登入الفصل الثامن
"إنتِ فاكرة إني كنت معاكي طول اليوم؟" خرج صوت سليم حادًا بصورة أربكت الجميع، بينما كانت عيناه مثبتتين على يارا التي تجمدت مكانها وهي تنظر إلى الصورة الظاهرة على شاشة الحاسوب. "يعني إيه؟" قالتها وهي تشعر أن قلبها بدأ يفقد انتظامه. اقترب سليم من الشاشة أكثر، ثم أشار إلى التوقيت الظاهر أسفل الصورة. "الصورة دي متصورة الساعة أربعة وسبعة وتلاتين دقيقة." نظر كريم إلى التوقيت بسرعة. "أيوة." التفت سليم إليه. "وإحنا كنا بنتكلم سوا في البيت الساعة أربعة ونص." ساد الصمت. ثم قال كريم ببطء: "إنت متأكد؟" نظر إليه سليم بحدة. "متأكد." أما يارا فشعرت أن رأسها يدور. لأنها هي أيضًا تتذكر. كانت معه بالفعل. يتحدثان. يتجادلان قليلًا. ثم شربا القهوة معًا. لم يغادر المنزل. هذا ما تتذكره. إذًا... من الشخص الموجود مع ريم؟ ومن الذي يشبه سليم لهذه الدرجة المرعبة؟ وقبل أن يتمكن أحد من استيعاب الأمر أكثر، دوى صوت انفجار عنيف في الخارج. اهتز المنزل كله. وتطاير بعض الزجاج من النوافذ. صرخت يارا بفزع. بينما اندفع كريم نحو النافذة. ثم شحب وجهه فورًا. "يا نهار أبيض!" قفز سليم نحوه. "في إيه؟" أشار كريم للخارج. "العربية!" نظر سليم من النافذة. واتسعت عيناه. كانت سيارة كريم التي أوصلتهم إلى المنزل تحترق بالكامل في الخارج. ألسنة النار تلتهمها بسرعة. أما الشيء الأكثر رعبًا... فكان الورقة المثبتة على الزجاج الأمامي. ورقة بيضاء كبيرة. عليها عبارة واحدة مكتوبة باللون الأحمر: "المرة الجاية الدور على يارا." بعد أقل من عشر دقائق كانوا يغادرون المنزل من الباب الخلفي. لم يعد المكان آمنًا. ولم يعد أحد منهم قادرًا على تجاهل أن الخطر يقترب بسرعة. ركبوا سيارة أخرى قديمة كان كريم يحتفظ بها داخل المخزن الخلفي، وانطلقوا عبر الطرق الجانبية بعيدًا عن الأنظار. أما يارا فكانت تجلس في المقعد الخلفي بجوار سليم. صامتة. مرهقة. وخائفة. لأول مرة منذ بداية هذه الكارثة تشعر أن حياتها نفسها أصبحت هدفًا مباشرًا. لاحظ سليم ارتجاف يدها. فنظر إليها للحظات. ثم قال بهدوء: "خايفة؟" ضحكت ضحكة قصيرة حزينة. "هو في حد طبيعي ميخافش بعد اللي بيحصل؟" سكت قليلًا. ثم قال: "أنا مش هسمح لحد يلمسك." رفعت رأسها إليه. كانت الجملة بسيطة. لكنها أصابت قلبها مباشرة. لأنها ذكرتها بسليم القديم. سليم الذي كان يقف بينها وبين أي خطر دون تفكير. شعرت بشيء يضغط داخل صدرها. ثم قالت بصوت خافت: "حتى وإنت مش فاكرني؟" ساد الصمت للحظات. طويلة. ثم نظر إليها. وقال بصراحة أربكتها: "مشكلتي إني مش فاكر." انعقد حاجباها. فأكمل: "لكن كل مرة حد يقرب منك أو يحاول يأذيكي بحس إني ممكن أقتله." توقفت أنفاسها. أما كريم فأطلق صفيرًا خافتًا من المقعد الأمامي. "واضح إن الحب أقوى من الذاكرة يا معلم." نظر إليه سليم بضيق. بينما احمر وجه يارا فورًا. للمرة الأولى منذ أسابيع شعرت بشيء من الدفء وسط كل هذا الرعب. لكن ذلك الشعور لم يدم طويلًا. بعد ساعتين تقريبًا وصلوا إلى شقة صغيرة في مدينة أخرى. كانت مملوكة لصديق قديم لكريم. مكانًا هادئًا ومجهولًا. وبمجرد دخولهم أغلق كريم الباب جيدًا. ثم وضع الحاسوب فوق الطاولة. "إحنا لازم نعرف مين اللي في الصورة." جلس الثلاثة حول الحاسوب. وبدأ كريم في تكبير صورة كاميرا المراقبة. ثانية بعد ثانية. صورة بعد صورة. حتى ظهرت ملامح الرجل بوضوح أكبر. وكانت الصدمة تزداد مع كل لقطة. لأنه لم يكن يشبه سليم فقط. بل كان نسخة منه حرفيًا. نفس شكل الأنف. نفس العينين. نفس الابتسامة. حتى طريقة الوقوف. همست يارا: "مستحيل..." أما سليم فبدا أكثر اضطرابًا. لأن شيئًا ما داخل عقله بدأ يتحرك مجددًا. ذكرى. صوت. وجه. باب أبيض طويل. رجل يصرخ. ثم كلمة واحدة. "أخوك." انتفض فجأة من مكانه. وأمسك رأسه. شعرت يارا بالذعر. "سليم!" أغلق عينيه بقوة. وكانت أنفاسه تتسارع. ثم فتحهما فجأة. ونظر إلى كريم. "أنا كان عندي أخ." ساد الصمت. تجمدت يارا. أما كريم فاتسعت عيناه. "إيه؟" أعاد سليم الجملة ببطء. "أنا فاكر... كان عندي أخ." "إزاي؟" "مش عارف." جلس فوق المقعد محاولًا استيعاب الذكرى. ثم تابع: "فاكر طفل صغير." سكت لحظة. "شبهي." ازدادت نبضات يارا. أما كريم فبدا غير مصدّق. "بس إنت قولت قبل كده إنك ابن وحيد." رفع سليم رأسه نحوه. وقال الجملة التي جعلت الصمت يسيطر على الغرفة كلها: "يمكن كنت فاكر إني ابن وحيد." في تلك الليلة لم يستطع أحد النوم. خصوصًا يارا. كانت تقف في شرفة الشقة الصغيرة تنظر إلى الشارع الخالي. تحاول ترتيب أفكارها. ريم ماتت. شخص مجهول يهددهم. ورجل يشبه زوجها ظهر فجأة. والآن أخ مفقود. كلما اكتشفوا إجابة ظهرت عشر أسئلة جديدة. سمعت الباب خلفها يُفتح. التفتت. فوجدت سليم. اقترب بهدوء. ثم وقف بجوارها. ساد الصمت للحظات. قبل أن يقول: "إنتِ زعلانة مني؟" نظرت إليه باستغراب. "ليه؟" تنهد. "حاسس إني سبب كل اللي بيحصلك." ابتسمت بحزن. "إنت أكتر واحد ضحية في الموضوع ده." ظل ينظر إليها طويلًا. ثم قال فجأة: "أنا فاكر حاجة تانية." تسارعت دقات قلبها. "إيه؟" ابتسم ابتسامة خفيفة. وقال: "أول مرة شوفتك." تجمدت. أما هو فأكمل: "مش فاكر المكان." ثم ضحك بخفة. "بس فاكر إنك كنتِ عصبية جدًا." اتسعت عيناها. "إيه؟!" "أيوة." وللمرة الأولى منذ الحادث ضحك الاثنان معًا. ضحكة صغيرة. لكنها كانت كافية لتعيد بعض الحياة إلى قلبيهما. ثم ساد الصمت مجددًا. لكن هذه المرة لم يكن مؤلمًا. كان دافئًا. هادئًا. ومليئًا بشيء جديد بدأ ينمو بينهما من جديد. شيء يشبه الحب... الذي يحاول العودة رغم كل شيء. في الثالثة فجرًا تقريبًا. كان الجميع نائمين. أو يحاولون النوم. حين رن هاتف كريم فجأة. استيقظ مذعورًا. ونظر إلى الشاشة. رقم مجهول. تردد للحظة. ثم أجاب. ساد الصمت. واستمع لعدة ثوانٍ فقط. ثم اختفى اللون من وجهه. وقف من مكانه فورًا. "لا..." همس بها. "مستحيل." خرج من الغرفة بسرعة. لكن سليم كان قد استيقظ بالفعل. فلحق به. أما يارا فخرجت بعدهما. ووجدت كريم واقفًا في غرفة المعيشة. وجهه شاحب بصورة مرعبة. رفع الهاتف ببطء. ثم نظر إلى سليم. وقال بصوت مرتجف: "في حاجة لازم تعرفها." انعقد حاجبا سليم. "إيه؟" ابتلع كريم ريقه. ثم قال: "ريم ما ماتتش." تجمد الجميع. لكن الصدمة لم تنته. لأن كريم أكمل: "والشخص اللي كلمني دلوقتي... بيقول إن ريم عايشة ومحتجزة." شعرت يارا بأن قلبها توقف. أما سليم فقال بسرعة: "مين محتجزها؟" نظر كريم إليه. ثم قال الجملة التي جعلت الدم يتجمد في عروقهم جميعًا: "أخوك." نهاية الفصل الثامنحديقة النور..ظل اسمها يتردد على شفتيه، لكنه لم يكن هذه المرة مجرد اسم نطقه بعقله، بل خرج من أعماق قلبه، ممزوجًا بشعور عجز عن تفسيره."...يارا."توقفت أنفاسها للحظة.حدقت فيه بعينين امتلأتا بالدموع، وكأنها تخشى أن تكون قد سمعت ما تمنته فقط، لا ما قاله بالفعل.اقتربت منه بخطوات بطيئة."إنت... افتكرت؟"أغمض سليم عينيه للحظة، ثم فتحهما وهو يهز رأسه ببطء."مش كله... لكن شفتك."ارتجفت شفتاها."شفتني؟"أومأ."كنا قاعدين هنا... على نفس المقعد."أشار بيده إلى المقعد الخشبي."كنتي بتضحكي... وأنا كنت ببصلك كأني مش مصدق إنك معايا."لم تستطع منع دموعها هذه المرة.وضعت يدها على فمها حتى لا تبكي بصوت مرتفع.أما ليلى، فابتعدت عدة خطوات، تاركة لهما تلك اللحظة التي انتظرتها أختها طويلًا.ابتسم نادر وهو يهمس لعم عادل:"قلتلك... القلب بيفتكر."جلس سليم على المقعد ببطء، وكأنه يحاول أن يعيد ترتيب الصور المتناثرة داخل رأسه.كانت الذكريات لا تزال مشوشة، لكنها لم تعد مجرد ومضات.صار يسمع أصواتًا...ويرى ألوانًا...ويشعر بأحاسيس عاشها بالفعل.نظر إلى يارا."أنا كنت بوعدك بحاجة."ابتسمت وسط دموعها."فاكر؟"عق
حديقة النورلم ينطق أحد بكلمة بعد أن لفظت يارا اسم المكان، فقد بقيت البطاقة الصغيرة بين أصابع سليم، بينما كانت عيناه تنتقلان بينها وبين وجه يارا، كأنه يبحث عن تفسير لذلك الارتباك الذي ظهر عليها فجأة، أما هي فحاولت أن تستعيد هدوءها، لكنها عجزت، لأن ذلك الاسم لم يكن بالنسبة إليها مجرد حديقة قديمة، بل كان قطعة كاملة من حياتها، قطعة عاشتها بكل تفاصيلها، بينما يقف الرجل الذي أحبته أمامها الآن عاجزًا عن تذكرها.لاحظ نادر ما دار بين نظراتهما، فاقترب من الطاولة وأعاد الرسالة إلى داخل الظرف بعناية، ثم قال بهدوء:"واضح إن كامل كان متأكد إن أول خيط هيرجع لسليم ذكرياته هيكون هناك."رفع الضابط نظره إليه."إحنا نتحرك دلوقتي؟"هز نادر رأسه بالإيجاب."كل دقيقة بتفرق... لكن المرة دي مش علشان حد يسبقنا، المرة دي علشان الذكريات مبتستناش."ابتسم عم عادل ابتسامة هادئة وهو ينظر إلى سليم."أبوك كان مؤمن إن القلب ساعات بيفتكر قبل العقل."خفض سليم رأسه وهو يقبض على البطاقة، ولم يعلق، لكنه شعر أن كلمات الرجل أصابت شيئًا عميقًا داخله.بعد أقل من نصف ساعة، كانت السيارات تغادر الحي القديم في هدوء، ولم يكن الطريق
الحقيقة التي أخفاها أبي (الجزء الثاني)بقيت العبارة الأخيرة تتردد داخل الغرفة، حتى بدا وكأن الجدران نفسها ترددها في صمت:"أما الصفحات الثلاث... فقد تركتها في المكان الوحيد الذي كنت أعلم أن ابني سيعود إليه يومًا... المكان الذي بدأ فيه حب حياته."لم يتحرك أحد لعدة ثوانٍ.خفض سليم الرسالة ببطء، ثم أعاد قراءة السطر الأخير مرة أخرى، كأنه يخشى أن يكون قد أخطأ في فهمه.قال يوسف أخيرًا وهو يقطب حاجبيه:"هو يقصد إيه بـ(المكان اللي بدأ فيه حب حياته)؟"ظل سليم صامتًا.أما يارا، فشعرت بقلبها ينبض بقوة، ولم تستطع منع نفسها من النظر إليه، لكنها سرعان ما أشاحت بعينيها عندما التقت نظراتهما للحظة قصيرة.اقترب نادر من الرسالة، وطلبها من سليم بهدوء.قرأ السطور الأخيرة بنفسه، ثم تنهد طويلًا وقال:"كامل عمره ما كان يكتب كلمة من غير معنى."سأله الضابط:"يعني كان يقصد مكان معين؟"أومأ نادر."أكيد... لكنه كان عارف إن سليم هو الوحيد اللي هيقدر يوصله."عقد سليم حاجبيه."بس أنا مش فاكر."ساد الصمت.هذه الجملة وحدها أعادتهم جميعًا إلى الحقيقة التي كادوا ينسونها وسط الأحداث.رغم كل ما وصلوا إليه...إلا أن سليم ما
الحقيقة التي أخفاها أبي...ساد صمت عميق داخل غرفة القراءة الصغيرة، حتى إن صوت عقارب الساعة القديمة المعلقة على الجدار أصبح مسموعًا بوضوح، بينما بقيت الأنظار كلها معلقة بذلك الظرف البني الذي استقر فوق الطاولة الخشبية، وقد غطى الشمع الأحمر حافته كما لو أنه ظل ينتظر هذه اللحظة منذ أكثر من عشرين عامًا.لم يمد سليم يده إليه مباشرة، بل ظل ينظر إليه طويلًا، وكأن مجرد لمسه سيجعله يواجه الحقيقة التي ظل يهرب منها طوال حياته.اقترب عم عادل ببطء، ووضع كفه فوق الظرف قبل أن يتحدث بصوت هادئ اختلطت فيه الحكمة بالتعب."قبل ما تفتحه... لازم تعرف إن كامل الله يرحمه كان عارف إن اليوم ده هييجي، وعارف إن ابنه هيقف في نفس المكان اللي إنت واقف فيه دلوقتي."ارتجفت ملامح سليم للحظة."قال لحضرتك إيه بالظبط؟"تنهد الرجل، ثم ابتسم ابتسامة شاحبة."قالي... هييجي وهو فاكر إنه بيدور على دليل يدين ناس، لكنه هيكتشف إنه بيدور على الحقيقة اللي هتحرره."ساد الصمت.أما نادر، فقد أغلق عينيه للحظة وكأنه يستعيد ذكرى بعيدة، ثم قال:"كامل كان شايف أبعد من كلنا."رفع يوسف نظره إليه."إنت كنت تعرف إن الظرف موجود هنا؟"هز نادر رأ
الصفحات الثلاث المفقودةلم يحتج سليم إلى أكثر من ثانية واحدة لاتخاذ قراره، فقد أغلق الهاتف الذي كان نادر لا يزال ينظر إليه، ثم قال بحزم وهو يتجه نحو السيارة:"لازم نوصل قبل ما يختفي أي دليل."أومأ الضابط موافقًا، ثم التفت إلى رجلي الشرطة اللذين كانا يرافقانه."من غير أي استعراض. هنروح بهدوء، والمهم نحافظ على المكان وأي مستندات موجودة فيه."تحرك الجميع سريعًا، بينما بقيت يارا للحظة تتأمل شجرة الجميز. شعرت أن المكان لم يعد مجرد محطة في رحلتهم، بل أصبح شاهدًا حيًا على الصداقة التي جمعت آباءهم، وعلى الوعد الذي ورثوه دون أن يعلموا.اقترب منها سليم بعدما لاحظ تأخرها.قال بصوت منخفض:"مالك؟"ابتسمت ابتسامة هادئة."حاسّة إنهم كانوا واقفين هنا من شوية... كأن كل اللي حصل بينهم لسه موجود."نظر إلى الشجرة، ثم قال:"يمكن الذكريات مبتختفيش... يمكن هي بس بتستنى اللي يسمعها."التفتت إليه، والتقت عيناهما للحظة طويلة، لم تكن تحتاج إلى كلمات. شعرت يارا بأن قربه أصبح يمنحها طمأنينة لم تعرفها من قبل، بينما وجد سليم نفسه يقاوم رغبة قوية في الإمساك بيدها، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة، مقتنعًا أن الوقت لم يح
الصفحات الثلاث المفقودةلم يتحدث أحد لعدة دقائق بعد كلمات نادر، فقد بقيت نظراتهم معلقة على الدفتر الجلدي الذي أغلقه سليم ببطء، وكأن الصفحات المفقودة أصبحت أثقل من الصفحات الموجودة نفسها. كان الهواء يتحرك بين أغصان شجرة الجميز، فيحمل معه صوت احتكاك الأوراق اليابسة، بينما شعر الجميع أن المكان يحتفظ بأسرار أكثر مما كشفه حتى الآن.جلس سليم على المقعد الحجري، وأسند مرفقيه إلى ركبتيه وهو يحدق في الأرض بصمت. كانت الأفكار تتزاحم في رأسه بصورة لم يعهدها من قبل.إذا كان والده هو من نزع الصفحات...فأين أخفاها؟ولماذا فصلها عن بقية المذكرات؟وما الذي احتوته حتى رأى أنها أخطر من أن يتركها مع باقي الأحداث؟قطع الضابط الصمت قائلًا:"خلونا نفكر بهدوء... فاروق مكانش بيعمل حاجة من غير سبب."أومأ نادر موافقًا."كان دايمًا يخطط لخطوتين أو تلاتة قدام."نظر إليه سليم."يعني حضرتك شايف إنه كان عارف إن حد هيوصل للمذكرات؟"ابتسم نادر ابتسامة حزينة."أنا متأكد من كده."رفع يوسف حاجبيه باستغراب."إزاي؟"تنهد نادر، ثم جلس تحت ظل الشجرة، وأخذ ينظر إلى جذعها العريض قبل أن يقول:"قبل اختفاء كامل بأيام، أبوك قالي جم
وقف الزمن بالنسبة ليارا للحظة، وهي تحدق في المرأة الواقفة أمام باب الغرفة تحمل باقة ورد بيضاء وكأنها لم تغب يومًا عن حياة سليم، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة أربكت يارا أكثر مما أغضبتها.لم تكن بحاجة إلى سؤال نفسها عن هويتها.كانت تعرفها جيدًا.ريم.الاسم الذي تردد على لسان سليم بعد استيقاظ
.....لم تنم يارا تلك الليلة.منذ أن عادت إلى المنزل وهي تشعر أن شيئًا ما ينهار داخلها ببطء، شيئًا لم يعد بإمكانها ترميمه مهما حاولت التماسك. كانت جالسة على طرف السرير داخل غرفتها تحدق في الفراغ أمامها، بينما كانت عقارب الساعة تتحرك ببطء قاتل وكأنها تسخر منها. منذ أسابيع قليلة فقط كانت حياتها مستقر
بقي الهاتف في يد يارا حتى بعد انتهاء المكالمة. أما أصابعها فقد أصبحت باردة بصورة مرعبة. شعرت وكأن الصوت ما زال يتردد داخل أذنيها. "قولي لجوزك يبطل يدور ورا الماضي... لو عايز يفضل عايش." رفعت رأسها ببطء نحو سليم. كان يراقبها. وقد أدرك من ملامحها أن شيئًا سيئًا حدث. اقترب خطوة. "في إيه؟" فت
تجمد الهواء داخل المكان.وبقيت كلمات الرجل تتردد في أذن يارا كصدى بعيد."أنا الشخص اللي كنت رايح تقابله يوم الحادث..."لم يستوعب عقلها ما سمعه فورًا، بينما وقف سليم أمام الباب محدقًا في الرجل بوجه متجهم، وكأن عقله يحاول التقاط ذكرى هاربة تختبئ في مكان ما بين الضباب الذي غطى سنواته الأخيرة.أما ريم







