Share

طيف خلف الزجاج.

Author: نيسوا
last update publish date: 2026-03-23 09:01:59

 طيف خلف الزجاج (النسخة الموسعة).

مرّ أسبوع كامل على تلك الليلة الماطرة التي غيرت سكون حياة سيرين. كانت لندن تغرق في ضبابها الرمادي المعتاد، لكن متجر "أزهار سيرين" كان يعيش حالة من الترقب الصامت. سيرين، بهدوئها المعهود وذكائها الذي يسبق سنها، بدأت تلاحظ تفاصيل دقيقة لا يراها العابرون؛ غصن لافندر بري يوضع كل فجر عند العتبة بدقة هندسية، وسيارات سوداء تمر ببطء مريب أمام واجهة المحل، وكأنها تمسح المكان بحثاً عن أثر رجل لا يترك أثراً.

في تلك الليلة، كانت سيرين تعيد ترتيب زهور "الأوركيد" البيضاء، حين شعرت ببرودة مفاجئة تخترق المكان. لم يكن الباب قد فُتح، لكن الحضور الطاغي لـ أدهم كان يسبق جسده دائماً. التفتت لتجده واقفاً في زاوية معتمة من المتجر، لم يكن مبللاً هذه المرة، بل كان يرتدي معطفاً طويلاً من الصوف الأسود، وبدلة رسمية توحي بأنه خرج للتو من اجتماع لمجلس إدارة عالمي أو غرفة عمليات سرية. هيبته كانت تجبر الهواء على السكون، ونظراته الحادة كانت كفيلة بجعل أي شخص يفكر مرتين قبل التحدث إليه.

"هل هذا هو.." همست سيرين وهي تضع المقص جانباً، محاولة الحفاظ على ثباتها أمام كاريزمته التي تملأ المكان. "لقد تركت ورقة خلفك في المرة الماضية.. ورقة تحمل كلمات لا تشبه قسوة ملامحك." لم يبتسم أدهم، بل ظل وجهه كقطعة من الرخام المصقول. تقدم خطوات هادئة، وكان وقع حذائه على الأرضية الخشبية منتظماً ومرعباً في آن واحد.

"الكلمات هي السلاح الوحيد الذي لا يخطئ هدفه يا سيرين،" قال أدهم بصوته الرخيم الذي يحمل سلطة فطرية. "لكنني لم آتِ الليلة لأتحدث عن الشعر. لقد وضعتِ نفسكِ في دائرة الخطر حين ظللتِ آلة التشيلو الخاصة بي بمظلتكِ. في عالمي، اللفتات الإنسانية البسيطة تُفسر على أنها تحالفات دموية." وضع أدهم علبة خشبية صغيرة على الطاولة، وعليها شعار "أسد محاط بأسلاك شائكة"، وهو شعار لم تره سيرين من قبل لكنها أحست بخطورته.

فتحت سيرين العلبة لتجد مفتاحاً معدنياً قديماً به صدع طولي، وصورة باهتة لمسرح محطم. في تلك اللحظة، دخل مارك، صديقها الصحفي، وبمجرد أن وقعت عيناه على أدهم، تجمد في مكانه وسقطت حقيبته. كان مارك يعرف من هو هذا الرجل؛ إنه العقيد أدهم، الرجل الذي قاد فرقة "الصقور السوداء" قبل أن يختفي في ظروف غامضة هزت أركان الاستخبارات البريطانية.

"سيدي.. لم أكن أعلم أنك.." تمتم مارك برعب واضح، وهو يحاول التراجع للخلف. نظر أدهم نحو مارك نظرة واحدة كانت كفيلة بإخراجه من المحل دون أن ينطق بكلمة أخرى. التفت أدهم نحو سيرين، التي كانت تراقب المشهد بذهول. "من أنت حقاً ؟ ولماذا يرتعد الجميع بمجرد رؤيتك؟" سألت سيرين بجرأة نادرة، متجاهلة الخوف الذي بدأ يتسلل لقلبها.

"أنا الرجل الذي ينام الخوف في حضنه يا سيرين،" أجاب أدهم وهو يقترب منها حتى شعرت بدفء أنفاسه رغم برودة الجو. "هذا المفتاح هو لغز جريمة لم تجرؤ الشرطة على فتح ملفها. إنه يخص 'إلين'.. المرأة التي ظن الجميع أنها ماتت بحادث، بينما كانت الحقيقة أنها قُتلت لتوجيه رسالة لي. والآن، منظمة 'الظل' تظن أن المفتاح معكِ."

ساد صمت ثقيل، وبينما كانت سيرين تحاول استيعاب أن حياتها الهادئة انتهت، لمح أدهم عبر انعكاس المرآة حركة مريبة في الشارع. وبسرعة البرق، جذب سيرين من خصرها وأهبطها خلف الطاولة الرخامية، في اللحظة التي تحطم فيها زجاج الواجهة برصاصة قناص صامتة. لم يصرخ أدهم، ولم يرتبك، بل أخرج مسدسه ببرود مذهل وقال هامساً في أذنها: "الآن بدأت اللعبة الحقيقية. ابقِ خلفي ولا ترفعي رأسكِ.. كلمتي هي قانون النجاة الوحيد الليلة."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • صــدى الصمـــتْ   الفصل الخامس عشر.

    أوركسترا الخديعة.تحت سماء لندن التي لم تتوقف عن بكاء رذاذها البارد، كان "برج الظل" ينتصب كخنجر زجاجي يطعن غيوم المدينة. في الطابق الخمسين، كانت الأضواء الذهبية تتراقص خلف الزجاج العازل، حيث أقام البارون حفله السنوي الماجن، جامعاً صفوة المجتمع من سياسيين وتجار سلاح وفاسدين، جميعهم يرتدون أقنعة مخملية تخفي خلفها وجوه الجشع. لكن الليلة، كان هناك قناعان إضافيان لم يحسب لهما البارون حساباً؛ قناع العازف المجهول، وقناع مساعدته الصامتة.داخل المصعد الخدمي المبطن بالمعدن، كان أدهم يقف بوقار يحبس الأنفاس. كان يرتدي بدلة "تكسيدو" سوداء صُممت خصيصاً لتخفي ترسانة صغيرة من الأسلحة وأجهزة التشويش، وفوق وجهه قناع أسود مطفأ يغطي نصفه العلوي، مما أبرز حدة فكه وقسوة شفتيه. بجانبه، كانت سيرين تبدو كأميرة من أساطير الشمال؛ فستان أسود من الحرير ينساب كالشلال، وشعرها مرفوع بعناية ليظهر قرطاً صغيراً ليس مجرد زينة، بل هو جهاز اتصال لاسلكي متطور."سيرين، تذكري.. نبضكِ هو عدوكِ الأول،" قال أدهم بنبرة منخفضة للغاية، وهو يضبط ربطة عنقه ببرود مذهل. "في هذه القاعة، العيون ليست للرؤية بل للقنص. إذا شعرتِ أن أحداً ي

  • صــدى الصمـــتْ   الفصل الرابع عشر.

    ظلال الضباب اللندني.كانت لندن غارقة في وشاح من الضباب الكثيف الذي يبتلع الأضواء والأصوات، وكأن المدينة نفسها تحاول التستر على العائدين من الموت. توقفت السيارة السوداء المتربة أمام مدخل بناية قديمة في حي "سوهو"، واجهة البناية توحي بالإهمال، لكن خلف أبوابها الخشبية الثقيلة كان يقع أحد أكثر مخابئ أدهم سرية وتطوراً.ترجل أدهم بوقار لا يتأثر بالتعب، وكان معطفه الطويل يرفرف خلفه كأجنحة غراب يحرس الليل. لم يمد يده لـ سيرين هذه المرة؛ فقد أرادها أن تعتاد على التحرك باستقلالية المحاربين، لكن عينه لم تغادر محيطها لثانية واحدة. دخلا المصعد القديم الذي كان يتطلب رمزاً رقمياً معقداً وبصمة عين ليعمل."هنا سنكون 'أشباحاً' يا سيرين،" قال أدهم بصوته العميق الذي تردد صداه في المصعد الضيق. "منذ هذه اللحظة، أنتِ 'إيلينا فانس'، خبيرة أرشيف هولندية، وأنا 'الرائد جوليان'، ملحق عسكري متقاعد. لا وجود لسيرين وأدهم في شوارع لندن حتى ينتهي رأس الأفعى."فتح المصعد بابه على شقة واسعة بنوافذ تمتد من الأرض حتى السقف، لكنها مغطاة بطبقات من الزجاج الذكي الذي يسمح بالرؤية من الداخل فقط. كانت الغرفة تعج بالشاشات التي ت

  • صــدى الصمـــتْ   الثالث عشر.

    رقصة الموت فوق القمم البيضاء.لم يكن الرصاص الذي انهمر على منزل البروفيسور سايمون مجرد مقذوفات معدنية، بل كان سيمفونية من الغدر أعلنها ماضٍ رفض أن يموت. في قلب تلك الفوضى المنظمة، كان أدهم يتحرك بآلية مرعبة؛ لم يكن يذعر أو يرتبك، بل كان يحلل زوايا إطلاق النار وكأنه يقرأ نوتة موسيقية معقدة. جذب سيرين خلف الحائط الحجري السميك، وضغط بجسده الصلب فوقها ليحميها من شظايا الخشب والزجاج المتطاير. كان صدره العريض كالسد المنيع، ونظراته الحادة تمسح المكان ببرود لا يتناسب مع جحيم الرصاص في الخارج."سيرين، لا ترفعي رأسكِ مهما حدث،" قال أدهم بنبرة منخفضة وقاطعة، نبرة تحمل سلطة القائد الذي لا يُهزم. "سايمون، خذ الحقيبة واخرج من الممر السفلي. سأقوم بتأمين التغطية لكم. اذهبا نحو الكوخ الصخري عند قمة 'رأس الذئب'. هناك سألحق بكم.""ولكنك وحدك يا أدهم!" صرخت سيرين وهي تتشبث بسترتته التكتيكية، وشعرت برعب حقيقي ليس على حياتها، بل على هذا الرجل الذي صار حصنها الوحيد. نظر إليها أدهم، ولأول مرة رأت في عينيه وميضاً من "الاعتراف"؛ لم تكن نظرة وداع، بل كانت نظرة رجل يثق بأنه سيعود ليطالب بما هو له. "أنا لست وحدي

  • صــدى الصمـــتْ   الثاني عشر.

    مذكرات الموتى.ساد صمت ثقيل في غرفة المعيشة المتواضعة بمنزل البروفيسور سايمون، صمت لا يقطعه إلا أزيز مدفأة الحطب القديمة وصوت الرياح التي تعول في الخارج فوق قمم جبال "إيدن". كان اسم "ماركوس" يتردد في أذني أدهم كأنه طلقة مرتدة من الماضي؛ الرجل الذي ظن أنه أرسله إلى الجحيم قبل عامين في عملية "السراب"، الرجل الذي كان يوماً ما ذراعه اليمنى قبل أن يغويه بريق المال والمنظمة.أحكم أدهم قبضته على سلاحه، وبرزت عروق جبهته من شدة التركيز والغضب المكبوت. "ماركوس لا يزال حياً؟" سأل أدهم وصوته يشبه احتكاك الصخور، نبرة جعلت سايمون يتراجع خطوة للخلف رعباً. "إذا كان حياً، فالباب الذي أغلقته بالدماء قد فُتح مجدداً، والبارون ليس سوى واجهة لهذا الشيطان."أومأ سايمون برأسه بأسى، وتوجه نحو لوحة زيتية قديمة تمثل غابة اللافندر، أزاحها ليكشف عن خزنة فولاذية حديثة مدمجة في الجدار الحجري. "لقد كان ماركوس هو من استلم الشحنة الأخيرة من 'المشروع سين' قبل الانفجار يا أدهم. هو يملك النصف الرقمي، ووالد سيرين، عثمان، ترك النصف المادي هنا.. في هذا الصندوق."أخرج سايمون صندوقاً معدنياً أسود صغيراً، ثقيل الوزن ومحاطاً بأ

  • صــدى الصمـــتْ   الفصل الحادي عشر.

    طريق "إيدن" المفقود.كان دوي انفجار طائرة الدرون في سماء الريف الإنجليزي بمثابة ناقوس خطر أعلن نهاية الهدوء المؤقت. لم يمنح أدهم لـ سيرين لحظة واحدة لاستيعاب الصدمة؛ فبمجرد أن هبط الحطام المشتعل وسط حقول اللافندر، كان قد وصل إلى باب القبو وجذبها بقوة من يدها. كانت ملامحه حادة كالنصل، وعيناه تمسحان الأفق بآلية مرعبة لا تعرف التعب."الحقيبة الجاهزة، الآن!" قال أدهم بصوت منخفض وآمر وهو يدفعها نحو السيارة الرباعية الدفع المموهة والمخبأة تحت غطاء من الأغصان الصناعية. لم تنتظر سيرين، بل قفزت إلى المقعد المجاور، بينما كان أدهم يضع بندقية القنص في المقعد الخلفي ببرود مذهل. انطلقت السيارة بقوة، مخلفةً وراءها سحابة من الغبار ورائحة اللافندر المحترق، متجهةً نحو الممرات الجبلية الوعرة التي تربط بين "كوتسولدز" وقرية "إيدن" المعزولة.طوال الساعة الأولى من الرحلة، كان أدهم يقود بسرعة جنونية وسط المنعطفات الخطرة، وعيناه لا تغادران مرآة الرؤية الخلفية وشاشة الرادار الصغيرة المثبتة على لوحة القيادة. كانت سيرين تراقب أصابعه القوية وهي تتحكم في المقود بسلاسة مذهلة، وشعرت بأن هيبة هذا الرجل تزداد كلما ا

  • صــدى الصمـــتْ   الفصل العاشر.

    صقل النصر ( النسخة المطورة).في المدى الشاسع لحقول اللافندر المحيطة بالمنزل الريفي، كان ضوء الفجر الرمادي ينسل بخجل من وراء التلال. لم يكن هذا الصباح للراحة؛ فبالنسبة لـ أدهم، الراحة هي الثغرة التي يتسلل منها الموت. وقف في الشرفة الخشبية، وقد لفّ كتفه المصاب بضمادة طبية محكمة تحت قميصه الأسود، وكان يراقب سيرين وهي تقف في الساحة الترابية أمام مجموعة من الأهداف الخشبية."التوازن ليس في قدميكِ يا سيرين، بل في عقلكِ،" قال أدهم بصوته الجهوري الذي كان يقطع سكون الصباح كحد السيف. كان يقف خلفها مباشرة، وهيبته الطاغية تجعل الهواء من حولها يبدو ثقيلاً. "السلاح لا يقتل؛ الإنسان هو من يقتل. إذا اهتزت يدكِ لأنكِ تشعرين بالخوف، فأنتِ ميتة قبل أن تضغطي على الزناد."كانت سيرين تمسك بمسدس صغير من طراز "سيغ ساور"، تشعر بثقله المعدني البارد في كفها الرقيقة التي اعتادت ملمس بتلات الورود. كانت أنفاسها متلاحقة، وعيناها مجهدتان من قلة النوم. التفتت إليه قائلة بنبرة تحمل مزيجاً من الإرهاق والتحدي: "أنا بائعة زهور يا أدهم، لستُ جندية في وحدتك الخاصة. كيف تتوقع مني أن أتحول إلى قاتلة في ليلة وضحاها؟"اقترب أده

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status