LOGIN— لو سمحت...
أتاه صوتها ذو البُحّة المميزة التي طالما أرّقت مضجعه وعصفت بكيانه، حتى أصبح كالمغيّب، لا يرى ولا يسمع سواها.
شيءٌ بداخله أخبره ألّا يلتفت إليها... حتى كررت نداءها مرةً أخرى.
وفور أن التقطت أذناه صوتها الباكي، التفت إليها بكل جوارحه، لكنه صُدم فور أن رآها.
ظل ينظر إليها كالمسحور، لا يدري هل يراها حقيقةً أم أنه ما يزال غارقًا في حلمٍ اعتاد زيارته كل ليلة.
تمتم بعدم تصديق:
— معجول؟! ست الناس؟!
انتبهت لما تفوّه به فقالت وسط بكائها:
— أفندم؟!
أما هو، فكان يسبح في تفاصيل وجهها؛
عيناها اللتان يزينهما الليل وسماؤه، أنفها المستقيم المحمرّ من أثر البكاء، وجنتاها الممتلئتان، وفمها المكتنز... ثم عاد ببصره إلى عينيها، وآآآه من عينيها.
كانت تنظر إليه على استحياء، ثم قالت بتوتر:
— لو سمحت... ممكن موبايل حضرتك بس أتصل على حد من قرايبي؟ لأني تايهة هنا، ومعرفش أنا فين، ولا أعرف حد هنا، وموبايلي فصل شحن و...
— إيييييييه لضماهم في فتلة إياك!!
كان ذلك صوت عم صالح الذي تفوّه حانقًا، قبل أن يوكزه العمدة قائلًا:
— بس يا بجَم! إيه دخلك إنت؟!
ثم التفت إليها قائلًا بلطف:
— اتفضلي يا ست الناس.
قالها وهو يناولها هاتفه، فأخذته بسرعة، ثم طلبت رقمًا وانتظرت حتى جاءها رد تلك المعتوهة التي لا تنفك تنعق كالغربان:
"الهاتف الذي طلبته مغلق أو غير متاح."
تعالى صوت نحيبها، مما أثار غضبه وقلقه معًا، فقال سريعًا:
— هاا... بتبكي ليه طيب؟!
— الموبايل مقفول!
— طيب حاولي تاني.
— برضه مقفول.
— طيب جرّبي تتصلي بحد تاني.
— مش حافظة أرقام حد من اللي كانوا معايا غير الرقم ده.
— طيب إنتوا كنتوا فين؟ وأنا بإذن الله أرجعك ليهم.
قالت وهي تحاول التذكر:
— كنا عند المكان اللي فيه حاجة زي تلة كبيرة كده، وبيتصوروا جنبها... مش عارفة كنا فين بالظبط. أنا أول مرة أزور أسوان... وآخر مرة أقسم بالله! أنا مش نازلة من بيتنا تاني... بس أروح بس يا رب!
جاهد ألّا ينفجر ضاحكًا على طريقتها الطفولية تلك، ثم قال:
— طيب إنتِ ليه سيبتيهم؟ ولا إيه اللي حصل؟
— إحنا كنا جروب مع بعض كده، وبعدين ولاد عمتي خدوني ورحنا مكان لوحدنا، وبعدها أنا روحت التواليت، ولما خرجت ملقيتهومش. فضلت أدور عليهم في كل حتة، مفيش ليهم أي أثر، وفجأة لقيت نفسي هنا، ولا بقيت عارفة أرجع، وخايفة أبعد عن المكان أكتر من كده، ومش عارفة أتصرف إزاي!
التفت العمدة قائلًا:
— طيّارة يا عم صالح، تجيب إزازة ميّه ومناديل وتيجي.
ثم نظر إليها بحنانٍ واضح:
— اجعدي بس واستهدي بالله، وتفائلي، وإن شاء الله هنوصلّهم.
هزّت رأسها نافية وقالت بخجل:
— لا معلش، أنا عطلت حضرتك جامد. تقدر تتفضل إنت، وأنا إن شاء الله هتصرف.
باغتها قائلًا دون تفكير:
— يمين بالله ما يحصل! أسيبك كيف وأنا ما صدّجت لجيتك؟!
اتسعت عيناها بدهشة:
— أفندم؟!
ارتبك سريعًا وقال:
— أااا... أجصد أسيبك كيف لوحدك يعني وإنتِ تايهة وغريبة؟! دي حتى مش أصول.
ثم أشار للمقعد قائلًا:
— اتفضلي ارتاحي، تلجي رجليكي تعبتك من الوجفة، وكمان وجفتك كده مش حلوة، الرايح والجاي يبصلك. اجعدي على ما عم صالح يجيبلك الميّه.
دون تفكير جلست، ثم أغمضت عينيها بتعبٍ فرق قلبه لحالها، فقال بصوتٍ خافت:
— متجلجيش يا ست الناس، إن شاء الله هنوصل لأهلك، ولو لقدر الله موصلناش... أسوان كلها أهلك.
شهقت بخوف:
— إيييه؟! هو أنا ممكن موصلش ليهم بجد؟! طب و...
قاطعها وصول عم صالح بالمياه، فناوَلها إياها، فأخذتها وشربتها كاملةً، ثم نظرت إليه بامتنان مع ابتسامةٍ خفيفة سرّ لها قلبه وارتوت بها روحه.
قالت بخجل:
— متشكرة جدًا لحضرتك... لو ممكن بس أجرب أفتح ماسنجر من عندك وأحاول أكلم أي حد منهم نت، بما إن التليفون مقفول.
فتح عينيه بدهشةٍ مصطنعة وقال:
— يا خبر! إنتِ بتستأذني؟! التليفون وصاحب التليفون تحت أمرك.
ابتسمت بخفة:
— ربنا يخلي حضرتك... طب ممكن الباسورد؟
ثم أعطته الهاتف، فمد يده ليأخذه منها، وما إن لامست أصابعها أصابعه حتى دبّت في أوصاله رجفةٌ لم يختبرها من قبل.
أما هي... فكانت مسكينة، كل الظروف ضدها ذلك اليوم، وكل العوامل تضعها تحت ضغطٍ خانق.
وما إن لامست يدها يده حتى أجفلت وارتبكت وسحبت يدها سريعًا.
أخذ هو الهاتف، ثم ألغى قفل الشاشة ووضعه أمامها على الطاولة اتقاءً لتلك الكهرباء التي سرت بجسدهما معًا.
أخذت الهاتف وسجلت دخولها إلى حسابها على "ماسنجر"، ثم بدأت تبحث عن حساب ابنة عمتها حتى وجدته، فأرسلت لها بسرعة:
"نادين، إنتوا فييييين؟؟؟!!!!!"
ثم أرسلت رسالةً أخرى:
"أنا خرجت من المكان اللي كنا فيه وبعدت عنه. أنا دلوقتي في..."
رفعت نظرها إليه وقالت:
— هو إحنا فين هنا حضرتك؟
تفوهت بتلك الكلمات دون أن تعلم أنها ستجده يحدق بها كأنما يبحث عن ضالّته في وجهها.
انتبه لنفسه سريعًا وقال:
— إحنا هنا في شارع الكورنيش... جولي لهم عند كافيه ست الحسن.
قال الأخيرة بهيامٍ لم يصطنعه، مما أثار حفيظتها قليلًا، لكنها لم تعره اهتمامًا، وأرسلت رسالةً أخرى:
"أنا في شارع الكورنيش، قاعدين على كافيه اسمه ست الحسن... بالله عليكوا متتأخروش."
انتظرت لدقائق على أمل أن تتحول علامة الصح إلى صحّتين... دون جدوى.
إذن فالبكاء هو الحل.
انفجرت في البكاء، مما جعل العاشق الجالس أمامها يشعر وكأن نياط قلبه تتمزق لرؤيتها بتلك الحالة، فقال بقلق:
— ليييه بس يا ست الناس؟! حصل إيه؟! عشان خاطر ربنا متبكيش طيب.
قالت بانهيار:
— مش عارفة أوصلها... قافلة نت! أعمل إيه دلوقتي؟! أنا لازم أرجع المكان اللي كنت فيه، هما أكيد مستنييني هناك.
فقام فجأةً كمن لدغه عقرب، خشية أن تضيع منه، وقال بسرعة:
— استهدي بالله بس يا ست الناس، واجعدي، وإن شاء الله هنوصل لحل. حاولي تتصلي بيهم تاني، ممكن يكونوا خرجوا في شبكة.
حاولت الاتصال مراتٍ عديدة، وفي كل مرة يأتيها الرد اللعين نفسه... حتى جاءها فجأةً جرس الاتصال.
فصرخت كالأطفال بفرحة:
— بيررررن!!!
ولولا ثباته الانفعالي لانتفض من صرختها، فقال بسرعة:
— يا كريم يا رب...
وما إن أتاها صوت المتصل حتى انفجرت بالبكاء قائلة:
— أيوة يا محمد! هيكون مين معاك يعني؟! ... أيوة، حسناء...
حسناء... ❤
لكل امرئٍ من اسمه نصيب فعلًا.
حسناء الوجه كما هي حسناء الاسم، ويبدو أنها حسناء القلب أيضًا.
تمتم في نفسه بشرود:
— كلك حُسن يا ست الحسن...
ثم خرجت منه آهةٌ مكتومة قطعتها هي صارخة بانفعال:
— أقسم بالله أنا اللي أستاهل! أقولكوا إيه؟! أنا عيلة بريالة، ولو قلتلكوا بعد كده خدوني عند البقال اللي تحت البيت حتى متوافقوش! هو إيه اللي "سيبتينا ومشيتي" ليه؟! إنت مبتفهمش إنت كمان؟! نقول تور يقولوا احلبوه!
تمتم في نفسه بصدمةٍ ساخرة:
— "نقول تور يقولوا احلبوه"؟! شكلك لسانك زالف... يا خسارة يا ست الحسن، الحلو مبيكملش.
ازداد سخطه وهو يستمع إليها تترجّى محدّثها:
— عشان خاطري يا محمد... بالله عليك متتأخروش، أنا مبقاش فيّا أعصاب، وهموت من القلق على صِبا... ماشي يا محمد... لا، ده موبايل واحد ذوق كده هو اللي ساعدني... طيب، سلام.
رفع حاجبه بغيظٍ شديد وهو يتمتم داخل نفسه:
— "واحد ذوق"؟! يعني أديلِك ساعة بتجولي: يا محمد يا محمد، وجيتي عندي وبجيت "واحد ذوق"؟!
وبنت الأبالسة طالعة منها "محمد" كيف الشهد... ماشي يا ست الناس، إن ما بطلتك تجولي "محمد" دي لحد غيري، مبجاش أنا العمدة داود!
يرن هاتفها فجأه فتجد المتصل والدها فتجيبه:أيوة ي بابا..عمتي اللي قالتلك..لا مش راجعه..ولا راجعه الفيوم..هو اي اللي مستخبيه دي؟!..و الناس تسأل ليه اصلا ما يسيبوني ف حالي..اللي يسألك قوللهم بتكشف علي بنتها و راجعه..يخبط دماغه ف أقرب حيطه انا مش راجعاله..أه مش راجعه الا أما يطلقني. التفت إليها مصدووم!! شعر بأن سكين قد غرس بقلبه.. لأول مره في حياته يجاهد ألا يبكي.. دموعه محتبسه بمحجريه تقاوم ألا تنهار الآن.. جميع حواسه توقفت عن العمل.. لا يسمع سوي دقات قلبه المتضاربه.. حتي هي لم يعد يستمع لما تقوله.أكملت ببكاء أودي بحياته: ي بابا انت كل مرة بتقوللي ارجعي و اخر مره.. و كل مره برجع بحاجه مكسورة فيا، مره دراعي و مره رجلي، بس المرادي اللي اتكسر ملوش علاج، أنا تعبت و قرفت و جبت أخري.. أيوة مصممه و مش هرجع و خليه يطلقني.. ع اساس اني عبيطه يعني؟! باباااااا يلا سلام دلوقتي معلش. أنهت المكالمه ثم أغلقت الهاتف.. زفرت زفره قويه أخرجت بها كل الطاقه السلبيه الكامنه بها ثم التفتت إلي الشارد بجانبها: ألا صحيح انت جاي اسكندريه لي..... _لما انتي متجوزه سايبه بيتك و جايه هنا ليه؟! =في شوية مشاكل بينا
نظرت له بثقةٍ تكاد تكون معدومة، لكنها ناولته يدها مرةً أخرى، لتتفاجأ بآخر شخصٍ كانت تود رؤيته.اتسعت عيناها بفزع، ثم قالت برعبٍ واضح:— فادي؟!!إنت جايبني هنا ليه؟!مشّيني من هنا... والنبي متسيبنيش ليه!انتفضت فجأة حين شعرت بيدٍ تهزها بعنف، ففتحت عينيها بفزع وهي تقول:— أعوذ بالله! في إيه يا نادين؟! بتصحيني ليه؟!جلست نادين بجوارها وقالت بقلق:— مانتِ نايمة من ساعة ما رجعنا، لا أكل ولا شرب، وكمان خالي قالب الدنيا، رن عليكي كتير وتليفونك لسه مقفول.إنتِ عرقانة كده ليه؟! كنتِ بتجري وإنتِ نايمة ولا بتحلمي بفادي كالعادة؟!أغمضت حسناء عينيها بضيق ثم قالت بإرهاق:— حلم؟! هو ده بييجي في حلم؟! ده بييجي في كوابيس...هفتح موبايلي أهو وأكلم بابا حاضر.— طيب قومي عشان تاكلي وتأكلي "صِبا".— لا، مليش نفس... معلش، لو صِبا هتاكل أكّليها معاكي.ربتت نادين على كتفها بحنان:— طيب يا حبيبتي، على راحتك.نهضت حسناء ببطء، ثم أوصلت هاتفها بالشاحن وفتحته، وما إن انتهى من العمل حتى سارعت بالاتصال بوالدها.— أيوة يا بابا... الحمد لله...كويسة، بتلعب أهي.إيه؟!لا، مش هاجي!وإنت قولتله إيه؟!لا والله يا بابا، ك
انتهى اليوم، وعاد هو إلى المنزل، لكنّه لم يكن كما خرج منه صباحًا.كان شيءٌ ما بداخله قد تبدّل، وكأن قلبه تُرك هناك على كورنيش أسوان بجوار تلك الفتاة التي اقتحمت حياته صدفةً وأربكت كل شيءٍ فيه.وما إن دلف إلى المنزل حتى هرول مباشرةً نحو غرفة والدته دون أن يطرق الباب، وهو يناديها بصوتٍ ممتلئ بالحياة:— ونوووس!ابتسمت والدته فور أن رأته وقالت بحنان:— إنت جيت يا ريحة المسك يا أسمر؟!ضحك بخفة وهو يقترب منها:— ياااه يا أما، أديلِك زمان مجولتليش كده.— وإنت كمان ليك زمن مجولتليش يا ونوس، وطالما جولتها تبجى فرحان!جلس بجوارها وقال بسعادةٍ تكاد تفيض من عينيه:— فرحان بس؟! جولي الفرحه مش سيعاني... طااااير من الفرحه! أنا لازم أصلي ركعتين شكر لله.ابتسمت وهي تراقب ملامحه المشرقة قائلة:— ربنا يزيدك يا نضري... بس مش تجولي إيه اللي جرى كده وخلاك فرحان وتفرحني معاك؟!تنهد بعشقٍ واضح وقال ببشاشة:— شوفتها يا أما...عقدت حاجبيها باستغراب:— هي مين دي يا حبيبي؟!— حبة الجلب.— أيوة أيوة، منتا جولتلي الصبح جبل ما تنزل.هز رأسه سريعًا وقال بحماس:— لا يا أما، شوفتها بجد... حجيجة كده، زي ما أنا شايفك دل
— "واحد ذوق"؟!!أديلِك ساعة بتجولي: يا محمد يا محمد، وجيتي عندي وبجيت "واحد ذوق"؟!وبنت الأبالسة طالعة منها "محمد" كيف الشهد! ماشي يا ست الناس، إن ما بطلتك تجولي "محمد" دي لحد غيري، مبجاش أنا العمدة "داود"!!أفاق من شروده على صوتها وهي تقول:— اتفضل الموبايل يا حضرتك... آه، وبالمناسبة، اسم حضرتك إيه؟ثم أضافت بضحكةٍ خجلة:— أصل أنا فضولية شوية، معلش.— العمدة داود.— محمد.— أفندم؟؟؟؟!!!!كانت الأولى من نصيب عم صالح، والثانية للعمدة، أما الثالثة فخرجت مذهولة من حسناء.همّ داود أن يوضح لها ما يقصده، لكنها قاطعته فجأةً وهي تهب واقفة، وقد اتسعت عيناها حتى كادتا تخرجان من محجريهما، بينما فمها يكاد يلامس الأرض من شدة الدهشة، ثم صاحت بانبهار:— هشام الجخ؟!!!!! ❤❤استغرق الأمر من داود بضع لحظات حتى استوعب ما حدث.التفت إلى حيث تنظر، فوجدها تقف بالفعل أمام هشام الجخ، تتحدث إليه بابتسامة تكاد تصل إلى أذنيها.قالت بحماسٍ طفولي:— حضرتك أنا مش مصدقة نفسي إني شايفاك دلوقتي! حضرتك متعرفش أنا بحبك قد إيه... ده أنا حافظة كل القصايد بتاعتك بلا استثناء!في المقابل، كان الشاعر يقف مبتسمًا بسعادةٍ واضحة
— لو سمحت...أتاه صوتها ذو البُحّة المميزة التي طالما أرّقت مضجعه وعصفت بكيانه، حتى أصبح كالمغيّب، لا يرى ولا يسمع سواها.شيءٌ بداخله أخبره ألّا يلتفت إليها... حتى كررت نداءها مرةً أخرى.وفور أن التقطت أذناه صوتها الباكي، التفت إليها بكل جوارحه، لكنه صُدم فور أن رآها.ظل ينظر إليها كالمسحور، لا يدري هل يراها حقيقةً أم أنه ما يزال غارقًا في حلمٍ اعتاد زيارته كل ليلة.تمتم بعدم تصديق:— معجول؟! ست الناس؟!انتبهت لما تفوّه به فقالت وسط بكائها:— أفندم؟!أما هو، فكان يسبح في تفاصيل وجهها؛عيناها اللتان يزينهما الليل وسماؤه، أنفها المستقيم المحمرّ من أثر البكاء، وجنتاها الممتلئتان، وفمها المكتنز... ثم عاد ببصره إلى عينيها، وآآآه من عينيها.كانت تنظر إليه على استحياء، ثم قالت بتوتر:— لو سمحت... ممكن موبايل حضرتك بس أتصل على حد من قرايبي؟ لأني تايهة هنا، ومعرفش أنا فين، ولا أعرف حد هنا، وموبايلي فصل شحن و...— إيييييييه لضماهم في فتلة إياك!!كان ذلك صوت عم صالح الذي تفوّه حانقًا، قبل أن يوكزه العمدة قائلًا:— بس يا بجَم! إيه دخلك إنت؟!ثم التفت إليها قائلًا بلطف:— اتفضلي يا ست الناس.قالها
تقفُ وحالُها يُغني عن السؤال، تذرع الطريق ذهابًا وإيابًا، وقد ذرفت من الدموع ما يكفي لريِّ جزيرة النباتات بأكملها.كان لديها من التوتر ما يكفي لجعل أطرافها جميعها ترتعد، فكلُّ غادٍ وراحلٍ كان يرمقها بنظراتٍ تزيد من اضطرابها. لم تكن تدري ماذا عليها أن تفعل، ولا ممّن تطلب المساعدة، بل إنها لم تكن تعلم أين هي بالأساس.قالت ببكاءٍ مرتجف:— أنا منّي لله لليوم اللي قلت فيه لنفسي أزور أسوان... يا رب استرها، يا رب ماليش غيرك... معقول هافضل تايهة كده؟! مش هيلاقوني؟!تعالى صوت نحيبها، فالتفت إليها بعض المارة.— أي خدمة يا أستاذة؟ تؤمري بحاجة؟!كان ذلك صوت أحد المارة الذي أفاقها من شرودها، بل وجعلها تنتفض كمن لدغه عقرب. ابتعدت عنه فورًا بعدما رمقته بخوفٍ وغضب.فكلما همّت أن تستوقف أحدًا وتطلب منه المساعدة، تراجعت خشية أن يضايقها أو يستغل كونها تقف وحدها.لكن انتباهها تعلّق هذه المرة برجلٍ يبدو على مشارف الأربعين، تكسو ملامحه الهيبة والوقار.ولأول مرة شعرت أن الله ربما أرسل لها من ينقذها، وأنه على الأرجح لن يمسّها بسوء، فقررت أن تغتنم الفرصة قبل أن تتراجع.— لو سمحت!قالتها بغتةً، كأنها تلتهم الف







