LOGINالفصل الثاني والعشرون
"ده الراجل اللي حاول يقتلني يوم الحادث." ساد الصمت. صمت ثقيل ومخيف. تجمدت يارا في مكانها، بينما انتزع يوسف الصورة من يد سليم ونظر إليها بسرعة، ثم أعاد نظره إلى أخيه. "إنت متأكد؟" كان سليم شاحب الوجه. ينظر إلى الصورة وكأنها فتحت بابًا داخل رأسه لم يكن مستعدًا لفتحه. ثم قال ببطء: "أنا... شفته." اقتربت يارا منه. "فين؟" لم ينظر إليها. بل بقيت عيناه معلقتين بالصورة. ثم قال: "في العربية." عقد يوسف حاجبيه. أما سليم فرفع يده إلى رأسه. الألم عاد. بل كان أقوى من كل مرة. صوت فرامل. مطر. ضوء سيارة. وجه الرجل. وصوت يارا تصرخ باسمه. أغمض عينيه بقوة. ثم انحنى قليلًا. شهقت يارا. "سليم!" أمسكت ذراعه بسرعة. أما هو فتنفس بعنف. وفجأة... رأى مشهدًا آخر. الرجل نفسه. يقف أمامه. غاضب. ويقول: "لو قلت لها الحقيقة... هتخسرها للأبد." فتح عينيه فجأة. وتسارعت أنفاسه. اقترب يوسف منه. "افتكرت حاجة؟" رفع رأسه ببطء. وقال: "هو كان يعرفني." تبادل الجميع النظرات. أما شريف، الذي كان صامتًا طوال الوقت، فقد شحب وجهه. انتبهت يارا إليه. وقالت: "إنت تعرفه؟" رفع عينيه إليها. لكنه لم يجب. تقدمت خطوة. "إنت تعرفه، صح؟" ظل صامتًا. وفجأة... قال والدها بصوت منخفض: "اسمه فؤاد." التفت الجميع إليه. أما شريف فأخفض رأسه. وتابع والد يارا: "وكان شريكنا." انعقدت الحواجب. "شريككم في إيه؟" نظر الرجل إلى يارا. ثم قال: "في شركة صغيرة بدأناها زمان." سكت قليلًا. "أنا... وشريف... وفؤاد." نظر سليم إلى الصورة مجددًا. ذلك الاسم... يشعر أنه سمعه من قبل. لكن أين؟ قال يوسف: "وإيه علاقته بيارا؟" ساد الصمت. ونظر الجميع إلى والدها. أما هو... فأغلق عينيه. وكأنه يحارب قرارًا قديمًا. ثم فتحهما. وقال: "فؤاد كان عايز يتجوز أم يارا." اتسعت عينا يارا. "إيه؟" أومأ ببطء. "كان بيحبها." صمت. "لكن هي اختارتني أنا." ساد الصمت. وأكمل: "من يومها... علاقتنا اتغيرت." قال شريف: "بس مكملناش الشراكة كتير." رفع والدها رأسه. وأكمل عنه: "لأن فؤاد بقى شخص تاني." انعقد حاجبا يوسف. "يعني إيه؟" تنهد. "بقى عصبي... ومهووس." ثم نظر إلى يارا. وقال: "خصوصًا بعد ما اتولدتي إنتِ وليلى." تجمدت. أما هو فأكمل: "كان بيعتبر إن الحياة اللي عايشها المفروض تكون بتاعته." ساد الصمت. ثم همست يارا: "يعني... كان بيكرهنا؟" نظر إليها والدها طويلًا. ثم قال: "مكنش بيكرهكم." صمت. "كان مهووس بفكرة إنه اتظلم." جلست يارا ببطء. شعرت أن قدميها لم تعودا قادرتين على حملها. كلما عرفت شيئًا... اكتشفت أن هناك شيئًا أكبر خلفه. أما سليم... فبقي ينظر إلى الصورة. وفجأة... ارتعشت أصابعه. رأى صورة أخرى داخل عقله. هو. وفؤاد. في مكان ما. يتشاجران. ثم... صوت. صوت رجل يقول: "قول ليارا الحقيقة بنفسك." فتح عينيه بسرعة. ونهض واقفًا. فالتفت الجميع إليه. قال: "أنا افتكرت." وقف يوسف أيضًا. "إيه؟" نظر إليه. ثم إلى يارا. ثم قال: "أنا كنت أعرف فؤاد." تسارعت نبضاتها. أما هو فأكمل: "وقابلته قبل الحادث بأيام." "ليه؟" ضغط على رأسه. "مش فاكر." ثم رفع عينيه إليها. "بس فاكر إني كنت متخانق معاه." ساد الصمت. وأضاف: "وكان الموضوع يخصك." تجمدت. أما والدها... فأغلق عينيه ببطء. لاحظ سليم ذلك. ونظر إليه. ثم قال: "حضرتك عارف إيه اللي كنت هقوله ليارا؟" لم يجب. "حضرتك عارف، صح؟" ظل صامتًا. اقترب سليم خطوة. "قول." رفع الرجل رأسه. ونظر إليه. ثم إلى ابنته. وشحب وجهه. وقال: "مش النهارده." اتسعت عينا يارا. "إيه؟" تنهد. "مش قادرة تستحمل أكتر من كده." وقفت فجأة. "لا." نظر إليها. أما هي فأكملت: "طول عمري كل الناس بتقرر عني." بدأ صوتها يرتجف. "كل شوية حد يخبي حاجة." رفعت عينيها الممتلئتين بالدموع. "أنا تعبت." ساد الصمت. وقالت: "عايزة أعرف." نظر إليها والدها. ولأول مرة... رأى في عينيها شيئًا جديدًا. الإصرار. إصرار يشبه أمها كثيرًا. لكن قبل أن يتكلم... وضع سليم يده فوق يدها. التفتت إليه. نظر إليها. ثم قال بهدوء: "لو مش قادرة... مش لازم دلوقتي." حدقت فيه. أما هو فأكمل: "أنا معاكي." لا يعرف لماذا قالها. لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا. أنه لا يريد رؤيتها تنهار. نظرت إليه لثوانٍ طويلة. ثم تنفست ببطء. وشعرت بشيء داخلها يهدأ. بعد دقائق... أصرت مريم أن يحضر لهم الشاي. ورغم اعتراض الجميع... اختفت داخل المطبخ. أما يارا فكانت لا تزال شاردة. تنظر إلى صورة ليلى. جلس سليم بجوارها. صامتًا. ثم قال: "شبهك." رفعت عينيها إليه. ثم نظرت إلى الصورة. وابتسمت ابتسامة صغيرة حزينة. "أوي." سكتت. ثم قالت: "كنت أتمنى أشوفها." نظر إليها. فأكملت: "حتى مرة واحدة." ساد الصمت. ثم شعرت بشيء دافئ فوق يدها. نظرت. كانت يده. من جديد. رفعت عينيها إليه. أما هو فقال: "أنا عارف إن ده مش نفس الشيء..." صمت. "بس بنتها قدامك." ارتجفت شفتاها. ثم نظرت نحو المطبخ. نحو مريم. وابتسمت. ابتسامة صغيرة جدًا. لكنها حقيقية. لاحظ ذلك. فابتسم هو الآخر. ثم... توقف. لأن شيئًا ما داخله تحرك. هذا المشهد. هو وهي. يجلسان هكذا. ويبتسمان. شعر أنه عاشه من قبل. وفجأة... ظهرت ذكرى. هو. ويارا. في شقتهما. تبكي. وهو يمسك يدها. ويقول: "إحنا عيلة يا يارا... ومهما يحصل هفضل جنبك." اتسعت عيناه. والتفت إليها بسرعة. أما هي فانتبهت. "مالك؟" ظل ينظر إليها. ثم قال ببطء: "افتكرت حاجة." توقفت أنفاسها. "إيه؟" ظل ينظر إليها لثوانٍ. ثم قال: "إحنا كنا سعداء." ارتجفت شفتاها. أما هو... فابتسم. ابتسامة صغيرة. ودافئة. وقال: "أنا فاكر إني كنت بحب ضحكتك." شعرت أن قلبها نسي كيف ينبض. ثم أكمل: "وإني كنت بتخانق معاكي عشان بتسهري كتير." نظرت إليه بصدمة. ثم ضحكت وسط دموعها. "كنت بتعمل كده فعلًا." نظر إليها. ثم... ابتسم أكثر. كانت أول ذكرى سعيدة يعود بها إليه عقله. ولأول مرة... لم يشعر بالألم. بل بالراحة. أما يارا... فكانت تنظر إليه وكأن جزءًا ضائعًا منها عاد إليها. وفجأة... خرجت مريم من المطبخ. وتوقفت. لأنها رأت الاثنين ينظران إلى بعضهما. ثم ابتسمت. وقالت: "أنتوا فعلًا بتحبوا بعض." احمر وجه يارا. أما سليم... فلم ينكر. بل بقي ينظر إليها. ثم قال بهدوء: "أيوة." توقفت أنفاسها. لكن قبل أن تتمكن من الرد... رن هاتف والدها. نظر إلى الشاشة. ثم شحب وجهه. وقف. تسارعت أنفاسه. سأله يوسف: "في إيه؟" رفع الرجل عينيه ببطء. وكان وجهه قد فقد لونه تمامًا. ثم قال: "ده... رقم فؤاد." ساد الصمت. وأجاب المكالمة. لم يضع الهاتف على مكبر الصوت. ظل يستمع فقط. ثانية. اثنتين. ثلاثًا. ثم اتسعت عيناه بصدمة. ونظر مباشرة إلى سليم. وقال فؤاد من الجهة الأخرى بصوت واضح وصل للجميع: "اسأله... ليه كان رايح يقابلني ليلة الحادث لوحده... وإيه السر اللي خلى سليم يقرر يطلق يارا؟" وانقطع الخط.ظل الضابط يحدق في شاشة الهاتف لثوانٍ، بينما خيم صمت ثقيل على أرجاء المخزن، وكأن الجميع توقف عن التنفس في انتظار أن ينطق أحدهم بكلمة تنفي ما رأوه للتو.كانت الرسالة قصيرة...لكنها كانت كافية لتقلب كل شيء."تأخرتم... لقد وصلت إلى ليلى قبلكم."انتزعت يارا الهاتف من يد الضابط دون أن تشعر.قرأت الرسالة مرة ثانية...ثم ثالثة...وأخيرًا رفعت رأسها وهي تتمتم:"يعني... ليلى عايشة."قال الضابط بحزم:"ما نستنتجش حاجة بسرعة."التفتت إليه بعينين دامعتين."لو كانت..." ابتلعت غصتها، "لو كانت ماتت... مكنش كتب كده."لم يجد الضابط ردًا.لأن الاحتمال الذي تحاول التمسك به كان منطقيًا.اقترب سليم منها بهدوء، وأخذ الهاتف من يدها قبل أن تضغط على أي شيء قد يمحو دليلًا مهمًا.قال بصوت منخفض:"هنلاقيها."نظرت إليه.لم يكن يعدها وعدًا فارغًا.بل كان يتحدث بثقة جعلت قلبها يهدأ قليلًا.تنهدت وهي تخفض رأسها.فربت برفق على كتفها.ولأول مرة منذ ساعات...لم تبتعد.---بدأ رجال الشرطة بتفتيش المخزن مرة أخرى، لكن هذه المرة بدقة أكبر.اقترب أحدهم من الضابط."يا فندم.""ها؟""في آثار تراب جديدة عند الباب الخلفي."تحرك ال
"قبل الحادث... أنا كنت رايح المخزن ده... عشان أقابل كامل عزام."لم يكن وقع الجملة أقل من صدمة أصابت الجميع بالشلل للحظات، حتى إن يارا نسيت أن تتنفس وهي تحدق في وجه سليم الذي بدا شاحبًا على غير عادته، بينما كانت عيناه مثبتتين على المفتاح القديم وكأنه يحمل بين طياته جزءًا ضائعًا من ذاكرته.قطع الضابط الصمت أولًا وهو يسأله بلهجة جادة:"إنت متأكد من اللي بتقوله؟"أغمض سليم عينيه لثوانٍ، ثم قال بصوت هادئ لكنه واثق:"مش فاكر كل التفاصيل... لكن متأكد إن المخزن ده كان آخر مكان كنت رايح له قبل الحادث، وكامل عزام هو اللي طلب يقابلني."تبادل الجميع النظرات.قال يوسف:"يبقى مفيش وقت نضيعه."التفت الضابط إلى رجاله."جهزوا العربيات... هنطلع حالًا."---بعد أقل من أربعين دقيقة كانت السيارات تقف أمام مبنى صناعي قديم يقع في أطراف المدينة، وقد بدت المنطقة مهجورة تمامًا، فلا أصوات سوى صفير الرياح وهي تصطدم بالأبواب الحديدية الصدئة، ولا ضوء إلا أعمدة الإنارة المتباعدة التي بالكاد تكشف معالم المكان.ترجل الجميع من السيارات.ورفعت يارا رأسها تتأمل المبنى الذي بدا كأنه لم يدخله أحد منذ سنوات.قالت بصوت منخف
"ده... كان شغال عند والدي."ساد الصمت داخل مكتب الضابط، ولم يجرؤ أحد على مقاطعة سليم، بينما بقي هو يحدق في الصورة القديمة وكأنها أيقظت جزءًا آخر من ذاكرته، وقد شحب وجهه بصورة أثارت قلق الجميع، حتى يارا اقتربت منه بخطوات مترددة وهي تراقب ملامحه التي تغيرت فجأة.قالت بصوت منخفض:"إنت متأكد؟"أخذ نفسًا عميقًا، ثم أومأ ببطء."أيوة... مش فاكر اسمه، لكن وشه مستحيل أنساه."أخذ الضابط الصورة من يده سريعًا."كان بيشتغل إيه عند والدك؟"أغمض سليم عينيه محاولًا استرجاع المزيد.مرت ثوانٍ طويلة قبل أن يجيب:"مش مجرد موظف."نظر الجميع إليه.فأكمل:"كان أقرب واحد لوالدي... وكان مسؤول عن أغلب شغله."سأل يوسف بقلق:"يعني مدير أعماله؟"هز سليم رأسه."تقريبًا."ثم وضع يده فوق جبينه عندما شعر بوخزة مؤلمة داخل رأسه.اقتربت يارا منه فورًا."كفاية... متضغطش على نفسك."رفع عينيه إليها.ولم يكن يرى سوى خوفها عليه.ابتسم ابتسامة خفيفة رغم الألم.وقال:"أنا كويس."لكنها لم تقتنع.وضعت يدها على ذراعه وقالت بنبرة حازمة:"مش لازم تفتكر كل حاجة النهارده."نظر إليها الضابط ثم قال:"هي معاها حق."جلس سليم ببطء، بينما
"ريم."ظل الاسم أمام أعينهم لعدة ثوانٍ دون أن ينطق أحد بحرف واحد، بينما كانت يارا تمسك بالورقة ويداها ترتجفان، ثم رفعت رأسها ببطء نحو سليم، فوجدته يحدق في التوقيع بنفس الصدمة، وكأنه يحاول الربط بين الفتاة التي ظهرت في المستشفى قبل ساعات وبين الرسالة التي وصلت إلى المنزل في منتصف الليل.قال يوسف بعدما أخذ الورقة منها:"دي أكيد مش صدفة."أجابه سليم وهو يمد يده ليأخذ الرسالة مرة أخرى:"ولا أنا مصدق إنها صدفة."ثم قلب الورقة بين أصابعه أكثر من مرة، وقال:"الورقة جديدة... والحبر لسه واضح... يعني الرسالة اتكتبت من وقت قريب."اقترب الضابط منها بعدما استدعاه يوسف هاتفيًا، وألقى نظرة سريعة عليها، ثم قال:"يبقى اللي كتبها كان واقف هنا من وقت قليل."نظرت يارا إلى الحديقة الممتدة أمام المنزل، وكان الظلام لا يزال يسيطر عليها، بينما تتحرك الأشجار مع الهواء الخفيف، فشعرت بقشعريرة تسري في جسدها.همست:"يعني كان بيراقبنا."نظر إليها سليم فورًا، ثم قال بحزم:"ومن النهارده محدش هيخرج لوحده."اعترضت بسرعة:"أنا مش طفلة."ابتسم ابتسامة صغيرة رغم التوتر."وأنا ما قلتش إنك طفلة.""أمال؟"اقترب منها قليلًا.
الفصل الخامس والثلاثون"وأول حاجة قالها... إن الشخص اللي خطف ليلى كان من العيلة."توقفت يارا في مكانها.أما سليم...فشعر بأن الكلمات سقطت فوق رؤوسهم كالصاعقة.نظر يوسف إليهما وهو ما يزال يلهث من شدة انفعاله.وقال:"تعالوا بسرعة."ولم ينتظر ردًا.بل استدار فورًا نحو المصعد.أما يارا...فكانت تسير بجوار سليم وكأن الأرض تتحرك تحت قدميها.من العائلة؟أي عائلة؟عائلتها هي؟أم عائلة نادية؟أم شخص آخر؟كلما ظنت أنها اقتربت من الحقيقة ظهرت حقيقة أكثر تعقيدًا.---وصلوا إلى غرفة سامح.كان الضابط يقف بالخارج.وبجواره طبيب يبدو عليه الضيق.قال الطبيب:"خمس دقايق بس."أومأ الضابط.ثم التفت إليهم.وقال:"الراجل لسه ضعيف جدًا."لكن أحدًا لم يكن مستعدًا للانتظار.دخلوا الغرفة.فوجدوا رجلاً في أواخر الستينات من عمره.شاحب الوجه.متعبًا.لكن عينيه كانتا مفتوحتين.وكان ينظر مباشرة إلى يارا.وكأنه كان ينتظرها.ساد الصمت للحظات.ثم رفع سامح يده بصعوبة.وأشار إليها.اقتربت يارا.ووقفت بجوار سريره.نظر إليها طويلًا.طويلًا جدًا.حتى شعرت بالتوتر.ثم خرج صوته أخيرًا:"شبه أمك."شعرت بقشعريرة تجتاح جسدها.أم
"قولوا ليارا إن فؤاد مش اللي خطف أختها."ساد صمت ثقيل داخل الغرفة.صمت لم يستمر سوى ثوانٍ قليلة، لكنه بدا للجميع وكأنه دقائق طويلة.أما يارا...فشعرت أن عقلها توقف عن العمل تمامًا.حدقت في يوسف.ثم في الضابط.ثم عادت تنظر إلى الرسالة الموجودة بين يديها.كل شيء بدأ يتشابك بصورة مرهقة.فؤاد.نادية.الطفلة المفقودة.ليلى.الرسالة.والآن...سامح يقول إن فؤاد ليس الخاطف.قال يوسف أخيرًا:"يعني إيه مش هو؟"رفع الضابط كتفيه."معرفش."ثم أكمل:"الممرضة قالت إنه كان فاقد للوعي تقريبًا، ودي آخر جملة قالها."سادت حالة من التوتر.أما يارا فقالت بسرعة:"أنا عايزة أروحله."التفت الجميع إليها.فأكملت:"دلوقتي."قال الضابط:"لسه خارج من عملية.""مستنية إيه؟"ارتفع صوتها لأول مرة منذ ساعات."كل ما نقرب من الحقيقة بيظهر سر جديد."ثم نظرت إليه مباشرة."ولو الراجل ده عنده إجابة... لازم أسمعها."---بعد أقل من نصف ساعة...كانوا أمام المستشفى.الهدوء الليلي يلف المكان.لكن التوتر داخلهم كان أعلى من أي وقت مضى.دخلوا جميعًا.وبعد حديث قصير مع الطبيب...علموا أن سامح ما زال تحت الملاحظة.وأنه لم يستيقظ بعد.
كانت يد يارا ترتجف بشدة وهي تحدق في شاشة هاتف ريم.ثلاث كلمات فقط.ثلاث كلمات كانت كفيلة بأن تجعل الدم يتجمد داخل عروقها."الدور عليها الآن."أعادت قراءة الرسالة مرة.ثم مرتين.ثم ثلاث مرات.وكأن عقلها يرفض استيعاب معناها.لكن المعنى كان واضحًا بصورة مخيفة.لم يعد الأمر متعلقًا بريم وحدها.بل بها ه
.....لم تنم يارا تلك الليلة.منذ أن عادت إلى المنزل وهي تشعر أن شيئًا ما ينهار داخلها ببطء، شيئًا لم يعد بإمكانها ترميمه مهما حاولت التماسك. كانت جالسة على طرف السرير داخل غرفتها تحدق في الفراغ أمامها، بينما كانت عقارب الساعة تتحرك ببطء قاتل وكأنها تسخر منها. منذ أسابيع قليلة فقط كانت حياتها مستقر
بقي الهاتف في يد يارا حتى بعد انتهاء المكالمة. أما أصابعها فقد أصبحت باردة بصورة مرعبة. شعرت وكأن الصوت ما زال يتردد داخل أذنيها. "قولي لجوزك يبطل يدور ورا الماضي... لو عايز يفضل عايش." رفعت رأسها ببطء نحو سليم. كان يراقبها. وقد أدرك من ملامحها أن شيئًا سيئًا حدث. اقترب خطوة. "في إيه؟" فت
تجمد الهواء داخل المكان.وبقيت كلمات الرجل تتردد في أذن يارا كصدى بعيد."أنا الشخص اللي كنت رايح تقابله يوم الحادث..."لم يستوعب عقلها ما سمعه فورًا، بينما وقف سليم أمام الباب محدقًا في الرجل بوجه متجهم، وكأن عقله يحاول التقاط ذكرى هاربة تختبئ في مكان ما بين الضباب الذي غطى سنواته الأخيرة.أما ريم







