Início / التشويق / الإثارة / سِرّ الاسم الآخر / الفصل السادس عشر: ما لم يُسجَّل

Compartilhar

الفصل السادس عشر: ما لم يُسجَّل

last update Data de publicação: 2026-09-24 03:42:46

أطرق عادل نصّار طويلاً، ومرّر كفه على وجهه كأنه يمسح ثلاثين عامًا دفعة واحدة، ثم قال بصوت خالٍ من نبرته الودودة المصطنعة: "لم أتركك يا نور. جدتك هي التي أخذتك مني. كانت زينب تعمل في بيتنا منذ سنوات طويلة، وهي أول من عرف بحمل هدى، وفي الليلة التي وُلدتِ فيها اختفت من المستشفى وأنتِ بين يديها، ولم أرَ أيًّا منكما بعد ذلك اليوم."

في الغرفة الصامتة كانت الساعة المعطلة على الجدار تشير إلى الثالثة منذ يوم وفاة زينب، وكأن الزمن نفسه رفض أن يتحرك بعد رحيلها. حاولت نور أن تبقى محامية لا ابنة، أن تنصت للكلمات كما تنصت لشاهد في قاعة محكمة، لكن قلبها كان يرتجف تحت الجهاز الصغير المخبأ.

توقفت نور عن التنفس للحظة. "هدى؟ هذا اسم أمي؟"

"هدى عبد الرحيم، ابنة قرية صغيرة في سوهاج، جاءت إلى بيتنا وهي في السادسة عشرة." تهدج صوته لأول مرة منذ دخل. "لا تنظري إليّ هكذا، فأنا لست بريئًا وأعرف ما أنا عليه. كنت متزوجًا من ابنة رجل لا يُرفض له طلب، وحين علمت بالحمل خفت، فاستعنت بصديقي الدكتور ماهر الشناوي ليتولى الأمر في سرية تامة. وحين ضاعت الطفلة أغلقتُ القضية بيدي، لأن الفضيحة كانت ستبتلعني وتبتلعكِ معي."

"والتحقيق الذي أُغلق، والفتاة التي ماتت في حادث عرضي؟" سألت نور بحدة مفاجئة. "هذا ما قيل للعقيد سرور."

ابتسم عادل ابتسامة مريرة لا تشبه أي ابتسامة رأتها على وجهه من قبل. "وهذا ما قيل لي أنا أيضًا يا ابنتي. قال لي ماهر إن هدى ماتت، وإنه دفنها بنفسه حتى لا يعرف أحد، وصدقته ثلاثين عامًا كاملة، أدفع له كل شهر ثمن سكوته وأظن أنني أدفع ثمن ذنبي. حتى جاء يوم ظهرتِ فيه أنتِ، وقبل ثلاثة أشهر اتصل بي وقال جملة واحدة غيّرت حياتي: ابنتك عادت، وأمها ما زالت عندي."

انتصبت نور في مقعدها كأن تيارًا كهربائيًا مرّ بها. "ما زالت حية؟"

أخرج عادل من جيب سترته صورة صغيرة مطوية، ووضعها على الطاولة بيد ترتجف. كانت صورة التقطت من بعيد لامرأة نحيلة ذات شعر أبيض تجلس على مقعد خشبي في فناء واسع تحيط به أسوار عالية، ووجهها مائل إلى الأرض فلا تظهر ملامحه. "أرسلها إليّ الأسبوع الماضي. لا أعرف أين التقطت، ولا أعرف إن كانت هي فعلاً، لكنني أعرف أن ماهر لا يمزح."

حدقت نور في الصورة طويلاً. لم تستطع أن ترى وجه المرأة، لكنها لاحظت أن يديها مضمومتان في حجرها بطريقة غريبة، كأنها تخفي شيئًا بينهما أو تحتمي به، وشعرت بوخزة غامضة في صدرها، وخيّل إليها أنها رأت هذه الوضعية من قبل، في مكان بعيد من ذاكرتها.

"ورسائل التهديد؟ والسيارة التي تتبعني؟ وعمي الذي هددته؟"

"هددتُ سامي، نعم، ولن أنكر ذلك لأنني كنت أحاول إبعادك عن الطريق بأي ثمن. أما الرسائل فلم أرسل واحدة منها." رفع عينيه إليها مباشرة. "ماهر هو من يراقبك منذ أسابيع. وهو من طلب مني أن أشتري هذه الشقة بأي سعر، لأن في هذه الشقة شيئًا يريده بشدة، لم يقل لي ما هو."

لم تتحرك نور، لكن عينيها اتجهتا للحظة إلى الساعة المعطلة على الجدار، ثم عادتا إليه بسرعة. لاحظ عادل النظرة، ولم يعلق.

نهض ببطء وسوّى بدلته، ثم نظر إلى صدرها حيث يختبئ الجهاز الصغير، وقال بهدوء أذهلها: "أعرف أنك تسجلين يا نور. لا بأس، دعيه يسجل. أريد أن يسمع أحد الحقيقة كاملة قبل أن يغلق ماهر فمي إلى الأبد."

"لماذا تخبرني بكل هذا الآن؟"

"لأنني تعبت. ولأنك تشبهينها كثيرًا." توقف عند الباب ولم يلتفت. "عيادته الخاصة في الفيوم، على طرف الصحراء، اسمها دار السكينة. لا تذهبي إليها وحدك. وإن حدث لي شيء الليلة فلا تصدقي ما سيقولونه عني."

أغلق الباب خلفه بهدوء، وسمعت نور خطواته تبتعد على الدرج حتى اختفت.

وقفت نور وحدها في الصالة، تسمع دقات قلبها فقط، ثم التقطت الصورة وأخفتها في جيبها. تساءلت للحظة إن كان عادل قد صدق فعلاً أم أنه ممثل بارع يلقي بحكايته الأخيرة ليكسب مزيدًا من الوقت، لكنها لم تجد في عينيه تلك الليلة أثرًا للكذب، بل خوفًا صادقًا.

بعد ثوانٍ اندفع كريم إلى الشقة وقد ترك سيارته مفتوحة الباب، وشهقاته تسبق كلماته: "سمعت كل شيء! كل كلمة! لقد حصلنا عليه!" لكن ابتسامته انطفأت حين رأى وجهها الشاحب وعينيها المتسعتين، فوقف صامتًا أمامها.

"لم ننتهِ بعد يا كريم،" قالت بصوت بالكاد سمعه. "أمي لم تمت."

قضيا الساعات التالية يعيدان الاستماع إلى التسجيل مرة بعد مرة، ويدونان كل اسم وكل تفصيل، ثم اتصل كريم بوالده وأخبره بكل شيء. طلب العقيد منهما ألا يتحركا قبل الصباح، وأن ينتظرا حتى يجمع أصحابه في الشرطة ويجهز طلب التحرك بشكل قانوني سليم. ظلت نور جالسة حتى ساعة متأخرة أمام الصورة الصغيرة، تتأمل كتفي المرأة النحيلتين، وتحاول أن تقنع نفسها بأن قلبها لا يخدعها.

قال كريم وهو يضع كوب القهوة أمامها: "إن كان كلام عادل صحيحًا فالدكتور ماهر الشناوي ليس مجرد شاهد، بل هو السجّان." لم ترد نور، لكنها نظرت مجددًا إلى الساعة المتوقفة على الجدار، وشعرت لأول مرة أن ذلك الشيء الذي يريده الطبيب قد يكون أقرب إليها مما تتصور، ولم تجرؤ بعد على البوح بهذا الشك لأحد، حتى لكريم.

في الخامسة فجرًا رن هاتف كريم. كان العقيد يحيى سرور، وصوته يرتجف على غير عادته: "عادل نصّار وُجد ميتًا قبل قليل في مكتبه. يقولون إنه انتحر."

Continue a ler este livro gratuitamente
Escaneie o código para baixar o App

Último capítulo

  • سِرّ الاسم الآخر   الفصل العشرون: أسماء بلا أمهات

    بقيت هدى عبد الرحيم في المستشفى أسبوعين كاملين تحت رعاية أطباء لا يعرفون عن قصتها إلا القليل، وكانت نور تجلس إلى جوار سريرها كل مساء بعد أن تنهي يومها في النيابة العامة، تمسك يدها النحيلة وتنتظر. في الأيام الأولى لم تنطق المرأة إلا بكلمات متقطعة، ثم بدأت الذاكرة تعود إليها كما يعود الماء إلى نهر جف طويلاً.لم يكن الأمر سهلاً على أي منهما. كانت نور تحمل أسئلة ثلاثين عامًا في صدرها ولا تجد كيف تبدأ، وكانت هدى تخشى أن تكون قد فقدت لغة الأمومة في سنوات الصمت الطويلة. لكنهما تعلمتا شيئًا فشيئًا أن الحب لا يحتاج إلى كلمات كثيرة، وأن اليد الممسوكة في الظلام قد تقول كل شيء.في مساء هادئ من الأسبوع الثاني فتحت هدى عينيها وقالت بصوت واضح لأول مرة: "أنا التي سميتك سارة، ليلة ولدتك، لأنك سكتّ فور أن وضعوك على صدري. ظننت أنك تعرفين أنني أمك." ابتسمت نور والدموع تنزل على وجنتيها. "وأنا نور، لأن جدتي زينب أرادت لي حياة مضيئة. وسأبقى الاثنتين معًا يا أمي."لم تخفِ هدى شيئًا مما مرّ بها. حكت ببطء عن الفتاة الريفية ذات الستة عشر عامًا التي جاءت إلى بيت كبير تحلم بأجرة تعين أسرتها، وعن الرجل الذي وعدها

  • سِرّ الاسم الآخر   الفصل التاسع عشر: دار السكينة

    قبل الفجر بساعة كان العقيد يحيى سرور جالسًا في مطبخ الشقة، وبين يديه نسخة كاملة من الدفتر صوّرها أشرف في مختبره على أجهزة لا تتصل بأي شبكة. قال بصوت هادئ حاسم: "لن نسلّم هذا لهشام الجارحي ولا لأي أحد يعمل تحت إمرته. صديقي اللواء توفيق سيوصله بنفسه إلى مكتب النائب العام قبل الظهر، وسنطلب إذنًا سريًا بمداهمة الدار.""ولن يصدر الإذن قبل مساء الغد على أقل تقدير،" قالت نور. "وأمي قد لا تعيش لتراه.""إذن سنمنحهم ما يريدون،" قال كريم، وقد فهم ما يدور في رأسها. "نصنع لهم دفترًا مزيفًا."عمل الثلاثة طوال النهار على نسخة مضللة من الدفتر بغلاف قديم وصفحات ناقصة ومعدلة، ثم رفعت نور صوتها في الشقة الصامتة، ملتفتة إلى الجدار الذي يخفي جهاز التنصت: "وجدت ما تركته جدتي. سأسلمه بنفسي إلى الدكتور ماهر، لكن في الدار وأمام عيني أمي. الليلة عند العاشرة، وحدي."في التاسعة والنصف كانت سيارة نور تتقدم في طريق الفيوم المظلم، وخلفها بمسافة كبيرة سيارة كريم وأشرف. كان العقيد قد سبقهم مع رجال اللواء توفيق ينتظرون إذن المداهمة الذي وصل أخيرًا قبل ساعة، بأسرع مما توقعوا، وقد اتفقوا على أن يعطي العقيد إشارة التنفيذ

  • سِرّ الاسم الآخر   الفصل الثامن عشر: ما خبأته الساعة

    وصل أشرف، صديق كريم الخبير في الأدلة الجنائية، إلى شقة الجدة قبيل منتصف الليل، وهو يحمل حقيبة سوداء صغيرة تشبه حقائب الأطباء. لم يتحدث كثيرًا، فقط وضع جهازًا رفيعًا يشبه القلم على شفتيه إشارة إلى الصمت، ثم أخذ يمرّره ببطء على الجدران والأسلاك والمقابس. كانت نور تتابعه من الباب بقلب يخفق، وكريم إلى جوارها يعض على شفته.بعد عشر دقائق أضاء الجهاز ضوءًا أحمر خافتًا عند مقبس الهاتف القديم في الصالة. فتح أشرف الغطاء برفق بمفك دقيق، وأشار إلى جسم أسود لا يتجاوز حجمه حجم عقلة الإصبع، ملصق خلف السلك. كتب على ورقة: "جهاز تنصت. يعمل الآن. ركّب منذ أسابيع."أدركت نور فجأة أن كل ما دار في هذه الصالة منذ ركّب، من مكالماتها وهمسات خططها، كان يصل إلى أذني ماهر الشناوي. شعرت بغضب بارد يحل محل الخوف، ثم كتبت تحت جملة أشرف: "لا تنزعه. سنجعله يسمع ما نريد."رفعت صوتها فجأة وقالت بلهجة متعبة متعمدة: "لقد فتشت الشقة كلها يا كريم ولم أجد شيئًا. جدتي لم تترك أي شيء هنا، وأنا لن أخاطر بحياة أمي من أجل خرافة. غدًا سأتصل بهم وأخبرهم أنني لم أعثر على شيء." ردّ كريم بنبرة يائسة متقنة، وواصلا الحوار الكاذب دقائق،

  • سِرّ الاسم الآخر   الفصل السابع عشر: الشبهة

    وصلت نور وكريم إلى المبنى الذي يضم مكتب عادل نصّار قبيل السابعة صباحًا، فوجدا سيارات الشرطة تسد الشارع وحشدًا من الفضوليين يتهامسون عند المدخل. كان العقيد يحيى سرور واقفًا على الرصيف المقابل، متكئًا على عصاه وقد بدا أكبر بعشر سنوات عما رأياه قبل أيام. أشار إليهما أن يقتربا دون أن يرفع صوته، وحين أصبحا بجواره قال بهمس متوتر: "رأيت الجثة قبل أن يُنقل كل شيء. رصاصة في الصدغ الأيسر، والمسدس بجوار يده اليسرى. لكن عادل كان يكتب ويوقع ويأكل بيمينه، وأنا أعرفه منذ ثلاثين عامًا."لم تشعر نور بحزن حقيقي على الرجل، ومع ذلك أدهشها أن قدميها ثقلتا وهي تقترب من المدخل. كان هذا الرجل أباها، وقد حدثها قبل ساعات قليلة عن أمها كأنه يعتذر بآخر ما يملك، والآن صار صمته الأبدي أثقل من كل اعترافاته."إذن هو ليس انتحارًا،" قالت نور بصوت خافت."هو قتل بطريقة مرتبة جدًا. وهناك شيء آخر لن يعجبك." سلمها ورقة صغيرة مطوية دون أن ينظر إليها أو إلى كريم. "وُجدت رسالة على حاسوبه، مطبوعة لا مكتوبة بخط اليد، وقد سمعت مضمونها من صديق في المباحث."قرأت نور الأسطر القليلة وشعرت بالدم يجف في عروقها. كانت الرسالة تقول إن عا

  • سِرّ الاسم الآخر   الفصل السادس عشر: ما لم يُسجَّل

    أطرق عادل نصّار طويلاً، ومرّر كفه على وجهه كأنه يمسح ثلاثين عامًا دفعة واحدة، ثم قال بصوت خالٍ من نبرته الودودة المصطنعة: "لم أتركك يا نور. جدتك هي التي أخذتك مني. كانت زينب تعمل في بيتنا منذ سنوات طويلة، وهي أول من عرف بحمل هدى، وفي الليلة التي وُلدتِ فيها اختفت من المستشفى وأنتِ بين يديها، ولم أرَ أيًّا منكما بعد ذلك اليوم."في الغرفة الصامتة كانت الساعة المعطلة على الجدار تشير إلى الثالثة منذ يوم وفاة زينب، وكأن الزمن نفسه رفض أن يتحرك بعد رحيلها. حاولت نور أن تبقى محامية لا ابنة، أن تنصت للكلمات كما تنصت لشاهد في قاعة محكمة، لكن قلبها كان يرتجف تحت الجهاز الصغير المخبأ.توقفت نور عن التنفس للحظة. "هدى؟ هذا اسم أمي؟""هدى عبد الرحيم، ابنة قرية صغيرة في سوهاج، جاءت إلى بيتنا وهي في السادسة عشرة." تهدج صوته لأول مرة منذ دخل. "لا تنظري إليّ هكذا، فأنا لست بريئًا وأعرف ما أنا عليه. كنت متزوجًا من ابنة رجل لا يُرفض له طلب، وحين علمت بالحمل خفت، فاستعنت بصديقي الدكتور ماهر الشناوي ليتولى الأمر في سرية تامة. وحين ضاعت الطفلة أغلقتُ القضية بيدي، لأن الفضيحة كانت ستبتلعني وتبتلعكِ معي.""وا

  • سِرّ الاسم الآخر   الفصل الخامس عشر: الفخ

    بدأت نور وكريم في تنفيذ خطتهما المحكمة بعناية فائقة ودقة متناهية، مستخدمين عمها سامي كقناة موثوقة نسبيًا لتمرير معلومات مضللة بعناية إلى عادل نصّار، معلومات تجعله يعتقد تمامًا أن نور توقفت عن البحث نهائيًا بعد تلقيها التهديدات المتكررة المرعبة، وأنها قررت أخيرًا وبشكل حاسم قبول عرضه السخي بشراء الشقة والتخلي عن القضية برمتها إلى الأبد.في الوقت نفسه بالضبط، عمل كريم بالتوازي التام مع صديقه في مجال الأدلة الجنائية على تجهيز جهاز تسجيل صغير جدًا ومخفي بعناية فائقة، بينما استعانت نور بخبرتها القانونية الواسعة لصياغة خطة محكمة قانونيًا بشكل كامل لانتزاع اعتراف واضح ومباشر من عادل نصّار دون أن يشعر بأنه محاصر أو مُستدرج بشكل مباشر يثير شكوكه.اتصلت نور بسكرتيرة عادل نصّار بنفسها، وطلبت موعدًا جديدًا معه بحجة مقنعة تمامًا لمناقشة تفاصيل بيع الشقة أخيرًا وبشكل نهائي، مدّعية بصدق ظاهري أنها اقتنعت تمامًا بعرضه السخي بعد كل التهديدات المرعبة التي تلقتها مؤخرًا. استجاب عادل نصّار بسرعة كبيرة وحماس واضح، سعيدًا على ما يبدو بانتصاره الوشيك القريب، وحدّد موعدًا مناسبًا للقائها في شقة جدتها القديمة

Mais capítulos
Explore e leia bons romances gratuitamente
Acesso gratuito a um vasto número de bons romances no app GoodNovel. Baixe os livros que você gosta e leia em qualquer lugar e a qualquer hora.
Leia livros gratuitamente no app
ESCANEIE O CÓDIGO PARA LER NO APP
DMCA.com Protection Status