首頁 / الرومانسية / ظل بارد / البارت الثالث والأربعون

分享

البارت الثالث والأربعون

作者: Faten Aly
last update publish date: 2026-06-06 12:41:33

وبعد وقتٍ قليل من الفرار الهستيري، كان أيمن يجلس في صالة البيت أمام والدة سلمى؛ منكّس الرأس بوهن، وعيناه الزائغتان معلّقتان بالأرض الخشبية كطفلٍ صغار ضُبط متلبسًا بذنبٍ وعار لا يعرف كيف يبررهما أو يداري سوأتهما. كان الخجل ينهش ملامحه المخطوفة، ويثقّل كتفيه العريضين كأنه يحمل صخرة الوجود، بينما كانت كلمات العجوز تنهمر فوق رأسه قاسية، لا تعرف الرحمة أو المواربة، كأنها تُفرغ في جوفه كل ما اختزنته روحها من غضب وخوف على بنات الناس.

كانت المرأة تتحدث بعصبية واضحة جفّت معها شفاها، تلوّح بوجعٍ بيمينها وتضرب بيسارها على فخذها بحرقة، وصوتها الأجش يعلو ويهبط في ردهات المكان لكنه لا يلين قط

- يا بني كده مينفعش ولا يرضي ربنا خالص... إزاي مراتك تكون ساكنة في بيتك وسط عيلتك، وأختك تطلع لها لحد شقتها تضربها بالشكل ده وتحلف بـِميت يمين إنها لازم تسقطها.... لولا بتي سلمى سمعت الصريخ ولحقتها من تحت إيد أختك كانت زمان البنية ماتت في ايدها..... حرام عليكوا، ذنبه العيل اللى راح ده، ده مش ابنهم ولحمهم

كلمة ماتت سقطت على أذنه كطلقة رصاص طائشة استقرت في شغاف قلبه. فجأة، لم يعد يسمع بقية الحديث المتدفق؛ انسحبت الصورة والواقع من أمامه تمامًا، ليحلّ محلها ويهيمن وجه زوجته الراحلة ندى، شاحبًا، منطفئاً كما رآه في سكرات موتها الأخيرة؛ عيناها الزائغتان المستسلمتان، أنفاسها المتقطعة الحارقة، ويداها الباردتان النحيفتان وهما تفلتان برعب من بين أصابعه المرتجفة.

في تلك اللحظة، عاد إليه ذلك العجز الذكوري القديم، ذلك الإحساس الخانق والمذل بأنه دائمًا يصل متأخرًا بعد خراب البصرة، وأن النساء المستجيرات بحبه يدفعن الثمن وحدهن من دمائهن وصحتهن، بينما يقف هو شاهد عيان، عاجزاً ومخصي الإرادة، لا يملك سوى الندم البكائي. شعر بوخزٍ حاد، كطعنة خنجر مسنون في منتصف صدره، كأن الذنب يتكاثف ويفور داخله؛ ذنب ندى المطمور... وها هو المشهد اللعين يتكرر كعقوبة أبدية مع ليلى، ولكن بصورة أبشع تنهش رجولته.

أفاق أيمن من غيبوبة أفكاره على صوت والدة سلمى وهي تواصل تقريعها، ونبرتها لا تزال حادة، لكنها هذه المرة كانت ممتزجة باستنكارٍ أبوي موجع

- مش كفاية إن البنية ضحت بشبابها وحياتها عشان تقعد في بيتك وتربّي ابن أختها اليتيم؟ يبقى ده جزاءها فى الآخر الضرب والاهانة

ساد صمتٌ ثقيل، خانق ولا يُحتمل بين جدران الغرفة. لم يجد أيمن في قاموسه الممزق كلمة واحدة تصلح للرد أو ترفع عنه وجه العار؛ فكل ما كان يعتمل في داخله كان نسيجاً متشابكاً ومعقداً من الخوف الشديد، الذنب الحارق، الغضب الأعمى، والذل. أحسّ أن أي محاولة للدفاع ستبدو سخيفة ووضيعة، وأن أي تبرير لن يمحو دماء المنامة الحريرية. وبعد دهر من الصمت، نطق أخيرًا بصوتٍ خافت، مكسور ومبحوح، كأن الكلمات تُسحب من حنجرته بأشواك

- معلش يا حاجة... حقكم عليا، بس... فين ليلى دلوقتي؟

نظرت إليه والدة سلمى نظرة طويلة، فاحصة، تقرأ في ملامحه حجم الانكسار، ثم أشارت بسبابتها نحو إحدى الغرف المغلقة في الداخل، وقد لان صوتها قليلًا برحمة أصيلة

- جوا يا حبة عيني على السرير... وشّها أصفر زى اللمونة وبقى قد اللقمة من اللى حصل لها

نهض أيمن كالمقذوف، كأن اسمها وعجزها قد أيقظاه من غيبوبة دهرية. خطا نحو باب الغرفة بخطوات مترددة، ثقيلة، وقلبه يخفق في قفصه الصدري بعنف يرج جسده بالكامل، وكل خطوة تقرّبه من مواجهة خوفه الأكبر من الفقد. فتح الباب ببطء، فوجدها مستلقية على الفراش الأبيض، ساكنة على نحوٍ جنائزي يخيف الروح، شاحبة كلوح ثلج، وملامحها الوضيعة منكمشة على نفسها كأن الألم المبرح قد سرق منها آخر قدرة على المقاومة والحياة.

اندفع نحوها بلهفة واشتياق مسعور، وجثا على ركبتيه إلى جوار الفراش، وجمع جسدها بين ذراعيه وضمّها إلى صدره العاري بقوة غاشمة، كأنه يحاول أن يثبت لنفسه وللعالم أنها ما زالت تنبض هنا، وأنها لم تلحق بركب ندى إلى التراب. لم تقل ليلى شيئًا، لم تعاتبه بلسانها، ولم تصرخ في وجهه لتطرده؛ بل كل ما فعلته أنها أجهشت فجأة بالبكاء، دموع صامتة، غزيرة وساخنة، تسيل كالحمم على صدره العاري دون كلمة واحدة. عندها فقط، والتصاقاً ببرود جسدها، أدرك أيمن أن هذا الصمت النسائي أقسى وألعن من أي صراخ، وأن ما انكسر داخل روحها لن يُجبر بسهولة الكلمات.

رفع أيمن وجهها إليه ببطء شديد، كأن حركة يده نفسها تحتاج إذنًا من خوفه الخانق، وأطبق كفّيه المرتجفتين بحنان عارم على وجنتيها الشاحبتين. تعمّق بنظراته الملهوفة في عينيها الكحيلتين طويلًا؛ كانتا مطفأتين، غارقتين في تعبٍ كثيف ودموع حارقة، لكن في عمق ذلك البريق انبعث شيء آخر خطير... نظرة اعتذار صامت، مغلّف بضعفٍ أنثوي مغوٍ، كأنها تقول له

- أنا تعبانة اوى وابنى ضاع، بس مش بلوومك إنت يا حبيبي... بس يرضيك

وكأنها في الوقت نفسه تسأله بعمق بصيرتها دون صوت

- هتقدر تحميني من غل أهلك... ولا هضيع أنا وجنينك زي ندى؟

تلك النظرة اخترقته كصعقة كهربائية، أعادت ترتيب فوضى داخله كله، وأيقظت فيه غريزة التملك والذنب دفعة واحدة، فخرج صوته مبحوحًا، هادرًا وهو يحاول التماسك وفرض رجولته

- قومي معايا يا ليلى... نروح بيتنا يالا، وحق جلال الله لآخد لك حقك وحق اللي كان في بطنك من عين أي حد، ومش هسيبهم يتهنوا بيوم

لكنها لم تتحرك أنملة واحدة؛ بل بالعكس، انكمشت على نفسها أكثر، وجسدها الحريري يلتف كطفلٍ رديء يبحث عن أمانٍ ضائع في وسط العاصفة، وردّت بصوتٍ واهن، يكاد لا يُسمع، كأنه صادر من قاع بئر الألم

- مش قادرة... جسمي كله مهدود و أعصابى سايبة... سيبني مع سلمى النهارده يا أيمن، مش قادرة أرجع الشقة دلوقتى

اقترب منها أكثر حتى تداخلت أنفاسه بأنفاسها، وكأن قربه الساخن قد يمنح جسدها البردان قوة الحركة، وصوته هذه المرة خرج متحشرجًا، متوسلًا بنبرة عاشق خائف من الهجر دون أن يشعر

- أسيبك هنا إزاي يا قلبي؟ إحنا كده هنضايق الناس ونثقل عليهم... كفاية عليهم جريهم معاكي طول اليوم في المستشفيات والدكاترة، وكمان يزن الصغير هنا.

لم تجادله أو ترفع صوتها لتثبت رأيها؛ بل تمددت على الفراش ببطء مستسلم، واستكانت كمن أعلن نهايته في معركة خاسرة، وأغمضت عينيها الثقيلتين كأن العالم من حولها بات أثقل من أن يُحتمل فوق جفونها. ثم قالت جملتها الأخيرة، وهي تغرق في موجة دموع عنيفة، شهقات مكتومة لا تملك لها دفعًا

- خد يزن معاك... وسيبني أنا هنا معاهم..... أنا مش قادرة أتحرك خطوة واحدة.

عند هذه الشهقة، انهار ما تبقى من صلابته تماماً وتحول كبريائه إلى فتات. جلس جوارها فوق حافة الفراش، وراح يربت على كتفها العاري برفقٍ بالغ ولمسات حانية، كأن لمسات يده اعتذار متأخر، بائس عن كل موقف لم يقفه في وقتٍ سابق لحماية نسائه، وقال بصوتٍ خافت، مستسلم وخاضع تماماً لسطوتها

- خلاص... خلاص يا ليلى، ماشي.. اللي تشوفيه ويريحك اعمليه.

خرج أيمن من الغرفة مثقل الخطوات، يجر أذيال الخيبة، ويحمل في صدره شعورًا بالهزيمة والانكسار لا يقل قسوة عن شعورها المزعوم. حاول أن يأخذ الصغير يزن ليغادر به عتمة الليل، لكن والدة سلمى أوقفته بحزمٍ مشوب بالشفقة، وهي تشير بكفها إلى الغرفة الأخرى

- الواد نام وتعب من اللف يا ابني... سيبه معانا الليلة دي يرتاح، وروح إنت متقلقشى

نظر إليها بامتنانٍ صادق وعينين مغرورقتين، وهزّ رأسه شاكرًا بقلة حيلة، ثم غادر المكان مسرعاً. كان يشعر للمرة الأولى أن البيت والنظام الذي سيعود إليه فارغ تماماً من الروح... وأنه، رغم خروجه وحيداً في عتمة الشارع، يترك خلفه قلبه وعقله مثقليْن بذنبٍ أسود لن يرحمه أو يتركه ينام بسهولة.

ما إن أُغلق الباب الخارجي خلف ظهر أيمن وأحدث صوتاً خفيفاً، حتى تبدّل هواء الغرفة المغلقة كأن ستاراً مسرحياً أسود قد أُسدل فجأة وانكشف ما خلفه من كواليس داهية.

在 APP 繼續免費閱讀本書
掃碼下載 APP

最新章節

  • ظل بارد    البارت الثامن والأربعون

    كانت ليلى تقف في الشرفة، مستندةً بذراعيها النحيلتين إلى السور الحديدي البارد، تتابع حركة الشارع الرتيبة في خمولٍ ظاهر. لم تكن عيناها المعلقتان بالأجساد العابرة والوجوه الشاحبة مشغولتين بهمٍّ حقيقي أو شفقة، بل كان عقلها الداهية يعمل في الخفاء كآلةٍ جهنمية، ينسج الاحتمالات، ويرتب النقلات بهدوء قاتل. كانت تُعيد شريط المشهد الأخير في رأسها مرارًا وتكرارًا: ملامح خالد المخطوفة، غضبه الرجولي المكبوت، ونبرة صوته الممزقة وهو يستمع إلى كذبتها المتقنة عن الذهب والحرير والجنين المفقود. لقد ألقت الكلمات في طريقه كطُعمٍ محسوب بدقة صياد يعرف متى يشد الخيط. والآن، لم يبقَ سوى الانتظار؛ فهل ستؤتي النيران ثمارها؟ هل ستصل إلى وجهتها وتلتهم شجرة عائلة فاطمة من جذورها؟ ومع مرور الدقائق وتأخر النتيجة، تسلّل الملل البارد إلى أطرافها. زفرت بضيق، وارتخى كتفاها مستسلمة ليأسٍ مصطنع، وتمتمت في نفسها بنبرة متهكمة - أكيد البت سمر قالت له أي حاجة وصدقها كالعادة... الرجال صنف مغفل. خلاص بقى، أدخل أنا أشوف ورايا إيه. استدارت بجسدها لتغلق باب الشرفة الزجاجي، لكن جلبة غير معتادة وحركة مضطربة في الشارع استوقفتها فج

  • ظل بارد    البارت السابع والأربعون

    لم يمهلها أيمن لتكمل جملتها القاتلة التي ضربت عقله. اقترب منها سريعًا بلهفة وخوف عارم من الفقد، ووضع كفه الغليظة المرتجفة فوق فمها ليخرس كلماتها، وخرج صوته مبحوحًا، ضعيفًا وخاضعاً بالكامل لسطوتها - بس... طلاق إيه وسيرة زفت إيه اللي بتقوليها دي؟ أنا استحالة في دنيتي أقدر أستغنى عنك أو أعيش من غيرك يا ليلى في عتمة أحشائها وداخل عقلها الداهية، ارتفعت ضحكة صامتة، مجلجلة بالانتصار الساحق؛ لكن وجهها الخارجي ظل محافظاً على ملامح الانكسار والوجع. أخرجت يدها النحيلة من تحت كفه ببطء ودلال، واقتربت منه أكثر حتى تلاقت الأنفاس، وهمست برقة محسوبة اخترقت كل حصونه - يعني… هتشوف لنا شقة نأجرها ونمشي من هنا يا إيموني؟ ونعيش في أمان بعيد عن الغل ده؟ نظر أيمن إلى الفراغ المحيط به ببصيرة مطفأة، كأن قراره وإرادته يُسحبان من وجدانه دون أدنى مقاومة، وقال باستسلام ثقيل وخضوع تام - ربنا يسهل يا ليلى... هشوف الموضوع ده في أسرع وقت. وخلف دموعها التي لا تزال عالقة بجفونها، كانت عيناها الكحيلتان تلمعان في العتمة… لا بالحزن أو الأسى، بل ببريق الانتصار الأسود، فقد تملكته تماماً وصار الخاتم في إصبعها الصغير.

  • ظل بارد    البارت السادس والأربعون

    جلست سلمى تُحدّق في صديقتها بملامح مشدوهة، فاغرة فاها، وقد خرج الاستنكار من بين شفتيها دفعة واحدة بلا مواربة أو تجميل - يعني كل التمثيل والدموع وبصل المنديل والمكياج اللي عملناه ده راح عالفاضي؟ كل ده عشان يقولك هبقى أشوف الموضوع؟ رفعت ليلى حاجبها ببطء شديد، تلك الحركة الصغيرة، الخبيثة التي تسبق العواصف المدمرة في قاموسها دائمًا، وأسندت ظهرها إلى مقعدها الخشبي بثقة مفرطة، ثقة مَن يعرف يقينًا أن اللعبة لم تنتهِ بعد، بل بدأت فصولها الأكثر إثارة. ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، غامضة؛ لا هي سخرية كاملة ولا اطمئنان صريح، وجاء ردها بنبرة حاسمة كقطع النصل - لا يا غبية… استحالة يكون كل ده عالفاضي. أنا ليلى، ومفيش خطوة بخطيها بره حساباتي. أنا محضّرة كذا لغم في السكة، ولازم أخرج من البيت ده وابعده أهله، بس على مهلي… الطبخة لما تستوي على نار هادية بتطلع مظبوطة. مالت سلمى بجسدها للأمام بكامل ثقلها، والدهشة تشق طريقها إلى عينيها الزائغتين كأنها تستمع لشيطان يُملي تعاويذه - آه يا داهية؟ وهتعملي إيه بقى بعد ما ريّحك بكلمتين ووعدك بهبقى أشوف؟ سكنت ليلى لحظة، وتجمدت ملامحها الجميلة، بينما انغر

  • ظل بارد    البارت الخامس والأربعون

    في صباح اليوم التالي، عاد أيمن ليعيد ليلى إلى المنزل، لكن الطريق الذي مشى فيه لم يكن ممهدًا أو مفرشًا بالطيب كما ظن في عودته. كانت ليلى وسلمى قد سبقتاه بخطوة ذكية؛ شحنتا والدة سلمى بكلمات مسمومة صُبّت في أذنيها بعناية، وحكايات مُفتعلة طُرّزت بخيوط المظلومية والتهويل الشديد، حتى تحولت تلك المرأة العجوز الهادئة بطبعها إلى سورٍ من نار وحصنٍ منيع يقف في وجهه عند العتبة. استقبلته فاطمة بنبرة قاسية، جافة، تنهره بلومٍ لاذع، وتصف ما تعيشه ليلى في كنفه بالجحيم الحقيقي، وكأن البيت الذي خرجت منه ليلى غارقة بدمائها المزعومة لم يكن مأوى بل سجنًا موحشاً، وكأن إعادتها إليه اليوم حكمٌ جائر لا شفقة فيه ولا أمان. وسط تلك العاصفة، جلست ليلى صامتة تمامًا، تؤدي دورها المرسوم بإتقانٍ بارع يحسدها عليه كبار المحترفين؛ خفضت عينيها نحو الأرض بانكسار، وتركت دموعها تنساب ببطء وبلا صوت على وجنتيها الشاحبتين، لا تملك في جعبتها دفاعًا ولا هجومًا، فقط كان انكساراً محسوبًا بالمسطرة، يعرف جيدًا كيف يضرب ويخترق أعمق نقطة ضعف وعار داخل رجولة أيمن. كان مشهدها المتهالك كافيًا ليُشعر أيمن بأنه المتهم الأوحد والجاني الحق

  • ظل بارد    البارت الرابع والأربعون

    دخلت سلمى بخطوات واثقة، سريعة، وأغلقت الباب بإحكام بالترباس، ثم صفّقت فجأة بكفيها صفقة حادة، رنانة كسرت صمت الموت الزائف. في اللحظة نفسها، انتفضت ليلى ونهضت من فوق الفراش بنشاط وخفة كمن أُلقي عنه ثقلٌ وسحر زائف، وصفّقت هي الأخرى بكفيها بانتصار، ثم قفزت فوق السجادة بخفة ومرح طفولي، وانفلتت ضحكتها الرنانة القاتلة دون قيود أو حدود، وكأن الألم والنزيف والشحوب الذي كان يملأ أركان المكان منذ دقائق لم يكن سوى قناع درامي أُتقن صنعه وارتداؤه بميزان من ذهب. اقتربت منها سلمى، وتفرست في وجهها بإعجاب صريح، ورأسها يهتز ذهولاً وهي تبتسم ابتسامة مشوبة بالدهشة والوجل من مكرها - يخربيت عقلك يا ليلى..... دي الحكاية دخلتِ عليه بالملي، والراجل طالع من هنا مهدود ومتأثر، وعينيه مليانه عياط والذنب بيوجع فيه كانت نبرة سلمى توليفة من الإعجاب المطلق والتسليم الكامل بقدرة صديقتها على السيطرة وتسيير الرجال كالعرايس، بينما ليلى توقفت فجأة عن الضحك والمرح، وتجمدت ملامحها، واتجه بصرها الكحيل إلى الفراغ الصامت؛ حدقت أمامها بعينين قاسيتين، متقدتين بشرر الانتقام، وقالت بحدة باردة كالموت - هو لسه شاف حاجة؟ ده أنا

  • ظل بارد    البارت الثالث والأربعون

    وبعد وقتٍ قليل من الفرار الهستيري، كان أيمن يجلس في صالة البيت أمام والدة سلمى؛ منكّس الرأس بوهن، وعيناه الزائغتان معلّقتان بالأرض الخشبية كطفلٍ صغار ضُبط متلبسًا بذنبٍ وعار لا يعرف كيف يبررهما أو يداري سوأتهما. كان الخجل ينهش ملامحه المخطوفة، ويثقّل كتفيه العريضين كأنه يحمل صخرة الوجود، بينما كانت كلمات العجوز تنهمر فوق رأسه قاسية، لا تعرف الرحمة أو المواربة، كأنها تُفرغ في جوفه كل ما اختزنته روحها من غضب وخوف على بنات الناس. كانت المرأة تتحدث بعصبية واضحة جفّت معها شفاها، تلوّح بوجعٍ بيمينها وتضرب بيسارها على فخذها بحرقة، وصوتها الأجش يعلو ويهبط في ردهات المكان لكنه لا يلين قط - يا بني كده مينفعش ولا يرضي ربنا خالص... إزاي مراتك تكون ساكنة في بيتك وسط عيلتك، وأختك تطلع لها لحد شقتها تضربها بالشكل ده وتحلف بـِميت يمين إنها لازم تسقطها.... لولا بتي سلمى سمعت الصريخ ولحقتها من تحت إيد أختك كانت زمان البنية ماتت في ايدها..... حرام عليكوا، ذنبه العيل اللى راح ده، ده مش ابنهم ولحمهم كلمة ماتت سقطت على أذنه كطلقة رصاص طائشة استقرت في شغاف قلبه. فجأة، لم يعد يسمع بقية الحديث المتدفق؛ انس

更多章節
探索並免費閱讀 優質小說
GoodNovel APP 免費暢讀海量優秀小說,下載喜歡的書籍,隨時隨地閱讀。
在 APP 免費閱讀書籍
掃碼在 APP 閱讀
DMCA.com Protection Status