LOGINالفصل الواحد والعشرين.
ابتعدت نيكس وهي تمسك بيد آريا، بينما كانت الأخيرة تخفي وجهها بكلتا يديها من شدة الإحراج. "نيكس... أرجوكِ توقفي عن الضحك." لكن نيكس لم تستطع. كلما تذكرت تعابير وجه آريا قبل قليل، انفجرت ضاحكة من جديد. "سامحيني... لكن وجهك كان أحمر أكثر من التفاحة!" تنهدت آريا. "كنت أتمنى لو أن الأرض انشقت وابتلعتني." "وأنا كنت أتمنى لو رأيت وجه السيد أكثر." توقفت آريا فجأة. "هل... هل كان يضحك؟" ابتسمت نيكس بخبث. "ليس تمامًا... لكنه كان قريبًا جدًا من الضحك." فتحت آريا فمها بصدمة. "مستحيل..." وصلتا إلى غرفة آريا، فأغلقت نيكس الباب خلفهما. جلست آريا على السرير وهي تزفر براحة. أما نيكس فجلست بجانبها وهي تبتسم. ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن تنظر آريا إليها بفضول. "نيكس..." "همم؟" "كم عمركِ؟" رمشت نيكس مرة، ثم أجابت بهدوء شديد: "مئتان وثلاثة وسبعون عامًا." "...." ساد الصمت. بقي فم آريا مفتوحًا. حدقت فيها وكأنها لم تسمع الرقم جيدًا. "كم؟!" ضحكت نيكس. "مئتان وثلاثة وسبعون." شهقت آريا. "لكن... لكنك تبدين في الخامسة والعشرين!" هزت نيكس كتفيها. "هذه إحدى مزايا طول العمر." ظلت آريا تحدق بها لثوانٍ. ثم تمتمت: "يا إلهي..." ضحكت نيكس. "لا تنظري إلي هكذا، ستعتادين على الأمر." تنهدت آريا وهي تهز رأسها. "لا أظن." ابتسمت نيكس، ثم مالت برأسها قليلًا. "وأنتِ... هل تشتاقين لوالدك؟" اختفت الابتسامة عن وجه آريا. خفضت نظرها إلى يديها. "كثيرًا." أخذت نفسًا هادئًا. "هذه أول مرة أفترق عنه." تذكرت ابتسامته وهو يحاول إخفاء حزنه يوم ودعها. ابتسمت بحزن. "لا بد أنه قلق عليّ الآن." وضعت نيكس يدها على كتفها بلطف. "سيطمئن عندما يعلم أنك بخير." ابتسمت آريا ابتسامة صغيرة. ثم رفعت رأسها وسألت: "وأنتِ..." "نعم؟" "هل تعرفين عائلة لوسيان؟" ساد الصمت للحظة. ثم ارتسمت على وجه نيكس ابتسامة دافئة. "بل عشت معهم." اتسعت عينا آريا. "حقًا؟" أومأت نيكس. "كنت صغيرة عندما التقيت بعائلته." نظرت إلى النافذة وكأنها تسترجع ذكريات بعيدة. "كان والده قائدًا مهيبًا... ووالدته كانت امرأة هادئة ولطيفة." ابتسمت أكثر. "أما لوسيان..." ضحكت بخفة. "فكان طفلًا غريبًا." رمشت آريا باستغراب. "غريب؟" "كان يحب العزلة أكثر من اللعب." توقفت لحظة ثم أكملت: "بينما كان بقية الأطفال يركضون في الحديقة، كان هو يحمل كتابًا أكبر من حجمه ويجلس وحده." ابتسمت آريا دون أن تشعر. "يشبهه الآن." ضحكت نيكس. "بل كان أكثر هدوءًا." ثم قالت وهي تضحك من جديد: "لكن أكثر موقف لا أنساه أبدًا..." اقتربت آريا بحماس. "ماذا حدث؟" قالت نيكس وهي تحاول كتم ضحكتها: "في أحد الأيام، بحثنا عنه في القصر كله." "ولم نجد له أثرًا." "ظن الجميع أنه خرج." "حتى والده بدأ يقلق." ابتلعت آريا ريقها. "ثم؟" انفجرت نيكس ضاحكة. "في النهاية... وجدناه نائمًا." "لكن ليس على السرير." اتسعت عينا آريا. "أين؟" "في كهف صغير داخل الحديقة الخلفية." "وكان قد تحول إلى... خفاش." لم تستطع آريا منع نفسها من الضحك. "خفاش؟!" أومأت نيكس وهي تمسح دمعة من شدة الضحك. "وكان متعلقًا بالسقف... مقلوبًا رأسًا على عقب." "وحوله عائلة كاملة من الخفافيش نائمة بجانبه، وكأنه واحد منهم." وضعت آريا يدها على فمها وهي تضحك. "لا أصدق!" "والأطرف من ذلك..." تابعت نيكس وهي بالكاد تتمالك نفسها: "أن والده حاول إيقاظه." "ففتح عينًا واحدة فقط، ونظر إليه بانزعاج، ثم أغلقها من جديد... وأكمل نومه!" ضحكت آريا بصوت عالٍ للمرة الأولى منذ وصولها إلى القصر. ومسحت دموع الضحك وهي تقول بين أنفاسها: "إذا أخبرتني هذا الصباح أن سيد القصر الأسود كان ينام مع الخفافيش... لما صدقتك أبدًا!" وفي مكان آخر من القصر... كان لوسيان يمر في الممر المجاور. سمع ضحكة آريا تصل إليه من خلف الباب. فتوقف للحظة. ورغم أنه لم يعرف سبب ضحكتها... إلا أن ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيه، قبل أن يكمل طريقه بهدوء.لم تعرف إليان كم من الوقت مرّ. ثانية؟ دقيقة؟ أم سنوات؟ لم يكن هناك شيء يمكنها أن تستخدمه لقياس الزمن. فجأة… شعرت بالأرض تحتها. فتحت عينيها ببطء. كان أول شيء رأته ضوءًا رماديًا باهتًا، لا يشبه ضوء الشمس ولا ضوء القمر. رفعت رأسها. كانت مستلقية على سطح حجري أملس، تحيط به ضبابات خفيفة تتحرك ببطء وكأنها تتنفس. حاولت أن تتذكر ما حدث. الباب. الضوء. فالوريان. أليكس. توقفت أنفاسها لحظة. "أليكس؟" لم يجبها أحد. رفعت جسدها بسرعة وجلست. نظرت حولها. لا شيء. مكان واسع وغريب، لا جدران واضحة له، ولا سماء حقيقية فوقه. في الأعلى كانت هناك مساحات من الضوء الداكن تتحرك ببطء، مثل سماء ممزقة يظهر خلفها شيء لا يمكن وصفه. وفي الأسفل… كانت الأرض تبدو كأنها من الحجر، لكن عند النظر إليها جيدًا كانت بعض أجزائها شفافة، وتحتها كانت تمر صور غريبة. لقطة لمدينة. ثم غابة. ثم قصر. ثم مكان آخر لم تعرفه. اختفت الصورة. ثم ظهرت أخرى. حدقت إليان فيها. "ما هذا…؟" وفجأة سمعت صوتًا بالقرب منها. "إليان!" استدارت بسرعة. كان أليكس مستلقيًا على الأرض على بعد أمتار قليلة. بدأت إليان بالركض نحوه.
بعد انتهاء الفطور، بدأت القاعة تفرغ شيئًا فشيئًا. عاد ريفين إلى أجنحة القصر، وذهبت نيكس لتبحث عن كريس، بينما بقي لوسيان مع آريا لبعض الوقت يتحدثان بهدوء. أما إليان… فلم تكن لديها أي رغبة في سماع المزيد عن القلادة. ولا عن الغابة. ولا عن الطرقات الثلاث التي سمعتها في الليلة الماضية. كانت بحاجة إلى شيء يجعل رأسها يهدأ. لذلك اتجهت نحو المكتبة. دفعت الباب ببطء، ودخلت. كان المكان هادئًا. الشمس لم تكن قوية بسبب الغيوم، لذلك بقيت الإضاءة داخل المكتبة ناعمة، تسقط على رفوف الكتب القديمة وتُظهر ذرات الغبار الصغيرة التي تتحرك في الهواء. اختارت إليان كتابًا كبيرًا من أحد الرفوف، ثم جلست على المقعد القريب من النافذة. فتحت الكتاب. وبدأت تقرأ. مرّت الدقائق. ثم ساعة. وكان كل شيء هادئًا. حتى إن صوت المطر البعيد جعلها تنسى القلادة للحظات. لكن فجأة… تحرك شيء قرب الباب. رفعت عينيها. كان أليكس. دخل بهدوء، وأغلق الباب خلفه. نظر إليها. "عرفت أنك هنا." رفعت الكتاب قليلًا. "وأنا عرفت أنك ستجدني." اقترب وجلس على المقعد المقابل. "لماذا هربتِ من القاعة؟" "لم أهرب." رفع حاجبه. "حقًا؟
بعد وقت قصير، اجتمع الجميع حول طاولة الفطور الطويلة في القاعة الرئيسية. كانت المائدة ممتلئة بالأطباق المختلفة، بينما راحت رائحة القهوة والخبز الدافئ تنتشر في أرجاء المكان. كان المطر لا يزال يهطل خارج النوافذ العالية، لكن صوت قطراته أصبح أكثر هدوءًا من الليل السابق. جلست كريستين في مكانها المعتاد، وإلى جوارها ريفين ونيكس. وكان كريس يجلس بجانب والدته نيكس، محاولًا الوصول إلى طبق موضوع في الجهة الأخرى من الطاولة. كان لا يزال صغيرًا، فهو ابن نيكس وريفين، وكان أليكس أخاه الأكبر. أما أليكس فكان يجلس بالقرب من إليان. ولم يمضِ وقت طويل حتى ظهرت إليان عند مدخل القاعة. كانت قد بدلت ملابسها وجففت شعرها، وارتدت ثوبًا أسود بسيطًا، بينما بقيت قلادتها حول عنقها. وما إن دخلت حتى رفعت آريا رأسها. "أخيرًا." ابتسمت إليان. "قلت لكِ إنني سأبدّل ملابسي." قالت آريا: "وأنا سعيدة لأنكِ فعلتِ." جلس لوسيان أولًا، ثم اقتربت إليان وجلست بجانبه مباشرة. لاحظ كريس الأمر. نظر إلى أليكس. ثم إلى إليان. ثم قال: "أعتقد أن إليان اختارت مكانها." سمعته إليان. "طبعًا." ضحك كريس. "كنت أعرف." قالت آريا:
انفتح باب غرفة الموسيقى ببطء. دخلت إليان أولًا، وخلفها أليكس. كانت الغرفة مضاءة بمصابيح ذهبية ناعمة، تنعكس أضواؤها على الأرضية الخشبية اللامعة وعلى الآلات الموسيقية المنتشرة في أرجائها. وفي الجهة المقابلة، كانت آريا تجلس أمام البيانو. كان شعرها منسدلًا على كتفيها، وأصابعها تتحرك فوق المفاتيح بهدوء، فتخرج منها نغمات هادئة امتزجت مع صوت المطر في الخارج. لكن ما إن رفعت عينيها ورأت إليان… حتى توقفت أصابعها. توقفت الموسيقى. ساد الصمت. نظرت آريا إلى ابنتها لثانيتين كاملتين. ثم نهضت من مكانها. "إليان!" ابتسمت إليان. "أمي." اقتربت آريا بسرعة، لكنها لم تحتضنها. بل بدأت تنظر إليها من الأعلى إلى الأسفل. شعرها مبلل. فستانها مبلل. أطرافه تقطر ماء. حتى حذاؤها كان يحمل آثار الطين. رفعت آريا يديها إلى رأسها. "ماذا فعلتِ؟!" رمشت إليان. "ماذا؟" "انظري إلى نفسك!" رفعت إليان عينيها إلى ثوبها. ثم قالت ببساطة: "كنت تحت المطر." "أعرف أنكِ كنتِ تحت المطر!" أشارت آريا إلى ملابسها. "لكن لماذا بقيتِ هكذا؟" ضحكت إليان. "لأنني لم أجد وقتًا لتبديل ملابسي." وضعت آريا يدها على جبينها
بدأ القصر الأسود يلوح بين الأشجار، كتلةً داكنة تتخللها ومضات البرق، بينما كانت إليان ولوسيان يقتربان منه تحت المطر المنهمر. كانت الأغصان المبتلة تنحني فوق رأسيهما، وتترك على كتفيهما قطرات باردة تنساب ببطء، فيما راحت الريح تعصف بأطراف ثيابهما. توقفت إليان لحظة عند البوابة، ومسحت قطرات المطر عن جبينها، ثم ألقت نظرة إلى فستانها المبلل الذي التصق بساقيها. تنهدت. "أمي ستقتلني." نظر إليها لوسيان. "لماذا؟" أشارت إلى فستانها. "لأنني عدت وأنا على هذه الحال." نظر لوسيان إلى نفسه، ثم إليها. "أنا أيضًا مبلل." رفعت حاجبها. "أنت لا يهمك الأمر." ابتسم. "هذا صحيح." انفتحت البوابة بصوت معدني عميق، كأن القصر نفسه كان يرحب بعودتهما. دخلا، وتبعتهما رائحة الحجر الرطب والخشب القديم، بينما ظل هدير المطر يتردد خلفهما في أروقة المدخل. وبمجرد أن خطت إليان خطواتها الأولى داخل الردهة، لمحت ريفين واقفًا قرب إحدى النوافذ العالية، يتفحص شيئًا في يده. كان ضوء البرق يتسلل عبر الزجاج الملون، فيرسم على وجهه ظلالًا متقطعة. تغير وجهها فورًا، وظهرت على شفتيها ابتسامة واسعة. "عمي ريفين!" رفع ريفين رأسه، ث
كانت الدنيا تمطر بغزارة. تساقطت قطرات المطر بين أغصان الأشجار الكثيفة، وراحت أوراق الغابة تهتز تحت تأثير الرياح الباردة، بينما غطّى الضباب كل شيء من حوله. كان ضبابًا كثيفًا. يتحرك بسرعة بين الأشجار، ويلتف حول الجذوع، ثم يختفي خلف الأغصان قبل أن يظهر في موضع آخر. وفي وسط ذلك الضباب… كانت هناك فتاة تركض. لم تكن خطواتها عادية. كانت أسرع من أن تراها العين البشرية بوضوح. كان شعرها الأسود الطويل يتطاير خلفها مع كل حركة، بينما كان فستانها الداكن يتحرك بفعل الرياح والمطر. كانت إليان. لكن إليان التي اعتادت العائلة رؤيتها في القصر لم تعد تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تركض خلف والدها في الممرات. لقد بلغت العشرين الآن. وأصبحت قدرتها على استخدام قوتها أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. كانت تتحرك بين الأشجار بخفة، فتتوقف للحظة، ثم تختفي من موضعها لتظهر في موضع آخر. كانت تعرف هذه اللعبة جيدًا. لعبة اعتادت أن تخوضها مع لوسيان منذ أن كانت أصغر سنًا. وكانت تصر في كل مرة على أمر واحد… أنها ستفوز. وهذه المرة أيضًا، كانت قد خططت لكل شيء. ابتسمت وهي تقفز فوق جذع شجرة ساقط، ثم هبطت بخفة على الأرض







