Teilen

الفصل 3

نيلي العظيم
خارج غرفة العمليات، كان الوقت يمرّ ببطءٍ شديد.

كانت سلوى تمشي ذهابًا وإيابًا بقلق، وتُلقي بين حينٍ وآخر نظرةً نحو باب غرفة العمليات المُحكم الإغلاق.

وأخيرًا، انفتح الباب.

دُفِعت ريم إلى الخارج على يد الممرّضة، كانت قد غابت في نومٍ عميق، لكن آثار الدموع التي لم تجفّ بعد ما زالت على وجهها، وعلى شفتيها الشاحبتين كانت تُرى حتى آثارُ أسنانٍ دقيقة.

"ريم!" سارعت سلوى إلى التقدّم نحوها.

خلع الطبيب الكمّامة، وقد بدا عليه شيءٌ من الجديّة، وقال:

"العملية سارت بنجاح، لكن المريضة ضعيفة الجسد جدًا، تذكّروا أنّ حالتها هذه تتطلّب راحةً جيّدة، وإلا... فقد يصبح الحمل مستقبلًا أمرًا صعبًا."

انقبض قلب سلوى فجأة، ونظرت إلى ريم الغارقة في النوم، ففاضت الدموع في عينيها من جديد.

ريم بهذه الطيبة، كيف ابتُليت برجلٍ وضيعٍ مثل فؤاد!

عندما استيقظت ريم، كان الوقت قد صار بعد الظهر.

وصلت والدة سلوى، وهي تحمل وعاءً من عصيدة اللحم المتصاعدة منها الأبخرة.

"ريم، لقد استيقظتِ؟ هيا، اشربي قليلًا من العصيدة وهي ساخنة لتقوية جسدكِ." نظرت إليها والدة سلوى بحنانٍ، وهي تتأمّل وجهها الشاحب.

"شكرًا لكِ يا خالتي!" ابتسمت ريم ابتسامةً واهنة، وحاولت أن تنهض لتجلس.

"لا تتحرّكي، لا تتحرّكي، ابقي مستلقية فقط، سأُطعِمكِ أنا." سارعت والدة سلوى إلى إسنادها، ثم غرفَت ملعقةً من العصيدة، ونفخت فيها برفق حتى تبرد، وقدّمتها إلى فمها.

كان قلبها يعتصر ألمًا؛ فالفتاة بالكاد رُزقت بهذا الطفل، فكيف اختفى فجأة!

حينها كانت ريم بلا مأوى، وتعرّضت سلوى للتنمّر في طريق عودتها من المدرسة، فتدخّلت ريم لمساعدتها، فاصطحبتها سلوى إلى بيتها، ودعمتها عائلة سلوى حتى أتمّت دراستها.

وكانت والدة سلوى تعاملها بمحبةٍ كأنها ابنةٌ أخرى لها.

كانت ريم ترتشف بجرعاتٍ صغيرة، فشعرت بدفءٍ يسري في معدتها، لكن عينيها احمرّتا.

كانت سلوى تجري مكالمةً على الجانب، تخفض صوتها كثيرًا، لكن نبرتها كانت متوترةً على نحوٍ غير معتاد.

"طارق! أقول لك، إن استمررتَ في الاختلاط برجلٍ وضيع مثل فؤاد، فنحن ننفصل فورًا! تُلغى الخطوبة، ولن نلتقي بعد اليوم طوال حياتنا!"

قالت ذلك، ثم أغلقت الهاتف بقوّة، فراح صدرها يعلو ويهبط بعنف من شدّة الغضب.

نظرت ريم إليها، "سلوى، لا تجعلي الأمر بسببي..."

"لا علاقة لكِ بالأمر!" قاطعتها سلوى، "الذي لا أتحمّله هو طارق الألفي الذي لا يعرف أين يقف! فؤاد أوصلكِ إلى هذه الحال، وهو ما زال يناديه بالأخوّة وكأنّ شيئًا لم يكن، أهذا يُعقل؟ في أيّ صفّ يقف أصلًا؟"

كان زواج عائلتَي الزناتي والألفي تحالفًا عائليًا، وقد خُطِب الاثنان منذ أن بلغا الثامنة عشرة من العمر.

لكن نزعة الدلال المفرطة لدى سلوى لم تتغيّر يومًا، مما جعل طارق يعاني كثيرًا منها.

في ذلك الوقت، داخل إحدى قاعات الحفلات الخاصة بأفخم نادٍ خاص في مدينة الضياء.

كانت الموسيقى الناعمة تنساب، ويتشبّع الهواء برائحة الكحول الفاخر والعطور.

كان طارق يمسك هاتفه، وعلى وجهه ملامح ذهولٍ تام.

نظر طارق إليه بنظرةٍ حائرة، "ما الذي أصابها فجأة؟ تقول إنها ستنفصل عني إن استمررتُ في الاختلاط بك؟"

كان فؤاد يمسك كأسه، وتحرّك أصابعه الطويلة السائلَ ذا اللونِ العنبريّ برفق، وحين سمع ذلك لم يفعل سوى أن رفع حاجبه قليلًا، دون أن تبدو على وجهه أيّ تعابير.

ضحك نادر الجبالي الجالس إلى جواره، "أوه، يا طارق، يبدو أن المشاكل اشتعلت في بيتك؟ واضح أن صاحبة البيت تحمل ضغينة كبيرة تجاه فؤاد. الآن أمامك فرصة، اختر واحدًا من اثنين."

مرّر طارق يده بقلق في شعره، "من يدري ما نوبة الجنون التي أصابتها! تجاهلها، واشرب."

وفي تلك اللحظة، فُتح باب الجناح الخاص.

دخلت امرأة ترتدي فستانًا أحمر بحمّالات رفيعة يبرز أنوثتها، تتمايل في مشيتها، وكانت هي نادين الزيني.

كانت نادين ابنةَ عائلة الزيني الثرية، وإحدى نجمات الصفّ الأوّل الأكثر شهرة في الوقت الحالي.

أما حفل عيد الميلاد الاستعراضي الذي أُقيم لها أمس برفقة فؤاد، رفع عدد متابعيها إلى عشرين مليونًا، فأصبحت محطّ أنظار الجميع كأنها نجمٌ في السماء.

ولو قُدِّر لها أن تتزوّج وتدخل عائلة الحديدي، لأصبحت أرفعَ نساء مدينة الضياء مقامًا.

زوجةُ أغنى رجلٍ بكلّ ما تحمله الكلمة من مكانة! مجرّد التفكير في ذلك يُشعرها بالفرح!

توجّهت مباشرةً إلى جانب فؤاد، متجاهلةً نظرات الإعجاب أو الغيرة من حولها، وجلست إلى جواره، ثم أحاطت ذراعَه بذراعها على نحوٍ طبيعي، وأسندت رأسها إلى كتفه.

"فؤاد، في احتفال الذكرى السنوية لمجموعة الحديدي هذا الأسبوع، هل يمكنني أن أكون مرافقتك؟"

لم تعد تريد أن تبقى مختبئة خلفه.

انتظرت ثلاث سنوات، وكان ذلك أكثر من كافٍ!

لانَت نظرةُ فؤاد، "غدًا، سأطلب من أحدهم أن يحجز لكِ فستانًا."

ابتسمت نادين بحماس، "كنتُ أعلم أنكَ الأفضل."

رفع نادر كأسه، "مبارك يا نادين، يبدو أنكِ ستُصبحين زوجته قريبًا."

وانضمّ طارق إلى المزاح، "يبدو أن اتفاق السنوات الثلاث أوشك على الاكتمال، يا نادين، وستذوقين أخيرًا طعم الراحة بعد العناء."

لم يكن من الصعب ملاحظة أن صديقي فؤاد المقرّبين كانا يميلان إلى نادين الزيني، لأنهما لم يريا فؤاد قطّ يُخرج ريم إلى العلن.

وفوق ذلك، كان زواجهما سريًّا، حتى إنّ العالم الخارجي لم يكن يعرف عنه شيئًا تقريبًا.

وجوده كعدمه!

تناولت نادين كأسها بسخاء وقرعت كؤوسهم، "شكرًا لكَ يا طارق، ولكَ يا نادر."

من بين العائلات الأربع الكبرى في مدينة الضياء، وقف أبناء ثلاثٍ منها إلى جانب نادين، وبمجرّد انتهاء زواج فؤاد من ريم، ستتمكّن من الزواج من عائلة الحديدي بشكلٍ شرعيّ ورسميّ.

"طنّ" نظر نادر إلى الرسالة التي ظهرت على هاتفه، فاشتدّ حماسه حتى كاد يقفز من على الأريكة!

"يا إلهي! الأسطورة R عائدة!"

رفع هاتفه، وكان العنوان البارز على الشاشة لافتًا للنظر... "مؤسِّسة شركة الطائر الأزرق للتقنية، الأسطورة R، تؤكّد حضورها القمّة الطبية العالمية الشهر المقبل!"

كان صوت نادر يحمل فرحًا جارفًا ممزوجًا بعدم التصديق، وقد احمرّت عيناه قليلًا، "حياة جدّتي بات لها أمل! يا لها من أخبار رائعة!"

كانت سيّدة عائلة الجبالي المسنّة مصابة بسرطان الرئة، ولم يتبقَّ لها الكثير من الوقت.

وكان هذا الخبر بلا شكّ عونًا في وقت الشدّة.

فانفجر عددُ أبناء العائلات الثرية المحيطين بهم بنقاشٍ أشدّ صخبًا.

"الأسطورة R؟ أهي تلك التي ابتكرت قبل ثلاث سنوات معادلة علاج السرطان، فصارت أيقونةً في لحظتها، ثم اختفت تمامًا عن الأنظار؟"

"يا إلهي! هل ظهرت أخيرًا؟ كنت أظنّ أنها اختفت عن العالم تمامًا!"

"شركة الطائر الأزرق للتقنية! تلك هي القمّة في عالم الطب! تلك المعادلة التي طُرحت قبل ثلاث سنوات أعادت عددًا لا يُحصى من مرضى الحالات المستعصية من حافّة الموت!"

"بالضبط! هي نفسها! قبل ثلاث سنوات ظهرت من العدم، ألقت تلك المعادلة ثم اختفت، ولم يستطع أحد العثور عليها. هذه المرّة، عودتها إلى الساحة ستكون ضربةً قاصمة بلا شك، والقمّة الطبّية العالمية الشهر المقبل ستشهد ضجّةً كبرى."

كان فؤاد الجالس غير بعيد، قد تفجّر أيضًا في عينيه العميقتين بريقٌ حارق في لحظة.

على الرغم من أن القطاع الطبي في مجموعة الحديدي يُعدّ من الأوائل على مستوى البلاد.

فقد أنشأ نظامًا طبيًا ذكيًا رائدًا على مستوى الوطن، ولم يستغرقه سوى أربع سنوات ليصبح أغنى رجل في مدينة الضياء.

وتحت قيادته، توسّعت أعمال مجموعة الحديدي لتشمل أكثر من ثمانين دولة حول العالم، وكان بحقّ من نخبة النخبة.

لكن... الأسطورة R!

هذا الاسم لا يمثّل أسطورةً في المجال الطبي فحسب، بل يجسّد أيضًا قوّةً قياديّة.

بالنسبة له، بدت الأسطورة R أشبه بجزيرةٍ غامضة، تشعّ بقوّةٍ خفيّة تجذبه إليها دون مقاومة...

ولو تمكّنت الأسطورة R من التعاون مع مجموعة الحديدي، فسيبلغ موقع الحديدي في مجال الطبّ العالمي ذروته!

شدّ فؤاد أصابعه قليلًا حول كأسه، وارتسمت عند زاوية فمه ابتسامةٌ تنمّ عن ثقةٍ بالفوز.

وأضاف طارق، "سمعتُ أن 'العلاج الجيني' للأسطورة R! يعتمد على الدمج بين التقنيات الحيوية وتحرير الجينات لاستهداف الخلايا السرطانية بدقّة! مذهل!"

وتبادل الجميع الحديث بحماس، كلٌّ يدلي برأيه، وهم يستشرفون التحوّلات الجذرية التي ستجلبها عودة الأسطورة R، حتى بلغ الحماس ذروته.

الأسطورة R هي أبرز عالِمة أحياء على مستوى العالم، وقيمتها لا تُقدَّر بثمن.

وفي تلك اللحظة، دُفع باب الغرفة الخاصة برفق.

دخلت نادلةٌ شابّة تحمل صينيّةً بحذر، استعدادًا لإضافة الشراب للضيوف.

وحين رأت أبناء العائلات الثرية الثلاثة داخل الغرفة الخاصة، تعثّرت فجأة من شدّة توتّرها، فمال جسدها بقوّة إلى الأمام!

سقطت كؤوس الشراب على الصينية وارتطمت بالأرض مُحدِثةً جلبةً عالية!

"دَوِيّ... تَحَطُّم..."

اخترق صوتُ تكسّر الزجاج الحادّ ضجيجَ المكان.

لم تستطع نادين، لكونها الأقرب، أن تتدارك الأمر.

"آه!"

أطلقت نادين صرخةً حادّة قصيرة، وكان فؤاد سريعَ الاستجابة، فبالتزامن تقريبًا مع تكسّر الزجاج، ضمّ نادين المذعورة مباشرةً إلى صدره.

فحجب الشظايا الزجاجية المتطايرة نحو وجهها، لكن قطع الزجاج مع ذلك خلّفت خطَّي دمٍ على ظاهر يد نادين البيضاء.

عقد حاجبيه بشدّة، وحين رأى الجرح الواضح على ظاهر يدها والدم الذي كان يتدفّق بلا توقّف، تغيّر لون وجهه في لحظة.

وانطلقت نظرة فؤاد الحادّة نحو النادلة التي شحب وجهها من شدّة الخوف ووقفت جامدةً في مكانها، وقد جاء صوته باردًا قارسًا.

"ما الذي تقفين مذهولة من أجله؟ ارحلي!"

ارتجفت النادلة من شدّة الخوف، ثم خرجت مسرعةً وهي تتعثّر.

"فؤاد... يدي تؤلمني كثيرًا..."

كانت نادين مستندةً إلى صدر فؤاد، وصوتها يحمل نبرة بكاء، والدموع تترقرق في عينيها.

"لا تخافي، سأصطحبكِ إلى المستشفى لمعالجة الجرح."

لان صوته قليلًا، وتحرّى الحذر متجنّبًا يد نادين المصابة، ثم حملها أفقيًا بين ذراعيه وغادر الغرفة الخاصة بخطواتٍ سريعة.

المستشفى.

كانت رائحة المطهّرات تنتشر في الهواء، وكان الممرّ هادئًا إلى حدٍّ لا يُسمَع فيه سوى وقع الخطوات.

اطمأنّ فؤاد على نادين، وطلب من الطبيب معالجة الجرح بعناية وتضميده بإحكام.

وهو ينظر إلى شحوب وجه نادين ومظهرها البائس المثير للشفقة، تحمّل فؤاد بصبرٍ وواسَاها ببضع كلمات، وتركها ترتاح جيّدًا في غرفة المرضى.

خرج من غرفة المرضى، وما إن بلغ زاوية الممرّ، حتى التقط طرفُ عينه على نحوٍ عابر غرفةَ مرضى مجاورة كان بابها مواربًا.

ظهرت أمام ناظريه هيئةٌ مألوفة.

توقّفت خطوات فؤاد فجأة.

تجمّد بصره عند ذلك السرير، ملاءةٌ شاحبة، ووجهٌ شاحب.

كانت المرأة مستلقية هناك بهدوء، مغمضة العينين، وتُلقي رموشها الطويلة ظلًّا خفيفًا تحت الجفون، ولا يزال أنبوبُ المحلول مُغروسًا في ذراعها النحيلة، حيث كانت السوائل الشفافة تتدفّق قطرةً قطرة ببطء إلى جسدها.

ريم!

كيف يمكن أن تكون هنا؟ ولِمَ هي مستلقية على سرير المرضى؟!

اجتاحت قلبَ فؤاد مشاعرُ معقّدة يصعب وصفها في لحظة واحدة، كأن يدًا خفيّة قبضت عليه بقسوة.

دفع فؤاد الباب ودخل مباشرةً!
Lies dieses Buch weiterhin kostenlos
Code scannen, um die App herunterzuladen

Aktuellstes Kapitel

  • سيّد فؤاد، زوجتُك لم تعد تريد أن تكون زوجةَ أغنى رجل   الفصل 30

    رفع رأسه المدفون في تجويف عنقها قليلًا، وحدّق بعينين شاردتين نحو الجدار، ثمّ تحوّل صوته على نحوٍ غير متوقّع إلى نبرةٍ أكثر لينًا، كأنّه يهدّئ طفلًا غاضبًا."لاحقًا... مهما كان اليوم، متى ما أردتِ، يمكنكِ أن تأتي في أيّ وقت... أنا... سأمنحكِ كلّ ما أستطيع."ذلك الردّ الذي لا يمتّ إلى الموضوع بصلة جعل قلبَ ريم يغوص تمامًا.لم يكن واعيًا على الإطلاق!اغتنمت لحظة غفلته، فاستدارت فجأة، وفتحت فمها وعضّته بقوّة في كتفه!عضّتْه بكلّ ما أوتيت من قوّة، حتى كادت تتذوّق طعمَ الدم فورًا.أطلق فؤاد أنينًا مكتومًا، لكنه لم يغضب؛ بل ابتسم ابتسامةً غريبة، مشوبةٍ بإثارةٍ مرضيّة."هاه... هل تحاول زوجتي تجربة حيلةٍ جديدة؟"بدا أنّ الألم لم يردعه، بل زاده إثارةً.اقترب منها من جديد، فشدّها بذراعٍ واحدة وأطبق عليها داخل صدره بإحكام، بينما رفعت يده الأخرى ذقنها، وانحنى ليقبّلها مرّةً أخرى."فؤاد! توقّف!" انهمرت دموع ريم، وخرج صوتها مبحوحًا وهي تطلق نداء الاستغاثة الأخير:"أنا مريضة! أرجوك... لا تلمسني."توقّفت حركةُ فؤاد مرّةً أخرى.انحنى ينظر إليها، إلى عينيها الغارقتين بالدموع، فمرّت في نظرته لمحةُ صراعٍ و

  • سيّد فؤاد، زوجتُك لم تعد تريد أن تكون زوجةَ أغنى رجل   الفصل 29

    "نحن بصدد إجراءات الطلاق! افهم الوضع جيّدًا!"ضحك فؤاد ضحكةً منخفضة، لكنّها كانت مجبولةً ببرودةٍ قاسية، تنضح بعنادٍ أعمى لا يبالي بشيء."لم أوقّع على اتفاقية الطلاق بعد، وما دمتُ لم أوقّع، فأنتِ ما زلتِ زوجتي، زوجة فؤاد الحديدي!"اقترب خطوةً، وكان ظله الطويل باعثًا على ضغطٍ قويٍّ يخنق الأنفاس."أنا الآن، أريدكِ."نطق هذه الكلمات ببطءٍ ووضوح، كأنّه يقرّر حقيقةً لا تقبل الجدل ولا تحتمل الرفض.وقبل أن ينتهي من كلامه، انحنى مجدّدًا وقبّل شفتيها قسرًا، قبلةً لا تقبل المقاومة، وهذه المرّة كانت أشدّ افتراسًا.عجزت ريم عن الإفلات، ولم تشعر إلا بأنفاسه الحارّة، تترافق مع همهمةٍ مبحوحة قرب أذنها:"ساعديني... يا حبيبتي..."وتلك الكلمة "حبيبتي"، كانت مشبعةً بتوقٍّ غريب وألمٍ مكبوت، فخفق قلب ريم بعنفٍ مفاجئ.حينها فقط أدركت بوضوح أنّ هناك أمرًا غير طبيعيّ فيه؛ كان جسده محمومًا على نحوٍ مخيف، ونظرته شاردة تتخلّلها رغبةٌ جامحة، ولم يكن هذا فؤاد الذي اعتادت أن تعرفه.هل يُعقل... أنّه تناول شيئًا مريبًا؟راودها هذا الخاطر فأصابها بقشعريرةٍ باردة.ولا حاجة للتخمين؛ لا بدّ أنّها كانت "صنيعة" نادين.دفعته

  • سيّد فؤاد، زوجتُك لم تعد تريد أن تكون زوجةَ أغنى رجل   الفصل 28

    كان مروان يُسند فؤاد وهو يقوده باتجاه المقصورة، ثم قال بصوتٍ منخفض:"سيّد فؤاد، هل ترغب أن أستدعي طبيبًا؟""أين هي؟""السيّدة الشابة في غرفة الاستراحة التابعة لمقصورة السيادة، فقد كان الجدّ قد استدعاها للحديث قبل قليل."انفرج حاجبا فؤاد قليلًا؛ يبدو أنّها لم تكن في لقاءٍ سرّيّ مع سيف.وفي غرفة الاستراحة التابعة لمقصورة السيادة، كانت ريم تُجري اتصالًا هاتفيًّا.جاءها من الطرف الآخر من الهاتف ضحكُ سلوى الظافر:"ما رأيكِ؟ حيلة تحويل التهمة نجحت تمامًا، ضربةٌ واحدة بثلاثة أهداف، متعة لا توصف! مؤسف أنّكِ لم تكوني في الموقع، لكن لا بأس، فقد جعلتُ أحدهم يصوّر كلّ شيء. سأجعلها حديث البلاد كلّها!"صحيح، هذه الحيلة كانت بالفعل ضربةً واحدة لثلاثة أهداف، أولًا لم تُفسِد حفل عائلة الحديدي؛ وثانيًا وجّهت ضربةً قاسية لطارق الألفي؛ والأهمّ من ذلك أنّها جعلت نادين تفقد ماء وجهها تمامًا.قالت ريم بنبرةٍ لا تخلو من العتاب:"أنتِ جريئة أكثر من اللازم، وعندما نعود ستُحبِسكِ خالتي في غرفتكِ بالتأكيد!""هاها، أنا من يأخذ بثأره في الحال ولا يؤجّله. وما الخوف من الحبس في الغرفة، فقط لا تنسي أن ترسلي لي الطعام.

  • سيّد فؤاد، زوجتُك لم تعد تريد أن تكون زوجةَ أغنى رجل   الفصل 27

    "طارق! حتى في مثل هذا الموقف، ما زلتَ تحميها؟"طارق: "...""حقًّا لم أتخيّل أنّكنّ، أيتها النجمات الصغيرات، من أجل إعلانٍ تافه كهذا، يمكن أن تصلن إلى هذا القدر من انعدام الحياء، فتقمن بإغواء الجهة المالكة للعلامة علنًا؟ أين مهنيّتكِ؟ أين خطّكِ الأحمر؟ أم أنّ كلّ ذلك قد التهمته الكلاب؟"كانت كلّ كلمةٍ تنطق بها سلوى كأنّها نصلُ سكين، تُغرس بقسوة في قلب نادين، وتخترق في الوقت نفسه آذان كلّ من يحيط بالمشهد.انهارت نادين تمامًا؛ شعرها مبعثر، وخدّاها متورّمان محمّرَان، والدموع تختلط بالمهانة، في حالةٍ مُزرية.في تلك اللحظة، أصبحت هدفًا لسهام الجميع؛ مديرُ أعمالها غائب، وسندُها العائليّ ضعيف.وأصبحت الآن "حديثَ الساعة" الأكثر إثارة في هذا الحفل الفاخر، وحالةَ "سقوطٍ اجتماعيٍّ علنيّ" تُبَثّ على الهواء مباشرة.تعالت همهماتُ من حولها أكثر فأكثر."يا للعجب، حقًّا لم نتوقّع ذلك، ممثّلة الصفّ الأوّل وتضطرّ للكسب بهذه الطريقة...""نعم، نعرف الوجوه ولا نعرف القلوب؛ يبدو أنّها تبالغ كثيرًا من أجل الحصول على الفرص، أليس كذلك؟""طبع الآنسة الكبرى من عائلة الزناتي حادٌّ فعلًا، لم تتردّد وبادرت بالضرب!""

  • سيّد فؤاد، زوجتُك لم تعد تريد أن تكون زوجةَ أغنى رجل   الفصل 26

    اندفعت إلى صدره موجةُ غضبٍ مبهم، ممزوجةً بضيقٍ خانق، فاجتاحت قلبه في لحظة.كاد يجزّ على أسنانه غيظًا، ثم أعاد الاتصال بمروان، وصوته منخفضٌ قاسٍ يقطر برودةً:"اعثر على زوجتي فورًا! حالًا! وأحضِرها إليّ!"أنهى فؤاد المكالمة، وكبح الضيق المتصاعد في صدره، ثم استدار ليستعدّ للعودة إلى الحشد.غير أنّه ما إن خطا خطوتين فقط، حتى انتبه إلى أنّ الأجواء على سطح اليخت لم تكن على ما يرام.كان الضيوف الذين تفرّقوا في أرجاء المكان قبل قليل، منشغلين بمشاهدة الألعاب الناريّة، قد بدأوا الآن يلتفّون جميعًا نحو اتجاهٍ واحد، يتحلّقون ويتبادلون الهمسات، كأنّهم يشهدون حدثًا جللًا."ما الذي يحدث؟""يبدو أنّ الآنسة الكبرى من عائلة الزناتي تشاجرت مع الممثلة نادين!""أيعقل ذلك؟ في مناسبة كهذه؟"انقبض قلبُ فؤاد فجأة، فأسرع في خطاه وهو يشقّ الحشود.وفي قلب التجمّع، كانت سلوى تقف بوجهٍ محتقن بالغضب في مواجهة نادين.كان الجوّ مشدودًا إلى أقصى حدّ، مشبعًا بروح المواجهة وكأنّ الشرر يتطاير في الهواء."طَقّ!"دوّى صوتٌ حادٌّ واضح، كسر الضجيج المحيط.ثمّ، وفي اللحظة التالية، أشارت سلوى بيدٍ قويّة، فإذا بعشرات الصور تُنثَ

  • سيّد فؤاد، زوجتُك لم تعد تريد أن تكون زوجةَ أغنى رجل   الفصل 25

    كان هذا البُعد مثاليًّا تمامًا؛ يجنّب ضجيج اليخت الرئيسيّ، ويتيح في الوقت نفسه الاستمتاع بمشهد الألعاب الناريّة كلّه أمام العين، كما لو كانوا يشاهدون لوحةً عملاقةً متحرّكةً، متلألئةً بالألوان."واو، يا له من جمال!""التقطوا بسرعة! هذه الزاوية مذهلة!"رفع الضيوف هواتفهم تباعًا، وتعالت أصوات التقاط الصور من كلّ جانب، محاولين تخليد هذه اللحظة القصوى من الرومانسية والبذخ.في السماء، كانت أسرابُ الطائرات المسيّرة التابعة لمجموعة الحديدي تحلّق بصمت، كعيونٍ وفيّة، توثّق من مختلف الزوايا هذه اللحظة المهيبة والجميلة.بدت نادين كطاووسٍ فتح ريشه أخيرًا، تكاد تذوب كلّيًا في صدر فؤاد المتين.رفعت وجهها إليه، وفي عينيها بريقٌ يفوق لمعان الألعاب الناريّة.كان بريقًا مشحونًا بمزيجٍ معقّد من الحماسة والافتتان، ولذّة تحقّق ما طال انتظاره."فؤاد، انظُر... ما أجملها..."جاء صوتُها مشوبًا بدلالٍ متعمَّد ولمسةِ ارتعاشٍ خفيف.وفي تلك اللحظة مرَّ أحدُ عمّالِ الخدمة حاملاً صينيّة، فبادرت نادين بخفّةٍ والتقطت كأسين من الشمبانيا ذات اللون الذهبيّ الصافي.استدارت، وقدّمت إحدى الكأسين إلى فؤاد، بينما ثبتت عيناها ع

Weitere Kapitel
Entdecke und lies gute Romane kostenlos
Kostenloser Zugriff auf zahlreiche Romane in der GoodNovel-App. Lade deine Lieblingsbücher herunter und lies jederzeit und überall.
Bücher in der App kostenlos lesen
CODE SCANNEN, UM IN DER APP ZU LESEN
DMCA.com Protection Status