LOGINالحقيقة التي كانت بيننالم تستطع يارا أن تنام تلك الليلة.كانت مستلقية إلى جوار سليم، تراقب ملامحه الهادئة، بينما كانت الكلمات التي قالها قبل قليل لا تزال تتردد في ذهنها."كنت خارج علشان أجيب خاتم."لم تكن تعرف أن سليم كان يحمل في قلبه ذلك القرار قبل الحادث.كانت تظن أنه كان يبتعد عنها.وكان هو يظن أنها تريد الابتعاد عنه.وبين سوء الفهمين، ضاعت سنوات كاملة.مدت يدها ولمست أصابعه برفق.فتح سليم عينيه."لسه صاحيه؟"ابتسمت."وأنت؟""صحيت لما حسيت إنك بتبصيلي."ضحكت."مغرور.""معاكي بس."سكتت قليلًا، ثم قالت:"سليم...""نعم؟""إنت كنت هتطلب مني نتجوز من جديد؟"ابتسم."مش نتجوز.""أمال؟""كنت هطلب منك فرصة."تغيرت ملامحها."فرصة؟""فرصة نبدأ من غير خوف."ثم نظر إليها."كنت حاسس إنك شايلة حاجات جواكي ومش بتقوليها، وكنت أنا كمان بعمل نفس الشيء."خفضت عينيها."كنا أغبياء."ضحك."أيوه."ثم جذبها إليه."بس لسه عندنا فرصة."استقرت بين ذراعيه.ولأول مرة منذ وقت طويل، شعرت يارا أن الماضي لم يعد يفصل بينهما.بل أصبح شيئًا يمكنهما النظر إليه معًا.في الصباح، وصل اتصال إلى سليم.كان من محاميه القديم.
القرار الذي أخفته عنيلم تستطع يارا النوم بعد حديث سليم.ظلت الكلمات تدور في رأسها."أعتقد إنك كنتِ بتخبي عني حاجة كمان."لم يكن صوته غاضبًا، ولم يحمل اتهامًا، وهذا تحديدًا ما جعل الأمر أصعب عليها.فلو كان غاضبًا، لكان بإمكانها الدفاع عن نفسها.أما هدوؤه، فقد جعلها تشعر بأنه يمنحها فرصة لتقول الحقيقة بنفسها.لكنها لم تكن تعرف من أين تبدأ.جلست على طرف السرير، بينما كان سليم مستلقيًا بجوارها، وقد بدا أنه نام أخيرًا.نظرت إليه طويلًا.ثم همست:"أنا مكنتش بخبي عنك علشان أخدعك."لم يتحرك.تابعت بصوت خافت:"كنت بخبي علشان كنت خايفة."أغمضت عينيها.وعادت إليها صورة قديمة.قبل الحادث بيوم واحد.كانت تقف وحدها في غرفة المعيشة، تحمل ورقة بين يديها.كان سليم قد أخبرها أنه سيخرج لمقابلة شخص ما.وكانت تشعر بأن هناك شيئًا لا يخبرها به.لكن الورقة التي كانت في يدها لم تكن تخصه.كانت تخصها هي.قرارًا كانت قد اتخذته بالفعل.قرارًا ظنت أنه سيحميه.لكنها لم تستطع أن تخبره.---في الصباح، استيقظ سليم ووجد يارا جالسة في الشرفة.اقترب منها."صباح الخير."التفتت إليه."صباح النور."جلس بجوارها.لم يسألها ع
الذكرى التي اختار عقلي أن يخفيهاظل سليم واقفًا مكانه بعد انتهاء المكالمة، والهاتف لا يزال في يده.كانت يارا تراقبه بصمت، لكنها لم تحتج إلى أن تسأله عما حدث، فقد كانت ملامحه كافية لتخبرها أن شيئًا جديدًا دخل بينهما.قالت بهدوء:"الدكتور قال إيه؟"رفع عينيه إليها."عايزني أروح المستشفى.""دلوقتي؟""أيوه."اقتربت منه."هروح معاك."لم يعترض.بل مد يده إليها."كنت مستني تقوليها."ابتسمت بخفة."أنا مراتك.""عارف."ثم خرجا معًا.---طوال الطريق، لم يتحدث سليم كثيرًا.كانت يارا تراقبه من حين لآخر، وتلاحظ توتر أصابعه فوق المقود.وضعت يدها على يده."متفكرش كتير."نظر إليها."صعب.""ليه؟""لأني خايف.""من إيه؟"سكت قليلًا."من اللي ممكن أفتكره."أجابته بهدوء:"حتى لو الذكرى وجعتك، مش هتواجهها لوحدك."شد على يدها."أنا عارف."ثم ابتسم."علشان كده أنا هادي شوية."---عندما وصلا إلى المستشفى، كان الطبيب ينتظرهما.دخل سليم غرفة الفحص، بينما بقيت يارا بجواره.قال الطبيب بعد أن راجع بعض الأوراق:"النتائج الجديدة مش معناها إن فيه مشكلة خطيرة."تنفست يارا براحة."أمال إيه؟"أجاب الطبيب:"الفحوصات بتوضح
هل يمكن أن أحبك مرتين؟في صباح اليوم التالي، استيقظت يارا على صوت سليم وهو يتحدث في الهاتف.لم تستطع سماع الكلمات بوضوح، لكنها لاحظت نبرة صوته الهادئة، ثم رأته يغلق المكالمة ويضع الهاتف على الطاولة.فتح الستارة، فدخل ضوء الشمس إلى الغرفة.قالت يارا بصوت ناعس:"صحيت بدري ليه؟"التفت إليها وابتسم."مش عارف.""إنت كويس؟"اقترب منها وجلس على طرف السرير."كويس."ثم أضاف:"بس صحيت وأنا حاسس إني كنت عايز أشوفك."ابتسمت."أنا قدامك.""عارف."ثم ظل ينظر إليها."بس عايز أسألك سؤال.""اسأل.""لو أنا ما رجعتش أفتكر كل حاجة..."تغيرت ملامحها قليلًا."هنعيش.""حتى لو نسيت أول مرة حبيتك فيها؟""هخليك تحبني مرة تانية."ابتسم."ولو نسيت أول مرة اتخانقنا؟"ضحكت."هفكرك.""ولو نسيت أول مرة طلبت منك تتجوزيني؟""هقولك إنك كنت متوتر جدًا."ضحك.ثم قال:"ولو نسيت كل اللحظات اللي بينا؟"اقتربت منه."هعمل لحظات جديدة."ظل ينظر إليها.ثم قال:"إنتِ عارفة إنك بتخليني أتمنى ما أرجعش أفتكر؟"تجمدت قليلًا."ليه؟""علشان النسخة اللي أعرفها دلوقتي منك... أنا بحبها."ابتسمت بحزن."بس أنا نفس يارا.""عارف."ثم أمسك يد
الليلة التي سبقت الحادثمرّت لحظات طويلة بعد أن انتهى سليم من قراءة الرسالة، ولم يتحدث أي منهما.كانت يارا لا تزال تنظر إليه، بينما ظل هو يحدق في الورقة وكأنه ينتظر منها أن تمنحه الإجابة التي عجزت ذاكرته عن تقديمها.قالت يارا بهدوء:"إنت خايف من الذكرى."رفع عينيه إليها.لم يحاول الإنكار."أيوه.""ليه؟""علشان كل مرة بقرب منها، بحس إن فيه حاجة حصلت.""حاجة وحشة؟"فكر قليلًا."مش عارف."اقتربت منه."يبقى متخافش منها."ابتسم بحزن."إنتِ سهلة أوي.""لا."وضعت يدها فوق يده."أنا بس عارفة إننا مهما افتكرنا، هنواجهه مع بعض."نظر إلى أصابعها فوق يده.ثم قال:"يمكن ده اللي كنت محتاج أسمعه."---في المساء، عادا إلى المنزل.لم يتحدثا عن الماضي كثيرًا.تناولا العشاء، وتحدثا عن أشياء بسيطة، وضحكت يارا عندما أخبرها سليم أنه كاد يحرق الطعام في أول مرة حاول فيها الطبخ لها.قالت:"إنت فعلًا كنت فاكر نفسك شيف؟""كنت بحاول.""وحرقت المطبخ.""مش للدرجة دي.""لحد دلوقتي عندي صورة.""امسحيها."ضحكت."مستحيل."نظر إليها مبتسمًا.كان يحب تلك اللحظات.لحظات لا تتعلق بالذاكرة.لا بالألم.لا بما حدث.فقط هما.
الوعد الذي لم أتذكرهلم تنم يارا جيدًا تلك الليلة.كانت كلما أغمضت عينيها، عادت إليها صورة سليم وهو يقف أمامها قبل الحادث، يمسك يدها ويعدها بأنه سيعود."استنيني."كانت تلك الكلمة هي أكثر ما بقي في ذاكرتها من تلك الليلة.أما سليم، فكان مستيقظًا أيضًا.جلس بجوار النافذة، ينظر إلى الظلام الممتد خلف الزجاج، ويحاول أن يجمع الذكريات التي عادت إليه خلال الأيام الماضية.الخاتم.الزواج.المشاجرات الصغيرة.ضحكة يارا.البيت.والليلة التي سبقت الحادث.كل شيء كان يعود على هيئة أجزاء صغيرة، كأن ذاكرته تخشى أن تمنحه الصورة كاملة دفعة واحدة.اقتربت يارا منه."لسه صاحي؟"التفت إليها."أيوه."جلست بجواره."بتفكر في إيه؟"ابتسم."فيكي.""بس؟""وفي نفسي."نظرت إليه."حاسس بإيه؟"صمت للحظات.ثم قال:"حاسس إني كنت شخص مختلف قبل الحادث.""مختلف إزاي؟""كنت أكتر اندفاعًا."ضحكت."دي حقيقة.""وكنت بخاف عليكي زيادة.""دي كمان حقيقة."نظر إليها."بس فيه حاجة غريبة.""إيه؟""كل ما أفتكر حاجة، بلاقي نفسي كنت بحاول أخليكي بعيدة عن أي حاجة تضايقك."قالت بهدوء:"كنت بتعمل كده طول الوقت.""وإنتِ كنتِ بتزعلي.""طبعًا.
الفصل الثامن"إنتِ فاكرة إني كنت معاكي طول اليوم؟"خرج صوت سليم حادًا بصورة أربكت الجميع، بينما كانت عيناه مثبتتين على يارا التي تجمدت مكانها وهي تنظر إلى الصورة الظاهرة على شاشة الحاسوب."يعني إيه؟"قالتها وهي تشعر أن قلبها بدأ يفقد انتظامه.اقترب سليم من الشاشة أكثر، ثم أشار إلى التوقيت الظاهر أس
تجمدت يارا في مكانها وهي تنظر إلى سليم، بينما كانت شظايا الزجاج المتناثرة فوق الأرض تعكس ضوء المصابيح المرتجفة داخل المكتب، ولم تكن الرصاصة التي استقرت في الحائط على بعد سنتيمترات منه هي ما أخافها في تلك اللحظة، بل تلك النظرة التي ظهرت فجأة في عينيه، نظرة لم ترها منذ وقوع الحادث، نظرة رجل تذكر شيئً
كانت يد يارا ترتجف بشدة وهي تحدق في شاشة هاتف ريم.ثلاث كلمات فقط.ثلاث كلمات كانت كفيلة بأن تجعل الدم يتجمد داخل عروقها."الدور عليها الآن."أعادت قراءة الرسالة مرة.ثم مرتين.ثم ثلاث مرات.وكأن عقلها يرفض استيعاب معناها.لكن المعنى كان واضحًا بصورة مخيفة.لم يعد الأمر متعلقًا بريم وحدها.بل بها ه
.....لم تنم يارا تلك الليلة.منذ أن عادت إلى المنزل وهي تشعر أن شيئًا ما ينهار داخلها ببطء، شيئًا لم يعد بإمكانها ترميمه مهما حاولت التماسك. كانت جالسة على طرف السرير داخل غرفتها تحدق في الفراغ أمامها، بينما كانت عقارب الساعة تتحرك ببطء قاتل وكأنها تسخر منها. منذ أسابيع قليلة فقط كانت حياتها مستقر







