เข้าสู่ระบบظلت ليلى مقتربة منه، تنهل من حضنه السكينة التي فقدتها طوال أيام الكارثة، وكانت أنفاس ياسر تضرب وجهها ببطء، مختلطة برائحة المعقمات الطبية التي نفاذها لم يعد يزعجها، بل على العكس، أصبحت تلك الرائحة هي عنوان نجاته وبقائه. كانت يدها لا تزال ممسكة بطرف قميص المشفى الخاص به، وكأنها تخشى أن تفتح عينيها فتكتشف أن كل هذا كان حلماً جميلاً في ليلة كابوسية، بينما كان ياسر يستشعر في تلامسهما دفئاً خاصاً، دفئاً لم يعرف قيمته الحقيقية إلا حينما لامس الموت أعتاب حياته، ووجد نفسه وحيداً تحت ركام من الأسمنت والحديد الذي لم يكن ليأبه لشيء سوى كبريائه.مرت الدقائق في صمت مشوب بالخشوعقطعته فقط حركة الطبيب المناوب الذي دخل الغرفة ليطمئن على العلامات الحيوية، فتنحت ليلى جانباً ببطء، لكنها لم تترك يده السليمه، بل ظلت متمسكة بها بقوة، تراقب الطبيب وهو يفحص الجبس الذي يغلف ساقي ياسر وذراعه اليمنى. كان ياسر يبتسم ابتسامة واهنة للطبيب، بينما كانت نظراته تلاحق ليلى، تلمس وجهها الذي بدأ يستعيد بعضاً من لونه بعد أن انقشعت غيوم الخوف لاحظ الطبيب ذلك الترابط القوي بينهما، فابتسم بدوره وقبل قال بنبرة مشجعة "ا
بدأت خيوط الفجر الأولى تتسلل ببطء شديد من بين ثنايا الستائر الزرقاء السميكة لغرفة المشفى، لتضفي على الأركان البيضاء الباردة لمسة من الدفء الذي غاب عن هذا الثنائي لأسابيع طويلة، وسط هذا السكون المطبق الذي لم يكن يقطعه سوى النبضات الرتيبة والمنتظمة لِجهاز مراقبة العلامات الحيوية، بدأ ياسر يستعيد وعيه تدريجياً، تحركت جفونه ببطء وثقل شديد، وشعر بآلام مبرحة تنهش كل إنش في جسده المتصلب، وكأن أطناناً من الأسمنت لا تزال تجثم فوق أطرافه المقيدة بالجبس الأبيض السميك، فتح ياسر عينيه أخيراً، محاولاً التغلب على غشاوة البنج التي كانت تشوش رؤيته، والتفت برأسه المجهد نحو الجانب الأيسر ليتفحص المكان من حوله.وفي تلك اللحظة بالذات، انقبض قلبه بشدة وتوقفت أنفاسه لثوانٍ وهو يرى ليلى بجانبه، كانت تجلس على مقعد خشبي منخفض، وقد أسندت رأسها المتعب على حافة الفراش الطبي بالقرب من يده السليمة، كانت مغمضة عيناها في نوم عميق أملته عليها ساعات الخوف والإنهاك الطويلة، ولكن الشحوب الشديد كان يظهر على وجهها بوضوح كاشف، وهالات التعب السوداء التي تحيط بعينيها كانت تحكي دون كلمات حجم الرعب والوجع الذي عاشته في الساعا
مرّت الساعات تحت الركام وكأنها دهور جافة استنزفت كل قطرة أمل في قلوب الحاضرين، لان كل دقيقه كانت بمثابه خنجر حاد يطعن ليلي آلاف المرات فكانت ليلى تجثو على ركبتيها وسط الغبار والحديد الملتوي، لا تشعر بألم ساقيها ولا بخشونة الأرض التي كانت تغرز نفسها في جلدها، وكأن جسدها كله فقد الإحساس إلا من ذلك القلب المرتجف داخل صدرها.أو كأنها تعاقب نفسها بأن تتألم مثله كانت تتنفس الأتربة دون وعي وهي تراقب رجال الإنقاذ الذين يعملون بلا توقف، يرفعون الكتل الخرسانية الثقيلة بحذر شديد خشية حدوث انهيارٍ جديد، فيما كانت أصوات المعدات تختلط بصيحات العمال وصفارات سيارات الإسعاف المتوقفة حول الموقع. وهي وحيده وحيده جدا وخائفه بشكل لا تعرف كيف توصيفه كل ما تريده الان هو ياسر..ياسر وفقط لم تعد ليلى تعرف كم من الوقت مرّ منذ وقوع الحادث، دقائق أم ساعات أم عمرٌ كامل. كل ما كانت تعرفه أنها لم تغادر مكانها لحظة واحدة، وأن عينيها ظلتا معلقتين بتلك الفجوة المظلمة التي ابتلعت ياسر أمامها. كانت تتشبث بأمل ضئيل، هش كخيط عنكبوت، لكنها رفضت التخلي عنه مهما بدا مستحيلاً.وفجأة، تعالت صيحات العمال العالية، وتبعته
بدأت المرحلة الثانية من هذه الحرب الصامتة تحت وطأة قرار انتحاري اتخذه ياسر بكامل إرادته وكبريائه الجريح، فبعد مغادرة ليلى العاصفة للموقع في اليوم السابق، لم يعد يرى أمامه سوى هدف واحد: إثبات أنه السيد المطاع في أرض العمل، وأن كلمته لا يمكن أن تكسرها امرأة استعانت بخصمه القديم لتذله، وفي صباح اليوم التالي، اتخذ ياسر خطوته الأكثر جرأة وعناداً، وبدأ في تنفيذ الصب دون رجوع لأحد، متجاهلاً تماماً المخططات المعدلة لليلى، ومضرباً بعرض الحائط كل تقارير السلامة المهنية التي تركها مراد على مكتبه، جمع المعلم صابر والعمال في ساعة مبكرة جداً من الفجر، وقبل قال بصوت قاطع لا يقبل النقاش وعيناه تشعان بنيران التحدي الأعمى "يا رجالة، مفيش تعطيل للصب النهارده، الخرسانة هتنزل في المسار الشرقي فوراً، وأي حد يسألكم من الإدارة قولوا الباشمهندس ياسر هو اللي أمر وهو اللي واقف بيشرف بنفسه" حاول المعلم صابر أن يبدي بعض التردد، ونظر إلى التشققات الخفيفة في التربة الجانبية وقبل قال بنبرة قلقة "بس يا باشمهندس، المدام ليلى والباشمهندس مراد قالوا إن التربة هنا محتاجة تدعيم بالخوازيق الأول قبل الصب عشان متتحر
نظر إليها ياسر طويلًا، ورأى في عينيها مزيجاً غريباً من التحدي والخوف الخفي عليه وعلى اسم عائلتهما، لكن كبرياءه الجريح وصفعة الأمس ومظهر مراد في مكتبها صباحاً منعه من التراجع، وحرك رأسه ببرود مستسلم وقبل قال بنبرة خفيضة وجافة كالرماد "إنتي اللي اخترتي الحرب دي من الأول يا ليلى، وإنتي اللي جبتي مراد هنا عشان يكسرني، ودلوقتي لما الموضوع كبر ووصل للأهل وجاي يخرب كل حاجة، جاية تشتكي؟ أنا مش هراجع قراري، والحفر هيستمر في المكان اللي أنا عاوزه، وخلي مراد بتاعك يوريني هيعمل إيه"التفت ياسر وغادر المكان بخطوات سريعة متجهاً نحو مكتبه، وتبعتْه مروى بابتسامة انتصار خبيثة تركت ليلى واقفة بمفردها وسط الأتربة وصوت الحفارات التي بدأت بالعمل بناءً على أوامر ياسر الصارمة، نظرت ليلى إلى الأرض، وتشجعت بداخلها رغبة قوية في الانسحاب، لكن كبرياءها الأنثوي والمهني كان يمنعها، التفتت لتجد مراد يقف بجانبها ويبتسم بنبرة غريبة وقبل قال "متزعليش يا ليلى، هو اللي بيخسر نفسه وشغله بعناده ده، وإحنا الكسبانين في النهاية" وهنا نظرت إليه ليلى بنفور تام، وتأكدت أن مراد بات عبئاً ثقيلاً على قلبها، وأن معركة إثبات الذا
استيقظت ليلى في الصباح التالي وثقل العالم كله يجثم فوق صدرها، كانت ساعات الليل الماضية عبارة عن كابوس ممتد من الأفكار المتضاربة، وصوت والدها الصارم في الهاتف وهو يعاتب ويجادل والد ياسر لا يزال يرن في أذنيها كجرس إنذار مخيف، نظرت إلى المرآة لتجد وجهها شاحبًا، لكن عينيها كانتا تشعان بذات البريق الحاد الذي يرفض الاستسلام، تحركت في أرجاء الشقة بهدوء مريب، متجنبة تمامًا المرور من أمام غرفة ياسر، حتى لا تلمح طيفه أو تضطر لمواجهة تلك النظرات المكسورة والمحملة بالعتاب والغيرة التي باتت تؤرق مضجعها، غادرت المنزل وحدها قبل موعد العمل بنصف ساعة كاملة، باحثة عن مساحة من الفراغ لتستجمع شتات نفسها قبل أن تبدأ جولة جديدة من الحرب التي طالت الأخضر واليابس في حياتهما الزوجية والمهنية. عندما وصلت إلى موقع المشروع، كانت الأجواء ضبابية، تملأها رائحة الأتربة ومحركات الشاحنات الضخمة التي بدأت بالدوران، توجهت مباشرة إلى مكتبها المؤقت، لكنها لم تكد تضع حقيبتها حتى دخل مراد دون أن يطرق الباب بثبات، وكان يحمل في يده كوبين من القهوة، وارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة تحمل من الود ما يتخطى الزمالة المهنية بكثير
وبدأت مروه تتحدث معه بنبرة هادئة ومسترسلة تخفي وراءها خبثًا شديدًا، سألته في البداية " اي اخبارالمعدات يا بشمهندس، لقيتها بالسعر اللي متوافق مع الميزانيه "وعندما أجاب ب ردوده القصيره ك العاده تثقالت ببطء شديد وتناغم مريب قائلة" انا عديت علي ليلي عشان نقعد مع بعض بس بعد كده مردتش ادخل " وعندما
مرّ الوقت في موقع العمل كأنه نهر هادئ وجد مجراه الصحيح أخيرًا، فبعد أشهر من الشد والجذب، كان الوضع يشبه معزوفة مضبوطة الإيقاع، والتنظيم أصبح أفضل بكثير من السابق، والقرارات أصبحت تُتخذ بسرعة وحسم دون نقاشات بيزنطية، والعمال ينفذون التوجيهات بثقة واضحة لأن الإشارات التي تصلهم لم تعد متضاربة، ولم يع
وقالت بصوت منخفض، مشوب بنبرة بكاء خفي: "انا اسفه يا ياسر، اسفه اني عمري ما حاولت افهمك، ولا الحظ انت جواك اي، اخدت اللي من بره بس وهو كرهك ليا، وكلام ماما اني لازم تبقا احسن كان مخلياني ديما خاصه لرقم واحد ومش لسه وراياؤ انا اسفه " ابتسم ابتسامة خفيفة، ابتسامة غلبتها العذوبة هذه المرة، واراد إلا
كان اليوم مختلفًا… ليس لأن شيئًا كبيرًا قد حدث، بل لأن لا شيء حدث. لأول مرة منذ وصولهما إلى ذلك المكان، لم يخرج أي منهما إلى العمل، لم يكن هناك عمال، ولا أصوات معدات، ولا انشغال يسرق الوقت ويمنعهما من التفكير. فقط البيت… والصمت. كانت ليلى تجلس في غرفة المعيشة، أمامها كوب لم تعد تعرف متى







