Share

124

last update publish date: 2026-10-02 13:48:50

حلّ الليل فوق مملكة فالوريان بهدوء غريب.

كانت أضواء المشاعل المعلّقة على جدران القصر تلمع في الممرات الحجرية الطويلة، بينما امتدت أنوار القناديل من النوافذ العالية نحو الحدائق، فأظهرت الأشجار القديمة وهي تتحرك ببطء مع نسيم الليل.

في الطابق الرئيسي، كان أحد الحراس يقترب من غرفة إليان وأليكس، ثم طرق الباب برفق.

رفعت إليان رأسها عن الكتاب الذي كانت تتصفحه، بينما كان أليكس يقف بالقرب من النافذة ويراقب القصر من الخارج بحذر.

قال الحارس بأدب:

— "أيتها الأميرة… أيها الأمير… الملك يدعوكما إلى العشاء معه الليلة."

نظرت إليان إلى أليكس.

لم تبدُ عليها الدهشة بقدر ما ظهر التوتر في عينيها.

— "العشاء؟"

أومأ الحارس.

— "يريد الملك أن يشكركما بنفسه، كما طلب منكما تناول العشاء معه ومع الأمير أرن."

ظل أليكس صامتًا لثوانٍ، ثم نظر إلى إليان نظرة جانبية.

— "يبدو أن الأمور تزداد تعقيدًا."

رفعت إليان حاجبها.

— "لماذا؟"

— "لأننا دخلنا هذه المملكة منذ يوم واحد تقريبًا، وأنقذتِ أميرها، وغيّرتِ حدثًا تاريخيًا، ثم صرنا مدعوَّين إلى عشاء ملكي."

ابتسمت إليان رغم توترها.

— "حين تقولها بهذه الطريقة… تبدو المسألة كارثية فعلًا."

ضحك أليكس بخفة.

— "تعالي قبل أن يقرروا وضعنا في قاعة الاستجواب بدلًا من قاعة الطعام."

خرج الاثنان من الغرفة، وسارا خلف الحارس عبر الممرات.

كلما اقتربا من قاعة الطعام، بدأت رائحة الطعام تملأ المكان، لكن إليان توقفت للحظة دون أن تشعر.

شعرت بشيء آخر.

رائحة مألوفة.

رائحة لم تكن قوية جدًا بالنسبة إلى الآخرين، لكنها كانت واضحة بالنسبة إلى حواسها.

رفعت رأسها قليلًا.

أرن.

كان قريبًا.

لاحظ أليكس توقفها، فنظر إليها باستغراب.

— "ماذا حدث؟"

هزّت رأسها بسرعة.

— "لا شيء."

لكن قلبها لم يتعامل مع الأمر وكأنه لا شيء.

دخلت القاعة، فرأت الملك جالسًا في رأس الطاولة، وإلى يمينه الأمير أرن، بينما كانت الموائد الطويلة مزينة بالأطباق والفواكه والشموع.

وما إن دخلت إليان وأليكس حتى نهضت أم أرن من مقعدها، وتبعها أبوه وخاله وخالته، بينما وقف أرن أيضًا احترامًا لهما.

ابتسمت أم أرن وقالت:

— "أهلًا بكما، لقد سررنا كثيرًا بقدومكما."

وأضاف أبوه بنبرة ودودة:

— "نحن مدينون لكما بالشكر على ما فعلتماه من أجل ابننا."

أما خاله فقال:

— "لقد سمعنا عن شجاعتكما، وكان من دواعي سرورنا أن نتعرّف إليكما."

ابتسمت خالته وهي تشير إلى المقاعد:

— "تفضّلا بالجلوس. اعتبرا نفسيكما بين أهلكما."

وقف الملك مبتسمًا، ثم أشار إلى المقعدين القريبين من أرن.

— "أتمنى أن تشعرا بالراحة بيننا. اعتبرا نفسيكما ضيفين على عائلتي حتى انتهاء إقامتكما."

انحنى أليكس قليلًا احترامًا.

— "شكرًا لجلالتك، ولعائلتكم الكريمة."

أما إليان فاكتفت بابتسامة هادئة.

جلس أليكس أولًا، ثم جلست إليان إلى جانبه.

لكن عندما جلست، أصبح أرن أقرب إليها مما كانت تتوقع.

رفعت عينيها نحوه للحظة.

كان يرتدي ملابس رسمية داكنة بسيطة، وشعره مرتبًا بعناية، وعيناه الخضراوان الداكنتان تعكسان ضوء الشموع.

قال أرن:

— "هل تشعرين بتحسن؟"

ترددت إليان قبل أن تجيب.

— "نعم."

— "هذا جيد."

كانت كلماته بسيطة، لكنها جعلت إليان تنتبه مرة أخرى إلى رائحته.

اشتد خفقان قلبها قليلًا.

فأخفضت عينيها نحو الطبق أمامها، وكأنها أصبحت فجأة مهتمة جدًا بكيفية ترتيب الطعام فيه.

لاحظ أليكس الأمر، لكنه لم يعلّق.

فقط أخذ كوب الماء أمامه وقال بنبرة هادئة:

— "أهم ما في الأمر ألّا تندلع معركة جديدة قبل أن ننهي العشاء."

ضحك الملك.

حتى أرن ابتسم.

— "أعدك أن الليلة ستكون أكثر هدوءًا من الأمس."

رفعت إليان نظرها إليه وقالت:

— "هذا أفضل."

بدأ العشاء بعدها بهدوء.

تحدث الملك عن المملكة وأحوال القرى، وسأل أليكس عن المكان الذي جاءا منه، فكان أليكس حذرًا في إجاباته، يعطي معلومات عامة من دون الدخول في أي تفاصيل قد تكشف حقيقتهما.

أما إليان فكانت تستمع أكثر مما تتحدث.

وبين حين وآخر، كانت عيناها تذهبان نحو أرن دون قصد.

كانت تراقب طريقة حديثه مع الملك، وكيف كان يسأل عن أحوال الحراس والخدم، وكيف شكر أحدهم على تقديم الطعام له بطريقة جعلت إليان تلاحظ أنه لا يتعامل مع القصر كما لو كان منفصلًا عن الناس.

وفي إحدى اللحظات، سألتها خالة أرن بلطف:

— "هل اعتدتِ أجواء القصر؟"

أجابت إليان:

— "ليس تمامًا، لكنها مريحة أكثر مما توقعت."

ابتسمت خالته.

— "هذا يسعدنا. لا نريد أن تشعري بأنك غريبة بيننا."

ثم سألتها أم أرن:

— "وهل لديكِ عائلة تنتظركما في موطنكما؟"

توقفت يد إليان للحظة، قبل أن تجيب بحذر:

— "لدينا بعض الأقارب، لكننا اعتدنا الاعتماد على بعضنا."

نظر أليكس إليها للحظة، ثم قال:

— "كنا معًا منذ البداية."

لاحظ أرن الإجابة، لكنه لم يضغط أكثر.

— "واضح أنكما تثقان ببعضكما كثيرًا."

ابتسم أليكس.

— "إليان ورّطتني منذ اليوم الأول."

اعترضت إليان فورًا:

— "أنا؟ أنت الذي لحقت بي!"

— "لأنك دخلتِ مكانًا لا ينبغي لكِ دخوله."

— "ولأنك أخي—"

توقفت فجأة.

نظرت إلى أليكس ثم صححت:

— "أقصد… أقرب شخص إليّ."

ابتسم أليكس بانتصار.

— "سمعتم ذلك؟"

ضحك الملك مرة أخرى، بينما تبادلت عائلة أرن نظرات لطيفة، واكتفى أرن بابتسامة قصيرة.

انتهى العشاء بعد وقت، وحين خرجت إليان مع أليكس من القاعة، بقيت خطواتها أبطأ من المعتاد.

كانت تفكر.

بالقصر.

بالقلادة.

بريفانا.

وبأرن.

وحين ابتعدا عن قاعة الطعام، رفعت يدها إلى صدرها للحظة.

كان قلبها ما يزال يخفق أسرع بقليل.

نظر إليها أليكس.

— "ما زلتِ تشمين رائحته؟"

تجمدت إليان.

— "ماذا؟!"

ابتسم أليكس بخبث.

— "لا شيء."

— "أليكس!"

ضحك وهو يتابع السير.

— "لم أقل شيئًا."

— "أنت مستفز فعلًا."

— "وأنت واضحة جدًا عندما تتوترين."

أدارت وجهها إلى الجهة الأخرى وهي تحاول تجاهل الأمر.

لكن المشكلة أن رائحة أرن بقيت في ذاكرتها.

وعندما دخلت إلى غرفتها، كانت لا تزال تشعر بذلك الخفقان الغريب الذي لم تفهمه تمامًا.

دخل أليكس بعدها وأغلق الباب.

— "لنحاول أن نرتاح."

جلست إليان على طرف السرير، ونظرت إلى قلادتها.

كانت ساكنة.

لأول مرة منذ وصولهما إلى فالوريان، لم تكن مضيئة.

لكن ذلك لم يطمئنها.

قالت بهدوء:

— "أليكس… هل تشعر بأن هناك شيئًا خاطئًا؟"

اقترب وجلس على الكرسي المقابل لها.

— "منذ أن وصلنا إلى هنا، وأنا أشعر بأن هناك شيئًا أكبر من مجرد باب زمني."

قبل أن تكمل إليان كلامها، جاء طرق خفيف على الباب.

نظر الاثنان نحوه.

ثم دخلت ريفانا.

كانت تحمل بين ذراعيها كتابًا ضخمًا قديمًا، غلافه بني قاتم، وعليه ختم المملكة نفسه.

أغلقت الباب خلفها.

— "كان ينبغي أن آتي إليكما."

نهضت إليان.

— "ماذا حدث؟"

لم تجب ريفانا مباشرة.

وضعت الكتاب على الطاولة، وفتحت إحدى صفحاته.

قال أليكس:

— "كتاب تاريخ؟"

أومأت.

— "تاريخ فالوريان."

جلست إليان أمام الكتاب.

— "ماذا فيه؟"

بدأت ريفانا تقلب الصفحات ببطء.

كانت هناك رسوم قديمة للمدينة، وصور للملوك، وخرائط للحروب، وسجلات مكتوبة بخط اليد.

ثم توقفت عند صفحة معينة.

وأشارت إلى سطر.

— "هنا."

اقتربت إليان أكثر.

قرأ أليكس الصفحة أيضًا.

كان هناك وصف لحادثة اغتيال الأمير أرن.

نفس الحادثة التي حدثت صباحًا.

رفعت إليان عينيها ببطء.

— "إنها الحادثة نفسها."

قالت ريفانا:

— "نعم."

ثم قلبت الصفحة.

— "لكن هناك مشكلة."

نظرت إليان إليها بتوتر.

— "ما هي؟"

أشارت ريفانا إلى فقرة أخرى.

— "يقول التاريخ القديم إن حادثة الاغتيال لم تكن مجرد حادثة عادية. كانت بداية سلسلة من الأحداث المرتبطة بعضها ببعض."

صمتت قليلًا.

— "وما حدث اليوم… قد تغيّر."

تجمدت إليان.

— "أتعنين… لأنني أخذت السهم بدلًا من أرن؟"

— "نعم."

قال أليكس:

— "هذا ما كنا نعرفه."

— "لا."

رفعت ريفانا عينيها نحوه.

— "أنت لم تفهم قصدي."

مدت يدها إلى صفحة أخرى.

— "لم تتغير حادثة الاغتيال وحدها."

ثم قلبت عدة صفحات بسرعة.

وأشارت إلى سطر آخر.

— "كان من المفترض أن يحدث هذا الأمر بعد أشهر."

صفحة أخرى.

— "وهذا بعده بفترة."

صفحة ثالثة.

— "وهذا بعد سنوات."

بدأت إليان تقرأ التواريخ، وشعرت بأن ملامحها تتغير مع كل سطر.

كانت هناك أحداث مذكورة في السجلات القديمة.

لكن وصفها لم يعد يطابق ما قرأته سابقًا.

قالت بصوت منخفض:

— "ماذا يعني ذلك؟"

وضعت ريفانا إصبعها على الكتاب.

— "يعني أن وجودك هنا بدأ يغيّر التاريخ."

ساد الصمت.

وقف أليكس ببطء.

— "منذ اليوم الأول؟"

— "منذ اليوم الأول."

رفعت ريفانا نظرها نحو إليان.

— "كانت حادثة اغتيال أرن أول علامة واضحة، لكنها ليست الوحيدة."

اقتربت إليان من الكتاب أكثر.

— "ما الأحداث الأخرى؟"

قالت ريفانا:

— "هناك حدث كان من المفترض أن يضعف القصر من الداخل."

قلبت الصفحة.

— "لكنه لم يحدث بعد."

ثم قلبت صفحة أخرى.

— "وهناك اتفاق كان من المفترض أن يُعقد بين فالوريان ومملكة أخرى… لكنه لم يُبرم."

ثم توقفت.

— "وهناك شخص كان من المفترض أن يموت قبل نهاية هذا العام."

رفعت إليان رأسها بسرعة.

— "يموت؟"

أومأت ريفانا.

— "ويقول السجل القديم إن موته كان سببًا مباشرًا في اندلاع أحداث أكبر."

شعرت إليان ببرودة تسري في أطرافها.

— "يعني… يمكنني أن أغيّر كل هذه الأمور؟"

رفعت ريفانا عينيها إليها.

— "ليس الأمر أنك تستطيعين ذلك فحسب."

توقفت لحظة.

— "لقد بدأتِ بالفعل."

لم تعرف إليان ماذا تقول.

نظرت إلى يديها.

تذكرت صباح اليوم.

السهم.

أرن.

الصيحة التي خرجت منها دون تفكير.

كل شيء كان يجب أن يحدث بالطريقة نفسها التي عرفتها من كتب المستقبل.

لكنها تدخلت.

وغيّرت النتيجة.

قال أليكس بجدية:

— "حسنًا، إذا كان كل تصرف منها قادرًا على تغيير التاريخ… فما الذي ينبغي لنا أن نفعله؟"

رفعت ريفانا نظرها إلى الاثنين.

— "هذا هو السؤال الذي كنت أخشاه."

قالت إليان:

— "لماذا؟"

أجابت ريفانا بصوت خافت:

— "لأن فالوريان ليست مملكة عادية."

ثم أغلقت الكتاب نصف إغلاق.

— "لم يكن سقوط هذه المملكة في المستقبل بسبب حدث واحد."

اتسعت عينا إليان.

— "ماذا تقولين؟"

— "هناك سلسلة كاملة من الأحداث قادت إلى سقوطها."

توقفت.

— "وإذا استمرت تغييراتك… فقد لا تسقط فالوريان بالطريقة التي تعرفينها."

ساد الصمت من جديد.

لكن ريفانا أضافت:

— "وقد لا يكون هذا الشيء الوحيد الذي يتغير."

نظرت إليان إلى القلادة.

وفجأة…

أصدرت القلادة ومضة خفيفة.

تغير لون الحجر في وسطها إلى الأحمر للحظة واحدة.

ثم ظهر على الصفحة المفتوحة أمامهم سطر جديد لم يكن موجودًا قبل ثوانٍ.

حدقت إليان فيه.

قال أليكس:

— "ما هذا…؟"

اقتربت ريفانا من الكتاب، وتغيّرت ملامحها عندما قرأت الكلمات.

قالت بصوت يكاد يكون همسًا:

— "هذا… لم يكن موجودًا في السجل."

رفعت إليان رأسها.

— "ماذا كُتب؟"

نظرت ريفانا إليها مباشرة.

— "إن تغيّر الماضي لم يعد مجرد احتمال."

ثم ابتلعت ريقها وقالت:

— "لقد أصبح جزءًا من التاريخ."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عروس القصر لأسود    💞💌💞

    إلى كل من قرأ «عروس القصر الأسود» 🤍 قبل أن أقول أي شيء عن نهاية الرواية، أريد أن أقول شكرًا. شكرًا لكل شخص أعطى هذه الرواية جزءًا من وقته، حتى لو كانت دقائق قليلة. شكرًا لكل من فتح فصلًا، وقرأ سطرًا، أو تابع شخصية، أو انتظر معرفة ماذا سيحدث بعدها. قد لا تكون «عروس القصر الأسود» الرواية المثالية، وربما لم تكن كل أحداثها ممتعة كما كنت أتمنى، وربما كان هناك الكثير من الأشياء التي كان بإمكاني كتابتها بطريقة أفضل. لكن رغم كل ذلك… أنا تعبت فيها. كتبتها، وفكرت بأحداثها، وعشت مع شخصياتها، وفرحت معهم، وحزنت معهم، ووصلت معهم إلى النهاية. ولهذا، يكفيني جدًا أن هناك أشخاصًا قرأوا شيئًا أنا كتبته. يكفيني أن كلماتي وصلت إلى أحدكم، حتى ولو لم تترك الرواية أثرًا كبيرًا. يكفيني أن شخصًا ما قرر أن يعطيها من وقته، لأن وقت الإنسان شيء ثمين، وأنا أقدّر كل دقيقة قضاها أحدكم بين صفحاتها. ولكل شخص قرأها ولم يترك تعليقًا، ولم يضع إعجابًا، ولم يقل شيئًا… شكرًا لك أيضًا. 🤍 وجودك كقارئ لا يحتاج إلى إثبات. مجرد أنك قرأت… يعني أن جزءًا من الوقت الذي كان بإمكانك أن تقضيه في أي مكان آخر، قضيته هنا.

  • عروس القصر لأسود    135

    لم تتغير حياة القصر الأسود بعد ولادة كايل. بل تغيّرت أكثر مما توقع الجميع. لم يعد الصمت الذي كان يملأ الممرات طويلًا كما في السابق، ولم تعد الوجوه تستيقظ على هدوء القصر نفسه. فقد أصبح هناك صوت صغير يركض في كل مكان. وضحكة تتردد في الممرات. وبكاء يتحول بعد دقائق إلى ضحك. وفوق كل ذلك… أصبح هناك طفل واحد استطاع أن يجعل جميع أفراد العائلة ينسون أعمارهم ويعودون أطفالًا معه. كايل. منذ الأيام الأولى، كان واضحًا أن هذا الطفل لن يكون هادئًا. كان يحرّك يديه وقدميه باستمرار، ويحدق بكل شيء من حوله بفضول شديد. وكان أكثر شخص يتعلق به… هو لوسيان. في كل مرة كان لوسيان يحمله، كان كايل يهدأ سريعًا. وكأن صوت جده وحده كان كافيًا ليجعله يشعر بالأمان. وفي إحدى المرات، كان لوسيان جالسًا في القاعة الكبيرة، يحمل كايل بين ذراعيه. كان الطفل قد كبر قليلًا، لكنه ما زال صغيرًا جدًا. نظر إليه لوسيان طويلًا. ثم قال: — "أتعرف من أنا؟" رفع كايل عينيه إليه. ابتسم لوسيان. — "أنا جدك." فتح كايل فمه الصغير وأصدر صوتًا غريبًا. ضحك لوسيان. — "لا، لا تقل شيئًا. فقط استمع." اقترب منه قليلًا. — "أنت ت

  • عروس القصر لأسود    134

    منذ اليوم الذي أخبرت فيه إليان عائلتها بخبر حملها، لم تعد حياتها في فالوريان كما كانت. ولا حياة أي شخص في العائلتين. في البداية، حاولت إليان أن تتعامل مع الأمر بهدوء. كانت تجلس في الحديقة مع أرن، تضع يدها على بطنها، وتراقب السماء وهي تبتسم. لكن الهدوء لم يدم طويلًا. لأن لوسيان… كان قد أعلن بطريقة غير مباشرة أنه لن يبتعد عنها طوال فترة الحمل. وعندما قالت له إليان إن الطبيب في فالوريان يتابع حالتها وأنها بخير، أجابها ببساطة: — "وأنا أتابع الطبيب." رفعت إليان حاجبها. — "أبي." — "ماذا؟" — "لا يمكنك مراقبة الطبيب." قال بجدية: — "يمكنني." ضحكت آريا من الطرف الآخر. — "دعه. منذ عرف أنك حامل وهو لا يعرف كيف يتصرف." التفت لوسيان إليها. — "أنا أعرف تمامًا كيف أتصرف." قال ريفين: — "أنت منذ ثلاثة أيام تسأل أرن كل ساعتين إذا كانت إليان قد تناولت الطعام." قال لوسيان: — "هذا طبيعي." وأضاف كريس: — "وسألني أنا أيضًا." نظر إليه لوسيان. — "لأنك كنت معها." قال كريس: — "كنت ألعب!" — "وهذا سبب إضافي لأتأكد." ضحك الجميع. أما إليان… فكانت تنظر إلى عائلتها وتشعر بدفء لم تعرفه من

  • عروس القصر لأسود    133

    مرت عدة أشهر منذ أن انتقلت إليان إلى فالوريان برفقة أرن. ورغم أن حياتها الجديدة أصبحت أكثر هدوءًا، فإنها لم تسمح للمسافة بأن تبعدها عن عائلتها. كانت تزور القصر الأسود باستمرار. أحيانًا كانت تقضي أيامًا كاملة مع آريا ولوسيان، وأحيانًا كانت تعود إلى فالوريان بعد ساعات قليلة. وفي كل مرة تدخل فيها القصر، كان كريس أول من يركض نحوها. وكان لوسيان، مهما حاول أن يبدو هادئًا، ينتظر عودتها أكثر مما يعترف به. وفي ذلك الصباح… فُتح باب القصر الأسود. دخلت إليان برفقة أرن. لكن هذه المرة كانت مختلفة قليلًا. كانت تحمل حقيبة صغيرة بيدها، بينما كان أرن يسير إلى جانبها بهدوء. رفع ريفين رأسه فور أن رآهما. — "إليان!" ابتسمت. — "مرحبًا، عمي ريفين." اقترب منها بسرعة. — "أين كنتِ؟ لقد تأخرتِ." ضحكت. — "قلت لك إن الطريق من فالوريان ليس قصيرًا." ظهرت نيكس من خلفه. — "دعها تدخل أولًا، أيها الغراب." ثم احتضنت إليان. — "اشتقت إليكِ." — "وأنا أيضًا." جاء كريس بعدها مباشرة. — "إليان!" واحتضنها بحماس. — "هذه المرة بقيتِ أكثر من أسبوعين!" ضحكت. — "كيف عرفت؟" رفع حاجبه. — "أنا أراقب الجميع

  • عروس القصر لأسود    132

    بعد أن انتهت مراسم الزفاف، بقيت القاعة مضاءة بالشموع، بينما كانت أصوات الضحك والتهاني تتردد بين جدران القصر الأسود. وقفت إليان إلى جانب أرن، وما زالت ملامح الفرح واضحة على وجهها، فيما كانت عائلتها تقترب منهما واحدًا تلو الآخر. احتضنتها آريا أولًا. وضعت يديها على كتفي ابنتها، وتأملتها طويلًا، وكأنها تحاول أن تحفظ تفاصيل وجهها في ذاكرتها. ثم ابتسمت، رغم اللمعة الواضحة في عينيها. — "مبارك يا ابنتي." ابتسمت إليان. — "شكرًا يا أمي." اقترب لوسيان بعد ذلك. لم يقل شيئًا في البداية. اكتفى بالنظر إليها. ثم وضع يده فوق رأسها كما كان يفعل منذ أن كانت طفلة. — "لقد كبرتِ." ضحكت إليان وسط دموعها. — "أبي… لقد قلتها كثيرًا." — "وسأكررها أكثر." ثم احتضنها. أغلقت إليان عينيها للحظات. كان حضنه المكان الذي شعرت فيه بالأمان منذ أول يوم في حياتها. اقترب أرن منهما بعد لحظة. فقال لوسيان له بهدوء: — "اعتنِ بها." أجاب أرن دون تردد: — "سأفعل." نظر إليه لوسيان لثوانٍ، ثم أومأ. — "أعرف." رفعت إليان رأسها ونظرت إليهما. للمرة الأولى شعرت أن والدها، رغم حذره الدائم، كان يسلّمها فعلًا إلى شخ

  • عروس القصر لأسود    131

    بقيت القاعة صامتة لوقت طويل بعد اعتراف كاسيان. حتى القصر الأسود نفسه بدا وكأنه توقف عن إصدار أصواته المعتادة. لم يكن أحد يعرف ماذا يقول. كانت آريا تنظر إلى ريفانا وكاسيان، وقد بدت متأثرة بالمشهد الذي رأته أمامها. أما إليان… فكانت لا تزال تنظر إلى القلادة حول عنقها. الهدية التي ظنت طوال هذه السنوات أنها مجرد أثر غامض من الماضي… كانت في الحقيقة هدية أب لابنته. قالت آريا أخيرًا بصوت هادئ: — "كم من الأشياء تغيّرت بسبب الخوف." نظر كاسيان إليها. خفض رأسه قليلًا. — "أعرف." اقتربت آريا منه. — "لكنك عدت الآن." رفع كاسيان عينيه إليها. — "لم أعد أطلب شيئًا." ثم نظر إلى ريفانا. — "كل ما أريده هو أن تكون ابنتي بخير." أمسكت ريفانا يده للحظة. لم تقل شيئًا. لكن تلك الحركة الصغيرة جعلت الجميع يدركون أن السنوات الطويلة من الفقد بدأت أخيرًا تنتهي. أما لوسيان، فكان واقفًا على مسافة قريبة. قال: — "أخطأت كثيرًا." نظر إليه كاسيان. — "نعم." — "وتسببت في سقوط مملكة كاملة." — "نعم." توقف لوسيان قليلًا. ثم قال: — "لكنني أرى أنك تحاول إصلاح ما تستطيع." فوجئ الجميع بنبرته. رفع كاس

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status