماذا؟» «شركة استثمارات.» «هذا عرفناه.» «لكن الشركة لم تكن مجرد شركة.» تدخل سليم: «ما الذي كانت تفعله؟» «غسل الأموال.» تجمد. «والدي؟» «نعم.» «وأبي؟» «كان فارس المسؤول عن الحسابات.» شعرت ليان بأن قلبها ينكسر. «أبي كان مجرمًا؟» قالت نادية: «كان جزءًا من شبكة أكبر.» «لماذا لم تسلّموهم للشرطة؟» «لأن الشبكة كانت تضم رجالًا في أماكن لا تتوقعونها.» «والدك اكتشف الأمر.» نظرت إلى ليان. «وحاول الانسحاب.» «وماذا حدث؟» «هددوه بك.» «بي؟» «نعم.» ثم أضافت: «وحين ولدتِ، أصبحتِ نقطة ضعفه.» وضعت ليان يدها على صدرها. «لهذا أمي تركتني؟» «نعم.» «وأبي؟» صمتت نادية. ثم قالت: «فارس قرر أن يختفي.» «لماذا؟» «ليجعل الجميع يعتقدون أنه مات.» «ولكن لماذا تركني؟» «لأنه كان يعرف أن وجوده قربك سيعرضك للخطر.» صرخت ليان: «كان يستطيع أن يخبرني!» «لو أخبرك، كانوا سيعرفون أنه حي.» «إذن كان يراقبني؟» «نعم.» «طوال هذه السنوات؟» «نعم.» بدأت دموع ليان تنزل. «لماذا لم يأتِ؟» اقتربت نادية. «لأنه كان يعتقد أن ابتعاده هو الطريقة الوحيدة لحمايتك.» مسحت ليان دموعها. «أنا أكره هذه الجملة.» قال سليم: «وأنا أيضًا.» نظر إلى أمه. «لأنها الجملة التي استخدمها الجميع لتبرير تركنا وحدنا.» --- سكتت نادية. ثم قالت: «لكن هناك شيء لا تعرفانه.» نظر إليها الاثنان. «ماذا؟» «فارس لم يكن يريد أن يختفي إلى الأبد.» «إذن ماذا حدث؟» «كان سيعود.» «متى؟» «يوم زفافك يا ليان.» تجمدت. «زفافي؟» «نعم.» نظر سليم إليها. «زفافها مني؟» أومأت نادية. «كان والدك يعرف أنك ستتزوجين سليم.» «كيف؟» «لأن الزواج لم يكن مصادفة.» سأل سليم: «ماذا تقصدين؟» قالت نادية: «والداكما خططا لهذا الزواج قبل سنوات.» ساد الصمت. قالت ليان: «لا.» «بلى.» «لكن لماذا؟» «لأنهم اعتقدوا أن اجتماعكما سيحميكما.» «من ماذا؟» نظرت نادية إلى سليم. «من الرجل الذي يلاحق عائلتيكما.» قال: «رائد؟» هزت رأسها. «لا.» ثم قالت: «رائد نفسه كان يهرب منه.» --- أخرجت نادية ملفًا قديمًا. وضعته أمامهما. «هذا اسم الرجل.» فتح سليم الملف. قرأ. تغير وجهه. «مستحيل.» سألته ليان: «من؟» لم يجب. قالت نادية: «اسمه كمال الراوي.» رفعت ليان حاجبيها. «من هذا؟» «عم سليم.» «عمي؟» أومأ. «كان الجميع يظن أنه مات قبل سنوات.» نظر سليم إلى أمه. «مات؟» «لا.» «هو حي؟» «نعم.» أغلق الملف. «إذن أبي كان يهرب من أخيه.» «وأمي كانت تعرف.» «نعم.» قالت ليان: «إذن الرجل الذي يلاحقنا...» قاطعتها نادية: «هو كمال.» --- جلس الثلاثة في الغرفة الصغيرة. كان سليم يحاول استيعاب الحقيقة. والده حي. أمه حية. عمه حي. ووالد ليان حي. كل شخص ظنه ميتًا كان في الحقيقة يختبئ. قال: «كيف نصل إلى أبي؟» «لا تحاول.» «أمي.» «رائد يراقبك.» «أريد مقابلته.» «سيقتلك.» «لن يستطيع.» «لا تقلل من شأنه.» «أنا ابنه.» «وهذا هو سبب خطورتك عليه.» تدخلت ليان: «ماذا يعني ذلك؟» نظرت نادية إليها. «لأن سليم هو الورقة الوحيدة التي لا يستطيع رائد التضحية بها.» سأل سليم: «لماذا؟» «لأنك ابنه الوحيد.» ثم نظرت إلى ليان. «وأنتِ...» «أنا ماذا؟» «أنتِ ابنة المرأة الوحيدة التي أحبها رائد ذات يوم.» تجمدت ليان. «أمي؟» «نعم.» --- كان سليم صامتًا. ثم قال: «رائد أحب سلمى؟» «قبل أن تصبح الأمور سيئة.» «وفارس؟» «كان يحبها أيضًا.» نظرت ليان إلى الأرض. «إذن كانت هناك قصة بينهما.» «نعم.» «وأبي؟» «اختار الصمت.» «لماذا؟» «لأنه عرف أن رائد ليس رجلًا يمكن الوقوف أمامه.» قال سليم: «ولهذا تزوجها؟» «لا.» تدخلت ليان: «أمي كانت متزوجة من أبي.» «نعم.» «لكن رائد أحبها.» «وكان هوسه بها أحد أسباب انهيار كل شيء.» --- خرجوا من المحطة قبل الغروب. نادية أصرت على ألا يذهبوا إلى أي مكان معروف. استأجرت لهم شقة صغيرة في منطقة بعيدة. جلس سليم أمام النافذة. كانت ليان في المطبخ تعد الشاي. اقتربت منه. «سليم.» «نعم؟» «هل أنت بخير؟» «لا.» وضعت الكوب أمامه. «أنا أيضًا.» ابتسم بحزن. «على الأقل نتشارك شيئًا.» جلست بجواره. «هل تشعر أن كل شيء انهار؟» «نعم.» «وأنا.» صمتا. ثم قالت: «لكن هناك شيء واحد لم ينهَر.» نظر إليها. «ماذا؟» أمسكت يده. «نحن.» تأمل أصابعها. ثم قال: «هذا الشيء الوحيد الذي لا أريد خسارته.» «لن تخسره.» «كيف تضمنين؟» «لأنني لن أتركك.» رفع عينيه إليها. «حتى الآن؟» «خصوصًا الآن.» اقترب منها. «أنا أحبك.» ابتسمت. «أعرف.» «وأنت؟» «أحبك.» قال: «كنت أظن أن الحب يجعل الإنسان ضعيفًا.» «وأنا كنت أظن أنه يجعلنا أغبياء.» ضحك. «ربما نحن الاثنان.» «ربما.» ثم وضعت رأسها على كتفه. ولأول مرة منذ بدأت الأسرار، شعرا أن لديهما شيئًا حقيقيًا لا يستطيع أحد انتزاعه منهما بسهولة. لكن سليم كان يخفي شيئًا. شيئًا لم يخبر ليان به. كان قد وجد داخل ملف البيت رقم 17 ورقة لم يطلعها عليها. وكانت الورقة تحمل اسمًا واحدًا: كمال الراوي. وتحت الاسم: «إذا تزوج سليم من ليان، ستبدأ المرحلة الأخيرة.» لم يكن يعرف معنى ذلك. لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا. زواجه من ليان لم يكن مصادفة. --- في منتصف الليل، استيقظت ليان على صوت طرق. فتحت عينيها. كان سليم واقفًا عند الباب. «لا تتحركي.» همست: «من؟» «لا أعرف.» أمسك سلاحه. ثم اقترب من الباب. «سليم.» «ابقَي هنا.» فتح الباب فجأة. لم يكن هناك أحد. فقط ظرف أسود على الأرض. أخذه. عاد إليها. فتحه. كانت بداخله صورة. صورة لسلمى. لكنها كانت مختلفة. هذه المرة كانت جالسة داخل غرفة. وفي الخلف نافذة حديدية. تحت الصورة: «إن كنت تريد أمها، أحضر ابني إلى المكان الذي بدأ فيه كل شيء.» قرأ سليم الجملة. ثم قال: «أبي.» نظرت ليان. «ماذا؟» «هذه ليست من والدك.» «من إذن؟» أشار إلى التوقيع. حرف واحد. ك. قال: «عمي.» --- في صباح اليوم التالي، عادت نادية. عندما رأت الصورة، شحب وجهها. «إنه يعرف مكان سلمى.» قال سليم: «أين؟» «لا أعرف.» «أمي.» «هناك مكان واحد فقط.» «أين؟» قالت: «البيت الذي عاش فيه والدك قبل اختفائه.» «أين؟» «في القاهرة القديمة.» «رقم؟» صمتت. ثم قالت: «البيت رقم 17.» نظر سليم إلى ليان. ابتسمت بمرارة. «مرة أخرى.» قالت نادية: «لأنكم لم تفهموا بعد.» «ماذا؟» «البيت رقم 17 ليس منزلًا.» تجمد الاثنان. «إذن ما هو؟» قالت: «إنه اسم العملية كلها.» «أي عملية؟» «العملية التي بدأت قبل ولادتكما.» ثم أخرجت نادية مفتاحًا قديمًا. وضعته أمامهما. «هذا هو المفتاح الحقيقي.» نظرت ليان إلى القلادة. «إذن ما معي؟» قالت نادية: «نسخة.» «ومن أعطاني النسخة؟» صمتت. ثم قالت: «والدك.» --- في تلك اللحظة، رن هاتف ليان. رقم مجهول. ترددت قبل الإجابة. ثم ضغطت. «ألو؟» صمت. ثم جاء صوت تعرفه. صوت والدها. «ليان.» تجمد الدم في عروقها. «أبي؟» «نعم.» بدأت الدموع تنزل من عينيها. «أين أنت؟» «قريب.» «لماذا تركتني؟» صمت. «أبي، لماذا؟» قال: «لأنني كنت أحاول حمايتك.» صرخت: «توقفوا عن قول ذلك!» ساد صمت طويل. ثم قال: «اسمعيني جيدًا.» «أنا أسمع.» «لا تثقي بكمال.» نظر سليم إلى ليان. «ماذا؟» تابع فارس: «ولا تثقي برائد.» تجمد سليم. ثم قال فارس: «وثقي بسليم.» نظر سليم إليها. ثم جاء صوت فارس: «لأنه الشخص الوحيد الذي يستطيع حمايتك من الحقيقة.» انقطع الاتصال. --- بقيت ليان تنظر إلى الهاتف. ثم رفعت عينيها إلى سليم. «أبي قال إنه يثق بك.» أومأ. «سمعت.» «إذن أمي مخطئة؟» «ربما.» «أو ربما كان أبي يحاول أن يخدعنا.» «ربما.» «أنا تعبت من كلمة ربما.» اقترب منها. «إذن دعينا نبحث عن الحقيقة.» «معًا؟» «معًا.» أمسكت يده. «حتى النهاية؟» «حتى النهاية.» لكن نادية كانت تنظر إليهما بصمت. ثم قالت: «لن تكون هناك نهاية قريبة.» نظر إليها سليم. «ماذا تقصدين؟» «لأن والدك أرسل لك رسالة قبل دقائق.» «ماذا؟» «قال إنه يريد مقابلتك.» «أين؟» نظرت إلى ليان. ثم قالت: «في المكان الذي ماتت فيه أمك.» تجمد سليم. «أمي لم تمت.» أغلقت نادية عينيها. «أعرف.» «إذن ماذا تقصدين؟» قالت: «المكان الذي كان يجب أن تموت فيه.» --- في تلك الليلة، اتخذ سليم قراره. سيذهب. لكن هذه المرة لن يذهب وحده. ليان ستكون معه. ليس لأنها زوجته فقط. ولا لأنها الشخص الذي يحب. بل لأنها أصبحت جزءًا من الحقيقة نفسها. وفي مكان مجهول، كان رائد يقف أمام نافذة واسعة، يراقب البحر. كان فارس أمامه. قال رائد: «هل اتصلت بها؟» أجاب فارس: «نعم.» «وماذا قلت؟» «الحقيقة.» التفت رائد إليه. «أنت تعرف ماذا سيحدث إذا عرف سليم كل شيء.» «حان الوقت.» «ليس بعد.» «لقد أحبها.» صمت رائد. ثم قال: «وهذا هو الخطر.» «الحب؟» «الحب يجعل الرجال يواجهون أشياء كانوا يخشونها طوال حياتهم.» ثم نظر إلى صورة ليان. «والآن أصبح لدى سليم سبب ليحارب.» سأله فارس: «وهل ستقاتله؟» أجاب رائد: «لا.» ثم ابتسم. «سأتركه يصل إلى كمال.» «لماذا؟» «لأن كمال هو الذي يجب أن يخاف.» ثم أضاف: «سليم لا يعرف بعد أن الرجل الذي يبحث عنه ليس عمه فقط.» «ومن يكون؟» نظر رائد إلى البحر. وقال: «الرجل الذي ربّى ليان طوال حياتها.» وفي اللحظة نفسها، فهم فارس. كان هناك سر أخطر من كل ما عرفوه. والد ليان لم يكن وحده الذي يخفي الحقيقة. وكان اللقاء القادم لن يكشف فقط مكان سلمى... بل سيكشف لماذا اختارت سلمى أن تختفي عن ابنتها طوال تلك السنوات.الفصل الثلاثون: الاسم المكتوب أسفل العقدكان البيت هادئًا على نحو مخيف.لم يكن هدوء البيوت التي ينام أهلها، بل هدوء الأماكن التي تخفي شيئًا وتنتظر أن يأتي من يكشفه.وقفت ليان عند البوابة، ويد سليم ممسكة بيدها.كانت تعرف أن وراء هذه الجدران إجابات كثيرة، لكنها لم تكن تعرف إن كانت مستعدة لسماعها.قال سليم بهدوء:«لو أردتِ أن نعود، سنعود.»نظرت إليه.«هل تريد العودة؟»«لا.»«إذن لا تسألني.»ابتسم.«كنت أعرف إجابتك.»«لماذا؟»«لأنك عندما تخافين، تصبحين أكثر شجاعة.»خفضت عينيها.«وأنت عندما تخاف، تصبح أكثر عنادًا.»«ربما.»«بل بالتأكيد.»فتحا الباب.دخلا.---كانت رائحة الخشب القديم والرطوبة تملأ المكان.أضواء قليلة كانت مضاءة في الممر.قال سليم:«إنها تعرف أننا هنا.»«نعم.»«لكنها لا تختبئ.»«لأنها تريدنا أن ندخل.»«وهذا أكثر ما يقلقني.»تقدما ببطء.وصل صوت امرأة من الطابق العلوي:«كنت أعلم أنك ستأتين يا ليان.»توقفت ليان.عرفت الصوت.جدتها.ليلى.صعدت الدرج، وسليم خلفها.عندما وصلا إلى الطابق الثاني، كانت امرأة مسنة تقف عند نهاية الممر.شعرها أبيض، لكنها كانت تقف باستقامة.لم تكن تبدو ام
الفصل التاسع والعشرون: السر الذي لا يملكه أحدلم تنم ليان تلك الليلة.كانت جملة إياد تتردد في رأسها بلا توقف:«السر الوحيد الذي يمكن أن يجعل زواجكما مستحيلًا.»جلست قرب النافذة، بينما كانت المدينة تستيقظ ببطء خلف الزجاج. لم تعد تعرف أي شيء على وجه اليقين.أمها حية.إياد حي.فارس اختفى.جدتها التي قيل إنها ماتت ما زالت حية.والرجل الذي ظنته والدها لم يكن والدها.أما سليم...فكان الشيء الوحيد الذي بقي ثابتًا وسط كل هذه الفوضى.أو هكذا كانت تتمنى.فتح باب الغرفة.كان سليم يقف هناك.«لم تنامي.»لم تنظر إليه.«وأنت؟»«لا.»جلس إلى جوارها.ظل صامتًا.ثم قالت:«هل تخاف؟»«نعم.»التفتت إليه.«من ماذا؟»«من أن يأتي اليوم الذي أضطر فيه إلى الاختيار بين الحقيقة وبينك.»«لن يحدث.»«كيف تعرفين؟»«لأنني لن أجعلك تختار.»نظر إليها طويلًا.«وأنا لن أجعلك تختارين.»ابتسمت.«إذن نحن متفقان.»«على شيء واحد.»«ما هو؟»«أننا لن نصدق أي شخص بسهولة.»أومأت.«حتى آباؤنا.»«خصوصًا آباؤنا.»ضحكت رغم توترها.ثم قالت:«سليم.»«نعم؟»«إذا اكتشفنا أن زواجنا غير ممكن...»توقف.«لا تكملي.»«لكن...»«لا أريد أن أسمع
الفصل الثامن والعشرون: الرجل الذي مات مرتينلم تصرخ ليان.لم تستطع.ظلّت واقفة في مكانها، وعيناها معلقتان بالرجل الذي خرج من الظلام، بينما كان عقلها يرفض الصورة التي تراها أمامه.وجهه لم يكن غريبًا.لقد رأته عشرات المرات.في الصور القديمة.في التسجيلات.في أحلام أمها.في الحكايات التي رواها سليم عن أب لم يعرفه قط.كان هو نفسه.الشعر الذي شاب قليلًا.الملامح الحادة.العينان اللتان تحملان شيئًا من عيني سليم.لكن الرجل كان أكبر سنًا مما كان في الصور.وأكثر تعبًا.وأكثر حزنًا.قال بصوت منخفض:«سليم.»ارتجفت شفتا سليم.لم يتحرك.كان يحدق فيه كما لو أن أمامه شبحًا.قال:«أبي؟»لم يجب الرجل.فقط نظر إليه.ثم قال:«كنت أتمنى ألا تعرفني بهذه الطريقة.»تقدم سليم خطوة.«أنت ميت.»«أعرف.»«رأيت شهادة وفاتك.»«كانت مزورة.»«دفنوك.»«لم أُدفن.»«رأيت القبر.»«كان هناك رجل آخر.»هز سليم رأسه.«لا.»اقترب أكثر.«لا يمكن.»قال إياد:«يمكن.»رفع سليم يده إلى وجهه، وكأنه يحاول أن يستوعب ما يحدث.أما ليان فكانت تنظر إلى سلمى.كانت أمها تبكي.قالت ليان:«كنتِ تعرفين.»رفعت سلمى عينيها.«نعم.»«كنت تعرفين
الفصل السابع والعشرون: الخزنة التي اختارت صاحبيهالم يكن الطريق إلى المنزل القديم طويلًا، لكنه بدا لليان أطول طريق قطعته في حياتها.جلست إلى جوار سليم في المقعد الأمامي، بينما كانت سلمى وآدم ونادين في السيارة الأخرى خلفهما.لم يتحدث أحد.كان المطر يضرب زجاج السيارة بقوة، والمساحات تتحرك ذهابًا وإيابًا، كأنها تحاول أن تمحو عن الطريق شيئًا لا يريد أن يختفي.وضعت ليان يدها على يد سليم.التفت إليها للحظة.«خائفة؟»ابتسمت ابتسامة صغيرة.«كنت سأقول لا.»«لكن؟»«لكنني تعلمت ألا أكذب عليك.»ابتسم.«إذن قولي الحقيقة.»«أنا خائفة جدًا.»ضغط على يدها.«وأنا أيضًا.»رفعت حاجبها.«أنت؟»«نعم.»«أنت لا تخاف.»«كنت أظن ذلك.»«ومتى اكتشفت العكس؟»نظر إليها.«منذ أن أصبحتِ تعنين لي شيئًا يمكن أن أخسره.»صمتت.ثم قالت:«لن تخسرني.»«وعد؟»«وعد.»عاد ينظر إلى الطريق.لكن ليان لم تستطع أن تمنع نفسها من التفكير في الكلمات التي قالتها أمها قبل دقائق.ليلى منصور.جدتها.المرأة التي قيل إنها ماتت قبل ولادتها.المرأة التي شاركت في تزوير شهادة ميلادها.والأخطر من ذلك...أنها ما زالت حية.قالت ليان:«سليم.»«نع
الفصل السادس والعشرون: المرأة التي حملت سرّ أميلم تستطع ليان أن تتحرك.كانت المرأة تقف في نهاية الدرج، تحت ضوء مصباح ضعيف يتدلى من السقف، وملامحها تحمل شيئًا مألوفًا بصورة أربكتها.لم تكن تشبه سلمى.لكن عينيها...عيناها كانتا تشبهان عيني ليان.قالت المرأة مرة أخرى:«أنا المرأة التي كان يجب أن تكون أمك.»تقدم سليم خطوة.«من أنتِ؟»نظرت إليه طويلًا.«أنت تشبه إياد.»تغير وجهه.«كنتِ تعرفين أبي؟»«أكثر مما تتخيل.»قالت ليان:«قلتِ إنك كان يجب أن تكوني أمي.»أومأت المرأة.«اسمي نادين.»«نادين ماذا؟»«نادين الراوي.»شهقت ليان.التفتت إلى سليم.«الراوي؟»قالت نادين:«نعم.»اقتربت ليان منها.«كيف تكونين أمي؟»«لست أمك بالدم.»«إذن ماذا تقصدين؟»تنهدت.«كنت الزوجة الأولى لإياد.»نظر سليم إليها.«زوجة أبي؟»«نعم.»«لكن أمي كانت سلمى.»«أعرف.»«إذن لماذا قلتِ إنك كان يجب أن تكوني أمي؟»خفضت رأسها.«لأن إياد كان يعتقد أنني سأربيك.»ساد الصمت.قال سليم:«ماذا حدث؟»«قبل ولادتك بأشهر، اكتشفت أنني لا أستطيع الإنجاب.»ثم نظرت إلى ليان.«وعندما حملت سلمى...»توقفت.«طلب مني إياد أن أحميها.»قالت ليا
الفصل الخامس والعشرون: الزواج الذي لم يكن يجب أن يحدثظل صوت آدم معلقًا في الغرفة حتى بعد أن توقف جهاز التسجيل.لم تتحرك ليان.كانت تحدق في الجهاز الصغير فوق الطاولة، وكأنها تنتظر أن يعود الصوت مرة أخرى ويصحح الجملة الأخيرة.لكن شيئًا لم يحدث.فقط الصمت.ثم صوت خطوات في الممر.استدار سليم.كان يونس يقف عند الباب.لم يكن يحمل سلاحًا هذه المرة.وهذا جعله أكثر خطورة.قال بهدوء:«الآن فهمتما.»رفعت ليان رأسها.«ماذا نفهم؟»نظر إليها.«أن زواجكما لم يكن يجب أن يحدث.»اقترب سليم منه.«تكلم.»«ليس هنا.»«بل هنا.»«سليم...»«كل حياتي كانت أكاذيب. أمي، أبي، عائلتي، طفولتي. والآن تقول إن زواجي من ليان كان خطأ؟ أريد أن أعرف لماذا.»ابتسم يونس.«لأنكما كنتما جزءًا من اتفاق قديم.»قالت ليان:«أي اتفاق؟»نظر إليها.«اتفاق بين والدتك وعائلتي.»«أمي لم تكن لتوافق على شيء يؤذيني.»«لم يكن الاتفاق يؤذيك.»«إذن ماذا كان؟»صمت.ثم قال:«كان الهدف أن تتزوجي رجلًا من عائلة الراوي.»تجمدت ليان.نظرت إلى سليم.«لكنني تزوجت سليم.»«وهنا المشكلة.»قال سليم:«ما المشكلة؟»أجاب يونس:«أنك لست الراوي الذي كان الا







